حوارات المجلة

الأديب الفلسطيني محمد علي طه ل”مجلة الثقافة الجزائرية”: أنا إبن النكبة الفسطينية وقلمي ولد من رحمها

حاوره :أسعد العزوني

قال الأديب الفلسطيني رائد القصة القصيرة في الساحل المحتل من فلسطين عام 1948 ،ان أول جريمة إرتكبها الصهاينة بعد إقامة كيانهم ،هي محاولة إلغاء الحرف العربي ،لكن عمال مطبعة الإتحاد بحيفا أخفوا أحرف الرصاص في الطحين للحفاظ على اللغة العربية والحرف العربي. وأضاف في حوار خاص أن الحرب الثقافية التي تدور رحاها بين الفلسطينيين والمحتلين ما تزال قائمة رغم توقف البنادق عن إطلاق النار ،مؤكدا ان أدباء الساحل المحتل عام 1948 هم الذين أطلقوا أدب المقاومة وفي مقدمتهم توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم وآخرون. وإلى نص الحوار:

هلا حدثتنا عن الواقع الثقافي في أوساط الصامدين الفلسطينيين في الساحل المحتل عام 1948؟
عندنا في الداخل حركة ثقافية نشطة وفي مجالات عديدة ،من أدب وشعر وقصة قصيرة ونقد ومسرح وسينما ورسم ،وكما يعلم الجميع فإن الحركة الثقافية عندنا بعد العام 1948 شهدت مخاضا صعبا.
يوجد عندنا جيل جديد في القصة القصيرة على سبيل المثال ،فإضافة لي هناك زكي درويش وهو شقيق الشاعر الراحل محمود درويش ،وناجي ظاهر ومحمد نفاع،ولدينا حركة نقدية من أبرز روادها :نبيه القاسم ود.رياض كامل والبروفيسور محمود غنايم والبروفيسور فاروق النوايسة ود.حسين حمزة والبروفيسور سليمان جبران والشاعر الناقد فاروق مواسي.
اما في مجال الشعر فلدينا الشاعر حسين مهنا وهو شاعر مهم ،وشكيب جهشان من شعراء المقاومة ،ومروان مخول ونداء خوري من الشعراء الجدد وآخرين،اما في مجال المسرح فهناك بارزون امثال فؤاد عوض،وهناك عدة مسارح تعمل بجدية رغم ان السلطات تحاربها وتضيق عليها، وفي مقدمتها:مسرح الميدان في حيفا ومسرح الجوال في سخنين ومسرح السرايا في يافا.
هناك ممثلون فلسطينيون وصلوا مرتبة العالمية مثل محمد بكري وسليم ضو ومكرم خوري وسلوى نقارة وميشيل خليفي وإيليا سليمان وآخرون ،أما الحركة الروائية فتشهد نشاطا كبيرا في المدة الأخيرة وأبرز روادها حسين ياسين ورجاء بكرية وسهيل كيوان ،وهناك أقلام شابة واعدة أبرزها راوية بربارة وعلاء حليحل . وفي مجال الرسم عندنا مجموعة كبيرة من الفنانين المبدعين مثل عبد عابدي ،وليد قشاش، إبراهيم حجازي وآخرون.

حدثنا عن نشأة الحركة الثقافية في فلسطين المحتلة عام 1948 وما هي التحديات التي واجهتكم؟
كان مخاض الحركة الثقافية في فلسطين بعد عام 1948 قاسيا ،فنحن الذين بقينا صامدين ولم يتم ترحيلنا وعددنا 150 ألفا آنذاك ،كنا عبارة عن أقلية صغيرة ،وألأغلبية الساحقة كانت من القرويين الأميين ،لأن المجتمع المديني تم القضاء عليه إبان النكبة بعد إحتلا عاصمة الثقافة الفلسطينية يافا،وكذلك حيفا وعكا وصفد وطبريا واللد والرملة وبيسان ،إذ غادر المثقفون والمتعلمون البلاد وتحولوا إلى لاجئين في بعض الدول العربية ،كما قامت العصابات الصهيونية بنهب المكتبات العامة والخاصة والمطابع في فلسطين.
كانت السلطات الإسرائيلية تسعى للقضاءعلى كل ما هو عربي فلسطيني ،حتى ان الحاكم العسكري حاول مصادرة مطبعة الإتحاد في حيفا،التابعة لجريدة الإتحاد الصادرة عام 1944 حتى يومنا هذا ، ولكن عمال المطبعة أخفوا الحروف الرصاصية في الطحين ليحافظوا على حرف الضاد ،كما ان سلطات الإحتلال فكّرت بتدريس الطلاب العرب اللغة العبرية فقط في مدارسهم ،لكنها وجدت صعوبة بالغة بسبب عدم وجود معلمين لتعليم اللغة العبرية ،ورفض الناس لهذه الخطوة ،رغم اننا كنا مثل الأيتام على موائد اللئام.
كان الحاكم العسكري يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا ،حتى انه كان يتدخل في حالات الزواج ويضغط على اهل العروس لرفض الزواج من العريس في حال كان غير مرضي عنه،ناهيك عن قيامه بترحيل البعض إلى خارج الحدود،وكنا لا نستطيع الخروج من منازلنا ولا مغادرة قرانا ومدننا ،وقد قاموا بنفي الشيوعيين والقوميين إلى مدينة صفد البعيدة وقرية بيت جان النائية وقرية برطعة على الحدود مع الأردن ،وكانت إدارات التعليم تفصل كل عام المعلمين العرب لأنهم يعلّمون مواد تعد معادية للإحتلال مثل :أنشودة “عليك السلام يا أرض اجدادي”أو قصيدة لإبراهيم طوقان أو أبو سلمى .
واثناء ذلك بدأت حركة شعرية بسيطة قادها عصام العباسي وحنا إبراهيم وحنا أبو حنا ومحمود دسوقي ،رافقها حركة نثرية أصدرت مقالات لإيميل توما وإيميل حبيبي وجبرا نيقولا ،ثم ظهر جيل من الشعراء الذين برزوا في مجال شعر المقاومة وأبرزهم شكيب جهشان ومحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وراشد حسين وسالم جبران،كما ظهرت القصة القصيرة أيضا وكنت من روادها ومعي محمد نفاع وزكي درويش،وكانت الرواية الأولى لإيميل حبيبي بعنوان “الوقائع الغريبة لسعيد بن نحس المتشائل” ونستطيع القول ان فترة الستينيات من القرن الماضي شهدت إنطلاقة الحركة الأدبية شعرا ونثرا عندنا.
لفتت هذه الإنطلاقة نظرإخواننا في الوطن العربي وألّف عنها الشهيد غسان كنفاني كتابين ،كما اصدرت مجلة الطريق اللبنانية عددا خاصا ضم قصائد وقصصا لكتاب من الداخل ،ثم بدأ النقاد العرب يهتمون بهذا الأدب ،وكتبت عنا مجلة الاداب اللبنانية للكاتب سهيل إدريس ومجلة أقلام عراقية وآخرون ،وأشير إلى ان ادبنا كان محاصرا من قبل السلطات الإسرائيلية ،لأن الرقابة الإسرائيلية كانت تراقب كل قصيدة وقصة قبل النشر ،وأحيانا كانت تصدر صفحات فارغة ،ومن المضحك المبكي ظهور صدر بيت الشعر بدون العجز وبالعكس ،كما كانوا يصادرون كتبا كثيرة مثل مجموعة شعرية للراحل سميح القاسم،وآخر للراحل محمود درويش ،كما صادروا مجموعتي القصصية بعنوان “وردة لعيون حفيظة” وقاموا بإعتقال عدد من الشعراء والأدباء لفترات متباعدة وأبرزهم محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياء الذي تعرض للجلد بعض تعليقه على حائط في طبرية،وقد إعتقلوني لفترات قصيرة متباعدة أيضا .

هلا أطلعتنا على بداياتك الإبداعية وما هي التحديات التي واجهتها وكيف تغلبت عليها ؟
بدأت الكتابة عندما كنت طالبا في الثانوية العامة في بلدة كفر ياسيف –قضاء عكا ،وكنا في الصف مجموعة من عشاق الأدب ،وكان يجلس بجواري على المقعد الدراسي من الصف التاسع حتى الثاني عشر الشاعر محمود درويش ،ومعنا الشاعر سالم جبران،وإتجه الإثنان إلى كتابة الشعر في تلك الفترة ،بينما انا فقد كنت أميل إلى كتابة القصة بعد أن وقعت يداي على مجموعة قصصية للكاتب الفرنسي جي دي موباسان باللغة الإنجليزية ،وأخرى للكاتب الروسي أنطون تشيخوف ولكن بالعبرية ،وثالثة للكاتب المصري محمود تيمور بعنوان” أبو الشوارب”.
أعجبت بهذا الجانب من الأدب ،وبدأت بكتابة القصة وكانت مغامرة كبيرة ان أسبح ضد التيار ،لأن مجتمعنا يعرف ان الشاعر هو الأديب فقط ،والشعر يلقى في المهرجانات بينما القصة فتحتاج إلى قراء،وما زاد الطين بلة هو أن معظم أبناء شعبنا آنذاك كانوا من الأميين.
أنا إبن النكبة الفلسطينية وولد قلمي من رحمها ،ففي 19 تموز 1948 إحتلت العصابات الصهيونية قريتي ميعار- قضاء عكا ،وفي ذلك اليوم خسرت قريتي وبيتي وبئر الماء الذي كنا نشرب منه وشجرة التين وشجرة التوت ،كما خسرت اترابي الذين كنت ألعب معهم،ولم أشاهدهم منذ ذلك اليوم،والأهم من كل ذلك أنني خسرت كتابي الأول للقراء وعنوانه “الجديد “لخليل السكاكيني ودرسنا فيه راس روس،كما خسرت كرتي ودفتر الرسم وطفولتي بمجملها.
كل ذلك أثر عليّ كثيرا ،أضف إلى ما ترتب على العائلة من وضع يتسم بالحرمان والفقر لفقداننا البيت والأرض،وبعد أن عدنا من جنوب لبنان لأن والدي رفض أن يعيش لاجئا هناك خاصة وان عمالا من الجنوب كانوا يعملون عندنا ،عشنا تحت شجرة ،وعانينا من الجوع ،وحدثت لنا مأساة كبرى تمثلت بوفاة أختي وعمرها أربع سنوات بعد معاناتها مع المرض ،وحمل والدي جثمانها وتوجه مع صديق له لدفنها في مقبرة سخنين ،ولم نتمكن من التعرف على قبرها حتى اليوم..

طيلة دراستي الثانوية لم اتمكن من شراء أي كتاب لعدم توفر النقود مع أبي بسبب فقرنا ،وكنت أستعير الكتب من طلاب في صف أعلى من صفي ،وأحيانا كنت أنسخ بعض الكتب على دفاتري بالقلم،لذلك ليس غريبا أن تكون اول قصة كتبتها بعنوان”متى يعود أبي”،وتتحدث عن طفل فلسطيني حمل والده البندقية وإتجه إلى حيفا للدفاع عنها ولكنه لم يعد.
إذا قرأت مجموعاتي القصصية وهي 14 مجموعة وروايتي ومسرحياتي الخمس وغيرها من إنتاجي ،سوف تجد نكبة 48 موجودة في كل قصة وفي كل كتاب .
لقد اصدرت مجموعتي القصصية الأولى عام 1964 بعنوان”متى تشرق الشمس” في مطبعة الحكيم بالناصرة وعلى حسابي الخاص ،اما الثانية وعنوانها “سلاما وتحية”عام 1968 عن دار الجليل في عكا ،أما المجموعة الثالثة التي اعتبرها جواز سفري لعالم القصة فأصدرتها عام 1974 عن دار “عربسك”لصاحبها الشاعر سميح القاسم وعنوانها “جسر على النهر الحزين”، واعيدت طباعتها في بيروت عن دار إبن خلدون ،وقد طبعت خمس طبعات ولفتت انظار النقاد العرب إليّ.
بعد ذلك صدرت المجموعة الرابعة لي وإسمها ” عائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر”،وبعدة طبعات داخل وخارج البلاد،تلتها مجموعة “وردة لعيون حفيظة” التي صادرها الإحتلال ثم أطلق سراحها لاحقا بعد تدخل من منظمة الأدباء العالميين “بين”،ثم توالت المجموعات الأخرى مثل “ويكون الزمن الآتي”و”بئر الصفا”و”النخلة المائلة” و،العسل البري” وفي مديح الربيع” و”مدرس الواقعية السحرية”.
كتب عني أكثر من 30 ناقدا من الداخل والخارج مثل محمود أمين العالم وفريدة النقاش من مصر، كما صدر عن أعمالي عدة كتب مثل”محمد علي طه مبدع راودته الكلمات وراودها”للناقد الكبير نبيه القاسم،و”إشتيار العسل”للدكتور محمد حمد،وسوف يصدر كتاب آخر عني للناقد البارز د.رياض كامل،كما ظهرت أطروحة دكتوراة عني باللغة الألمانية في جامعة برلين للشاعر الفلسطيني علي الصح.

ما مدى تأثركم بما يطلقون عليه زورا الأدب العبري؟
درست الأدب العبري في المدرسة الثانوية وكذلك التوراة ،وقرأت للعديد من الكتاب اليهود ولكنني أجزم أن الأدب العبري شعرا ونثرا لم يؤثر على الأدب الفلسطيني في الداخل مطلقا، لأن هناك حاجزا كبيرا كان وما يزال يفصل بين الأدبين،ثم هل يعقل أن يتأثر أديب فلسطيني يعيش أجواء النكبة ويسبح في بحر المعاناة ،ويعاني من التمييز العنصري ويتعرض لحظيا للتهميش والإقصاء والملاحقة والسجن بأدب المحتل؟
لم يؤثرا فينا أو علينا رغم وجود بعض الكتاب منهم من كتب نصوصا جميلة شعرا ونثرا ،مثل عاموس عوز ويهوشع وسامي ميخائيل في مجال الرواية وضمنوا كتاباتهم شخوصا عربا ،وشعراء مثل دالية رافيكوفيتش وغيرهم.
مؤخرا ظهرت نصوص إنسانية فيها صورة جيدة للعربي ،تختلف عن الصورة النمطية السيئة للعربي التي ظهرت في نصوص عدد كبير من الدباء اليهود مثل عجنون الذي حصل على جائزة نوبل للسلام في ستينيات القرن المنصرم ،وحاييم نحمان يبالك وغيرهم،ولكن الصورة السيئة جدا للعربي ظهرت في أدب الأطفال وفي نصوص أخرى عديدة وفي كتب التاريخ المدرسية.
تصور ان كتابا للقواعد العبرية كان يدرس في مدارسهم إسمه”فداييك” بمعنى دقق أو صحّح،فيه هذه الجملة”العربي.. إغتصب ..قتل..سرق ..سلب” أكتب إسم الفاعل للكلمة الملائمة ،وقد ناضلنا كثيرا ضد مثل هذه الكتب ورفعنا صوتنا عاليا لمحاربتها سواء في الإعلام او المؤتمرات او في نقابة المعلمين ،وإستطعنا تغيير بعض الأشياء.
قبل عامين غنّى أحد المطربين اليهود العنصريين أغنية بعنوان “أنا أحمد” ويذكر في كلماتها صفات أحمد المتخيلة عندهم وهو اللص والقاتل والمجرم والمخرب والإرهابي وما إلى ذلك، وكانتتلك الغنية تترد في محلات عديدة ،وقمت بكتابة مقال باللغة العربية بعنوان “أنا أحمد ” رددت فيه على ذلك العنصري وذكرت فيه أنني أحمد الذي تعرفني مداميك البيوت العتيقة في يافا وحيفا وعكا وطبرية ،وأنا أحمد الذي بقي كشوكة الصبار في حلوق العنصريين ..أنا أحمد الباقي مثل صخرة حطين ورأس الكرمل وجبل الجرمق في هذا الوطن ..أنا أحمد الذي إذا جاع أولاده يكتفي بالخبز والزيت والزيتون والزعتر..أنا أحمد الذي بنى لكم البيوت في هذا الوطن ،لكنكم لم تسمحوا له ببناء بيت يؤوي أولاده فيه..انا أحمد الطبيب المتفوق الذي يعالج المرضى يهودا وعربا في كافة المستشفيات..أنا أحمد الصيدلاني الذي يقدم لكم الدواء في تل أبيب وحيفا…..وفي نهاية المقال قلت ان الفرنجة جاؤوا إلى بلادنا ومكثوا فيها 200 عام وإنصرفوا، وجاء الأتراك بعدهم وحكمونا 400 عام وغادروا ،وتبعهم الإنجليز لثلاثين عام وإنقلعوا،ألا تريدون ان تتعلموا من التاريخ ؟وقد تم ترجمة هذا المقال إلى العبرية والإنجليزية وأثار أصداء واسعة في إسرائيل.

تربطني علاقات مع بعض الأدباء اليهود التقدمييم الذين يؤيدون المساواة للمواطنين العرب في إسرائيل،ويدعون إلى إنهاء الإحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران عام 1967،وقد بادرت بداية هذا العام لإقامة منتدى أدبي إسمه “منتدى الزيتونة”،ويضم أدباء وفنانين عرب ويهود يطالبون بما يلي:-
إنهاء الإحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وأن تكون القدس مدينة مفتوحة للجميع ،وأن يتم حل قضية اللاجئين الفلسطينيين حسب قرار مجلس الأمن رقم 194 ويقضي بعودتهم إلى ديارهم بدون قيد او شرط،وكانت بدايتنا 15 أديبا عربيا ومثلهم من اليهود ،واليوم أصبحنا 30 أديبا عربيا و120 من اليهود،وجاءت هذه المبادرة ردا على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
كما نظمنا عدة لقاءات مشتركة تحدث فيها عدد من الأدباء والفنانين في يافا ،كونها كانت قبل النكبة عاصمة الثقافة الفلسطينية ،ونظمنا أيضا مؤتمرا صحفيا في بيت الصحفيين بتل أبيب شجبنا فيه المجازر التي يرتكبها جيش الإحتلال ضد مسيرات العودة في غزة،وعندما سأل احد الصحفيين اليهود عن موقفنا من البالونات الحارقة التي يطلقها الفلسطينيون في غزة إلى المزارع اليهودية القريبة ،أجاب الفنان اليهودي يهوشع سوبول:لو كنت ولدا فلسطينيا لأرسلت الكثير من هذه البالونات.
ومع ذلك أقول أننا لن نصل إلى مرحلة نجعل فيها من التقدميين اليهود ملكيين أكثر من الملك ،ولكننا نتعامل معهم في حدود الممكن ،فنحن كما هو معروف نشكل 20% من السكان ،ولو إستطعنا التأثير في 30 من اليهود فإن المعادلة ستتغير ولكن ذلك مستحيل بطبيعة الحال ،ولن نيأس لأن كل صوت يهودي يؤيد قضايانا يعد مكسبا لنا ،ويجب إحتضانه والتعاون معه ،خاصة وان المجتمع اليهودي ينحدر بسرعة نحو هاوية اليمين والتطرف ،ولذلك فإنهم يعادون من يتفق معنا ويهددونهم أحيانا ،ويشن عليهم هجوما في الإعلام ويتهمهم بالعداء للدولة الإسرائيلية.

ما تأثيركم أنتم على الأدب العبري؟
ليس سرا القول ان سلطات الإحتلال وضعت حاجزا قويا بيننا وبين المثقفين اليهود ،وأردات بذلك من اليهودي أن يعرف العربي فقط بأنه القاتل واللص والإرهابي والمخرب وانه العدو الأبدي،ولا تريده ان يعرف الفلسطيني الفنان والأديب والطبيب والمهندس والممثل والموسيقار والإنسان،ونحن في لقاءاتنا معهم نحاول التأثير فيهم .
كنت في السنوات الماضية أدعى إلى لقاءات مع طلاب مدارس ثانوية يهودية ،وكنت أشرح لهم قضيتي وقضية شعبي،وأحيانا أجد تأثيرا ما عليهم ،وهم لا يعرفون ان يافا على سبيل المثال كان فيها 90 ألف عربي ،ودور سينما ومسرح وحافة ونواد ثقافية ،وان الطنطورة كانت تزخر بحياة الفلسطينيين ،ويجهلون أصلا ان شعبا فلسطينيا كان يعيش في هذه الأرض وعمّر مدنا مثل يافا وحيفا وصفد واللد والرملة وبيسان ،وان هناك 500 قرية فلسطينية جرى هدمها بالكامل ولا يعرفون أيضا ان هناك المئات من الفلسطينيين يعيشون في إسرائيل وقد صودرت أراضيهم وهدمت بيوتهم،لذلك كانوا يتفاجأون عندما أشرح لهم مثل تلك الأمور ،ويشعرون بالصدمة ،لكن البعض كان يحاربني، وكنت أشعر بالفرح لأنني حرّكت الراكد وشرحت قضيتنا لهم ،وقد قمت بعمليات غسيل دماغ لهم لمحو ما زرعته فيهم الحركة الصهيونية ومؤسسات دولة إسرائيل بأن فلسطين أرض بلا شعب.
تأثر بعض الكتاب اليهود بنا شعرا ونثرا مثل سامي ميخائيل وهو روائي من الصف الأول ،وقد تأثر برواية غسان كنفاني “عائد إلى حيفا” ،وكذلك الشاعر المعروف روني سوميك الذي تأثر بقصائد محمود درويش وآخرون ممن تأثروا بقصص إيميل حبيبي وآخرين،ومع ذلك بقي التأثير محدودا بسبب حالة العداء المستفحب بيننا وبينهم ،إضافة إلى التحريض الذي تمارسه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ،والتخويف من العربي .
واضح ان هناك حربا ثقافية بين العرب واليهود في فلسطين ..ما هي ملامح هذه الحرب؟
أنا كاتب فلسطيني وجدت منذ البداية أن كتابتي بلغة عربية سليمة هي قضية قومية ووطنية من الدرجة الأولى،في نظام يحارب الحرف العربي ،كما وجدت نفسي حارسا للأسماء الفلسطينية ،وكان لزاما عليّ مقاومة عبرنة المكان والحفاظ على إسمه الفلسطيني من اجل الجيال المقبلة،لذلك ذكرت بإسمها الفلسطيني ،وكنت أكتب صفد بدلا من “صفات ” بالعبرية وبيسان بدلا من “بيت شان “بالعبرية ” ونهر العوجا بدلا من “نهر اليكون “بالعبرية ،ونهر المقطع بدلا من “نهر الكيشون “بالعبرية ،وجبل الجرمق بدلا من “جبل ميرون”بالعبرية،ومرج إبن عامر بدلا من “عيميق يسراعيل”،وعلى ذلك قس.

لقد أقامت إسرائيل دائرة خاصة من أجل محو الإسم العربي الفلسطيني للمدن والجبال والوديان والأنهار والسهول والينابيع وغير ذلك،وكان لزاما علينا ككتاب وأنا أبرزهم في هذا المجال ذكر الإسم الفلسطيني ،خاصة وانني كاتب قصة ،لذلك كنت عندما أكتب قصة تدور أحداثها في حيفا على سبيل المثال أتعمد ذكر الأسماء الفلسطينية وليس العبرية مثل ساحة ام الحناطير بدلا من “كيبار باريس “بالعبرية.
كما ان المثقف الفلسطيني وجد لزاما عليه غرس الهوية العربية الفلسطينة في نفوس الأجيال الصاعدة لأن مناهج التعليم،في المدارس اليهودية تثقف بالعدمية القومية،وتتنكر لكل ما هو فلسطيني وعربي وإنساني،حتى ان كتب التاريخ عندما تتحدث عن الأندلس تنكر الدور العربي فيها ،لذلك كان علينا الإسهام بتصحيح المسار من خلال مقالاتنا ونصوصنا الأدبية ومحاضراتنا ونوادينا وجمعياتنا لتثقيف الجيل الجديد،ويجب عدم إغفال دور الحزب الشيوعي الفلسطيني في نشر الوعي الفلسطيني وتنمية الهوية الفلسطينية في صحافته مثل الإتحاد ومجلة الجديد ومجلة الغد اللتان إحتجبتا مؤخرا.
فعلى صفحات تلك الصحف نشرت قصائد إراهيم طوقان وأبو سلمى وعبد الرحيم كحمود وفدوى طوقان وتوفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وسالم جبران وقصص إيميل حبيبي وأنا محمد علي طه ومحمد نفاع وآخرين،كما نشرت تلك الصحف قصائد وقصص لمبدعين عرب تقدميين مثل الجواهري والسياب والبياتي ونزار قباني وأحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور ويوسف غدريس ونجيب محفوظ ،كما إهتمت بالأدباء الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات مثل معين بسيسو وهارون هاشم رشيد وجبرا إبراهيم جبرا وعز الدين المناصرة ويحيى يخلف وآخرين،إضافة إلى نشر الأدب اليساري العالمي الروسي والأوروبي وأدب أمريكا اللاتينية،الأمر الذي أثر إيجابا على المبدعين الفلسطينيين .

لقد أنشأنا المسرح رغم قسوة الظروف ،وظهرت عندنا مسارح في الناصرة وحيفا وعكا وقدمت مسرحيات وطنية كما أقيمت فيها المهرجانات الشعرية ،ولا بد من ذكر أن سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي شهدت إقامة هذه المهرجانات في الساحات العامة وفي الهواء الطلق تحت ضي القناديل المضاءة بالكاز.
كان الحاكم العسكري يمنعها احيانا او يمنع الشعراء من الوصول إليها ،ومع ذلك أسهمت في توعية الناس ،كما ان الأحزاب السياسية الفلسطينية لعبت دورا هاما في بناء الشخصية الفلسطينية الوطنية وخلق العربي منتصب القامة مرفوع الهامة،وفي المقدمة بطبيعة الحال الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي كان وحيدا على الساحة ما بين 1948 حتى الثمانينيات من القرن الماضي،ثم ظهرت أحزاب ومنظمات أخرى وكذلك منظمات المجتمع المدني مثل عدالة التي أسهمت كثيرا في هذا المضمار ،كما ظهرت الحركة السينمائية وبرز عندنا مخرجون كبار مثل ميشيل خليفي ومحمد بكري وآخرون،وأخرجوا أفلاما مهمة عن معاناة الشعب الفلسطيني والإحتلال ومخيم جنين والقمع الإسرائيلي والتمييز العنصري وسلب ونهب الأراضي ،وبعضها وصل إلى العالمية وحصدت جوائز عالمية.
أحب الإشارة هنا إلى التطور البارز في التعليم عندنا ،فقد كانت الجامعات الإسرائيلية مغلقة امام الطلاب العرب ،كما ان معهد الهندسة التطبيقية بحيفا”التخنيون” كان مغلقا بالكامل امام أبنائنا ،في حين كانت الجامعة العبرية لا تقبل في كلية الطب سوى ثلاثة طلبة عرب محاصصة واحد مسلم والثاني مسيحي والثالث درزي،ولكن الحزب الشيوعي الفلسطيني تغلب على هذه العقبة بإرسال آلاف الطلبة الفسطينيين إلى الدول الإشتراكية كمبتعثين ،وكان عدد طلابنا في خمسينيات القرن الماضي لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ،بينما اليوم أصبح لدينا آلاف الطباء على سبيل المثال ،ويدرس أبناؤنا حاليا في الجامعات الإسرائيلية وأوروبا والجامعات الفلسطينية في الضفة وفي الجامعات الأردنية وبعض العربية .
وأفتخر بأن نسبتنا في المجتمع الإسرائيلي 20% لكن عدد طلابنا الجامعيين اليوم يفوق هذه النسبة بكثير ،ولا بد من ذكر أن خيرة الأطباء في المستشفيات الإسرائيلية هم من أبنائنا ،كما أن عندنا مجموعة من العلماء في ميادين عديدة كالرياضيات والطب والهندسة والبيولوجيا وعلم الإجتماع وعلم النفس وغيرها.

وهناك عالمان قد يكونان مرشحان لنيل جائزة نوبل للسلام نظير إختراعاتهما القيمة وأحدهما وهو حسام حايك إخترع الأنف والجلد الإليكتروني لإكتشاف الأمراض التي تغزو الجسم،وهناك قاعدة يجب ان يعرفها الجميع وهي أننا كأقلية يجب أن نكون متفوقين لأن الشركات والمؤسسات الإسرائيلية تفضل اليهودي على الفلسطيني ،تحت حجة ان الفلسطيني لا يخدم في الجيش الإسرائيلي،اما في حال الفلسطيني متفوقا ويحتاجونه فيتم قبوله على مضض،ولذلك علينا ان نصل إلى مرحلة نجبرهم فيها انهم بحاجة إلينا.
ما تزال معظم الدوائر الإسرائيلية مغلقة أمامنا ،ولا اعني بطبيعة الحال وزارات الدفاع والخارجية بل المالية والصحة والتجارة والصناعة والزراعة،والوزارة الوحيدة التي تقبلنا هي وزارة التربية لأن نسبة المعلمين الكبيرة في المادرس العربية هي من الفلسطينيي.
ما هي تداعيات هزيمة حزيران 1967 عليكم كمثقفين فلسطينيين بالدرجة الأولى؟
كانت هزيمة حزيران 67 صدمة لجميع الفلسطينيين ،وقد إعتقلت سلطات الإحتلال عددا من المثقفين الفلسطينيين من شعراء وكتاب ،وبعد إنتهاء الحرب أطلقت سراحهم خوفا منها انهم سيقومون بدور إيجابي خلال الحرب لتأجيج مشاعر الناس ،وقد فرضت عليهم الإقامة الجبرية ،وهناك أمر هام أننا كمثقفين لم ننهزم في تلك الحرب بل كتبنا عنها شعرا ونثرا مقاوما للإحتلال ،ودعونا للثورة ضد النظم الرجعية العربية والغطرسة الإسرائيلية مثل توفيق الزياد الذي كتب:إدفنوا أمواتكم وإرحلوا،كما كتب عام 1973 قصيدة العبور لكن سلطات الإحتلال منعتها.
كما كتب محمود درويش :آخر الليل وعاشق من فلسطين ،وكتب سميح القاسم دخان البراكين ودمي على كفي وطائر الزعتر،بينما كتب سالم جبران وحسين راشد و فوزي عبد الله وأحمد حسين ونايف سليم وحنا إبراهيم قصائد وطنية كثيرة .
ولا ننسى الروائي إيميل حبيبي الذي كتب سداسية الأيام الستة ورواية المتشائل ،وكتبت انا قصصا في مجموعات مثل جسر على النهر الحزين وعائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر ووردة لعيني حفيظة.

حدثنا عن واقع الترجمة من وإلى العربية في فلسطين المحتلة عام 1948 وأثر ذلك على الثقافة الفلسطينية ؟
نحتاج إلى مؤسسات وأموال للقيام بالترجمة ،ونحن لا نملك المال ولا المؤسسات وبالتالي لا نستطيع القيام بترجمة الأدب الفلسطيني إلى اللغة العبرية ،كما اننا لا نستطيع ترجمة نماذج من الأدب العبري إلى اللغة العربية.
اما بالنسبة للإسرائيليين فإنهم يدرسون العربية ويتقنونها لأسباب أمنية ،ونحن نرى ان الترجمة من العربية إلى العبرية هو موقف سياسي،وقاموا هم بترجمة ما يشاؤون من الأدب العربي مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ،كما ان بعض مجلاتهم ترجمت قصائد لنزار وأدونيس وبعض الروايات لإلياس خوري ،كما ترجمت مؤخرا لمحمود درويش والقليل من الأدب الفلسطيني ،ولا توجد هناك مؤسسة تملك تمويلا وهدفها ترجمة الأدب الفلسطيني إلى العبرية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق