قراءات ودراسات

غاستون باشـــــلار ولوتريامون

بقلم: سعيد بوخليط

 

البحث عن ملامح القوة، العمق، الشدة، الفتك ثم الافتراس… . منطلقات، استند عليها غاستون باشلار، للوقوف عند اللحظة الشعرية التي جسدها بامتياز وبعنف كذلك، الشاعر “لوتريامون” Lautréamont أو “دوكاس إزيدور” في مصنفه : Les chants de maldoror . عثر باشلار هنا، على نموذج لافت قصد وضع ترسيمة معرفية وأنطولوجية لخيال ديناميكي، يختلف عن خيال  نيتشه أو شيلي Shelley، وإن انساب في نفس الأفق. يسعى أساسا، استنبات شروط “حياة حيوانية”، بمعنى جل مظاهر العنف والاقتحام : ((طاقة عدوانية، يظهر معها عمل لوتريامون ، كفينومينولوجيا حقيقية للعدوان))(1). تناول باشلار قصيدة لوتريامون ، الذي صنفه البعض في مقدمة طليعة الشعراء السورياليين نظرا لعجائبيته، بناء على ثلاثة زوايا أساسية.

ـ البعد العدواني للقصيدة اللوتريامونية.

ـ لوتريامون ، باعتباره شاعر عضلات، كإحالة على القوة والصراخ… .

ـ المحددات النفسية لعقدة لوتريامون t.

أكد باشلار في تعريفه للشعر(2) على البعد الزماني المؤسس لحيثياته. حيث، يتحدد الشعري باستمرار كنشأة زمانية جديدة، تقطع أنفاس الزمان الوقائعي. لذا، فالوقوف عند مبدع ملهم مثل لوتريامون L بكل عنفوانه اللحظي، يؤكد بالملموس الحاجة الأنطولوجية إلى صور شعرية تتميز بالفورية والآنية، ترسم على منوالها لحظات مغايرة.

قصيدة لوتريامون ، اشتغال للاندفاع والوثوب الجامح،  بالشكل الذي تصور به باشلار بنية الخيال الديناميكي ـ انسجاما مع طبيعة التصور الباشلاري في تلك الفترة ـ أي ذاك الخيال الذي يحول ويمسخ، بصنعه لأشكال حيوانية. لأن صورة الحيوان، من بين الصور الأولية التي يستحيل  التخلص والهروب من سلطتها أو كما أشار يونغ Jung : ((لا أعتقد أبدا أنه بإمكاننا الانفلات من قدرتها الكلية))(3).

ينفصل لوتريامون  عن المسار الطبيعي للزمان، يقلب كل الثوابت، لأن قصيدته عنيفة بامتياز، تحاول استباق الأشياء وتطويقها. مادامت، علاقة الذات بالعالم وفق هذا المنظور تظل متعارضة كليا يحكمها منطق الصراع والمقاومة : (( لكي تعيش، يجب أن تقبض بالكماشة وليس العكس))(4). كما أن المخلـب يـرمز للإرادة الخالصة : (( كم هي فقيرة وثقيلـة إرادة الحياة le vouloir- vivre  لشوبنهاور أمام إرادة الهجوم مع لوتريامون ! تحافظ في الواقع، إرادة الحياة داخل نظرية شوبنهاور على لا عقلانية فاترة في العمق. تتصلب من خلال كتلتها وكميتها وكذا كليتها ثم كون العالم بأكمله إرادة  للحياة : إن إخفاق أحدهما يمثل أوتوماتيكيا انتصارا للآخر. إرادة الحياة،  واثقة دائما من النجاح. في حين، إرادة الهجوم دراماتيكية ومريبة))(5).

يوظف لوتريامون ، حسب باشلار : ((قصيدة للتهييج، والاندفاع العضلاتي))(6). لذلك، إذا توخينا : ((خلق قصيدة للعنف المطلق، تبتهج بالحريات الكلية  للإرادة. تتحتم قراءة لوتريامون ))(7). عنف، يتحقق مباشرة في الفعل الحيواني، ثم تلتقطه القصيدة الفعالة. سيقترح، باشلار إذن، توظيف أصول التأويل الديناميكي لكي نتمثل جيدا  لوتريامون ، الذي اعتقد بأن وظيفة الخيال الأولى تتجه نحو صنع أشكال حيوانية.

الشعر، زمان للاقتحام والقسوة. إنه : ((مستقيم دائما وموجه. لا يلويه أي تموج أو يكبحه عائـق ما. زمان بسيط، متجانس دائما مع  الاندفاع الأول. يتموضع زمان العدوان، مع الكائن الذي يهاجم وفق خطة وحيدة يؤكد بها عنفه. لا ينتظر  الكائن العدواني، لكي نعطيه الزمان. بل يأخذه ويخلقه))(8).

 

تشتد إرادة الحياة عند لوتريامون ، ويتحدد الفعل القوي كممارسة هجومية : ((يتم تصميم الزمان، كتراكم للحظات حاسمة، دون اهتمام كبير بوقت التنفيذ))(9). الكائن هنا، متوقد للهجوم يعيش في إطار عدوانية وجودية مع الأشياء المحيطة به، مصاب ب “عقدة لوتريامون”، كما اصطلح عليها باشلار، تبلور وتمظهر الجانب العدواني في الذات الإنسانية.

 

تضمنت نصوص لوتريامون : Les chants de maldoror. اسم 185 حيوان وكذا 435 إحالة للحياة الحيوانية. يتميز التراكم الحيواني ـ مقارنة مع شاعر آخر كفكتور هيغو Hugo مثلا ـ بكونه يرمز إلى :  ((غنى وحركية الاندفاعات الذاتية. فالعنف في إرادة البقاء، يغير  الكائنات كما يحدد التحولات))(10). يؤسس الفعل، بإرادة  جديدة منطلقة، حدودا إنسانية أخرى. التحـول أو  المسـخ عند لوتريامون ، وسيلة أنطولوجية تخلق الفعل القوي، ثم يبدو الكائن  حينئذ كحصيلة  لإمكانات حيوانية، أو كحيوان أعلى Suranimal  له كل الحيوانية  تحت تصرفه.

 

تتفاعل قصيدة لوتريامون باستمرار، مع لعبة الأشكال المتوالدة، وسرعة في إنجاز سلسلة من التحولات. المسخ، فوري  ومباشر : ((يتحقق شيئا ما بسرعة أكبر مما نعتقد))(11). يجعل الصورة الشعرية، فعالة وديناميكية، تلتقط لحظة لإرادة الهجوم، كما تحقق هيجانا محولا.

 

يفترض هذا النموذج الشعري، الإبقاء على القيمة الدينامية ثم قياس الفعل الحيوي لمختلف الحيوانات. بالتالي، يصبح الفعل  البيولوجي محددا للديناميكية الشعرية، ومن خلالها العالم النشيط لقصيدة لوتريامون : ((ليس هناك شيء في الذكاء، لم يكن قبل ذلك في العضلات))(12).

 

ليس إذن مجازفة ، أن يطلق باشلار على لوتريامون لقب شاعر “العضلات والصراخ”، وهو يكتشف : ((قوته في الأوقات الأكثر نشاطا، والأفعال الأكثر هجوما. حريته الحقيقية، هي الوعي  بالاختبارات العضلاتية))(13).

 

وحده التخيل المحيون animalisé، يساعد للوصول إلى هذه  اللحظة من التموقع العضلاتي : ((يقتحم الحقيقة ويدعكها ثم يعجنها،  يحولها ويعمل على حيونتها))(14). لأن ((الوعي بامتلاك الجسد، لم  يعد وعيا ملتبسا، راقدا داخل دفء سعيد. بالعكس، يستضيء بشدة من خلال اليقين بتملك الجسد))(15). شيء، يجسده الفعل الحيواني.

 

بناء على كل تلك التحديدات، قسم باشلار الشعراء إلى صنفين : فئة تعيش في زمان عمودي حميمي وباطني، كما هو الشأن مع بودلير. بينما، تتماهى فئة ثانية مع زمان حي، محول، ومتوقد مثل سهم. بالطبع، تشغل نصوص الشاعر لوتريامون ، مساحة بارزة ضمن كتابات ممثلي هذا النوع.

 

يتأتى ببساطة مقياس الجمال الشعري، من دراسة تغير وتحول الصور : (( سندرك بأن المجازات ترتبط طبيعيا  بانمساخات))(16). تصنع أشكالا، يعتبرها باشلار حقائق واقعية، وليست مجرد علامات.

 

مثلت قصيدة لوتريامون ، صحوة فائقة بتعبيرها عن هذا الأفق، بمعايشة ومتابعة سلسلة  الأشكال داخل وحدة التحول. لكن، خاصة أن نعيشها سريعا لأنها مباغتة ومهتزة. يظهر، الخيال الشعري فاعليته الديناميكية، لكي يلتقط صيرورات التغيرات الأبدية. فالقصيدة، مفعمة بقوة عصبية غزيرة، يشكل المسخ في إطارها : ((الوظيفة النوعية للخيال. فالخيال لا يفهم شكلا إلا إذا قام بتحويله))(17). القصيدة، تخلقنا، تعيد صياغة الكائن والأشكال والأفعال.

 

حينما، قارب باشلار منظور لوتريامون الشعري. فقد، استندت منطلقاته النقدية في تلك الفترة، على معطيين أساسيين :

 

* تأثره الكبير بالتحليل النفسي: لذا، شدد على البعد التأويلي للعقدة النفسية والسيرة الذاتية، في أفق فهم شاعرية لوتريامون . يقول باشلار : ((سيستفيد إذن النقد الأدبي بتعميق البسيكولوجيا العقدوية. عندئذ، سينقاد نحو أن يطرح بشكل آخر مسألة التأثيرات وكذا التقليد. بالتالي، عليه تعويض القراءة بالتحويل، من خلال المعنى النفساني للكلمة))(18).

 

تعطي العقدة للعمل الإبداعي وحدة بسيكولوجية، إلا أن باشلار لا يرى ذلك في جانبه المرضي. لكن : (( في إطار مسلك أكثر شعرية))(19).

 

بحث باشلار بين ثنايا التمظهرات العدوانية لشاعرية لوتريامون. أقصد  بذلك، ربطه هذا العنف بعقدة الثقافة أو بالأحرى عقد للثقافة، تفرز مجموعة من الشروط الثقافية والفكرية كما عاشها لوتريامون t المراهق في المدرسة : ((فترة مؤلمة، وذهنيا عصابية. بشكل عام، فإن تحليلا نفسيا أكثر تعقلنا من التحليل النفسي الكلاسيكي، سيتطور إذا تفحص عن قرب أكثر ظروف الثقافة))(20). ثم، ((لنرى بشكل دقيق جدا، كيف أن العنف الدوكاسي Ducassienne  (لوتريامون)، وهو لا يزال حاملا لسمة عقد الثقافة، يركز في صيغة إنسانية ضد الطفل والله))(21).

 

* أما الصبغة الثانية، الأساسية التي ميزت تفكير باشلار، إبان مرحلة قراءاته لقصيدة لوتريامون ، فتحيل بالتأكيد على مفهوم معين  للخيال الديناميكي، يبتغي الحيونة والبحث  عن الأشكال الحيوانية، حيث ((نكتشف، بالفعل في أنفسنا هذا  النزوع لكي نحيون Animaliser أحزاننا، متاعبنا ثم إخفاقاتنا. وأن نقبل بشكل فلسفي جدا تلك الميتات الصغيرة، التي تلمس في الآن ذاته الطموحات والقوة))(22).

 

أسس لوتريامون ، تجربة معينة من الشعر  تقوم على العنف والإرادة وكذا العدوان، ثم تشكيل الزمان على قوة  مرعبة تعيش حدة التحولات والانمساخات عبر تجليات أقصى طاقة  محيونة Animalisante. يقول باشلار: ((لا أرى إلا ثلاثة شعراء، أسسوا في النصف الثاني من القرن 19، مدارس دون أن يدركوا : بودلير، لوتريامون، ثم رامبو. إنهم الأساتذة اللذين اكتشفناهم بشكل  متأخر بعد موتهم))(23).

 

 

هــوامـش :

 

(1) Gaston Bachelard : Lautréamont, librairie José corti 10ème Réimpression 1986, page 9.

 

(2) Gaston Bachelard : L’intuition de l’instant, édition  Gonthier  1932, PP 103/111.

 

(3) C.G Jung : Dialectique du moi et de l’inconscient, Traduit par Roland Cahen, édition Gallimard, 1964, Page 236.

 

(4) Gaston Bachelard : Lautréamont, page 37

 

(5) Ibid, page 34.

 

(6) Ibid, page 14.

 

(7) Ibid, page 15.

 

(8) Ibid, page 9

 

(9) Ibid, page 17

 

(10) Ibid, page 24.

 

(11) Ibid, page 22.

 

(12) Ibid, page 106

 

(13) Ibid, page 107.

 

(14) Ibid, page 109.

 

(15) Ibid, page 106/107.

 

(16) Ibid, page 55.

 

(17) Ibid, page 153.

 

(18) Ibid, page 119.

 

(19) Ibid, page 126.

 

(20) Ibid, page 62.

 

(21) Ibid, page 67.

 

(22) Ibid, page 21.

 

(23) Ibid, page 86.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق