ثقافة السرد

عودة بنات اوى

 بقلم فاضل العباس*

كان الغبار المتطاير من عجلات العربة التي يجرها الحمار ، يتصاعد في سماء لم تزورها الغيوم من ازمنة .
تحولت مدنها الى مدن ملح .
فارتدت جدران أبنيتها الوان التراب وتكحلت ازقتها باللون الرمادي
وقد تلون وجه بلونها كبقية ابناء المدينة، فاختلطت الالوان .

جسد هرم ،أرتسمت على ملامحهِ، هموم سنين مثقلةٍ، معسرة، تحملهُ سيقان كقصبات مستنقع جفاف.
كان كل خط على الوجه يحدثك عن قصة موجعة .
التقت خرائطه في جبهة سوداء، خدرية ،مزرقة الجوانب كأنها ورق الكوبيا تتناثر فيها حبيبات من شتى الألوان والأحجام .جسد عرفَ الزمن،وعجنه كامتزاج الماء بالدقيق، ملأ الرأس بقصص من تواريخ مختلفة بين الدخلاء وأبناء الجلدة. عاشر البغاة، والجلادين ومن اتقن اللعبة ولبس الثوب بشتى الألوان والموديلات، في تلك الحقب، اعتقل، سجن، عذب ، وحكم بأحكام مختلفة .ليحيل نفسه بعد عناءٍ إلى التقاعد من العمل السياسي، الذي سلكه منذ أول سنوات الشباب.
على عتبات البيوت، في الظلمة ، تختلس بنات آوى الانسلال ، والتسلل عبر ثقوب ومفاتح البيوت التي بالكاد تكون موصدة بحجارة صغيرة او عمود خشبي تتكأ عليه
لم تطرق ابوابهم تتسلق الجدران المتهالكة،
وهم في خلسة، وصمت كصمت الاموات ، يتحدثون بهمس ويكممون افواه الاطفال، بالإشارة يشير بعضهم للبعض .
اشار ايوب الى آسيا ،أن تسقيه شربة ماءٍ لان قصبته جفتْ فلم يعدْ يعرق مع كل الخوف الذي يحيط بالمكان، ورجفان الأضلع، واصطكاك الركب .
هل غادروا ؟ همس الى آسيا وهي تناوله الماء في كأس ٍ صدئةٍ من علب صلصة الطماطم ،حيث تحتفظ بها أم آسيا كأنها تحفة أثرية لم ترميها ،معللةً ذلك انها ترتبط معها بذكرى،
ولكنه يعرف انها تعتقدُ بان شؤما يحل بالبيتِ ان رمتها .
عاد طرقُ الابوابِ على مسافة منهم وازداد سكون المكان،
الا من نهيق حمار العربة يقطع السكون، وفي الراس افكار تدور من يريدون هذه المرة؟
ولمن قدموا؟
اقترب طرق الابواب و ازداد التصاق الاجساد مع بعضها ،في زاوية الغرفة الصغيرة المظلمة، كأنهم يريدون ان تلتحم
وازداد نهيق الحمار .وبدأت الظلمة تطوق المكان اكثر ….
دفع الاجساد الصغيرة عنه والتي احاطت به
واستند للجدارِ، ومشى الى البابِ، رغمَ تعلق الاخرون به.
صرخ لا انتظرْ. لابد ان اواجههم.
ماذا تريدون ؟ ها انا ؟ خذوني ؟ في هستيريا اجتاحت جسده حين دوت إطلاقات نار
وكان اخر ما سمعه. هو نهيق الحمار .

*قاص من العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “عودة بنات اوى”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق