إصدارات

الدكتور خالد عزب يشيد بالمجلة الثقافية الجزائرية

ألقى الدكتور خالد عزب؛ مدير إدارة المشروعات الخاصة بمكتبة الإسكندرية، محاضرة مساء أمس الأربعاء في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث بالإمارات العربية المتحدة تحت عنوان “مستقبل الثقافة العربية”. وقال عزب إن هناك جدل عميق على الساحة الدولية حول مستقبل الثقافة؛ حيث يبدأ الحوار في كل دولة من دور المثقفين، إلى مدى أهميتهم، ودور الثقافة في بناء خصوصية المجتمع والدولة، لافتا إلى أن المثقف هو من يعمل في أي مجال من مجالات إنتاج المعرفة أو نشرها. وأوضح أن قوة المعرفة هي التي تحدد في الوقت الراهن مدى تقدم أي دولة أو مجتمع، كما أن صناعة المعرفة هي أداة الدولة، بينما يتمثل الهدف في حيازة المعرفة. وأشار إلى أن صنّاع المعرفة لم يعودوا هؤلاء المثقفين التقليديين، بل إنهم ينقسمون اليوم إلى: الأفراد المبدعين، والمؤسسات الحكومية كوزارات الثقافة والهيئات الثقافية، والمجتمع المدني؛ سواء في شكل مؤسسات الفكر العربي التي قامت على دعم مجموعة من الشخصيات العامة العربية، أو الأفراد مثل مجلة أخبار الثقافة الجزائرية وموقع دار الكتب الإلكتروني المصري الذي قام على أكتاف مجموعة من الشباب.

وأكد في حديثه عن المجلات الثقافية أن مجلة العربي الكويتية مازالت تتربع على عرش المجلات الثقافية العربية؛ فهي ولدت عربية الطابع وقدمت خدمات جليلة للثقافة العربية، إلا أننا الآن أمام حالة جديدة تتمثل في ظهور مجلات ثقافية رقمية على نحو مجلة أخبار الثقافة الجزائرية (www.thakafamag.com) التي أخرجت لأول مرة الثقافة الجزائرية من محيطها الوطني الضيق إلى الوطن العربي الكبير عبر جهود تطوعية من مثقفين، فأنهت احتكار وزارة الثقافة الجزائرية للإصدارات الثقافية، وظهر ما يسمى “المثقف المستقل”.

ولفت إلى أننا نفتقد في العالم العربي مجلات مثل: “عالم الفكر” الكويتية، و”المورد” العراقية، و”فصول”، و”المخطوطات العربية” وغيرها من المجلات التي تأخذ منحى العمق فيما تنشره وتكشف عن مفكرين وفلاسفة ومبدعين، مشيرا إلى أن هذه المجلات تعثرت في السنوات الأخيرة. وفيما يتعلق بصناعة النشر، نوّه إلى عدم وجود صناعة نشر في الوطن العربي، بل هي مطابع للكتب وهيئات ودور تعيش على ميراث قديم أو بدعم مستمر من الدولة، أو تقتات على نشر الكتاب الجامعي، أو تستغل حفنة مما تبقى من أسماء عربية لامعة في عالم الكتابة دون أن تخرج أجيال جديدة. وأضاف أن غالبية الناشرين ليست لديهم خطط مسبقة للنشر، ولا يهتمون فيما ينشرونه سوى بتحقيق مكسب مادي. وشدد على أن تحميل جهة بعينها المسئولية أمر فيه اختزال للمشكلة في طرف واحد دون بقية الأطراف التي أجملها في: هيئات الكتب الرسمية، واتحاد الناشرين العرب، واتحاد الكتاب العرب، والصحف ووسائل الإعلام، وكليات الفنون الجميلة والتطبيقية، ودور النشر العامة والخاصة، وغرف صناعة الطباعة والمطابع، ووزارات المالية، ووزارات الصناعة لمسئوليتها عن صناعة الورق.

وأشار إلى أن عدم وجود صناعة نشر في العالم العربي لا ينفي وجود تجارب نشر تستحق الإشادة، ففي الهيئة العامة المصرية للكتاب نجحت سلسلة تاريخ المصريين في سد فراغ كبير في التاريخ المصري، وقدمت مؤرخين شباب للساحة الثقافية المصرية والعربية، حتى أضحت مرجعا لا غنى عنه لأي باحث. كما أن هناك تجربة المشروع القومي للترجمة الذي ينفذه المجلس الأعلى للثقافة في مصر؛ حيث تتنوع اللغات المترجم منها إلى العربية، وتتنوع الموضوعات المترجمة، وتظهر الجدية في كل ما ينشر، مما دفع هذا المشروع ليحتل مكانه مرموقة على الساحة الثقافية العربية، كما نجح في تخريج جيل جديد من المترجمين الشباب ممن سيكون لهم أثر كبير في السنوات القادمة.

وأشاد كذلك بتجربة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت الذي يصدر سلسلة عالم المعرفة التي تعد أفضل ما ينشر على مستوى الوطن العربي، أو سلسلة روائع الأدب العالمي التي بدأت بروائع المسرح العالمي، ملمحا إلى أن حرص القائمين على برامج النشر في الكويت على الدقة واختيار الموضوعات بعناية فائقة، جعل سلاسل النشر الكويتية ذات مصداقية عالية.

ونبّه إلى ضرورة إصدار قانون لحفظ حقوق المؤلفين، كالقوانين التي تحكم حقوق المطربين والملحنين، ليكون هذا القانون بداية لنهوض حفيقي بصناعة الكتاب؛ إذ إن احترام حق المؤلف سيؤدي به إلى الإبداع واحترام جمهوره، كما سيجعل للجمهور حق محاسبة المؤلف على ما ينتجه. وانتقد في هذا الإطار دور اتحاد الكتاب العرب الغائب في حماية حق المؤلف. بل كشف كذلك عن حقيقة أن نصف أعضاء الاتحاد ليسوا بكتّاب؛ حيث انضموا إليه من خلال المحسوبية والواسطة لدى لجنة القيد.

وتطرق الدكتور خالد عزب إلى قضية المكتبات، وما إذا كان عصر المكتبات قد انتهى في ظل الثورة الرقمية التي يشهدها العالم؛ إذ إنه مع ظهور المكتبات الرقمية أصبح هناك تساؤلات عديدة حول ماهية هذه المكتبات، ومدى تهديد السيل الغزير بها من  المعلومات والمعارف للهوية الثقافية، وما إذا كان ظهورها يعني انتهاء عصر المكتبات التقليدية.

وعرّف عزب المكتبات الرقمية بأنها مجموعة من المعلومات الخاضعة لإدارة منهجية، تهدف إلى تقديم خدمة معرفية من خلال اختزان المعلومات في صيغ رقمية، وإداراتها، ومن ثم إتاحتها عبر شبكة من الحاسبات. وفرّق في هذا السياق بين السيل المتدفق من المعلومات إلى الحاسب الآلي لأي شخص، وبين إدارة المعلومات عبر شبكة الإنترنت؛ فالأولى تعني العشوائية، والثانية تعني أن هناك من ينظم هذه المعلومات ويدققها ويمحصها قبل أن تصبح ذات مصداقية لدى من يتلقاها.

وقال إن مفهوم المكتبات بات حوله نقاش جدي، فهناك تحولات جذرية تحدث الآن، أدى بعضها إلى تشكيل اتحاد دولي للمكتبات الرقمية(DLF) في مقابل الاتحاد الدولي للمكتبات (التقليدية) IFLA؛ حيث يضم الأول المكتبات الجامعية في الولايات المتحدة والمكتبة البريطانية وجامعة أكسفورد ومكتبة الإسكندرية، وهم يسعون جميعا من خلال معايير صارمة نحو خلق مجتمع مكتبي افتراضي يشكل وعاء للمعرفة الإنسانية على شبكة الإنترنت. أما الثاني فهو مجتمع المكتبات التقليدية الذي يرتكز على مفهوم المكتبات الوطنية التي تقوم بخزن وفهرسة وحفظ الإصدارات الوطنية وغيرها من أوعية المعرفة.

وألمح إلى أنه لا يمكن القول إن عصر المكتبات انتهى مع التدفق المعلوماتي، بل إن هناك مفهوما جديدا للمكتبات سيتشكل بحيث يكون معتمدا بصورة أساسية على البث الرقمي للمعلومات.

وأكد أن نشر الكتب لن يتوقف؛ ذلك أن إطلاع الإنسان على النوادر منها يماثل من حيث الكيفية رغبته في اقتناء اللوحات القديمة وزيارة المتاحف والآثار. بل إن نشر كل ما هو نادر وقديم كنشر أوائل طبعات روايات شكسبير على موقع المكتبة البريطانية جعل القراء في نهم نحو التعامل مع هذه الطبعات مباشرة. وأوضح أنه إذا كانت المكتبات الرقمية ستوفر النوادر من الصور والكتب التي ليس لها حقوق ملكية فكرية، فإن المكتبات التقليدية ستحتفظ بوظائف حفظ الكتب المطبوعة التي سيزداد الإقبال عليها، لأن التجربة أثبتت أن ظهور أي وسيط لا ينفي ولا يوقف الوسيط القديم للمعرفة الذي يطوِّر نفسه في قوالب ووظائف جديدة. كما أن المكتبات ستكون حاضنة للفكر وصانعة للثقافة، بدلا من أن تكون مجرد مؤسسة متلقية للمنتج الفكري والثقافي. لذا، فإن مكتبة الإسكندرية الجديدة – على سبيل المثال – وضعت ضمن خطتها الإستراتيجية أن يكون بها مراكز بحثية منتجة لهذا الفكر وحاضنة للأجيال الجديدة من المثقفين؛ منها: مركز المخطوطات، ومركز الفنون، ومركز دراسات الخطوط والكتابات، ومركز الدراسات المعلوماتية، ومركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي، وغيرها.

وأضاف أنه بات من الملح أن نفكر في إنتاج كشّاف عربي يضاهي “جوجل” وبناء مكتبة رقمية عربية؛ إذ إن الفضاء الرقمي إذا لم يوجد فيه العرب بقوة، فلن يكون لهم مستقبل ثقافي. ولفت إلى بعض الجهود العربية في هذا الإطار، ومنها موقع “الوراق”، والمكتبة الرقمية العربية التي أطلقتها مكتبة الإسكندرية، واللذين يمثلان أولى المحاولات العربية الجادة لإطلاق مكتبة رقمية على شبكة الإنترنت. إلا أنه كشف عن أن هذه المحاولات تجابهها عدة إشكاليات؛ منها: عدم توافر قواعد البيانات للمطبوعات العربية من القرن 19 إلى الآن بصورة متكاملة، وعدم وضوح حقوق الملكية الفكرية سواء بالنسبة لدور النشر أو المؤلفين.

وقدّم عزب خلال المحاضرة عددا من المقترحات؛ منها: ضرورة التنبيه إلى صعود دور المجتمع المدني في الحياة الثقافية خلال السنوات القادمة، خاصة بعدما أتاحته شبكة الإنترنت من مجالات جديدة أمام المثقفين للتغيير، وضرورة إعادة هيكلة المنظمة العربية للثقافة والفنون والعلوم (الإلكسو) بحيث يكون إلى جانب مجلس الوزراء العرب (التعليم- الثقافة) الذي يقرر سياستها مجلس آخر للمثقفين والمؤسسات الثقافية المستقلة، فضلاً عن أهمية دعم ميزانيتها.

وشدد كذلك على أهمية تعزيز دور كتاب الجيب مثل سلسلة “عالم المعرفة” في الكويت، و”المكتبة الثقافية”، و”اقرأ”، و”كتاب الهلال”، لما لها من تأثير إيجابي في الثقافة العربية، وإعادة النظر في منظومة الثقافة العربية الرقمية لكي تنتقل من العشوائية إلى الإبداع واكتشاف المبدعين وتعزيز الثقافة العربية.

وطرح إشكالية المثقف المرتبط بالنظام الحاكم، قائلا إن مستقبل الثقافة في الوطن العربي ينبئ عن ميلاد المثقف المستقل عن منظومة تقليدية قامت على احتضان الدولة للمثقفين، مرجعا ذلك إلى أن شبكة الإنترنت خلقت فضاء أوسع للنشر غير مكلف ماديا، يتيح للمثقفين التعبير عما لديهم، وأن يعملوا بصورة منفردة.

وأضاف أن الفترة المقبلة ستشهد ظهور المثقفين بعيدا عن العواصم، بحيث تكون شبكة الإنترنت هي محطة انطلاق هؤلاء. كما أشار إلى افتقاد الوطن العربي للمدارس الفكرية ومراكز الدراسات المستقبلية، مشددا على أهمية أن يعي صناع القرار في الوطن العربي قوة المعرفة كسبيل للتواجد في عالم لا يعرف إلا المعرفة كأداة للحياة والبقاء.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق