ثقافة السرد

شُعَرَاءُ جُنُونِ البّقَرِ

د. خالد زغريت

وثائق “ويكيليكس” : نسخة باللغة العربية
الوثيقة رقم : ” 668″/ب /ي/ض
درجة السرية : أمن الاقتصاد الهولاندي/ سرّي جداً
الموضوع : تسريبات عن عمل إرهابي على البقر

المصدر : برقية أرسلتها 6/3/2006، مصممة آثار مزورة، لم تنجح في استبدال تمثال نصفي لرأس “غليس” بتمثال من صنع يديها، وباعته لورثة دمه، ليمرغوا أنفه بالتراب مقابل .. مليون دولار أمريكي، وبعد أن تمت الصفقة عملت مرشدة نفسية للبقر الهولاندي في بقاع العالم، اكتشفت سرّ جنون البقر لدى مشاهدتها ميدانياً ردة فعل البقر على حلقة من برنامج طرائف الدنيا.
ملاحظة مهمة : مرفق ربطاً نسخة مسجلة عن الحلقة، وخان ذكاء “إسانج ” محرر موقع “ويكيليكس” لأنّه لا يقترب من ذكْر البقر خشية أن يصاب موقعه فيروس جنون البقر………….

أطَلَّتْ مُقَدِّمةُ برنامج “طرائف الدنيا” بأنوثتها الرخية قليلاً، وبسمتها الشقية كثيراً، وبدأت تقديمها حلقة اليوم، وإلى جانبها صور للبقر بوضعيات مختلفة، تكاد تشكّل فيديو كليب طرائف البقر، وأمام أكبر صورة لبقرة تبدو كأنها ضاحكة بأسف، جلس شخص ضخم اللغاديد عريض الشفتين بقري المنكبين، بيده ربابة، وبالأخرى كتاب، ظهرت فيه صورة أذنين.
بدأت المقدمة حديثها، وكأنه فضلة قهقهة طويلة خلفتها نكتة دغدغت حياءها بمتعة، فقالت: مساء الخير، مساؤكم هذه الليلة كله ضحك، إن شاء الله سنكون مع حلقة جديدة من برنامجكم المحبوب طرائف الدنيا، وأنصح أعزائي المشاهدين – وحرصاً على السلامة العامة- أن يحتاطوا لطوارئ قد يلحقها بهم كثرة ضحكهم في هذه الحلقة الفريدة، بداية اسمحوا لي أن أرحب باسمكم وباسمي أصالة ونيابة عن كل بقر الشرق الأوسط والأدنى والأبعد و الأغرب، بشاعر معروف لكم عن بعد .. يعني على الورق، فهو بين صدور ديوان وآخر يصدر ديواناً … ما شاء الله الشعر عنده مدرار كأنه يدرّ من أربعة شياطين في الجبل كانوا لاطين لا يحولهم لا شتا ولا طين… ولكن كثيراً منكم لم تتح له متعة اكتناز الثروة البقرية القومية ..ثم ضحكت، و رافق ضحكها إيقاع خوار بقري ..
لملمت ضفاف ضحكتها ثم قالت سيداتي سادتي، أنا على يقين بأنكم بعد هذا اللقاء، ستبحثون بالسراج والفتيلة عن دواوين هذا الشاعر الذي لشعره فتيلة، وسوف تقرؤنها صباح مساء، وربما ستزداد نسبة الطلاق لانشغال الأزواج عن بعضهم.
الآن ستتعرفون على شخصيةٍ – بصدق- هي من طرائف الدنيا بشعره، بقصة حياته، بعشقه الغريب، بعلاقته بالفلكلور و الربابة. هل يا تُرى رأيتم قبل الآن شاعراً حداثياً يلعب الربابة، إنه أغرب عشّاق العرب قديماً وحديثاً، عاشق جنون البقر، حبذا يا شاعرنا لو تقدم نفسك للجماهير كما تحبّ وتعرفهم بنبذة عن حياتك.
تنحنح الشاعر نحنحة، رددت الموسيقا التصويرية للبرنامج ا صدى خوار، وقال: أخجلتني يا سيدتي، بداية لا بدّ أن أشكر أصحاب الفضل برعاية موهبتي، وأخصّ بالشكر الجزيل مدير مباقر الشرق الأدنى، وحوش موى الذي أتى على ذكره الشاعر الجاهلي الشنفرى، هذا الشاعر الذي سبق كل التيارات الأدبية العالمية، في تأسيس سوريالية حبّ البقر بشفتيه منذ ألفي عام إلّا ربعاً، فسمي الشنفرى لعظمة بقرية شفتيه، وأحيي من هنا مدير عام مباقر تلدنو وسعادة سفير هولندا، له أحلى تحية، ولا أنسى فضل مدير حوض نهر الكلب، و مشرف سد قويق، ومزارع حانا ومانا المعمورة، واسمحي لي أن أحيي شاعر البقر الأول الذي قال مخلّداً مآثرها وفضلها على كثير من الناس:
عجـبٌ عجـب عجـب عجـب بقـَرٌ تمشـي و لــــــــــــــــــها ذَنـَـــبُ
ولــها في بزِّ بزِّها لــبــنٌ يبــدو للـنّاسِ إذا حـلـــــــــــــــــــبوا
ولا تغضبْ يومـاً إن شُـتِمتْ والنّاسُ إذا شُتِمـــوا غَضِبـُـوا
ضحكت المذيعة على ما بدا في ملامحها من غيظ لاستطراد الشاعر، حتى كادت مرارتها تطق، وقطع المخرج الحلقة – خشية طارئ لا تحمد عقباه، ينتج عن كثرة الضحك- بدعاية جبنة البقرة الضاحكة، وعاد البرنامج، لكن الشاعر فاجأ المذيعة بقوله : كلمة من فضلك، ومن فضل المشاهدين الذين أدعوهم أن يحيّوا معي مشرف مجمع زرائب البقر في عين البقر، قاطعته المذيعة أستاذ الوقت ينفد، عرّف المشاهدين بنفسك، ردّ: … طيب .. طيب على رأسي … لكن اسمحي سيدتي دقَّة واحدة أن أحيي كلّ بياعي قريشة البقر الجنود المجهولين في تعريض أكتاف أصحاب الهيبة وكروشهم، زَوَرَته المذيعة … أستاذ .. ردّ الشاعر: عفواً، سأجيب عن سؤالك، لكن دعيني من هذا المنبر الحرّ أمسّي على الأبطال المهضومين في بذار البقر.
نفد صبر المذيعة: أستاذ سأضطر إلى قطع حديثك، وتقديم ربورتاج أعددناه عن سيرتك المظفرة… وبدأ الربورتاج بعرض صور قطعان البقر تسرح في المراعي و الشاعر هائم يتأمّل رقة حسنها وخوارها، ومعدة الربورتاج تجأر بصوتها ليعلو صوت البقر، من طرائف الدنيا أن يهيم شاعر بهذه الحيوانات الوديعة التي اتخذتها الشعوب مثالاً للشتم و التعيير بالغباء .. انظروا ألفة الشاعر لها، وكأنه ابنها البار، إنه الشاعر الكبير مجنون البقر، طبعاً هو عازف الربابة المشهور في ناحية عيون زنّوبا التي تقع على مفرق جاسم و الصنمين التي سميت بذلك، كما يروى:لأن راعي البقر فيها، كان يدّعي حبّ فتاة طيبة اسمها نجود، و كانت تهرب من رائحة البقر عن بعد أميال، لأنها مصابة بحساسية خاصة من رائحتها وحليبها ولبنها وساقيها، وآكلها وراعيها وبائعها، وحين انزلق الراعي من مجارير السوق الأوربية المشتركة إلى شوّيات التحوّل الاشتراكي، صار طبالاً فصيحاً في ساحة دبكة البقر، على الرغم من أنه لم يفكّ الحرف، وكان لنا معه بمناسبة العيد العاجي للبقر هذا الحوار..أستاذنا ما رأيك تحدثنا عن فرادة علاقتك بالبقر، تنحنح، وقال : ألهمني البقر سبع مواهب، وراح يعددها .. وعندما وصل إلى السابعة قال: أما الأولى: فهي طيب هبرها في لحظة بطر… عضّت المذيعة هبر شفتيها حتى سال دمها هولاندياً، قالت : أستاذ أرجوك ركّزْ، وصلنا إلى السابعة.
أصلح الشاعر جلسته، ثم قال: “أفواً.. أفواً” يا “مطموذيل” – طبعاً هو لا يقصد تصريف أفٍّ، لكنه أراد أن يتفرنس- أمّا السابعة فهي: أنّ البقر ألهمني قصيدة سلختُ فيها جلد قلب” نجود”، فأخذ الربابة وراح يموّل: راعي البقر … قلبه اندقر بين الحجر و الدردار .. نجود .. لأجلك أحببت بقر الدنيا، وأمضيت عمري بالخوار.
اضطرت معدّة الربوبرتاج التي خارت أحلامها ومنابع صبرها أن تنهي تحقيقها بقولها: نكتفي بهذا القدر لمن له قلب فيعي ومن له نظر فيعتبر، وأعادت البث إلى مقدمة الحلقة التي كانت مصابة بالبله لشدة ما اعتبرت مما حدث مع معدّة التحقيق، واستدركت والخوف بعينيها تتأمّل فنجان ورطتها بالمقلوب: أتمنى أن تحدثنا باختصار عن قصة لقبك بمجنون البقر في فترة يمسك العالم قلبه، وبقره من خطر جنون البقر، فتنحنح، وقال: اسمحي أن أمسّي على معاون مدير مؤسسة الأعلاف شمال قزوين وغرب قرقيزيا، فقاطعته: أستاذ أجبني عن سؤالي، انتهت الحلقة، أرجوك، أرجوك، أكاد أجنّ ألا يكفي العالم جنون البقر… القِدر ناقص باذنجانة!!وفوقها جنون مذيعين… فقال: عفواً سيدتي لم أنس السؤال لكن اسمحي أن أحيي، وقبل أن يكمل خلعت المذيعة حذاءيها، وقذفت المخرج باليسرى، أما اليمنى فقذفت بها الشاعر على شنفريه، وقبل أن ينقطع البث، آخر ما سمعناه صدى صوت يلثغ: بث اسمحي… ……
و يروى أن كلّ أبقار العالم المدللة في زرائب مكيفة ومتلفزة التي شاهدت الحلقة فلتت من عقلِها، وراحت تنطح التلفزيونات بهستريا مجنونة، وتخور خواراً يعني بالبقريِّ الفصيح خائرة: جنّنَ جنوننا، بينما خارت المذيعة إلى الأبد، وتركت الفنّ. أما نجود فلما خار الشاعر بفضيحتها تسمّرت في ساحة البلدة، وراحت تتحجّر شيئاً فشيئاً.
بينما راح ظلها يكبر ويتحجّر على شكل بقرة من حجر، قيل مَرّ الهندوس مصادفة فاكتشفوا فتنة جمال البقر. وقيل مرّ من هنا بقر فأصيب بالجنون
وقيل وقيل…اكتشفنا سرّ جنون البقر….
……………..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق