ثقافة السرد

الجندي الذي مات قبلي

قصة : محيي المسعودي

ألمٌ حاد …. ألمٌ  .. يكاد ان يشلّ ذراعي اليسرى . ربّما .. ربّما , هو الذي أعاد لي وعيي بعد غيبوبة لااعرف عنها شيئا ولا اذكر ما قبلها , الاّ انفجار الدبابة التي كنت قربها … لم يتسن لي تحديد موقع الالم بالضبط , مع أنني تحسست ذراعي تلمسا .. كان الليل معتما حالك الظلمة لا أرى فيه ابعد من أنفي .. لم يكن لنور تلك النجوم البعيدة جدا  والمعلّقة عاليا , أي أثر   فقد بدت لي وكأنها مصابيح غرف نوم في قصر سلطان بعيد جدا عني .. هكذا كنت أنظر الى النجوم وأنا في غيهب مجهول .. انتصبتُ جالسا, اتكئ على يدي اليمنى .. في هذا الظلام الدامس , كنت مشغولا بما حولي . . كنت ارى اشباحا سوداء تتبدى لى وهي أشدّ سوادا من عتمة الليل, مما جعل ظلمة المكان بلونها الأسود المتفاوت ، لوحة فنية , كنت قد رأيتها ذات يوم في معرض تشكيلي , وهي تحكي قصة بلاد مابين النهرين .. لم تشغل بالي تلك الاشباح السوداء, مع أنها نشّطت ذاكرتي وذكّرتني بالثقوب الكونية السوداء  التي يقول عنها علماء الفلك , أنها قادرة على ابتلاع كواكب كبيرة وكثيرة بلحظات ..

مادمت أفكر هكذا !! أذن, أنا يقظ وواع تماما, ولكن ,  أين أنا الآن !؟ ولماذا كل هذا الظلام .!؟ دار سريعا شريط ذاكرتي, مبتدئا من تلك اللحظة التي شنت فيها وحدتي العسكرية هجوما مضادا على قوات العدو .. ولكن .. ذلك الليل الذي كنت فيه, جندي مشاة يُرافق الدبابة, ليس هو نفسه , هذا الليل الذي أراه .. ليل الهجوم كان نهارا . هكذا جعلته الأضواء الكاشفة او مصابيح الموت كما يطلق عليها جنود المشاة .. تلك القنابل التي تضيء ساحة الموت وتكشف له الدروب ليختطف الأرواح من الأجساد التي عشقتها …

أين الساعة ..؟ .. أين ساعتي ؟ ساعتي..! ساعتي ..! هاهي , انها, لمّا تزل تطوق معصمي. حاولت قراءتها . لم استطع مع أن عقاربها وأرقامها فسفورية .. يدي مشلولة ورؤيتي ضبابية .. حاولت .. حاولت, لم استطع رفع يدي , حاولت مرات عديدة وفشلت .. ولكني عنيد .. كما يقول عني ذلك الجندي اللئيم (صبري ) .. الآن , أدركت صدق قوله وأنا أحاول وأحاول رفع يدي بلا كلل .. ……. أخيرا نجحت وقرأتُ الساعة .. كانت تشير إلى الثانية إلا قليلا بعد منتصف الليل .. لم أشعر بالبرد على الرغم من شدته .. فالألم أقوى من البرد, وقد ازدادت قوته بازدياد البرد .. شعرت بالدم الجامد قرب موقع الألم .. وبإيحاء نفسي , شعرت بالبرد, شعرت به , بعد أن تذكرته وأنا أقف اربع ساعات “حرسا” في نقطة مراقبة وقتال , لا أبارحها حتى تنقطع صلتي بقدمي, فلا أعود أشعر بهما من شدة البرد الذي يخرق الحذاء الروماني الضخم والجوراب الكوري السميك .. اختلط الألم بالبرد فشكلا  ثنائي وجع مبرح …وانضم اليهما مارد أخر, جعل أمعائي تعربد في معركة, أكاد اسمع وأرى أوارها في بطني, التي اتخيلها مع صور كتاب العلوم, في الدراسة الابتدائية .. رغم برودة الجو , شعرت بالظمأ الشديد وكانت شفتاي تلتصقان على بعضهما .. كل هذه الآلام  والأفكار والصور, وانا لمّا أزل جالسا, لا اشعر بما مضى من الوقت منذ اُصبت !؟ دقائق أم ساعات ؟ .. لا أدري ..؟ ولكن الهجوم بدأ بعد الساعة التاسعة مساء .  فجأة تذكرت بندقيتي , شرعت بالبحث عنها .. لا حبا بها ولكن, خوفا على نفسي .. لا خوفا من عدو.. بل, خوفا من عقوبة تصل الى العشر سنوات حبسا, أن لم اُعْدم .. هذه عقوبة من يعود إلى وحدته وقد فقد بندقيته .. للأسف لم أجد البندقية .. إذن , لن أجد هناك غير السجن دارا تستقبلني عند عودتي .. هذا, إذا عدت إلى ارض الوطن العزيز الغالي الذي شرب دماء مئات الاف من أبنائه بفمه الشره المتسنم على قلاع العاصمة ..

لم تكن لي مندوحة عن النهوض للبحث عن مكان يقيني قسوة البرد في هذه اللحظات .. كانت  الأرض منبسطة مكشوفة ولا أدري إن كانت هناك بعض التلال التي تحيط بها .. اذ لم استطع التدقيق في جغرافيا مكان المعركة اثناء الهجوم  . كنت مشغولا باللعب مع الموت ومماطلته والتملّص منه .. نظرت إلى السماء .. كانت صافية , ولكنها كعادتها في هذا الفصل! تنذر بالغيوم والمطر, فهي كثيرة التمخض في مثل هكذا أيام من العام …

عليّ أن أبحث عن مكان يقيني البرد .. أما الألم , فله الله, الذي يعينني على تحمله والصبر عليه, في هذا المكان المجهول والليل البهيم . مصيري, الآن لا يساوي شيئا, ما دمت برسم القتل النقدي .. ولولا هذا الخطأ الحسابي الذي وقع فيه ملك الموت لما بقيت حيا .. نهضت, وما أن وقفت حتى سقطت على وجهي, أثر دورة سريعة جدا للارض, احسستها أسرع من الضوء . بعد هنيهة عدت لامتلاك زمام نفسي .. تحسست رأسي كانت به أربع بطاطات كبيرة ولا زالت لزجة وقد انتصبت تحت فروة الشعر .. كثيرا ما كنت أحصل عليها من حجر أو عصا وأنا أعترك مع الأولاد .. كنت المشاغب الأكبر والأكثر سطوة, ولكني الاكثر تعرضا للضرب .. نجحت هذه المرة بالقيام وشرعت أمشي , لا أدري إلى أين ..!! امشي وحسب ..!!  لم تسلم خطواتي من عثرة مع كل خطوة أخطوها , الظلام يمنعني معرفة ما اتعثر به .. لاحت امامي كتل سوداء كبيرة, وكأنها تتدانى نحوي .. لم أعبأ بها .  ما يُصيب قدمي وانا امشي كان يشغلني أكثرمن أي شيء ..:  آه .. آه ..آه ..لقد صدمت قدمي شيئا صلبا جدا .. هذه القدم التي حررتها من “البسطال” الروماني , منذ هنيهات .. شعرت ان أصبع قدمي الأكبر قد تحطم .. لم أستطع أكمال المسيرة انحنيت في سورة غضب “اعتراني” على ذلك الشيء الذي حطم مقدمة قدمي اتلمسه لأتبينه وانتقم منه.. ومع كل مفارقات الحرب.. لم يخطر على بالي  ابدا, ما حدث لقدمي هذه المرة .. ضرب من الفكاهة المدمية للروح ..! لقد ضربت قدمي جمجمة أحد القتلى الذين يملأون ساحة اللعب القذر .. وإمعانا بالمفارقة ادخلت الصدفة – الصدفة وحدها – اصبعي الأكبر في فم الجمجمة الذي يبدو ان أسنانه حادة .. تذكرت حينها امي وتطيرها من بعض الحوادث .. اسقطت الحادثة على ثوابت التطير .. وإذا بي أقرأها كالآتي ( هؤلاء الموتى سيأكلوننا بعدهم واحدا واحدا .. من الأدنى “الجندي” وحتى الاعلى (الزعيم الاله) .. ولكن .. عفوا .. الزعيم الآله .. لن يطاله الموت, فهو يفعل كل شيء ولا أحد يستطيع ان يفعل به شيئا ! .. لأنه , اله الأرض .. إذاً سوف يأكل أصحابنا القتلى أصحابهم الأحياء .. ما هذا الهراء .. ماذا لو سمعني أحد من الناس أو حتى ضبُّ صحراوي وأنا اتحدث هكذا عن الجيش والزعيم ؟  من المؤكد ان هذا اليوم سيكون الأخير في حياتي .. ههههه .. ههههه .. ههههه … أيها الأبله .. وأية حياة هذه, وأنت تتربع على عرش صحراء الموت المترامية الأطراف ..أوووووووه .. مالي وهذا الهراء .. لأبحث عن مكان أريح فيه جسدي من البرد في هذا الليل المدلهم البهيم  , وافكر بطريقة ما , للوصول الى خطوطنا الامامية قبل ان اقع بين ايدي العدو . ولكن , كيف استطيع العودة الى الخطوط الامامية وانا لا اعرف مكاني الان !؟ .. ثم , أنا .. لا أعرف مواقع النجوم, كما يعرفها اجدادي البدو” لتهديني الطريق .. . آهٍ  آهْ , كم تمنيت أن أكون بدويا ولو في هذه اللحظة فقط , لاستطيع معرفة طريق النجاة من خلال النجوم . ياااه كم انا  ابله,  انا افكر بالنجوم والنجوم تسعى لان تحتشم امام عيني بعباءة السحاب الاسود .. كنت أفكر كثيرا في النجوم  ايام كنت صغيرا , اتخيل نفسي أقود الجمال والأغنام في ليل الصحراء على هدي النجوم .. هذه النجوم التي ترقبني الآن بسخرية .. جاهدت في الابتعاد عن ذلك المكان الذي وجدت نفسي عليه.. صارت أحدى الكتل السوداء تكبر كلما تقدمت نحوها , حتى تبينتها . انها  تلّ صغير انتشرت عليه بعض الأشجار الحرجية التي أخذت شكل الأشباح .. بقيت اسعى باحثا عن مكان ألوذ به عن الريح الباردة التي تهب كأنها الثلج أو حدّ السيف .. استطعت أن أعرف اتجاه الريح .. انها الريح الغريبة , برودتها تدل عليها .. فكرت ان اواجه الريح الغريبة بصدري وأظل ادفعها حتى أصل إلى هناك … هناك , حيث اجد امي  وزعيمي .. هناك يصيح الموت برسم التنفيذ . اما هنا, فالموت نقدا ولا يقبل التأجيل .. إلا إذا حصل خطأ حسابي كما هي حالي الآن .. لكن, كم  هي المسافة إلى هناك !؟ وكم هي  الألغام !؟ وكم هي البنادق والقنابل التي تترصدني !؟ أنها غابة كثيفة  وعليّ أن أمر  فيها فلا ألامس غصنا, وإلّا, فالموت مصيري ..

لم يمض على هذا الحال الكثير من الوقت , حتى انقطع هبوب الريح الغربية , لتهب بدلا عنها ريح شرقية دافئة , يفرح بها من يجهل هذا المكان بطقسه ومناخه  .. لأنها جلبت له دفئا .. ولكن الذي عايش هذه الريح في قرى وبراري العراق, يعرف جيدا أنها سفير أمطار أو جو عاصف مغبر .. رفعت ناظري إلى السماء .. كانت مصابيح غرف نوم السلطان قد اختفت جميعا .. ربما أنهى مداعباته الجواري وخلد إلى النوم … ! ادلهمت السماء وازدادت الأرض عتمة .. وبدء رذاذ المطر يتساقط وأنا ساع بالبحث عن ملجأ يقيني المطر القادم والريح العاصفة .. حبطت أمالي وسيطر عليّ اليأس . سمعت طبطبة ورائي او صوتا يوحي بذلك , التفت اليه لأتبينه.. لم أفزع منه . كان الخوف قد مات عندي ….  إلا خوفي من “الزعيم الإله”  فأنا اعتقد أنه قادر على الوصول إلي – حين أغضبه – حتى لو كنت بين يدي الشيطان . ولكنه الآن, بعيد بعيد جدا عن إنقاذي .. انتبهت للصوت وحددت مكان صدوره .. ولكن المطر هطل غزيرا , حتى كأني غاطس في نهر قريتنا, أيّام كنت طفلا صغيرا … كان الصوت يخرج من مغارة مظلمة . لا أتبين هيئتها , ولكن الشكل العام لها يوحي بأنها مغارة .. صحيح أنني لا أخشى أي شيء إلا الزعيم , ولكن في هذه اللحظات شعرت بوجل لا اعرف مصدره , ربما لاني شغوف بمعرفة الأشياء الغريبة . حاولت دخول المغارة, لمعرفة ما في داخلها ومحاولة استعمارها ولو هذه الليلة فقط  ولكن كيف استطع ذلك ؟ فمصباحي حين كنت صبيا ما زال معلقا في أحد الأضلاع الخشبية لكوخنا الوحيد في قرية الناعس, وهو بعيد جدا عني الآن, أو ربما فسدت بطاريته .. ما ان تذكرت المصباح , حتى خطرت على بالي “قداحة” هناء التي اهدتها الي بعد أن أدركت اصابتي المزمنة بالتدخين .. لم يمض على هذه الهدية وقتا طويلا, فقد جلبتها معي منذ عدت للجيش من آخر اجازة . ووعدت هناء بالرد على هديتها . فطلبت مني ان يكون الرد عبوة مدفع بلاستيكية فارغة . قالت انها ستصنع منها مزهرية للزينة , تضعها في غرفة نومنا عندما تتزوجني , ربيع هذا العام . لا ادري لماذا استعدت صورة هناء وهي موشحة بالاسود حزنا على شقيقها الذي التهمته الحرب قبل زفافه بايام .. صحوت من هذا الانحدار الحسي, ودلفت إلى داخل المغارة, بعد ان عثرت على هدية هناء ترددت باشعالها اول الامر, فالضوء في الليل هدف للمدفعية والقنص وقد احظى بقذيفة مدفع تلحقني بشقيق حبيتي هناء.. ولكني لست خائفا على حياتي هذه الساعة .. ثم انني لست على الساتر القتالي حتى يعاقبني الضابط الخفر, اذا اشعلت ضوءا .  دخلت .. لم تكن المغارة كبيرة جدا .. او هكذا بدت لي على ضوء القداحة الخافت … كان يتمدد وسط المغارة جندي ضخم الجسد يلطم جدرانها بكفيه الكبيرين من شدة ألم , كما بدا لي , والدماء كانت قد انقعت ملابسه ..

اقتربت منه غير حذر , مستهترا بقوانين الحياة والحرب .. جلست عند رأسه  لحظات . هدأ الجندي .. ربما سرّحت روحه من جيش الحياة وعادت إلى ذويها . او أنه فقد الوعي تماما .. انعمت فيه النظر كثيرا وحدقت في لحيته السوداء الكثة التي بدت لي هكذا مع شحة الضوء .. كان الجندي مع ضخامته التي توحي – بأنه جلف, إلا انني لحظت على وجهه شيئا من البراءة او الطفولة, كنت المحها كلما أشعلت القداحة , ثم تختفي تحت الظلام  , بعد أن ينقطع وهج النار .. لم أر فيه اثرا لوادي دجلة والفرات ولا شمس الجنوب وملحه . هل تراه من أولئك الذين يحيطون بالزعيم الاله حرّاسا له ! وقد غضب عليه, لخطأ ارتكبه  سهوا فعاقبه, بنقله الى ساحة المعركة ؟ أم هو جندي عدو ..؟ كان الدم يقطر من ملابسه وقد فقدت أحدى يده أصبعين وهي لا زالت تنزف رغم الضماد الذي وضع عليها .. كادت القداحة  أن تموت فهي الأخرى تنزف طاقتها تحت يدي .. أسرعت بالخروج من المغارة .. أبحث عن حطب أشعله وأجعل منه نورا داخل المغارة  وأدفئ به نفسي وهذا الإنسان المجهول الذي لم تبق لديه غير إنسانيته فقط .. ذهبت كل صفاته الاجتماعية والعسكرية والسياسية . في الخارج لا زال المطر يتساقط  وقد بلت الأغصان اليابسة .. مما عقّد عملية البحث عن حطب يابس .. لقد غسل المطر بزتي العسكرية وكان السائل الذي يتقاطر على حذائي كثيفا كما أحسست . لا بد أنه مزيج من المطر والدم  المتخثر في البزة والتراب الذي علق بها .. …….. لم اترك الفرصة تفوتني .. صرت كالشجر الطبيعي .. فقد شرعت أشرب قطرات المطر الساقطة على وجهي .. وودت أن أعصر بزتي وأشرب الماء الذي فيها, ولكني, أعلم انه ماء قذر, مزيج من الدم والتراب وعرق الجسد المتراكم في البزة .. مع هذه الحال , وأنا لا زلت أبحث عن حطب يابس .. اقتربت من كتلة سوداء ضخمة .. أدركت بالتخمين أنها دبابة معطوبة .. نعم لقد كانت دبابة بالفعل .. وهنا تذكرت ان طاقم الدبابة كثيرا ما يخالفون الأوامر ويضعون داخل دبابتهم مدفأة نفطية ( تشولة ).. اذن  علّي أجدها في هذه الدبابة ….. كأن الله شاء أن يهبني دفأ من جهنم .. أدفع به برد هذه الليلة في هذا البر الواسع .. لقد وجدتها بالفعل, مدفأة نفطية من تلك التي تصنع  في البلد الذي نحاربه وتُهّرب إلينا . وفي الدبابة وجدت عبوة سعة 30 لتر من وقود الديزل . اخذت المدفأة الى المغارة وعدت الى عبوة الوقود . الغريب انني لم اشعر بالألم الذي في يدي !!  ربما أنستني الغنيمة ألمي .. ربما !؟..  في المغارة , أشعلت فتيلة المدفأة  بعد ان حجبت ضوءها عن التسرب خارج الكهف . وبطيئا بطيئا توهّجت شبكتها , حمراء تبث الدفء في المكان مع انبعاث غتز خانق .. جففت ملابسي على وهجها وكشف توهج المدفأة تقاسيم وجه الرجل الطريح .. تعرفت عليه أكثر , تأكدت أنه ليس من قطيع سلطاننا الإله, بل واحد من القطيع المعادي .. وهنا تذكرت قانون الحرب . “أن لم تقتل تُقتل” .. حاولت العمل بهذا القانون , ولكن شيئا ما في ثنايا ضميري استيقظ .. وتعاظم حتى وصلت إلى المعادلة التالية “لا يجوز القصاص قبل الجناية ” الرجل لم يؤذني, ثم أن الحرب التي نحن بين فكيها تدور بعيدا عن ارادتي وارادته. واننا أسيرا المجهول .. حين أمنت, انه رفيقي وليس عدوي حتى يفيق ويقرر ( على أقل تقدير ) .. اتممت تجفيف ملابسي على وهج نار المدفأة .. ولبستها مرة أخرى , فبعثت في جسدي رعشة ولذة . جعلتني المدفأة احس وكأني عند أمي وهي تسخن ملابسي المدرسية في أحد الصباحات الشتائية استعدادا لذهابي إلى المدرسة .. رغبت بتدخين سيجارة سومر “سن طويل” ولكني لم اجد علبة الدخان , ربما سقطت مني اثناء المعركة . . عدت إلى الجندي الذي لازال فاقد الوعي .. لا أعرف ماذا أفعل به .. وبلا وعي مني وجدت نفسي القمه عبوات من المضاد الحيوي “كيفليكس” الذي لا زال معي وبعض الحبوب المسكنة للالم “براسيتول” دفعتها في فمه بلا ماء . ثم شرعت أخلع عنه ملابسه المبلولة بالدماء . وافرش تحته بطانية عدت بها من الدبابة .. لم تكن اصابته بليغة جدا ,ولكنه كان واهيا وضعيفا وفاقدا للوعي ربما بسبب جوع او عطش !!.. أخرجت ملابسه تحت المطر دقائق ثم عصرتها وعدت بها إلى القرب من المدفأة اجففها .. ورحت التحم بالمدفأة التي أحرق وهجها صدري بينما يأكل البرد ظهري .. نظرت إلى الساعة , كانت الخامسة إلا عشر دقائق صباحا .. طوال هذا الليل لم تنقطع موسيقى الحرب ، وصاحبي لمّا يزل يهذي بكلام لا أفهمه .. ربما لأنه هذيان, بل هو هذيان بلغة غير لغتي .. هدأ الرجل وانقطع هذيانه, ثم فتح عينيه وهو يرمقني .. بدهشة كبيرة .. ودون أن يتكلم عاد  واغمض عينيه . وبعد دقائق كأنه كان يفكر بأمر ما, عاد مرة أخرى وفتح عينيه ثم أنطلق لسانه بحديث أعجمي لا أفهم منه شيئا .. ابتسمت له وأومأت بأن لا تخف , ثم أشرت له إشارة السلام .. فرد علي بكلام عربي واضح – السلام عليكم .. توثقت العلاقة بيني وبينه من خلال السلام . لقد اختصرت هذه الكلمة مسافات طويلة بيننا .. وحدتنا في الدين وفي الانتماء الإنساني, فالسلام يعني ان لا حرب . والرجل القى علي السلام, اذن لن يقاتلني . ضمدت جرحا في كتفه بيشماغي ذي اللونيين الاسود والابيض .. صارت الإشارة لغة بيننا .. ساعدته على ارتداء ملابسه وتبادلت معه الابتسامات .. ثم جلبت له بعض المعلبات التي تناثرت مع تناثر الأشلاء البشرية  في ساحة المعركة , لكنه لم يتناول شيئا منها .. نسيت حالي التي انا عليها ونسيت جرحي تماما حتى  أنني لم أفكر بهما . ربما لأنني كنت اعيش شعور المضيّف الذي يتوجب عليه تقديم كل شيء لضيفه, مع انني على الارض الحرام من المعركة وفي خضم حرب ضروس, جنّد لها الطرفان كل شيء .. في هذه اللحظات المجهولة عندما انتبهت على حالي , شعرت بارتفاع إنسانيتي ارتفاعا كبيرا . شعرت بالفخر بنفسي لأني لم انزلق في مزالق الحرب . تسللت الشمس من بلاد هذا الضيف الغريب  تنظر بخجل وحياء الى بلادي بأشعتها الذهبية ..  قررت أن أعود إلى وطني مع أشعة الشمس .. وقرر ضيفي أن يذهب إلى الشمس , لا أن يذهب مع خيوطها . افترقنا دون ان اعرف عنه او يعرف عني أي شيء غير اننا جنديان خصمان لم يتقاتلا  . ذهب هو إلى ملاقاة  الشمس, وأنا, شرعت أسابق أشعتها  إلى وطني .. كنت بين الفينة والفينة التفت خلفي, لأرى صاحبي .  لا ادري لماذا ! ولكن اشعر ان ثمة علاقة انعقدت بيني وبينه تجاوزت الحرب والعداء . اشعر انني أئتمنته على شيء ثمين, اخاف ان يضيّعه او يسلبه منه احد في الطريق .. قاربت ساترنا القتالي الأمامي بسلام وقد افلتُ من القذائف والرصاص باعجوبة . عند خط الحجابات رفعت ملابسي الداخلية التي اصفرت من التعرق وعدم الغسل لفترة طويلة. رفعتها علما أبيض.. وتقدمت نحو الساتر وأنا اتنفس بصعوبة  ولكني بقيت اتلفّت إلى الخلف لأرى صاحبي الذي ابتعد كثيرا حتى اختفى عن الأنظار, وبينما انا أدخل أول مرصد متقدم لوحداتنا العسكرية انطلقت قنبرة هاون .. أعقبتها لحظة صمت قصيرة ثم صرح الراصد : لقد أصابته  يا سيدي .. اصابته تماما وقد مزّقته أربا أربا .. اندفعت ما بين الجنود المتحلقين حولي نحو المرصد ونظرت من خلال المنظار الكبير, لأرى يشماغي ذا اللونين, الأبيض والأسود, الذي ضمدت به جرحا في كتف العدو الصديق .. لا زال على الكتف .. ولكن لا أدري أين ذهبت بقية ذلك الجندي !؟ وفي لحظة ذهول وأسف قلت وانا اراقب المشهد : مسكين لم يستطع النجاة . اصاب قولي هذا ممن حولي بالوجوم والذعر والخوف والترقب .. وأصابني باليأس المطلق, بينما تقدم ضابط الاستخبارات نحوي كصياد ضمن الطريدة ..!!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق