ثقافة السرد

تساؤلات على ضفاف النيل

زهير عبد الرحمن

عليّ أنْ أعود، لقد اتخذتُ قراري، على الأقلّ كيّ أموتَ وأُدفَنَ هناكَ ميتةً تليقُ بالبشر. انظرْ كيفَ تعبثُ الكلابُ الشّاردةُ بينَ القبورِ وتبولَ عليها، التفتَ إليّ صِدّيقْ وهو يقول: تصوّر نفسكَ ترقدُ في هذه المقبرة، وسطَ كلّ هذه القذارات التي تملأُ المكانَ، والروائحُ الكريهة، والعظامُ المتناثرةُ هنا وهناك. وأردفَ قائلاً: أتَذْكرُ زوجتي التي رأيتَهَا البارحة وهي تمشي حافيةَ القدمين، إنها نصف مجنونة، اليسَتْ معذورة لتفقدَ عقلها في هذا البلد؟
كان صِدّيق متزوجاً من سيدة انكليزية، وقد قدِمَتْ معهُ ليعيشا معاً في وطنه، حيثُ يعيش ويعملُ في الجامعة. لقد أثّرتْ صعوباتُ الحياة فيها كثيراً ، لدرجة بدتْ تصرفاتُها تُوحي بأنها فقدتْ بعضَ عقلها. لقد رأيتهُا أكثرَ من مرّة تتشاجرُ معه وتشتُمُه، وهو يردُّ بهدوء وبابتسامة دائمة على وجهه تتسمُ بالسخرية. لقد كان سلوكُها غريباً، فهي ترفضُ العودة إلى بلدها الأصلي وتصرُّ على أن تحيا قدَرَهَا على ضفاف النيل، فيما هو لا يُفوّتُ مناسبة ليحثّها للموافقة على العودة، حتى لو كان في الرمق الاخير، فعلى الأقل ليُدفنَ هناك، حيثُ تستطيعُ روحه القلقة أن ترقدَ بسلام. كان هذا ماردّده أمامي عدّة مرات.
هززتُ رأسي بإيماءة الموافقة على بؤس الحياة، وإن كان داخلي يقول شيئاً آخر (لو كانتْ زوجتُك تمتلكُ الحدّ الأدنى من الحسّ السليم لَمَا ألقتْ بنفسها في هذا الجحيم ).
لقد أعادَ حديثَه هذا إليّ وجعاً روحياً لطالما أرّقني، وقلقاً استبدّ بي منذ الطفولة المبكرة. لقد ارتبط القلقُ عندي بهاجس الخوف، الخوف من الآخر، الآخر القويّ، الذي يشكلُ خطراٌ محتملاً، أو مصدرَ ألَم ذاتَ يوم، وليس بالضرورة أن يكون كائناً، فالأصواتُ القوية مخيفة، الأشياءُ الضخمة كناطحات السحاب كانت أيضاً مخيفة. أما الموت فلم يكنْ يعني لي شيئاً قابلاً للتصور، كنت أظنّه يختصّ بالكبار فقط. حتىّ وفي بعض الحالات التي كنتُ أسمعُ فيها أنّ طفلاً ما قد ماتَ فلمْ يكنْ ذلك يشعرني بالخوف من الموت فما كنتُ أعتبره مصدرَ ألم.
بالنسبة لي، في ذلك الوقت من الطفولة كان الموتُ يعني لي ببساطة مجرّدُ اختفاء، كأي شيء ذهبَ ولم يعدْ، كما كانت والدتي تقصُّ عليّ حكاية َسفر خالَيْها الوحيدين إلى أمريكا اللاتينية ولم يعودا بعد ذلك، كنت أظنّ أن الزمن يمكنُ أن يبتلعَ الانسانَ كالفراغ أو الضباب. ومع الوقت وبتزايد إدراكي للحياة، تحوّل القلق ليصبحَ خوفاً من المجهول، غير المحسوس، أو من الغد القادم، أو من كل مالا أستطيع أن أحيط به أو أفهمه أو أتوقّعه.
وبمرحلة تالية ارتبطَ القلقُ عندي بالرغبة بالكشف عن المجهول، برفع الغطاء عنه وتعريته، أريد أن أرى سوءته تماما، هكذا كنتُ أقولُ في نفسي، سأستخدم أدواتَ الشكّ والتحليل ، آليات التفريغ والتدوير، وإعادة التشكيل بأنماط أخرى بحيثُ تسمحُ لي بحرق المسافة بيننا. كنت قد ازددتُ اقتناعاً بأنه عليّ أن أتخلّص من رهاب الخوف، ويجب أن أواجه، والمواجهة ليست عدوانية، بل استكشافية، ودّية تنطوي على حبّ المعرفة، فـأنا ككائن موجود، من حقّي أن أعرف وأن أدْركْ، ولاقيمة لي خارج عالم المعرفة والادراك.
ثم انتقل الخوفُ شيئاً فشيئاً وتحوّل إلى شكل من قلق الاستحواذ، الاستحواذ على الحقيقة، الخارجة عن إرادتي ككائن محدود. فلم أعد أكتفي بالرغبة بمجادلة الحقيقة لغاية فهمها و إدراكِ كنهها، بل للاحاطة بها لتصبحَ جزءاً من ذاتي المعرفية كما أنا سأكونُ جرءاً من فضائها أيضاً، بهذه الحالة وفقط سوف ينتهي خوفي من المجهول ويستكينُ القلق.
أدركتُ تماماً أنه للوصول إلى هذه الحالة يجب أن أكونَ غيرَ محدودٍ زمنيأ، وبالتالي يجب أن أتحوّلَ وأقتنعَ بأنني كائنٌ لديه فرصة بالأبدية تماماً كما أنّ الحقيقة ذاتُ بعد أزليّ.
كنتُ أدركُ تماماً أنّ كلّ كائن سيموتُ ذاتَ يوم، لكنّ الموتَ لمْ يعدْ يعني لي إطلاقاً بأنّه نهاية، وإنما انتقالٌ إلى فضاء وجوديّ آخر. لم أعُد أتصوّر نفسي مُرتَهَنٌ لهذا الجسد الفان، ونزواته ورغباته وعذاباته بشكل نهائي. أصبحتُ على يقين راسخ بأنّ هذه الحالات تشكلُ قدراً مرتبطاً بهذا الوجود الآنيّ فقط.
كنتُ قد بدأتُ أعيشُ حالةَ سلامٍ داخليّ، متصالحاً مع فكرة عشوائية القَدَر في ترتيب الأحداث، مع تأثير محدود للسلوك الفردي في توجّه احتمالية القدر.
أجبتُ صدّيق: ألا تَعتقدُ معي بأن الروحَ تغادرُ الجسدَ الحاليّ إلى غير رجعة، ولا قيمةَ له بعد الموت كأيّ مواد عضوية تتحلّل وتفنى وأن الموتَ سلامُ للروح فهي تنتقلُ من فضاء إلى فضاء آخر وتتحركُ في سياق الزمن الأزلي فهي لاتنفصل عنه ولا تفنى.
أضَفتُ: إن التعلّق بمفهوم الجسدِ ماهوَ إلا شكلٌ من أشكال الحنين إلى الماضي المرتبط بالمكان، وبمعنى آخر هي الناستالجيا لتلك الذكريات المتعلّقة بالجسد الميت في رحلته تلك، لأن الذكريات لاتموتُ وتبقى محتزنة في ذاكرة الروح؟
لا، لا ، أجابني صِدّيق: لا أعتقد ذلك، كما يقلقني الدودُ الذي سيأكلُ جسدي؟ وإني لأتسائلُ كم عددُها؟ وهل يمكنُ التحكّم بهذا العدد؟ وأين تذهبُ تباعاً؟ وهل هي من فصيلة الدود الذي يتحوّلُ إلى فراشاتٍ أم لا؟ ثُمّ هل ستلتهمني بهدوء أم بشراهة؟
لستُ أدري ، بالنسبةلي لقد حسمتُ الموضوع، سوفَ لنْ أُعطي الدودَ هذه الفرصة، هكذا أجبتُه.
ماذا تقول؟ هل سَتوصي بحرق جسدِك؟ هذا لايجوز. أجابني صِدّيق.
من قالَ لايجوز؟ سألتُه.
أجابني. ألا تعلمُ بأنّ الله أرسلَ طائراً ليُعلّم قابيلَ كيف يُواري سَوءة أخيه بعدمَا قتلَه، وهذا دليلُ على أن الانسانَ يجبُ أن يُدفنَ.
ذاكَ كانَ هابيل، وهو نبيّ الله، وأرادَ الله تكريمهُ لأن أمرَهُ يهمُّه، وبالتالي ليسَ دليلاً قطعياً يخصُّ جميعَ البشر. أما نحنُ فمن يهتمُّ لأمرنا، لنا قدَرَنا الذي نرسمُه بأيدينا والدليلُ على ذلك تفاوتُ تقاليدَ الدفنِ بين مختلف شعوب الأرض، فمثلاً كم هو عددُ البشر الذين ماتوا حرقاً ولم يحظَوا بفرصة دفن مناسبة، وكذلك كمْ من البشر قضَوا طعاماً لأسماك البحر؟ بينما تذْكُر أيضاً كيف خصّ الله النبي يونس وأخرجَه من بطن الحوت، كذلك أنقذَ إبراهيمَ من النار التي القاهُ قومُه بها، وهذا تأكيدٌ على أن مايخصّ الأنبياءَ ليسَ ملزماً للبشر.
ولكنْ ألا ترىَ ياصديقي أنّه من الأجدىَ في هذه الحالة التفكيرُ بالتبرّع بالأعضاء، فربّما يتمّ إنقاذُ حياة شخص ما ببعض ِ أعضاءِ جسدكَ بدلاً من حرقها؟ أجابني صِدّيق.
لا. لا. لا أستطيعُ ذلك فأنا لا أؤمن بذلك. لديّ فلسفتي الخاصة في الحياة، ولا أستطيعُ أنْ أحيدَ عنها. ماالذي تعنيه؟ سألني.
أنا أؤمنُ بأنّ لكل إنسان قدرٌ خاص كُتبَ عليه أن يَحياهُ، وهذا القدر جزءٌ منه إراديّ شخصيّ يتعلّقُ بسلوكه الحياتي، وجزء آخر خارجٌ عن إرادته ومجموعُهُما يُشكّلُ قدرَهُ الكلّي، والموتُ هو جزء من القدر الحتمي للانسان، الّذي يعبّر عن ضرورة نهاية هذا المشوار من رحلة الروح، ولا يجوز التدخّل فيه.
فردّ قائلاً: ولكنْ أليسَ من الطبيعي أن يتداوى الانسان عندَ المرض؟
أجبتُه: صحيح، من حقّه أن يتداوى لكنْ لا أن يغيّر قدره؟ الموتُ ليس مرضاً! الموت ضرورة و قدر، نهاية رحلة و انتقال إلى مسار آخر. تصور أن شخصاً ما أخذ قلبي وعاشَ به ردحاً من الزمن ثُمّ عند نهايةِ هَذا الشخص أبضاً تبرّعَ بالقلب لشخص ٍ آخرَ وهلمّ جراً…. مالذي سيحدثُ في العالم
أجابني: على كل حال، أنا مؤمنٌ بعدالة السماء، وبأنّ الظلمَ في الأرض له نهاية وأنّ الله سيعطيني الفرصة لأتخلصَ من القهر الذي نعيشُه هنا، حيث ينتشرُ الجهلُ والفقر والمرض.
قلت له: أظنّ أن مشكلاتنا اليومية هذه مرتبطة بسلوك البشر ولا علاقَةَ للسماء بها. أنا أؤمنُ بالقدر أيضاً ولكن أيضاُ أؤمن بعشوائية الحياة، فهي بتقديري تخضعُ لقانون الصدفة والاحتمال، وليس بالضّرورة أن يكون للعدالة موطئ قدم ٍ على هذه الأرض؟ فأنا أشعرُ باليأس والاحباط من المعاناة التي نحياها في مناخ غياب العدالةِ وتكافؤ الفرص!. أجابني صدّيق: ولكنْ لايجوزُ أن نقنطَ من رحمة الله، فأنا مازلتُ أعتقدُ بأنّ العدالةَ ستتحقّقُ ذاتَ يوم على الأرض.
أنا لستُ قانطاً من رحمة الله ولكني قانطٌ من تحقيق العدالة على وجه الأرض، فالحياة على وجه الارض عملية عشوائية، وليس بالضرورة أن يتم تحقيق العدالة اطلاقاً ذاتَ يوم؟ أجبتُه.
ثم أضفْتُ: وإلاّ كيف تفسّر لي منطقَ العدالة وأنتَ ترَى ملايينَ الناس تُعاني و تموتُ هنا من الفقر والجوع والمرض، وبنفس الوقت أنتَ تعلمُ أن هناك كلاباً أليفة تعيشُ في منازلَ في اوروبا برخاء لايحلمُ به الكثيرُ من البشر. أنت تعلمُ الآية التي تقول أنّ الله كرّمَ الانسانَ وفضّله على سائر المخلوقات، أينَ هو التفضيل؟ هلْ هناك سِوى أنّه أنعمَ علينا بنعمة العقل؟ كيف سيستفيدُ من هذه النعمة الآف الاطفال الاميّون المحرومون من المعرفة ومن الغذاء ومن أدنى مقوّمات الحياة الآدمية. إن التكريم حاصلٌ للنوع ككل وليسَ على مستوى الفرد لذلك يمكنُ لآلاف الكلاب والقطط والحيوانات أن تحيا حياة أسمى بكثير من حياة ملايين البشر. وبما أن فرصةَ الحياةِ لاتتكرّر على نفس المنوال فالعدالةُ لن تتحققَ بالضرورة. وأرى أن شقاءَ الانسانِ قدر حتمي عشوائي. وثمّةَ هناكَ تساؤلٌ آخرَ أكثرَ قلقاً حولَ العدالة، يطيح بالفكرة كلها من جوهرها.
سألني صدّيق: وماهو؟
أجبته: أظنّ أنّ العدالة مفهومٌ إنساني محدودٌ زمنياً وليستْ مفهوماً كونياً أزلياً، لأنّه لو كانت العدالة مفهوماً مطلقاً لوجَبَتْ كاستحقاق لكلّ الكائنات في الطبيعة، وهذا لايتّفقُ مع الملاحظ ايضاً. فماهي ميّزة هذه الحيوانات في أوروبا لتنعمَ بالحياة التي يغبطُها عليها البشر ، وبنفس الوقت أيضاً، تُعاني الحيوانات التي قُدّر لها أن تعيشَ في يلدان الفقر . وليس لجميع هذه الكائنات أي مسؤولية تجاهَ قدرها، ونحنُ نعلمُ أنّها تمتلكُ مشاعرَ وأحاسيسَ، لاتقّل عندَ بعضها عن مستواها لدى البشر؟.
ربّاه .. اغفرْ لي ولصديقي ضعْفَ نفوسنا وسيطرةِ الوساوسِ علينا! نطَقَ صِدّيق بصوتٍ مسموع.
التفتُ إليه قائلاً: أيّ وساوسَ هذه، التي تتكلمُ عنها، هذه تساؤلاتٌ وجودية مشروعة، كيف سنؤمِنُ إنْ لم ندركْ كَنهَ الحياة و معنى الوجود. هل يُعقلُ أن تكونَ رحلةَ الانسان مقتصرةٌ على هذه الفترة الزمنية المحدودة، إن مدّة حياة الانسان لاتضاهي أكثر من نقطة ماء في محيط الأبد، هل يعقلُ أن يُوجد المحيط من أجل نقطة؟ أم من أجل ملايين النقط؟
كانتْ الحافلةُ قد دخلتْ حرَمَ الجامعة. افترقنا قائلين: للحديثِ بقية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق