ثقافة السرد

تساؤلات على ضفاف النيل-2

زهير عبد الرحمن

سألني صديقي صدّيق ساخراً ونحنُ نسير: هل كتبتَ وصيّتَك؟
ليسَ بعد، مازلتُ أواجهُ مشكلة في إقناع زوجتي وأولادي. أنتَ تعلمُ أن هذا الموضوعَ شائكٌ جداَ ويحتاجُ إلى تفكيك الكثير من الافكار الموروثة.
أردفَ ثانية وقد اتّسمَ وجهَه بالجديّة: بصراحة سأعيدُ عليكَ السؤالَ ثانية، مالمشكلة الحقيقية وراءَ التبرع بالأعضاء بعد الموت، لقد فاجأتني بإجابتك السابقة وما أظنّكَ إلاّ تَمزح، لا أستطيعُ أنْ أفهمَ رفضكَ للفكرة وأنا أعرفُ كمْ أنتَ تقدّرُ قيمةَ العلم والحياة البشرية؟ مالمشكلة إذا أُعطِيَ قلبُكَ لمريض يحتاجُه لإنقاذ حياته مثلاً ، مالقلبُ إلا عَضَلة شأنُها شأنَ باقي أعضاءِ الجسم؟
أنتَ وضعتَ اليدَ على الجرحْ، هذا هو الاختلافْ، أنا لا أرى إطلاقاً أن القلبَ مجرّدُ عضلة، القلب هو أكثرُ منْ ذلكَ بكثير، هو الكائنُ ذاته، هو مكمنُ المشاعر والذكريات في الانسان، هو مصدرُ الاحساس بالحياة، به يتألّم الإنسان وبه يشعرُ بالحب، به ينمو وبه يكبر. بالقلب يعرفُ الانسان معنى القلق والوجع، والعقلُ هو الذي يبحثُ عن الحل ليسَ إلاّ، بالقلب يدركُ الانسان حجمَ الفراغ ورجعُ الصدى. به يتولّه بالحنين للماضي.
القلبُ هو الأنا غيرُ القابلة للاستنساخ أو التجديد، القلبُ يولدُ مرّة واحدة فقط، ولا يكبر ولايصغر، القلب كالبحيرة يمتلئ كلّ يوم, وحين تجفّ الينابيع التي تصبّ فيه يبدأ بالجفاف شيئاً فشيئاً ويذوي نحو النهاية، النهاية كبحيرة مليئة جفّت وتبخّرت مياهُها. الذكرياتُ لاتموتْ، فالقلب يختزنها في الروح كما تختزن البحيرةُ مياهها في الغيوم.
آملُ أن تكونَ أدْركتَ الفرقَ بينَ القلب وبين أي جزء آخر في جسم الانسان من وجهة نظري طبعاً. فكما أنّ الانسانَ لايستطيعُ أن يَحيا بدون قلب فهو لايجوزُ أن يستضيفَ قلباً أخر. موتُ القلب هو نهايةُ رحلةِ الانسان وتعبُ المشوار. أتَذْكُر أخرَ الأخبار العلمية، إنها تتحدث عن اكتشاف الخريطة الجينية للانسان، وعن طريقها سيتمُّ السيطرة على كل الأمراض لا عن طريق استبدالِ الاعضاء.
حسناً… حسناً، أتفهّمُ وجهةَ نظرك، لكنْ بالله عليك أخبرني، أليستْ رغبتكَ هذه بحرقِ الجسدِ بعدَ الوفاة هي نتيجة وساوسك وخوفك من الدود مثلي، أليستْ لديكَ مثلُ هذه الهواجس؟ ردّ صدّيق.
أجبته: أولاً، أنا لا أحبُّ تعبيرَ حرقِ الجسدْ وأفضّلُ استخدامَ تعبيرِ دخول ” بيت الوداع “، فهو يليقُ بالانسان أكثر، وثانياُ: الدودُ عبارة عن كائن موجود في الطبيعة وله دورة حياة عليه أن يحياها. من قالَ أنه خُلق بسببنا أو من أجلنا، هذا غير صحيح اطلاقاُ. كلّ ماهو موجود بالطبيعة له دور ما عليه أنْ يؤدّيه في مسرحية الحياة هذه، وبعدها ينتقل إلى دور آخر وهكذا…. ورغبتي بهذا الشكل لنهايتي هي تعبير حقيقي عن قناعتي بعدم جَدوى طقسُ الدّفن بشكله التقليدي.
أتَذْكُر عندما صَادَفنا جِنَازة لمُتوفّى من قبائل الجنوب، الاسبوع قبل الفائت، هل لاحظتَ كيفَ يتقدّمُ موكبَ الجنازة رجلٌ من القبيلة ينفخُ في البوق موسيقى جنائزية حزينة، كان البوقُ من قرون الوعْل. إنّه طقسٌ بدائي آخر لمراسِم الموت والتعبير عن الحزن ليسَ إلاّ، شكلٌ عقلاني للتخفيف من حجم الفجيعة، وحجم المُصَاب على أهل الفقيد. تماماً مثلُه مثلَ قرْعِ الجرسِ في الكنيسة أو تِلاوة الذكْرِ الحكيم. ولكنَّ هذا المظهرُ العقلاني ماهو إلا شكْلاني يُخفي قهراً وألماً كبيرَيْن، يُخفي شكلاً مبطّناً للاحباط والهزيمة التي يشعرُ بها الانسانُ لحظةَ ادراكِه لفقدان عزيز. وهذا الشكلُ المبطّن يتجلّى فيما بعد بانتفاضة في اللاوعي عند الانسان كالذبيحة حين تنتفض قبل استسلامها النهائي، لذا يُكْثرُ من ممارسة الجنس في فترة الحداد وقد لوحِظت هذه الظاهرة عند بعض الطيور أيضاً. ومَا هي إلا ردُّ فعلٍ غيرَ واعٍ لرفضِ الموتَ كقدرٍ للانسان أو الكائن عموماً.
واستطردتُ بالقول:
كما أن الدفنَ سوفَ يستهلكُ مساحات كبيرة من الأرض بمرور الزمن. ويَحصُلُ أنّهُ بعدَ تعاقبِ عدةِ أجيالٍ أنْ يفقدَ موت هؤلاء رهبتهُ. خصوصاً عندما تفقدُ هذهِ المدافنَ صلتَهَا بالحاضر وتنقطعُ، عندها سيتّمُ التعاملُ معَها بشكل مختلف وسيُنظَرُ للانسان على أساسِ الكَمْ. وقد يُحيْلُها إلى مدافنَ جماعية توفيرا للمساحات من الأرض. وربما يحرقُها باستخدام سلطةِ القانون لا الأفراد.
قُلْ لي: هل تملكُ أنتَ أو أيٍّ من أصدقاؤك أي معلومة عن جدِّكَ السادس عشر؟ أو حتى العاشر؟ الجواب ببساطة لا. ولو قيْلَ لكَ الان أن جدّك الثالث عشر يرقدُ الان على بعد خمس ساعات سيرا على الأقدام فهلْ ستتكبّدُ عناءَ البحثِ عن المكان، أم ستقول ببساطة شديدة: دعْهُ يرقدُ هناكَ بسلام طالما أمضى كلّ تلك الفترة؟ الجواب ببساطة هو الثاني. لماذا لأنّ الصلة والعلاقة انقطعت، أيْ الذكريات لم تعدْ موجودة. لِذا لِمَا لانختصرُ المسافةَ ونوصي برحلة إلى بيت الوداع تنتهي بأن يُوضعَ الرّفاتُ في قارورة غير قابلة للكسر. يتّمُ وضعٌها في البيت حيثُ سيشعرُ الأهلُ بأنّ الروحَ مازالتْ معَهُم بقربهم كلّمَا نظروا إليها. وربّما استطاعوا أحياناً أن يتواصلوا معها؟ وعلى الأقلْ سيتّمُ الاحتفاظ بدفءِ الذكريات. وبدلاً من الذهاب بعيداً لوضعِ باقة من الزهور، يستطيعوا أن يضعوا الوردَ بجوارها بشكل دائم، بمعنى آخر تستطيع أن تتخلّص من ألَم البعدِ المضافِ لألمِ الفراق.
وفيما نحنُ نتحدّثُ ونسير، إذ فوجئتُ بمحلّ صغير يحملُ عنوان ” كل شيء للتأجير” فسألته ماهذا إنه مكتوب على لافتة المحلّ. فأجابني بلى. إنه محل يؤجّر كلّ شيء. أجبْته ولكنّه محل بقالية. فصمتَ صدّيق وابتسم.
بعد فترة، وأنا أحتسي فنجان قهوة وحيداً بعد الغروب في إحدى المقاهي المنتشرة على ضفّة النيل، شاهدتُ أنساناً يستحمُّ على مبعدة منّا بمياه النهر. فهمتُ أن البعضَ من الفقراء والمعوزين يستأجرون قطعة الصابون من محل ” كل شيء للتأجير”، ويأتوا بعد مغيب الشمس إلى هذا المكان فيستحموا ثم يُعيدوا قطعةَ الصابون للمحلّ ثانيةً. كانَ لهم حقّ الاستخدام فقط.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق