ثقافة السرد

حرير الوجد

الفصل الأوّل من رواية (حرير الوجد)

محمد حيزي*

هذه مسالكي إليها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سحر الأمكنة لا يضاهيه إلاّ الشّعر . هذا السّبيل الوحيد نحو مدينة عاشقة كالحمّامات . قد تكون العجائبيّة مسلكا ممكنا إن أربكها وتضوّع بطعمها . الوقائع لا يمكن أن تنفذ إليها لأنّها لا تقوى على التّشهّي كما اتّفق . لا تقوى على بلوغ الدّهشة إن رمنا ذلك الهامش العابر . ذلك أمري مع هذه المدينة بعد أن أودعتها أبلغ ما أملك . أعمق ما يمكن أن يعتمل في رؤى روائيّ مجنون بالتّوقّع والمجازفة . أليس الحبر المراق مغامرة للحرف وهو يشكّل صحوه وحيرته وسؤاله ؟
ها أنا ألج هذه المدينة . ألوذ بقبابها وبحرها وياسمينها وأحاول أن أقبّلها وأغيب فيها حرير وجد …

فاتحة لشهوة التّرحال ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن نغرق في قصّة حبّ فذلك عصيّ مستباح … كما لو أنّنا نسلك وعرا ونتلذّذ كلّ لحظة تحدفنا إلى سنوات مضت … قد لا تكفي الأسئلة إن ولجنا مسالك الرّوح وسحنا في تطواف لا حدود له …
هذه قصّة قاسم بطلي القلق الثّائر عليّ دائما أهديها إليه مرّة أخرى حتّى يستكين ويحسّ أنّه أجهدني كثيرا وأنا ألج تفاصيله دون إذن منه كعادتي . لسنوات مطوّلة وأنا أباغته وأستبيح كلّ ما مرّ به كما لو أنّه لهفتي الآسرة . الآن فقط يستطيع السّهو ولن أتوقّع أوبة أخرى إليه . إنّها هناك .. تهب للبحر زرقة عينيها حتّى يستمرّ آسرا كما كان .. ينسكب فيهما خفية عن الآخرين .. كي لا ينتبه إليهما أحد .. من عينيها والبحر وتلك الحكايات القديمة الفاتنة رسمت على الورق مدينتها العجيبة .. شكّلتها في دهشة رحم غريب فكان هذا المخاض .. مخاض ليلى الوافي وهي تستحثّني على السّفر إليها بعد غياب طويل .. ملامحها تتبدّى سائبة في ذاكرة طفل بلغ الأربعين بعد .. مخاض عامر الوافي ذلك الرّجل الغريب الغارق في صمته وفيلّته ولا وشائج تجمعه بأحد إلاّ في ما ندر .. ذلك المندسّ في هالة من الأسرار والأسئلة حتّى صار مقصد الكثيرين دون أن يقوى على فكّ خفاياه سوى قاسم أخيرا .. مخاض مريم المسربلة بالنّوايا والجدران العالية .. تلك المرأة اللّغز الّتي تحمل على كتفيها ما لا طاقة لها به .. مخاض بيّة الّتي تعيش على ذكريات سي علاّلة المزيّفة دون أن تكفّ عن وهمها وتوقّعاتها حتّى تتجمّل قدر ما تستطيع .. مخاض مدينة الحمّامات الّتي طرحت أسئلتها وكشفت المستور بعد لأي وهي تجتذب هؤلاء جميعا إليها وتغربلهم كلّ ليلة .. كما لو أنّها شهرزاد بينهم .. تحكيهم في لحظات صمتهم وبوحهم .. تعرّيهم حتّى تؤثّث خطوات أخرى لهم .. تربكهم وهم يتهالكون تباعا .. تطهّرهم من ماضيهم كي ينطلقوا ويتحرّروا من أمسهم الّذي ظلّ يطاردهم .. تهشّم قيودهم واحدا بعد آخر وتستدرجهم من أوجاعهم إلى صباح آخر .. تنقّيهم كأمّ .. كحبيبة .. كدفق روحانيّ .. من منابتهم الأولى .. حتّى تتمكّن من زرعهم مرّة أخرى في أرضها وتهبهم جذورا ووجوها وملامح لا عهد لهم بها . ملامح طفولتهم الأولى قبل أن يترهّلوا . هم أيضا يستدرجون ماضيها البعيد . حكاياتها القديمة .. أسرارها العجيبة .. يستبيحونها في أسئلة كالعشق .. يريدون أن تكون لهم وشائج بها .. حتّى لا تحفرهم غربتهم عميقا .. من أجل خلاص حاسم مع كلّ الفوات والضّيم ومنابت القهر في صدورهم .. هكذا اجتذبني خلفه مرّة أخرى .. كما لو أنّني صلصاله الّذي طوّعه بين أصابعه وهو طفل وشكّل منه مدنا وبحارا وأنهارا واختار إحداها .. لعلّها الحمّامات أخيرا وهو يستدرج الطّين السّخن إليه خلسة عن أمّه ويقيم بنايات عالية وقبابا وأقواسا وأزقّة وأنهجا وشوارع .. ومسالك سرّية وسقيفة بعد أخرى وسطوحا مشبعة بالياسمين والفلّ والخزامى والحبق.بين أحلام طفل وتوقّعاته ها هو يقودني إلى حبيبته الأولى ويهبني بعض حبره حتّى ألج الورق العبق برائحة الحلفاء في هذه الرّبوع البكر ويحوّلني إلى أسير .. قد تكفي إشارة واحدة منه حتّى أقتفي أثره .. بعد أن استنزفته طويلا ها هو يثأر منّي ويحدفني معه في مدينة كنت أعبرها في دهشة وأنا في طريقي إلى العاصمة وأواعدها دون أن أفي بهذا اللّقاء .. الآن تحتّم عليّ البقاء فيها لمدّة قد تطول أو تقصر مع بطلي .. لعلّه يطردني منها إن اكتشف أمري وأنا أتلصّص عليه وأسطو على أسراره وخفايا الآخرين ..

فصل ترهّل الماضي : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كمن يغرف من قاع آسن بكيت …
بكيت تفاصيل وشائج نقمت عليها وأنا طفل وحاولت محوها وأنا شابّ . هكذا تحرّقت كمدا على آخرين كانوا هنا . أمضيت معهم سنوات حارقة حتّى تحوّلت وجوههم إلى فحم وفجأة غابوا جميعا . دمعت مطوّلا لأنّ لا أحد سينتظر عودتي يوما ما . هذا أبشع إحساس تمكّن منّي في تلك اللّيلة الّتي نيّبتني وأنا أتأهّب للسّفر حتّى ألتقي بليلى الوافي بعد غياب طويل.

بعد أسابيع ثقيلة كالرّصاص بين تلك الجدران حدفوني إلى الخارج بعد أن عثروا على العارم الّتي اعترفت بالجرم . هكذا ظهرت فجأة بعد غيبة قصيرة واعترفت بأنّها القاتلة رغم استسلامي لذلك البرد المبرّح الّذي كان ينفلت من جسدي إلى صقيع أشدّ من حولي . صقيع يحوّم من منابت طفولتي القارسة إلى تجلّيات روحي المنهوبة الّتي اكتفت بما تبقّى لها في تواطئي مع كلّ قبو ألجه راضيا بمصيري فيه كما لو أنّني أعيش نفس المحو وما شابهه من هتك وذبح لوجودي في يباب لا خلاص لي منه . مع دوني القذيع الّذي يعفّرني باغتتني لحظات عجيبة . ماذا لو أبعث مرّة أخرى ؟ أليست سنّ الأربعين مربكة جدّا ويمكن أن أحدف منها خطوات لم أطلقها بعد ؟ خطوات تمتلئ بلهفة نبيّ يتمنّى حفرا في ضآلة يتم لا أمرّ منه ولا أبشع . أمدّها حتّى أسلب من المسخ الّذي لا أراه ملامح طهر تكون سطوتي على خرابي وإحساسي بضياع وجهي في عدّة وجوه تتراكم دائما حولي ولا تشكّل لي مسلكا حتّى أندفع نائيا إلى ملاذ قد يسحبني من يأسي وقلّة حيلتي . بدا لي الخطو حالة مسّ قد تبعثني آخر لا يشبهني . خطوات قد تكون عسيرة ممكنة تحت مطر اشتهيته يتهالك كالقرب عليّ ويقشّرني من أغبرتي وينتزع منّي جهمتي الّتي حاصرتني حتّى أدركني العمى . هو بعث من خواء ومنافذ أخرى لعجني كطين عصيّ على الإنفلاق يتمسّك بعطشه ومواته رغم حرارة الماء على عمق لا يشبهني فلا انفجر وساب ولا تصخّر فأغرق في بوري . لرائحة التّراب العاطش أمنية كالمطر . وحده قد يهدّ هذا اليباس من حولي فتتحطّم قيودي وأقوى على مواجهتي وأرمي خطواتي كالجذور لتكون ماضيّ وأنا أتقدّم إلى الأمام وأنحت لي وجها أنتزع كلّ لطخة فيه حتّى يصفو شيئا شيئا فأدركه وأتلمّسه وأقول هذا وجهي الّذي أروم من سنوات خلت . ها أنا أعثر عليه أخيرا كي أنسى بعد أن محوت ذاكرتي في اللّطخات الّتي ألقيتها خلفي كجثث نتنة . هكذا أردت أن أكون وأنا أحسّ كما لم أحسّ من قبل أنّ صقيعي يتحوّل إلى دفء غامر ويحوّل برد الجدار إلى حرارة لا عهد لي بها . هذا القبو ذو الغرف الضّيّقة والأصوات الغاضبة يترمّل في خيبتي الّتي أشعر بها غريبة عنّي ولا يمكن أن أتحمّل شراستها . هي أيضا كتلك الجثث الّتي صارت خاطرا عابرا لا يعنيني . هو الخطو الأبديّ إلى الأمام والتّطاول على الوعر والمسالك الصّعبة وكدمات قليلة مازالت بعد تلتئم كي تبرأ فلا تعيق لهفتي إلى المضيّ بعيدا جدّا . هي الذّاكرة في سعيها إلى الخلاص من جريرة الآخرين . تخرجني من منقعتهم رويدا رويدا وتصير بيضاء كورقي وهو يستقبل حبري حتّى يحفر لي مصيرا أبقى وأبلغ . ها هو يكتمل . ذلك الّذي دلقته في قبوي على بياض نواياي يترصّدني ويستفزّني . كنت لم أنتبه إليه في حينه . ظلّ مهملا كفكرة سائبة ولعلّ تلك الرّطوبة تمكّنت منه ولا أصابع متلهّفة بلغته بعد . نزوة حبر وورق تماما كحلم مرّ دون أن أمسكه وأتملاّه لحين مربك . كيف انفلت منّي ولا أستعيده إلاّ الآن فقط ؟ ماذا حصل وأنا ألجه وأهمله ؟ هل كنت مفجوعا وأنا أطارد روحي المكلومة دون جدوى وأذوي مع جسد كرهته وصار نقمتي وغيابي الموحل خلفها ؟ الرّوح ظلّت مستعصيّة وكلّما توقّعت أنّني أقترب منها حتّى لا أشقى أدبرت أكثر وطوّحت بي في منفى سؤالي وريبتي . هكذا تسلّل حلمي الّذي بلغته دون أن أعيه ممكنا ولم أتفطّن إلى مضيّه إليها للحظات لا تمضغ ولا تستعاد . كانت هناك ولم أنتبه إليها وهي تغادره بعد حميميّة بالغة . الآن فقط أستطيع أن أسترجع حالة غيابي القصيرة فيه . كما لو أننّي أعيشه وأهيم فيه كضالّ بلغ السّبيل بعد تطواف مرير وعطش بالغ :
( أ )
( الحلم ..؟ ما ألذّ بلوغ أقاصيه في لحظة عامرة خصبة كإندلاق نبيّ في سماء زرقاء صافية لا غيم فيها ولا غبار … أنا تلك النّطفة وهي تكتمل في حرارة الطّين بينهما وتنهمك في حميميّة بعثي كما لو أنّني لم ألج هذه الدّنيا . ها هو وجهه . يمكن لدفقة في حجم حبّة قمح أن تخرج من ضيق التّربة الحارّة وتلج أخرى ممتلئة بالحياة حتّى تفلق الأرض وتنمو وتبلغ الفضاء الفسيح وتكبر إلى أن تتبدّى حافلة بسحر خرافيّ لا مثيل له … أكاد أراه وهو يتهالك عليها في لهاث . أكاد أدفع أصابعي من رحمها وأتلمّس فمه وخدّيه وجبينه وأنفه وأحفر كلّ ذلك في ذاكرة مازالت بعد بيضاء لم تلطّخ . هو تجلّ عجيب أدركته وبلغت منه رؤية غريبة لا تتوقّع والرّوح تنأى في خدر تملّكني وصار كالغياب في مسارب ملوّنة بالأخضر المريب . إنّه هو وليس سواه . يبدو شبيها بمصطفى الضّاوي وإن سابت الملامح لحظة بعد أخرى ولم تلتئم إلاّ بعد فوات وأنا أرتمي في أمّي حتّى أكون . نطفة تنوي أن تتحوّل إلى سنبلة شامخة في أرض خلاء لا وشيجة لها بذلك الطّين الّذي صار باردا بعد أن خمدت نزوتهما وتبدّدت وبلغت بورها . من توقّعته أبي تحوّل إلى سطح أبيض لا حبر فيه ولا خدوش إلاّ لطخة رأيتها تقترب من هامش الورقة وتحاول جاهدة أن ترسم ملامح ما لتلك التّربة الّتي زحف نحوها صقيع شديد حتّى يخرمها … ) .

تهالكت في الحلم السّائب وأنا أخطو مع ممرّ السّجن . كنت أقوى على فكّ طلسمه لو غرقت فيه عميقا ليلتها . كنت سأتمكّن منه لو أفلحت في مطاردة روحي وهتكت جسدي بشكل أبلغ وحفرته إلى أقاصي وجيعتي فيه . كان يمكن أن أمحوه في لحظة مارقة عن كلّ ما حولي وأصير دفقة من نور تمضي فجأة وتنتثر في ألق على مرمى منّي . يااااا … كم كان ذلك الحلم حالة تجلّ لا تعاد وأنا أستبيح ما يشبه الغيب وأندلق في فتنة سحريّة عميقة لا تتوقّع . كما لو أنّني حفنة برق تحطّ على كفّي وتسيب في ممرّات مضيئة لم يلجها أحد . كنت وأنا أبتعد لأبلغ ذلك الباب كمن خلّف موته وراءه . رغبة جارفة تتملّكني وأنا أخطو . قد أتجلّى في حلمي مرّة أخرى وأبلغ ما استعصى وأقوى على اكتشاف تلك الملامح وأستطيع تمييزها على وجه مصطفى الضّاوي . ذلك الرّجل الّذي مازال يقتفيني رغما عنّي ويشدّني إليه يوما بعد آخر ويستحوذ على اهتمامي وإن كنت أكنّ إليه بغضاء لم تحسم بعد ولم تتشكّل كما أريد حتّى يمحى وأنتهي منه ولا أعود إليه :
( ب )
( … كم هو الحلم مربك في لحظاته الأخيرة ونحن نستعيد تفاصيله … كيف لي أن لا أتمسّك بذلك الوهم كالغريق الّذي يستدرج أيّ بصيص للنّجاة ؟ ما به مصطفى الضّاوي ؟ أليس شبيها بغيره ممّن ابتلعوا ما أمكن من لذائذ هذه الدّنيا وترك للآخرين شيئا من الفتات في غفلة منه ؟ لماذا أكره أن يكون أبي هذا الّذي يستدرجني خلفه ؟ أليس هو الوحيد الّذي تبدّى لي سائبا ويمكن أن أجمع ملامحه شيئا فشيئا حتّى أعثر عليه وأكتفي به ؟ كما لو أنّني أراه الآن من بلّور نافذة تتهالك عليها قرب الماء فلا يتراءى جيّدا . تكاد يدي تمتدّ إلى البلّور وتزيل طبقة من الأبخرة الّتي انبعثت من جدار خرب يحاصرني ولا يترك لي فرصة للخروج . الباب مغلق بمراتيج لا عدد لها ولا يمكن تحطيم ذلك الخشب القديم السّميك والنّافذة قضبان شرس أشبعه الصّدأ فلا أقوى على فكّه . هو هناك على خطوات منّي يتملاّني ويحاول المضيّ نحوي . يداه لا تبلغان البلّور والمطر مزاريب شتّى مندلقة تفصلنا لتنعدم الرّؤية تماما . نحن معا كإندلاق الماء من أعلى وجزء لا يتجزّأ منه ولا يمكن مهما بلغت قوّة إبصارنا تحديد من نكون . لساعات طويلة ونحن نهذي معا في لهفة أخيرة . كلانا ينتظر توقّف المطر للحظة قصيرة حتّى نلتقي وبيننا بلّور شروخه عديدة وكسوره أخاديد بيّنة دون أن تسقط منه ولو قطعة واحدة . كلّما ضربته بقبضتي إلاّ وعادت نحوي . كما لو أنّه قدّ من صخر لا يتأذّى أبدا … )

وجدت نفسي أتنفّس هواء مدينتي من جديد . كان كعادته هواء لزجا يخلّف قروحا كلّما تسلّل إلى رئتيّ . لم أحتمله رغم إحساسي برحابة الفضاء من حولي . تمنّيت لو ولجت مدينة أخرى حتّى أشعر بأمان لا رغبة لي فيه . كان ذلك مجرّد خاطر . خطوت مبتعدا خائفا من ذلك الباب الحديديّ الّذي تركته من لحظات خلفي . كان صريره موجعا باعثا على رهبة شديدة . كما لو أنّ منشارا ما يحزّ في صمت متواطئ عظاما بشريّة . هكذا استمرّ صريره مدوّيّا وأنا أحثّ الخطى إلى أن غبت مع منعطفين . لحظتها تنفّست مرّة أخرى وأنا أتهالك على كرسيّ . طلبت من نادل المقهى قارورة ماء وفنجان بنّ . ظلّ دهشا وهو يراني أشرب محتوى القارورة دفعة واحدة . بدا له ظمئي غريبا كمن تاه في صحراء وكاد يردى . جذبت أكثر من نفس عميق حتّى أتيت على نصف السّيجارة في ثوان . بدأ دواري يخفّ شيئا فشيئا إلى أن زال . رشفات البنّ تطعّمتها على مضض . كان مذاقها حادّا مؤلما لا يستجيب لطعم التّبغ المرن الّذي يهب أعصابي حالات انتشاء متتابعة . يبدو البنّ من ذلك النّوع المهرّب خلسة من الجزائر . عادة ما يستقدم المهرّبون بخس الثّمن منه حتّى يحقّقوا أرباحا طائلة من ورائه . هم لا يهتمّون لروّاد المقاهي مثلي بقدر اهتمامهم للمال الّذي سيجنونه . لماذا أهتمّ للبنّ المهرّب والوطنيّ ؟ أبدو متعبا جدّا وبي لهفة للنّوم . عندما يتملّكني التّعب أغرق في شيء من الهذيان . أضيع في متاهات غريبة وأهتمّ لتفاهات هذه المدينة . كأن أحدّد رداءة البنّ مثلا .
النّوم كان يترصّدني . من ليال طويلة لم أخلد إليه . تركت المقهى وقصدت نزلا شعبيّا صغيرا عادة ما يأتيه الجزائريّون . يقضون فيه ليلة أو ليلتين ثمّ يواصلون رحلتهم نحو الحدود برّا . يهرّبون معهم ما خفّ وزنه وغلا ثمنه . التّونسي والجزائري مهرّبان دائمان . يحسنان كسب المال في ذكاء بالغ . يخترعان من الحيل أجداها . كلّما كشفت حيلة ما إلاّ واخترعوا أخرى . هناك من صار ثريّا يملك الكثير خلال سنة أو أكثر وهناك من سقط من عليائه وتحوّلت أيّام عزّه إلى مذلّة . ذلك هو التّهريب . المهرّبون فقط هم الّذين يمحون الحدود متى يشاؤون . لا أحد يقوى على منعهم . سوق قائمة رغم صرامة حرس الحدود . يتبدّى اللّين لفترة منهم ثمّ ينقلبون فجأة . شعبان متربّصان للكسب . أموال طائلة تقتفيها الأيدي ولا أحد يرفض نعمة جاره . السّاسة يفرضون القوانين والمهرّبون يمطّطونها حسب منافعهم . ها أنا أعود مرّة أخرى للهذيان . كما لو أنّ أمر المهرّبين يعنيني . ها هو العراق يباغتني أيضا . ماذا حصل لي وأنا أستعيد ما لا أنوي ؟ لعلّه ذلك المذياع الصّغير الّذي صاحبني في زنزانتي طيلة الأيّام الماضية ؟ هو الوحيد الّذي انفرد بي حتّى لا أشعر بوحدتي . كنت حزينا مهملا وأنا لا أقوى على فعل أيّ شيء . رغم ما أحمله من مرارات لا عدّ لها كنت أشعر بيتم بغيض . لو كانت ذراعي طويلة لمضيت إلى هناك وهلكت مع أهلي دون أن أهتمّ . المذياع الصّغير الّذي كان معي خلسة تدبّروا أمره وأخذوه منّي ثمّ أعادوه إليّ وأنا بصدد الخروج . بطّاريّته ماتت بعد أن ركنوه طيلة مدّة إيقافي . لمّا تسلّلت مبتعدا أذكر أنّني هشّمته على جدار . تهالكت على فراش ونمت كقتيل . لا أدري كم مضى عليّ وأنا ملقى كما اتّفق . أفقت متعبا . نفس الدّوار الحادّ باغتني من جديد وأطبق عليّ . اندفعت إلى حنفيّة الغرفة وألقيت رأسي تحت الماء لحين . شعرت بغياب عابر والماء يتسلّل دافئا إلى صدري . نزعت ثيابي وولجت حمّاما مهملا لم يتعهّدوه من شهور . كما لو أنّ لا أحد يستعمله . بقيت تحت الماء لأكثر من ساعة حتّى انتشيت .
مساء قرّرت العودة إلى الحوش . بدا لي أنّ اللّيل أرحم . لن يراني أحد وأنا أصعد عامود الكهرباء ثمّ أقفز من أعلى إلى الدّاخل كما كنت أفعل وأنا طفل . هناك رهبة ما كانت تحفر كوّة داخلي . كوّة تتراكم فيها سنواتي البعيدة في تلك الغرف المغلقة على شقيقتيّ حليمة وربح وأمّي العارم . تراءى لي عبد الرّحمان العامريّ واقفا هناك كمارد أسطوريّ ينتظر عودتي حتّى يفتك بي . حربنا لم تنته طيلة السّنوات الماضيّة . كلّما هدأت ثارت من جديد . إن تمكّن منّي مرّة ترصّدته لمرّات . كان يسعى دائما لهدنة لكنّها عادة ما تكون قصيرة العمر . سرعان ما أشعل فتيل الحرب إن رأيت منه ما يغضبني . كنت أقف إلى جانب شقيقتيّ إن أساء لهما كما أتحوّل إلى أعمى لا يرى إن عنّف أمّي . أذيقه الأمرّين وأنا أجد من الحيل الخبيثة ما لا يطرأ له على بال رغم ضخامة جسمه وعضلاته المفتولة ورأسه الّتي تشبه براميل الخربة أين أجتمع مع شعبي الصّغير من ماسحي الأحذيّة . رأسه هذه تثير مخاوف من يراه . تبدو مرعبة لحظة غيظه ووجهه يأخذ أشكالا تبعث على الرّهبة والقرف معا . بدت لي ضحكات الجيران عاليّة مدوّية كسياط تتردّد في كلّ ركن وتتحفّز نحوي لتدمي ظهري . كنت أخطو متخفّيا في الزّقاق كلصّ . ذلك الصّمت الكريه كان يعشّش في النّوافذ والأبواب ويغرف أكثر من رائحة وسخة ويلقي بها نحو كلّ مارّ ليليّ . بعد مسافة بلغت فيلا عامر الوافي . وقفت أمامها لحين مربك . كدت أتسوّر جدارها وأمضي إلى داخلها . هنا كانت تسكن ليلى من سنوات مضت . من تلك العليّة كانت تلوّح لي بيدها الصّغيرة . كنّا نتواعد بالأصابع حتّى نحدّد ساعة لقائنا . تحسّست رسالتها في جيبي ومضيت . اقتربت من الحوش . جلت ببصري مع امتداد الزّقاق الخالي . تسلّقت عامود الكهرباء كقطّ ووجدت نفسي بعد غيبة طويلة في نفس المكان الّذي ذبحني طيلة أعوام كاوية . هنا عاشت أمّي العارم سطوتها علينا كما شاءت وإن كانت ملاذنا ودفئنا كلّما ضيّق علينا عبد الرّحمان العامري الخناق وحاول إيذاءنا . ظلّت قطّة شرسة تقسو علينا وتواجه كلّ من يريد بنا شرّا . كانت نصف أمّ لنا . تغيب في شأنها عنّا كما لو أنّنا أغراب ثمّ تلتئم بنا في حميميّة مدهشة وتعوّضنا كلّ الدّفء الّذي هتكته طيلة ابتعادها . هكذا كانت العارم امرأة مشطورة بين عبد الرّحمان العامري وزائريه اللّيليين وبيننا . لا تدري من ترضي أو لمن تلتجئ إذا ضاقت واستبدّ بها هذا الحوش الّذي ملأها وأفرغها وحدفها أخيرا كقذارة إلى سجن المدينة الرّابض على أطراف قلبها المنهك .
هناك في تلك الغرفة ظلّت أختي حليمة تتهاوى إلى أن ذبلت كوردة . لم أتمكّن من نجدتها حتّى تقف من جديد وتلج دنيا أخرى . كنت صغيرا في هذا الحوش لا حول لي ولا قوّة . لمّا اشتدّ عودي وصرت قادرا على الحسم كان عبد الرّحمان العامري أيّامها أشدّ منّي وأقوى ولا أحد يستطيع مواجهته . الكلّ هنا كان يهابه . الزّقاق ظلّ كعجينة بين أصابعه سنة بعد أخرى . الوحيد الّذي تطاول عليه كان عامر الوافي . بعد أن أهانه أمام الجميع غاب لمدّة طويلة عن العيون ثمّ باع تلك الفيلا وغادر إلى العاصمة . كان هذا آخر عهد لي بعامر الوافي وليلى وأمّها مريم . فجأة اختفوا ولم يتركوا خلفهم إلاّ أسئلة عديدة متلهّفة لأجوبة سائبة على أكثر من فم حاول استجلاء حقائق عدّة واجتهد ولم يجزم . هكذا عاشت عائلة عامر الوافي بيننا لسنوات عديدة وظلّت مغلقة حول نفسها وسط هالة من الأسرار والشّكوك دون أن يتمكّن الجيران من اختراق تلك الجدران العاليّة واكتشاف ما يجري خلفها من وقائع خفيّة . ظلّت لغزا ولهفة الكثيرين لكن دون جدوى . رغم المحاولات الكثيرة الّتي بذلت فإنّ الحيل والتّدابير ظلّت قاصرة . أنا الوحيد الّذي استطاع الولوج إلى هناك لكن لم أكتشف ما يثير . فقط دهشت وأنا أجوب بعينيّ أثاثها وما تحتويه تلك المكتبة المتراميّة من كتب ورسومات وتحف .
بقيت للهزيع الأخير من اللّيل وأنا جالس وسط الحوش أستعيد سنوات متراكمة تشبه الموت وإن تخلّلته ليال نادرة مليئة بالحياة . لعلّني وأنا بصدد السّفر بعيدا عن هنا أحاول أن أمضغ لمرّة أخيرة كلّ ما مرّ بي . ما يشبه الوداع الأخير أحسسته يستفحل في الجدران المهملة . هناك كنت أمضي السّاعات في رسم فجوة شفتي أختي ربح بعد أن سقطت عليهما موسى ذلك المسنّ الّذي تعتعته الخمرة ليلتها . كنت حزينا لأجلها وأنا أطارد الدّود على الورق وأحاول جاهدا أن أمحوه . في ذلك الرّكن البغيض كان عبد الرّحمان العامري يمسك بقطّ صغير ويتّجه به نحوي . يدسّه في لحمي تحت ثوبي وهو يموء في توتّر وألم . ظلّت آثار مخالبه الصّغيرة أيّاما على جسمي . كان يقهقه والقطّ يغرز لحمي وأنا أصرخ وأصيح . هناك في الأعلى عند السّطح بعثر كلّ الصّناديق الّتي جمعتها وجعلتها بيوتا للحمام . كان يجذب تلك الفراخ الصّغيرة ويقتطع رؤوسها ويلقي بها إلى أسفل . لم يهتمّ لتوسّلي ورجائي . كم نقمت عليه سنواتها . ظلّ دائما يقع في مقالبي الصّغيرة . كنت الوحيد الّذي يخشاه . رغم صغري كنت واسع الحيلة معه . لمرّات لا تحصى أهنته أمام أمّي وتمكّنت منه وحوّلته إلى أحمق أمامهنّ . كنت أجد لذّة عاليّة وأنا أسخر منه وأطيح بأنفه إلى التّراب وألطّخ جبينه .
فتحت الغرف وولجتها واحدة واحدة . كانت دموعي تنتابني كلّما خرجت لألج أخرى . فجأة همدت وتهالكت في موت أبديّ . لن يرتفع صياح عبد الرّحمان العامري في وجه أمّي بعد الآن ولن تبلغ كلماته البذيئة جيراننا الغارقين في نومهم . لن تلوذ أختي ربح بغرفتها وتغلق دوننا الباب . لن يحدث سرير ربح ذلك الصّرير القذيع ويخدشني وأنا أطلّ عليها من ثقب الباب لأكتشف ما يحصل . سوف لن يتمدّد عبد الرّحمان العامري كثعبان في فسحة الحوش وينهمك في شخيره المرتفع ولا يتركني أغمض جفنيّ وأنام . كلّ تلك التّفاصيل البعيدة انمحت وتهالكت نهائيّا ولم يتبقّ منها إلاّ هذه الجدران الخائبة الّتي ستتحوّل مع الأيّام القادمة إلى مهجورة تتزاكم فيها أرواح عائلتي وأولئك الأغراب الّذين ظلّوا لسنوات يلجون هذه الغرف العطنة ويمضون مع آخر اللّيل . هو الوحيد الّذي لم يلج غرفة من هذه الغرف ولم تطأ قدمه عتبة الحوش . كلّما احتاج لرائحة امرأة أخرى غير زوجته تسلّل ليلا كلصّ وامتطى سيّارته وجاب شوارع وأنهج وأزقّته المدينة . له أكثر من خليلة وإن ملّ أجسادهنّ . دائما ما يتصيّد جسدا لم يلجه . ليلتها عثر على أمّي . فصل الخريف يعدّ أيّامه الأخيرة وبرد الشّتاء وصقيعه الحادّ يراودان ما تبقّى من عواصف انهارت بعد واستسلمت للمطر والثّلج . الأشجار العارية كانت تشبهها في تلك اللّيلة العصيبة والدّفء كان مرامها تحت ذلك المصباح الشّارعيّ . توقّف قريبا منها وفتح باب سيّارته ودعاها للمضيّ معه . لم ترفض ولم تبد انزعاجا . صعدت وجلست حذوه في صمت . انطلق مع الشّارع وابتسامة خفيفة تتشكّل على شفتيه . تلك هي العارم أمّي . هكذا روت لي تفاصيل تلك اللّيلة بعد أن تعتعها السّكر . ما تبقّى من تفاصيل جابتها كما لو أنّ مغامرتها ذكرى لا تريد نسيانها مع رجل غريب فاجأها ذات ليلة باردة جدّا . ذلك هو الحلم الّذي فاض وأنا مجرّد نطفة تنحدف فيها حتّى أكون :
( ت )
( المطر بعد تندلق في جنون وحلمي يتمطّط من وراء البلّور الّذي ازداد قسوة وجبروتا ولم يتهشّم وأنا أعضّ سطحه بأضافري وأشرخ ما أمكن فيه بأسناني . الرّجل الّذي يتبدّى أبي يحاول بكلّ قواه فكّ القضبان دون طائل . أراه يصرخ ويصيح ويدفع يديه نحوي ويستجديني تحطيم البلّور بيننا . ينزع سترته ويحوّلها إلى مطريّة حتّى يمنع الماء من السّقوط على البلّور فيراني . تتبدّى النّافذة أعلى منه ولا يستطيع بلوغ علوّها وبطنه تلتصق بالقضبان وتترك فوهة أعلاه فلا يتمكّن من سدّها . العياء يعيقه عن بذل محاولات أخرى . إنّه يترنّح ويفقد توازنه ويتهالك على الطّين الحارّ كلّ مرّة . يقف بعد لأي ولطخة من الوحل تغلّف وجهه . يدفع أصابعه ليزيل الوحل . تتشكّل على ملامحه أخاديد موحلة . تتوقّف المطر الغزيرة وتتحوّل إلى رذاذ خفيف . لهفتي تكبر وأنا أتملّى وجهه الّذي يتبدّى لحظة بعد أخرى . أكاد أنطلق إلى أحضانه وأرتمي فيها . إنّها تكفّ نهائيّا عن الهطول ولم تبق منها إلاّ رائحة عليلة وحرارة هشّة . الآن سأراه ولن تمنعني المطر . دقّقت النّظر فيه دهشا . لم أر إلاّ لطخة الوحل وهي تخفي وجهه عنّي . لا أكثر من موات يستفحل فيه الطّين ويمحو قسماته . اقترب منّي حتّى يدركني ولم يتمكّن . أنفاسه كانت تدفع بخارا كثيفا من وراء الوحل العالق … ) .

كنت كمن يقتلع من أصله ويلقى إلى ما يشبه الصّدفة . صدفة الأمكنة الّتي أجهلها ولا أعيها . أن أعيش كلّ هذه السّنوات هنا وأجد نفسي مدفوعا للهرب فجأة دون أن أسعى إليه بنفسي فذلك يعني أنّني لا أملك قدرة القرار . عمرا وأنا أشتدّ كراهيّة لهذا الحوش البغيض وأتمنّى أن تدوسه أقدام عملاقة وتحوّله إلى طحين من الاسمنت والرّمل والحجر حتّى أحسّ بذلك المحو الخارق لكلّ ما يجرحني ويهتك شعوري بالرّفعة والأنفة لكن ظلّ ذلك حلما لطفل فتح عينيه على ما لا يرضى . كان أطفال الزّقاق ينعتونني ببذاءات عديدة ولا أجد ردّا إلاّ الانفراد بهم واحدا واحدا والانتقام منهم إلى أن تمكّنت بعد شهور من جمع عصابة حولي . كلّ ماسحي أحذية المدينة صاروا بعد مكابدة تحت إمرتي . صرت سيّدهم الّذي يخشونه ويقرؤون له حسابا . كنت كلّما اجتمعت بهم في خربة البراميل وعلوتهم كملك شعرت أنّني أستطيع حفر مصيري وحدي دون حاجة لعائلتي . أوامري ظلّت لسنوات تجاب دون تردّد أو خوف . كان عامر الوافي من جملة ضحاياي الّذين لقّنتهم درسا . كان بعد أن دفعني من صدري على مرأى من ليلى ابنته وأنا أخطو ملتصقا بها تحت مطريّتها وألقى بي في بركة ذلك المساء الممطر شعرت أنّني منبوذ ولا أحد في الزّقاق يحبّني أو يراني كبقيّة الأطفال الآخرين . بدا لي أنّني دونهم قيمة وتوقّعت أنّهم يوصونهم بعدم الاقتراب منّي واللّعب معي . ذلك كان أبشع إحساس عشته . إلى الآن أشعر به كإبر تنهش لحمي . ظللنا لأيّام نترصّده إلى أن باغتناه ليلا وهو عائد إلى الفيلا متعثّرا . كان السّكر باد عليه . فجأة شددت كيسا إلى رأسه إلى أن بلغ حدود صدره وأحكمنا وثاقه بحبل . حاول الخلاص منّا ولم يتمكّن . صاح فلم ينجده أحد . قدناه إلى الخربة . هناك فتحت الكيس بموسى من الأعلى إلى أن ظهر وجهه . لم يصدّق الأمر وهو يراني أقف قبالته وقد اشتدّ غضبي وثارت ثائرتي . أهنته ليلتها كما ذلّني مساءها أمام عيني ليلى إلى أن بلغت منه شبعي ثمّ انحدفت نحوه سيقاننا ركلا وهو يجري في لهاث وتعثّر إلى أن اختفى . بعد ذلك صار يهرب بعينيه عنّي كلّما رآني . ينتابه حرج بالغ وهو يهوّم في الزّقاق متوقّعا قدوم أصدقائي الصّغار فجأة . يسرع الخطو نحو وجهته دون أن يلتفت خلفه . سرعان ما يغيب وأنا أتابعه في كبرياء كي أذلّه أكثر . ليلى دائما ما أراها تقف بيننا . كما لو أنّها تلومني على صنيعي مع أبيها.تترجّاني حتّى لا أتعرّض له مرّة أخرى. تستدرجني إلى هدنة معه . ترى أنّني تطاولت عليه بالقدر الكافي .
أنا الآن راحل . سأترك هذا الحوش والحيّ برمّته . قد أجد لي أهلا أو أسرة ما في أرض أخرى غير هذه الأرض . كلّ ما مضى عليّ هنا سيمحى دون رجعة . ما يملأني أخيرا أنّني واجهت وقاومت وصفعت من صفعني وذللت كلّ من أهانني ولم أطأطئ رأسي لأحد إلاّ لأمّي . الوحيدة الّتي لم أجرحها أو أشتمها هي العارم . بدت لي دائما تلك الأرض البور الّتي انفلقت وقذفتني إلى هذه الدّنيا وإن حاولت أن تلئم ما انكسر داخلي لكنّها لم تبلغ ذلك وأنا أرى يأسها يختلط بدموعها ويتهالك عند قدميها لينبت ما يشبه الشّوك . حيلتها وهي تشير عليّ بالذّهاب إلى مصطفى الضّاوي لم تنفع . كانت مجرّد توقّعات خائبة . ذلك الرّجل المتحذلق لا يمكن أن يكون أبي . لو كان كذلك لتبرّأت منه . هو لا أكثر من حشرة بغيضة في تلك العاصمة وإن بدا عليه الجاه والنّعمة . مثله في عدد شعر الرّأس وخيباتهم أشدّ وطأة من ذلك البهرج الفارغ . تماما كالسّوس الّذي ينخر في تواطؤ بشع عظام هذا البلد ويدفعه إلى هاوية . إنّهم زمرة عجيبة تستفحل يوما بعد آخر ويتناسلون كلّ يوم دون أن يتوقّفوا أو يواجههم الآخرون الغارقون في صمتهم .
بكيت ليلتها طويلا . كنت كمن يلقى بعيدا . تماما كزبالة . لا أحد سيقف دوني والباب ويتمسّك ببقائي . كنت كلّما سافرت إلاّ وعدت بعد غيبة إلى هذا الحوش المنتن . ظلّت وشيجتي به قائمة لسنوات . هناك أمّ تنتظرني حتّى أعود . الآن لن ينتظرني أحد إلاّ هذا المواء الّذي تطلقه قطط جائعة في الزّقاق ولم تجد ما تأكل . إلاّ هذا اليتم المعشّش في كوى وأركان الحوش . لو كانوا هنا لما غرقت في هذه الجهمة الحادّة . كنت سأمضي دون أوبة . سأحسّ وأنا أبتعد أنّ هناك أهل لا أرغب فيهم خلفي . هذا لن يهوي بي إلى كلّ هذا الوجع الّذي يصرخ داخلي في هذه اللّحظة المربكة .
تسوّرت ثمّ بلغت السّطح وجلست . هنا كانت تتشكّل كلّ مغامراتي الصّغيرة وتتبدّى بعبثها دون خوف من نتائجها وعواقبها . ردّة أفعالي كانت تطبخ في صمت قد يدوم لحظة أو ساعة أو يوما . ظلّ عبد الرّحمان العامري ذلك الغول الّذي لا يسقط إلاّ بعد دهاء وحيلة . أمضى سنوات وهو يرهبني . كلّما رأى ساقيّ تتدلّيان إلى أسفل وأنا غائب في الصّمت إلاّ وتوقّع ما لا يطرأ له على بال . كان يحذّر أمّي من مغبّة ما سأفعل . كما لو أنّه يترجّاها حتّى لا أقوم بحماقة ما .
لا أدري كم بقيت جالسا هناك . كلّ تفاصيل ذلك الماضي البعيد اندفعت نحوي كنمل كبير الحجم كثير . يعضّني ويترك في كلّ موقع على جسمي آثارا كالقروح . كانت لهفتي للرّحيل تكبر كما كان إحساسي بالدّون بشعا جدّا . هذه المرّة لن ينتظرني أحد . ذلك الخاطر كان منشارا يحزّ قلبي شيئا فشيئا إلى أن ابتعدت وتركت كلّ ذكرياتي المرّة خلفي دون أن ألتفت . فقط ظلّت ليلى تدفع يديها نحوي وتجذبني إليها كمغناطيس وتقشّرني كلّما خطوت إلى الأمام وتلقي ببقايا عالقة بي فأشعر بها تتهالك ورائي محدثة ضجّة ما بعيدا . إنّها تفتكّني من هذه المدينة إلى أخرى . روت لي الكثير عنها حتّى صرت أجهلها . لم تراها ليست كغيرها ؟ الحمّامات مدينة ضاربة في التّاريخ وهذا عاديّ . كلّ مدننا السّاحليّة المشرّعة على البحر مشبعة بالقديم ويكمن فيها أسر خالص ولها تاريخ ملفت . من جلد ثور علّيسة الّذي حوّلته إلى شريط لا نهاية له في عيني ملك هام بها وتمنّى فتنة جسدها وهو يخطو على أرض رحبة مترامية الأطراف إلى الحنايا الّتي قامت وقطعت مسافة طويلة حتّى تحمل ماء زغوان العذب إلى ثغر حبيبة أراد أبوها الباي توريط عاشقها في مهمّة مستحيلة ولم تفلح محاولته معه وهو يفاجأ بالماء يقبل في هسيس على شبر من نافذة ليلى إلى أيّامنا هذه . كلّ هذا الوطن خصب بالجمال والخرافات والحكايات . جدّاتنا يروين ما لا يطرأ على بال . خيالهنّ بليغ وحافل بالعجيب وإن سهونا عن ذلك . هي ليست ليلى الوافي . هي ليلى بنت الباي . كلتاهما عاشقتان وإن جمعتهما هذه المدينة معا . بينهما عشرات السّنين فقط . الزّرقة فيهما ظلّت هبة البحر الّذي يحضن مدينة الحمّامات . هي الحكايات الّتي بقيت واختلفت من فم إلى آخر وإن بلغت ليلى مسالك غريبة أخرى لا تصدّق في رسالتها رغم ثقتها وهي تحبّرها لي في تكثيف ساحر وتملأني بولوج كالخرافة إلى أسرار شتّى في مدينتها الّتي عشقها عامر الوافي وزوجته مريم بعد عطلة أمضياها فيها وانتقلا إليها بعد مرارة قصيرة العمر في العاصمة مع ابنتهما . ذلك أمر آخر أرجأته إلى حين لقائنا . هي تدرك لهفة أهل الزّقاق على تتبّع أسرار عائلة عامر الوافي رغم رحيلها من سنوات عن ذلك الحيّ . كما لو أنّها ترغّبني في اكتشاف حقائق لا عدّ لها وتعدني برواء عميق بعد عطش طال أمده وظلّ حبيس الأسئلة الّتي تقادمت ولم تهمد بعد .
الآن فقط شعرت أنّ المضيّ إلى أبعد ما أستطيع قد يخفّف وطأة الدّون الّتي تلبّستني عميقا ونالت منّي . كان هناك ما يشبه المقصّ الصّدئ يتتبّعني ويتعقّب وجهتي ويجتزّ ما هو بال فيّ ويلقي به حولي كما اتّفق إلى أن تعرّيت تماما في ذلك اللّهاب اللّيليّ السّافر . تخفّيت حتّى لا يكتشفني أحد إلى أن بلغت محطّة المدينة . هناك تواطأت مع تحيّات الصّباح البليدة الّتي لا تحمل حرارة اللّقاء بقدر ما تعني واجبا ثقيلا يخفي خلفه أكثر النّوايا سوءا …

(يتبع)

*روائي تونسي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق