ثقافة السرد

الرائحة

أنيسة عبود*

كانت تراقب المشهد وهي تشرب الشاي البارد .. وكان ابنها يرتب حقيبة السفر .
ادعت أن الأمر عادي جدا” ..الولد كبر ..الولد يريد أن يسافر ويتابع طريق المستقبل المجهول .حاولت أن توضح له أن الغربة ( بنت كلب ) وأن الغريب مجرد رقم لا أكثر خارج وطنه وأسرته ..لكنه ابتسم هازئا” من هذه الأفكار التقليدية التي حفظتها من والديها القديمين كشجرة بلوط لا أحد يعرف من زرعها وتابع ترتيب حقيبة السفر وهو يسترق النظر إلى زوايا المنزل ……………………..
في الحقيبة ثياب قليلة وحذاء رياضي لا أكثر ..قالت له خذ ثيابك المفضلة معك .
هزّ رأسه وقال ( ثياب شو ؟ ) أتعتبرين هذه الثياب الوطنية ثيابا” ؟؟
غدا” اشتري غيرها وكلها ماركات ..غدأ أشتري الأحذية الجلدية الرسمية وليس أحذية البلد البلاستيكية . غدا” ..
قامت وقالت ( ماشي الحال ..يمكن كلامك صحيح )
تقطع صوتها إلى أحرف خافتة وهي تنظر بإشفاق لأنه لا يعرف معنى الغربة ..ولم يقع في التجربة بعد ..يظن أن الأبواب كلها ستفتح له ..وأن عالم الغربة عالم نقي لا غش فيه ولا احتيال ..عالم يشبه الأساطير التي قرأها في الحكايات الساحرة ..ولكنها موقنة بأنه سيغير رأيه بمجرد أن تخطو قدمه خارج مدرج الطائرة وينخرط مع وجوه غريبة ولغة غامضة وجغرافيا لا تشبه جغرافيا بلدته الصغيرة الضيقة على أسرارها , المتفتحة في غابة التقاليد والعادات الضاغطة حينا” والجميلة أحيانا” .
همست الأم ( ما رأيك أن تأخذ معك زجاجة ماء وسندويشة لبنة ؟ )
ضحك الولد بصوت عال ..وقال باستنكار وهو يطوي قميصه الأزرق ( لبنة ؟؟ سآكل همبرغر يا مموم ..مش لبنة )
تنهدت الأم وهي تنهض بتثاقل وحزن .همست لنفسها ( كم هو غّرير وطيب ..)
تمنت أن يلاقي أحلامه في الطريق ..دعت إلى الله أن يكون حلمه صحيحا” حتى لو أكل البيتزا .المهم أن يجد الهدوء والاستقرار .مع ذلك غافلته ودست له صورته بين الثياب وهو طفل صغير مع أخته .ثم عاجلته بقطفة من حبق الشرفة عله يشم ّ رائحة البلد .
أحزنتها – عبارة رائحة البلد ..فالبلد له رائحة البارود والأجساد المحترقة ورائحة الجوع والهجرة والسواطير العفنة . نظرت الأم إلى البعيد عبر نافذة تطل على شجرة زيزفون وهي تمسح دمعتها _ هذه الرائحة هي التي ستبعد ولدي وهي التي ستعيده لها ذات يوم .
انتبه الشاب إلى أمه وقد صرّت جسدها بالصمت كأنما الكلام يثير عاصفة برد شديد ..ارتجف قلبه من مرأى دموعها ..اقترب منها وراح يقبل يديها بحنو ويغمغم ( سامحيني ماما ..الوقت قصير وأنا أخذت قراري بالرحيل )
همهمت وهي تمسح وجهها وتردد ..نعم الوقت قصير يا بني .الوقت هو الذي مزقنا وحولنا إلى أسماء متنافرة .مع ذلك دمر البلد في هذا الوقت القصير , وما كان ناصعا” بالبياض صار رماديا” أو أسود بالكامل .الألوان تغيرت .والاتجاهات تغيرت .وصوت الناس تغير ..صار لكل طبقة اجتماعية صوت جديد ولون جديد ..هذه الألوان ستضيع الطريق الذي يوصلنا إلى البلد ..تعب البلد من انتظارنا ونحن ما زلنا نوضّب حقائبنا التي سنحزم الوطن بها .
تلعثمت الأم وقالت وهي تشعر بطنين الفراق في أذنيها : لكن الوطن لا يريد الرحيل معكم ..يريدكم أن تبقوا ليبقى معكم ..قرون طويلة والوطن يسافر باحثا” عن نفسه ..الآن يريد أن يبقى ..ويريدكم أن تبقوا ؟ثم أمسكت بصورة لوالده وقالت وهي تنظر إليها ( أتعرف ماذا يعني الوطن ؟ )
قال الشاب ( بلا رومانسية ماما .. ألله يخليك ..لا أحب كثيرا” التأويل , كأن الوطن يعرف أن يحكي )
هزت رأسها ونهضت واقفة ..نعم الوطن يحكي ..يتوجع ..يبكي .الوطن روح ..هو يتقمصنا ويفكر بأفكارنا وأرواحنا ..الوطن ليس خريطة ..الوطن أنا ووالدك وأنت والجيران والخبز المشروح المغمس بزيت الزيتون المزروع في حقولنا ولفتة صبية في الشارع باحثة بعينيها عنك مع دمعة تخبئها عن العيون .الوطن يا بني ..لم تكمل الأم عبارتها لأنها غصت بحروف لا قيمة لأن تهدرها بعد الآن ..الحقيبة جاهزة .وصفير الوقت ينطلق فلا جدوى من الكلام .
حتى نوح لم يستطع أن يقنع ابنه فأين هي من نوح ..؟
كانت تود أن تدس في حقيبته كنزته الصوفية التي حاكتها بصنارتها ..لكنه كان متأهبا” لرفض كل شيء . راحت تراقبه بهدوء مصطنع ..فهو لن يرى قلبها الآن كيف يمشي بين حقيبته وعينيه ..ولن يسمع أبدأ الحفر البعيد في ذاكرتها ..لكنها بعد صمت عميق اتجهت إلى المطبخ لتحضر إفطار الصباح .قد يكون إفطارا للذكرى بامتياز .
رشفت الشاي بالنعنع والحامض . وهي تتفرج على ابنها وتقرأ في ملامحه صورة وطن معذب جريح يهرب من وجعه إلى وجع جديد .كانت ملامحه ملامح الوطن بحيرته وارتباكه ..لم يلتفت إلى الوراء حين ودعها وهي لم تقف بالباب كعادتها ..أغلقت الباب بسرعة حتى يفصل بين زمنين وتاريخين وصورتين قاسيتين .
……………………..
في أول اتصال للولد مع أمه قال ..سعيد بأني أراك وأسمعك – ماما – لكن للأسف لا أقدر أن أشم رائحتك ..ليت النت يوصل لنا رائحة الذين نحبهم .
تابع والمسافات بينهما تمتد ( تريدين شيئا” من هنا ؟ )
كانت تريد أن تقول ( أحتاج أن أشمّ رائحتك فقط )
لكنها أغلقت الخط بسرعة .
………………………………………………
الأثنين – 9- تموز 2018 الثورة

*روائية سورية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق