حوارات المجلة

الدكتور الأديب الناقد الفلسطيني محمد أيوب للمجلة الثقافية الجزائرية:

نحن نعيش مأساة حقيقية بسبب النفاق الأدبي والسياسي في مجتمعنا

أديب وناقد فلسطيني يتميز بالجدية، والنظرة الثاقبة في دراساته النقدية، يعتبر المجاملة المجانية نفاقا لا يجب التسامح معه، ويقدس الكلمة النابعة من القلب، بوعي إنساني لا ينتهي بانتهاء الزمان أو المكان، يظل حاضرا إلى الأبد.. من قرأ للدكتور محمد أيوب لا بد أنه أعجب بقدرته الكبيرة على استحضار الماضي داخل صيرورة الحاضر، بحيث تظل الأرض هي الأرض، ويظل الجرح الفلسطيني غائرا فيها، داخل تقاطعات زمنية يسميها البعض”نكسة” ويسميها هو هزيمة رهيبة شارك الجميع فيها من المحيط إلى الخليج.. في هذا الحوار، يفتح الدكتور محمد أيوب قلبه للمجلة الثقافية الجزائرية، يتكلم عن نفسه وعن الكتابة وعن النص الأدبي الراهن، وعن النقد، وعن الواقع بكل تناقضاته..

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من الدكتور محمد أيوب أن يتحدث نفسه، فماذا سيقول؟

الدكتور محمد أيوب: أود أن أوجه لكم تحية معطرة بأريج برتقال فلسطين اليافاوي “اليافي نسبة إلى مدينة يافا عروس البحر المتوسط ومسقط رأسي وحلم حياتي”، قبل أن أتحدث عن نفسي، لأنني لا أحب الحديث عن النفس، ومع ذلك فإنني لا أستطيع إلا أن ألبي طلب أخ عزيز. محمد أيوب إنسان رومانسي يحلم بعالم مثالي تختفي منه الصراعات وتندثر الأحقاد؛ ليعيش الناس في تواصل وتآلف، فالحلم بمستقبل أفضل للأمة العربية يشكل هاجسا يلح علي في يقظتي ونومي، ومع ذلك فإنني أميل إلى الواقعية وإلى الالتصاق بالواقع ضمن إطار محاولة مستمرة لتغيير هذا الواقع نحو الأفضل. ولدت في مدينة يافا أثناء الغارات الألمانية على فلسطين سنة 1941م، وعشت فترة من أجمل أيام حياتي حتى أواخر سنة 1947م، حين صدر قرار تقسيم فلسطين الذي اندلعت في أعقاب صدوره اشتباكات دامية بين أهالي مدينة يافا وقوات الهاجاناه وشتيرن والأرغون التي تكون منها ما يسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي فيما بعد، وقامت هذه القوات بقتل الشباب وإحراق المباني فاضطررنا إلى مغادرة المدينة إلى مدينة غزة، وتحولت حياتنا إلى جحيم دائم من القصف المدفعي وغارت الطيران، ومن غزة رحلنا تحت القصف إلى دير البلح، ومنها إلى خان يونس التي ما زلت أحيا فيها حتى الآن، وفيها شاهدت لحم الضحايا يلتصق على جدران قلعة خان يونس، وجمعنا جسد ابنة عمتي بعد أن تحول إلى أشلاء، كما حضرت مجزرة خان يونس سنة 1956م، حيث تم قتل أكثر من ثمانمائة شاب أعزل في داخل بيوتهم في يوم واحد. أحببت عبد الناصر وتعلقت به، كان أملي وأمل العرب، الذي أنعش في الرغبة في حياة كريمة وفي تحقيق وحدة عربية لأمة تصون ولا تهدد، تحمي ولا تبدد، أمة تعيد للتاريخ وجهه الحقيقي والإنساني، إلى أن وقع الانفصال بين سوريا ومصر، بعد الوحدة التي تحققت سنة 1958م، وجاءت هزيمة حزيران سنة 1967م بعد الانفصال ليتبدد ذلك الحلم الجميل ونعيش زمنا من المهانة التي سببها ذلك الجرح الغائر في أعماق النفس، فقد كنت أتوقع أن نحرر فلسطين من النهر إلى البحر،  انخرطت في حركة القوميين العرب سنة 1960م، وبعد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مصر وغزة، أشرفت على المقاومة الشعبية والدفاع المدني، ثم عملت بعد الحرب في طلائع المقاومة الشعبية، الذراع العسكري لحركة القوميين العرب، والذي تحول في شهر ديسمبر 1967م إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى أن اعتقلت في يوم 25 يناير 1968م بتهمة الانتماء إلى منظمة عسكرية، وفصلت من عملي بعد يومين في 27 يناير، ونقلت من سجن غزة المركزي إلى سجن صرفند العسكري، لأعود إلى سجن غزة بعد حوالي خمسة أيام من التحقيق والتعذيب، وفي السجن تولدت لدي قناعة تامة بأن علينا أن نبني أنفسنا فكريا وسياسيا وان للكلمة والقلم دورا مهما في بناء الإنسان العربي الفلسطيني، فامتشقت القلم لأدافع عن قضايا الناس، واعتقلت بسبب كتاباتي سنة 1979م وخرجت بعد التوقيف لمدة 45 يوما بانزلاق غضروفي منعني من الحركة مدة أربعة أشهر، لأدخل السجن في بداية سنة 1980 بسبب رغبة اللاجئين من أهالي مدينة يافا في أكون مختارا “عمدة” لهم، وتم ترحيلي إلى سجن الخليل في الضفة الغربية ووجهت لي تهمة الإعداد للقيام بعمليات مسلحة داخل إسرائيل لصالح الجبهة الشعبية  لتحرير فلسطين، ولكني نفيت التهمة، وفي انتفاضة سنة 1987م شاركت في المقاومة السلمية فاعتقلت وتم ترحيلي إلى سجن أنصار 2 في النقب، وكنت قد كتبت أربعة فصول من رواية الكف تناطح المخرز، وأكملت الرواية بعد خروجي من السجن ونشرتها سنة 1990م، وكنت قد أصدرت قبل ذلك أول مجموعة قصصية لي بعنوان الوحش سنة 1978م، وصور وحكايات سنة 1989م. كتبت مقالات عديدة في السياسة والأدب والنقد الأدبي والاجتماعي في زمن الاحتلال وفيما بعد توقيع اتفاق أوسلو. حصلت أثناء عملي معلما في المدارس الحكومية على الدبلوم المتوسط، وبعد أن فصلت وعملت في الوكالة، حصلت على البكالوريوس في اللغة العربية بامتياز، ثم على دبلوم التربية العالي، والماجستير في الأدب والنقد من جامعة النجاح، والدكتوراه في الأدب والنقد الحديث من جامعة عين شمس، ونشرت رسالة الماجستير وعنوانها “الشخصية في الرواية الفلسطينية المعاصرة”، ورسالة الدكتوراه وعنوانها ” الزمن والسرد القصصي في الرواية الفلسطينية المعاصرة”، وكلي أمل أن يمد الله في عمري حتى أنجز كتابة السيرة الذاتية التي أنجزت منها حوالي ثلاثمائة صفحة، ولم أضعها في موقعي حتى الآن.

المجلة الثقافية الجزائرية: تشتغل في النقد، وتكتب القصة والرواية، أين يلتقي الناقد مع الكاتب انطلاقا من تجربتك؟

الدكتور محمد أيوب: لا شك أن هناك تقاطعا واضحا بين الناقد والمبدع، لأن المبدع حين يتسلح بالدراسات النقدية يصقل أدواته الإبداعية، ويتحول إلى قارئ ناقد لأعماله، مع أن معظم أعمالي ولدت ولادة طبيعية دون أن أعمل فيها مبضع النقد، لأنني أميل إلى العفوية، ولأنني أعتقد أن اللجوء إلى التخطيط الهندسي للعمل الأدبي يفسده، فالحياة شلال متدفق وجميل، لا يميل إلى الرتابة، بل يعطي نغماته الساحرة التي تتساوق مع الطبيعة الخلابة بعفوية محببة، وأنا أميل إلى أن يتدفق العمل الأدبي على سجيته، لأترك بعد ذلك للقارئ العادي وللقارئ الناقد الحكم على العمل كل حسب وجهة نظره.

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة من يقول إن الناقد صانع علامة، والكاتب صانع نص، أين يتصادم الناقد مع النص في نظرك ليصنع قراءة مبنية على المنطق، بعيدا عن ذاتية الكاتب؟

الدكتور محمد أيوب: من المفترض يا صديقي أن يفصل الناقد بين العمل الأدبي أو النص وبين كاتب النص، كاتب النص يتعامل مع الحياة بزخمها وعنفوانها، بينما يتعامل الناقد مع اللغة ويستخدم مبضعه في تشريح النص الأدبي لاستخراج ما هو كامن بين السطور، أما أن يتطرق الناقد إلى شخصية الكاتب وأن يرد العمل الأدبي إلى تجربة خاضها الكاتب، فإن في ذلك تجنيا واضحا ما لم يستند الناقد إلى دليل مادي يثبت أن الكاتب إنما يكتب نفسه أو عن تجربته. ولا يمكن لأي كاتب أن ينفصل انفصالا تاما عن حياته الخاصة، فقد يدخل بعضا أو جزءاً من تجربته الشخصية في عمله الأدبي باعتباره كائنا فاعلا في الحياة الإنسانية،علينا أن نتعامل مع النص باعتباره صورة لحياة قد يشكل الكاتب جزئية صغيرة منها أو قطرة في نهرها المتدفق.

المجلة الثقافية الجزائرية: ربما ما يلفت الانتباه أن القراءات النقدية صارت “صحوبية” أكثر من قراءة جادة تعتمد على مدرسة النقد غير القابل للمحاباة.. ما رأيك؟

الدكتور محمد أيوب: هناك نقد لا يمت إلى النقد بصله لأنه يفتقر إلى أدوات نقدية حقيقية ويتأثر بالعلاقات الشخصية، هذا يعلى من شأن النص الأدبي إذا كان الناقد صديقا للكاتب، ويحط من شأن النص ولو كان جيدا لأن هناك خلافا بين الكاتب والناقد، وقد كثر أمثال هؤلاء في الآونة الأخيرة، فقد طلب أحد أصدقائي مني أن أكتب نقدا لرواية تعج بالأخطاء اللغوية والنحوية والألفاظ غير المهذبة، إضافة إلى أن النص الموازي يثير إشكالية للنص، وبعد أن قرأت العمل رفضت أن أكتب نقدا يغضب الكاتب وهو صديق لي، ولا أستطيع أن أجامله ضد قناعاتي، وقد فوجئت أن صديقا أكاديميا في إحدى الجامعات بغزة قد كتب مقدمة تفيض بالمديح والثناء لعمل أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه غير صالح للنشر، وقد وجهت لوما للمؤسسة التي نشرت العمل على نفقتها، وقد كتبت مسئولة الجمعية التي لا علاقة لها بالأدب مقدمة قبل أستاذ النقد الذي قدم للرواية، نحن نعيش مأساة حقيقية بسبب النفاق الأدبي والسياسي في مجتمعنا، مما أفسد نفوسنا، وقد بدأ الفساد يتسرب إلى أطفالنا، وكأننا نعيش في مجتمع على طريق الانهيار الكامل.

المجلة الثقافية الجزائرية: ألم تصنع هذه “الصحوبية” حالة من الفوضى الأدبية، بحيث اختلط الحابل بالنابل؟

الدكتور محمد أيوب: حقا، لقد اختلط الحابل بالنابل، ودخل إلى ميدان الأدب والنقد بفروعه المختلفة متطفلون ومتسلقون كثيرون، مما حدا بكتاب كثيرين إلى الانكفاء على النفس في زمن غثاء السيل، نحن نعيش في زمن لا نحسد عليه، زمن يتصدر فيه المتسلقون والجهلة المجالس الأدبية ويدلون بآرائهم ولا يحتملون أن يخالف أي إنسان رأيهم، وقد أصبحت اللغة العربية غريبة، فلا تكاد تسمع جملة تخلو من خطأ لغوي.

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يقودني إلى سؤالك كيف تقرأ كأديب وناقد، الواقع الأدبي العربي الراهن؟

الدكتور محمد أيوب: الخير في وفي أمتي إلى يوم الدين، كما قال نبينا الكريم، فعلى الرغم من كثرة المتطفلين على الشعر والقصة والرواية والخاطرة فإن هناك بصيص أمل في آخر النفق، هناك كتاب جيدون، وهناك أعمال جيدة على الرغم من أن زمن العمالقة من رواد النهضة الأدبية الحديثة قد انحسر، لكنني أعتقد أن على النقاد أن يتابعوا الأعمال الجيدة في كل أقطار الوطن العربي، وهذا الأمر يحتاج إلى جهد جماعي وإلى رعاية الدولة ووزارات الثقافة بعيدا عن معايير الولاء التي تستند إليها الأحزاب والأنظمة، نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة لكافة قضايانا وسلوكياتنا، إن كنا نريد بناء وطن عزيز وإنسان متطور، علينا أن ننتج فلسفتنا التربوية الخاصة بنا والتي تحدد ماهية الإنسان العربي الذي نريد بناءه.

المجلة الثقافية الجزائرية: هنالك سؤال مهم يخص الموقف الذي يفترض أن يلعبه المثقف إزاء المتغيرات الراهنة، كيف تفسر “غياب” المثقف تنظيميا عن الحراك الشعبي الذي يحدث في العالم العربي؟

الدكتور محمد أيوب: المثقفون أخي العزيز ينقسمون إلى فئات، فمنهم من يقتات على موائد السلطان، ومنهم من يرتعد خوفا من سيف الجلاد المسلط على رقاب الناس، ومنهم من فقد الثقة بالتنظيمات العربية المحلية التي تقدم مصلحة الحزب على مصلحة الوطن، ومصلحة قائد الحزب على مصلحة الحزب، وكأن المسئول الحزبي منزه عن الخطأ في ظل غياب القيادة الجماعية الحقيقية، وهناك فئة من المثقفين تقول كلمتها وتدافع عنها وتدفع الثمن، وقد دفعت الثمن بسبب كتاباتي أكثر من مرة، دخلت السجن بسبب ما كتبته في زمن الاحتلال عن أداء بلدية خان يونس، وتعرضت لمحاولة قتل في شهر فبراير سنة 1986م، ووقف ضابط مخابرات الاحتلال إلى جانب الجناة، وكنت قبلها قد تعرضت للتهديد أكثر من مرة من ضابط المخابرات، والآن يتعرض أبنائي للمضايقات بسبب كتاباتي، فقد وقع قبل يومين في 31/5/2011م اعتداء بشع على أحد أبنائي وهو طبيب بيطري يحمل درجة الماجستير، ولم تتحرك الشرطة على الرغم من استدعائها مرتين، ولولا أن ثلاثة أشخاص أنقذوا ابني من المعتدين وأدخلوه على بيته، وقد منعه المعتدون بعدها من التوجه إلى المستشفى المجاورة إلى أن جاء ثلاثة أفراد من ثلاث عائلات واخرجوا ابني من بيته ونقلوه إلى المستشفى، نحن نعيش في غابة اسمها غزة، وندعي أننا بلد الأمن والأمان، نحن نعيش في حالة من الفوضى المرورية والأخلاقية لم يسبق لها مثيل، والغريب أن الشرطة ساوت بين المعتدين والمعتدى عليه ولم تعتقل منهم إلا واحدا بينما أصرت على حبس ابني الذي وقع الاعتداء عليه داخل سيارته ومعه أطفاله الأربعة، وقد داس المعتدون في بطن ابنه الصغير وعمره سنتان.

المجلة الثقافية الجزائرية: ربما أقصد أن دور المثقف اقتصر على الشعارات التقليدية أكثر مما تجسد على أساس موقف حقيقي وعملي واضح، فعلى سبيل المثال لم يصدر مثقفون عرب أية بيانات حقيقية أو واضحة إزاء ما يحدث في البحرين مثلا، أو في اليمن، أو في ليبيا، أو حتى في سورية؟

الدكتور محمد أيوب: أدب الشعارات لا يعمر طويلا، وقد استطاعت الأنظمة العربية أن تجند بعض المثقفين والفنانين لخدمة أغراضها، وتسويق أعمالها وتبرير قمعها، وهؤلاء يعيشون بلا شك على هامش الأدب والحياة، ولن يتركوا بصماتهم على جدران الزمن، وستموت أعمالهم بموتهم، على المثقف أن يدافع عن الحقيقة، وأن يقول كلمته دون خوف من العقاب، أو طمع في ثواب، ولكن بعض المثقفين عبروا عن موقفهم مما جرى في تونس ومصر، فقد عبر بعضهم  عن موقف منحاز للأنظمة، ودافع آخرون عن حق الشعوب في المطالبة بالتغيير ومنع احتكار السلطة، وضرورة تداول السلطة بالطرق السلمية واحترام حرية التعبير، وقد كتبت مقالين عن تونس وآخرين عن مصر، حاولت فيهما أن أكون موضوعيا قدر الإمكان، ولعلي أكون قد وفقت في ذلك، أما بخصوص ما يجري في ليبيا وفي اليمن وسورية، فإنني أشعر بالاشمئزاز حين أرى نظاما يريد أن يفرض نفسه ضد إرادة الشعب، وحين يمارس القتل بدلا من العمل على زيادة مساحة حرية التعبير، فقد أصبحت في بعض الدول العربية أنظمة ملكية بعباءة جمهورية، بدأ هذا الأمر في سوريا منذ عهد الأمويين، حين ورث معاوية ابنه يزيد، وتكرس ذلك في سوريا الأسد حين قام حافظ الأسد بتوريث ابنه “بشار” الحكم بعد تعديل الدستور السوري، وكأن الدستور عباءة يمكن تكييفها لتتناسب ومصلحة الحزب الحاكم  والزعيم المنزه عن كل السلبيات، وقد حاول بعض حكام الدول العربية توريث أبنائهم الحكم اقتداء بالنظام السوري، إنني أعتقد أن حزب البعث لكي يظل حزبا للبعث يفكر في قتل الشعب السوري عن بكرة أبيه حتى يثبت أنه حزب للبعث، وأنه لا بعث إلا بعد الموت، التغيير في الوطن العربي مطلوب والتعقل أمر واجب حتى لا تغرق شعوبنا في مستنقع الحروب الأهلية.

المجلة الثقافية الجزائرية: ألا يعني هذا أن ثمة نخب واحدة تشتغل مع النظام حبا في المنح، والأخرى تشتغل على هامش الخوف من الاعتقال، والثالثة تتفرج وتنتقد هذا وذاك؟

الدكتور محمد أيوب: هذا أمر طبيعي، لأن البشر ليسوا نسخا كربونية، فمنهم الانتهازي المنافق الساعي وراء مصلحته الشخصية، ومنهم الجبان الرعديد الذي يموت من الخوف أكثر من مرة في اليوم ويمشي بجانب الجدار ليحمي نفسه، وهناك من انسلخ عن الوطن والشعب وأصبح لا مباليا بما يجري حوله وكأنه يعيش على كوكب آخر.

المجلة الثقافية الجزائرية: سأعود إليك، يتجسد فعل الأرض في كتاباتك أبعد من كونها مجرد أرض، إلى حلم يبدو لي أبعد من الحلم أحيانا.. مع أن مفهوم الوطن نفسه تغير في مخيلة العربي الحديث، لكنه يظل راسخا في ذاكرة الفلسطيني، كيف تفسر لنا هذه الإشكالية؟

الدكتور محمد أيوب: لن أنسى ولا أستطيع أن أنسى منظر يافا وهي تحترق تحت القصف الصهيوني، ولن أنسى منظر ميناء يافا وهو يعج بمن يحاولون النجاة بأرواحهم من هذا الجحيم، الأرض بالنسبة لي هي الأم ورمز العطاء، هي المرأة بكل ما تمنحنا من روحها وعبقها، تصور نفسك وأنت ترى بيتك على مرمى حجر ولا تستطيع الوصول إليه، لأن مستوطنا قادما من بولونيا أو روسيا أو غرب أوروبا يسكن فيه ويضاجع ذكرياتك وتاريخك، ويسرق تراثك ويدعيه لنفسه، إنه أبشع استعمار عرفه التاريخ على مر العصور، إنني أتمنى أن أعود إلى يافا ولو لنصف ساعة أموت بعدها لأدفن في ترابها، ولكن ذلك أصبح حلما عزيز المنال في ظل التمزق الفلسطيني والعربي، وحالة الضعف والترهل التي أصابت أمتنا العربية بسبب حكام باعوا أنفسهم للشيطان.

المجلة الثقافية الجزائرية: في رواية ” الكوابيس تأتي في حزيران” يبدو لنا محمد أيوب في حالة مساءلة إزاء واقع مر، وواقع يفترض أن يعيشه الفلسطيني خارج اليأس والإحباط وال”تخوين”. هل سيستمر حزيران بمعناه التاريخي والإنساني كجرح غائر في الجسم والذاكرة؟

الدكتور محمد أيوب: كان أملنا بالعودة وتحرير الوطن كبيرا، فقد تدفق هذا الأمل نهرا جارفا في قلوبنا وفي عقولنا، وقد بدأت الاستعدادات للحرب بعد إعلان حالة التأهب القصوى في الجيش المصري ” الحالة ج”، وقد وصلتني في يوم أول يونيو 1967م رسالة من وزارة الحربية المصرية تطالبني وتطالب حركة القوميين العرب بتوزيع السلاح على العناصر الموثوقة، وقد أصبحت مسئولا عن الدفاع المدني والمقاومة الشعبية، ولكنني فوجئت بالحاكم يطلب منا توزيع عناصرنا على الأماكن الحساسة لأن الحرب قد بدأت، وأن هناك دبابات يشاع أنها جزائرية في وسط المدينة، وقد كتب عليها شعرات: إلى حيفا إلى يافا، لنكتشف أنها دبابات صهيونية، وأن الطيران الإسرائيلي قصف مدارج المطارات الحربية المصرية جميعها بعد الخديعة التي تعرض لها جمال عبد الناصر حين طلب منه السفير الروسي ألا يكون البادئ بالحرب، لأن أمريكا اتصلت بالروس وتعهدت بأن إسرائيل لن تكون البادئة بالحرب، وابتلعت مصر الطعم، وما زالت مرارة الهزيمة في حزيران تسري في خلايا أجسادنا بدلا من الأكسجين الذي يمنحنا الحياة، حزيران يتكرر كل عام، وسيظل يتكرر ما لم ينتهي الانقسام الفلسطيني والعربي، وما لم نقف وقفة جادة مع الذات لدراسة الأسباب الموضوعية لما حدث واستخلاص العبر، ولنتعلم مما يفعله الخصم عند أية انتكاسة يتعرضون لها، فقد شكلوا لجنة لاستخلاص العبر بعد حرب أكتوبر التي أجهضت سياسيا، وبعد فشل إسرائيل في حربها على لبنان.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعل ما أعجبني في الرواية هو دفاعك عن إنسانية أبطالك، بحيث أن الآخر المضاد هو الذي يمثل “القوة التسلطية” كيفما كانت احتلالا أو “سلطة” محلية.. هل تعيش هذا الشعور بالقهر الذي يعيشه أبطالك؟

الدكتور محمد أيوب: عشت مقهورا وسأظل أشعر بالقهر ما دام حزيران يطل علينا كل عام دون أن يتحرر الوطن ودون أن تتحقق وحدة أمتنا، إن أية قوة غاشمة تستطيع أن تسيطر مؤقتا بالبطش، ولكنها لن تسيطر إلى الأبد، وقد ازداد شعوري بالقهر بعد ما جرى في غزة في حزيران سنة 2007م، حين اقتتل الأخوة في شوارع القطاع، وقد صعقت وأنا أرى المسلحين الملثمين في الشوارع وهم يطاردون أخوة لهم، وكان سؤالي الوحيد للجميع: وماذا بعد، لقد تناسى المتصارعون أن هناك عدوا مشتركا لنا جميعا، كما تناسوا قول الشاعر العربي:

تأبى العصي إن اجتمعن تكسرا           وإذا تفرقت تكسرت آحادا

المجلة الثقافية الجزائرية: حدثنا الآن عن زملائك الأدباء في فلسطين، من جيلك ومن جيل الشباب، ما هي نقاط التوافق ونقاط الاختلاف التي تراها جلية؟

الدكتور محمد أيوب: بعد اعتقالي سنة 1968م وفصلي من عملي، تولدت، بل ترسخت لدي قناعة بدور الكلمة في النضال الوطني الفلسطيني والعربي، وأن دور الكلمة لا يقل أهمية عن دور الكفاح المسلح إن لم يتفوق عليه، ومن هنا امتشقت القلم بعد خروجي من السجن، وبدأت أكتب القصة القصيرة، وكانت أول قصة كتبتها ونشرتها في مجلة البيادر التي يرأس تحريرها جاك خزمو هي قصة “مهرجان في عرض البحر”، ومن خلال مجلة البيادر وصحيفة الفجر والشعب والقدس والاتحاد الحيفاوية تعرفت على مجموعة من الشباب المتحمسين، وشكلنا مجموعة كتاب البيادر، إلى أن قدم لنا المهندس إبراهيم الدقاق في الماتقى الفكري العربي مظلة من خلال الجمعية التي يرأسها، وقد تعرفت على الناقد محمد البطرواي رحمه الله، والذي قدم لنا كل ما يستطيع من دعم، كما قدم لنا الحزب الشيوعي في إسرائيل دعما بلا حدود دون أن يطلب منا أي مقابل، وقد زرنا مدينة حيفا أكثر من مرة وتعرفنا على إميل حبيبي وإميل توما وعفيف صلاح سالم وغيرهم، وقد شكل اليسار الفلسطيني جدارا داعما لنا، فنشرت دار الكاتب في رام الله أول مجموعة قصصية لي ” الوحش”، إلى أن تشكل أول اتحاد للكتاب الفلسطينيين بالتعاون بين الحزب الشيوعي الفلسطيني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأصبحت عضوا في أول هيئة إدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين، وقد تعرفت على الكتاب: زكي العيلة رحمه الله وكان يكتب باسم مستعار هو “هاني فخر الدين”، وغريب عسقلاني واسمه الحقيقي هو “إبراهيم الزنط” وحمدي الكحلوت وصقر أبو عيدة وعبد الكريم قرمان وصبحي حمدان وإبراهيم جوهر، وجمال بنورة، وأسعد الأسعد، وجمال القواسمي، وسمير شحادة، والشعراء توفيق الحاج والمتوكل طه وعبد الناصر صالح، وغيرهم وغيرهم.

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تفسر أن يتميّز المثقف الفلسطيني عن غيره من المثقفين العرب بإبداع جميل وإنساني وخالد، في كل المجالات الإبداعية تقريبا؟

الدكتور محمد أيوب: المعاناة يا صديقي تصقل الإبداع وتترك بصماتها الواضحة على مسيرة الإنسان الفلسطيني، وقد انعكست آثار المعاناة على إبداعات الكتاب من روائيين وشعراء وكتاب قصة قصيرة؛ فقدموا أدبا يفيض بالمشاعر الإنسانية ويعبر عن الجرح الغائر الذي نتج عن الإبعاد القسري عن الوطن، كما كان للسجن أثر واضح على إبداعات الكتاب الفلسطينين، فلا يكاد يوجد كاتب وطني لم يدخل السجن في زمن الاحتلال، بل لا يكاد يوجد فلسطيني لم يذق مرارة السجن أو النفي عن الوطن، ولعل الزنزانة تشكل مكانا يمنح الفلسطيني الشعور الأكيد بأنه حر وأنه صاحب حق يدافع عن حقه بكل السبل المتاحة والممكنة بدءاً بالكلمة ومرورا بأشكال النضال السلمية المختلفة وصولا إلى الكفاح المسلح الذي يأتي تتويجا لنضالات هذا الشعب الذي يدافع عن حقه في الوجود.

المجلة الثقافية الجزائرية: كأنك توافق الكاتب الأرجنتيني “أرنستو ساباتو ” الذي يقول إن المعاناة تصنع نصا أزليا، كالجرح تماما، لا يشفيه إلا الموت؟

الدكتور محمد أيوب: أوافقه مائة بالمائة، فالمعاناة تصقل الإرادة وتصنع الرجال، وتعطى الأدب طعما إنسانيا لا يدركه إلا من عاني مرارة الاحتلال والظلم والطرد من الوطن بالقوة، ومن جبروت الحكام الطغاة، ولعل الموت عند الفلسطيني يشكل بداية حياة جديدة للآخرين، كما يقول الشاعر أحمد شوقي:

ففي القتلى لأجيال حياة          وفي الأسرى فدى لهم وعنق

المعاناة يا صديقي هي درب الآلام الذي سار عليه المسيح وصولا إلى تحقيق ما يصبو إليه من سلم محلي وعالمي، ولولا المعاناة لما أصبح المسيح رمزا للتسامح وداعية للمحبة والسلام.

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أسألك الآن ما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

الدكتور محمد أيوب: كما أخبرتك يا صديقي ، عشقت الجزائر وثورة الجزائر، وتخيلت جبال الجزائر، وتألمت مع القادة الخمسة الذين اختطفتهم فرنسا، وتظاهرنا من أجلهم، وقد شكلت الثورة الجزائرية ضوءا ساطعا في آخر النفق العربي المظلم لتتفجر بعدها ثورات أخرى هزت أركان الاستعمار في المنطقة، تابعت أخبار الثورة وأناشيد الثوار من إذاعة صوت العرب التي كانت مبعث أمل لكل العرب، وقد تابعت الأدب الجزائري وأعجبت بالطاهر وطار ، وقرأت روايات أحلام مستغانمي، كما قرأت رواية ياسمينة صالح ” وطن من زجاج” وأعجبت بها، وكتبت نقدا لهذه الرواية أعتز به ولكني لم أنجزه ولم أنشره بسبب مشاغل الحياة في وطن يعج بالمشاكل والأزمات، أتمنى أن أنجز هذا النقد وأن أنشره قريبا، ولعل من واجبي أن اعتذر لهذه الكاتبة الرائعة على ما بدر مني من تقصير بحقها بعد أن وصلتني روايتها المذكورة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

الدكتور محمد أيوب: يبدو أن السياسة مرض يصيب معظم الكتاب، وهي ملح الحياة التي يمنحها طعمها المقبول، أقرأ في السياسة وأكتب عن وضعنا، منتقدا سلبيات تنظيماتنا وأنظمتنا، وأحاضر في الجامعة، أقرأ الشعر والقصة والرواية.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب؟

الدكتور محمد أيوب: كتبت مجموعة من القصص القصيرة جدا ونشرتها تحت عنوان “قبض الريح” الذي يوحي بدلالات رمزية تشف عن واقعنا ونتاج نضالاتنا التي لا توازي ما قدمناه من شهداء ودماء في سبيل الوطن. كتبت مقالين عن حركة الشباب في تونس بعد أن أصبح البوعزيزي المفجر الذي فجر حركات الاحتجاج في الوطن العربي الكبير، وكأن الشعوب العربية كانت تنتظر ذلك الصاعق الذي أيقظها من سباتها العميق، فبدأت تشعر بالظلم الواقع عليها من الحكام الذي يعتبرون الوطن ملكا خاصا لهم، وأن الشعوب مسخرة لخدمتهم والتسبيح بفضلهم، كما كتبت مقالين عن حركة الشباب في مصر، ولكنني أشعر بالغثيان وأنا أسمع القذافي وهو يتحدث عن كونها قائدا وليس حاكما، ألا يتعظ هذا القذافي من الحكيم جورج حبش الذي ترك قيادة الجبهة الشعبية طوعا ليفسح المجال أمام القيادات الشابة لتواصل النضال، وتفرغ لرعاية مركز للدراسات والأبحاث التي تتعلق بالقضية الفلسطينية إلى أن انتقل إلى جوار ربه. كما أشعر بالغثيان وأنا أرى مدى تمسك كل من بشار الأسد وعلى عبد الله صالح بالحكم ضد إرادة الشعب.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة لقراء مجلتنا؟

الدكتور محمد أيوب: في البدء كان الكلمة كما ورد في الإنجيل، وفي الختام تكون الكلمة، وستظل الكلمة هي الفاعل الحقيقي في كل تطورات الحياة، ومجلتكم الغراء تحمل على أجنحتها الكلمة الواعية والصادقة وتساهم في إرساء قواعد نهضة فكرية عربية، ولعل منطقة المغرب العربي أصبحت مركز الانبعاث القومي العربي من جديد من خلال وقوفها أمام التحديات التي تريد للغة العربية أن تنزوي بين صفحات المعاجم، ليصبح مصير وطننا هو مصير أوروبا بعد انزواء اللغة اللاتينية بعد أن تحولت اللهجات المحلية إلى لغات، وكأن هناك من يريد للغة القرآن أن تندثر، ولكن ذلك أبعد مما يتصورون لأن هناك امة حية وشباب ينافحون ويدافعون عن تاريخها وأمجادها. دمتم في مجلة الثقافة نبراسا ينير الطريق أمام شباب الجزائر والشباب العربي الصاعد إلى ذرى المجد إن شاء الله، لكم مني كل الشكر والتقدير.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق