قراءات ودراسات

رواية ((زنـــــد الحجر)) للروائية ضحى عبد الرؤوف المل

مسيرة كفاح من اجل الخبز والحب والسلام

بقلم الناقد والروائي حميد الحريزي

العنوان :-

((الزند)) يوحي في وعي الانسان وذاكرته الى الرقة والنعومة والحنان ، أو الى القوة والتحدي حينما يكون مفتولا بارز العضلات ، ولكن ان يكون زندا من حجر احالة الى الصلابة والقسوة والخشونة ، ففي الوقت الذي يوفر زند الحبيبة اللدن البض الراحة والتحليق في عالم الحب والامل ، ويشير الزند المفتول الى تحدي المصاعب وتوفير الامان والطمأنينة لمن يتوسده ، ولكن ان يتوسد زندا من حجر امنا هي دالة وعورة الحياة وخشونة واقع الحال وفقدان حالة الاسترخاء وجمال الحلم ….
فرؤوف ابن عبد الغفور الشخصية المحورية في الرواية يتوسد زندا من حجر وهو يتحدى صعوبات الحياة وقسوتها (( تعلمت النوم على زند الحجر بعد ان الفه بقطعة من القماش البالية، هذا الزند الذي اضع عليه رأسي واشعر بقساوة الايام التي عشتها)) رص83 ، رؤوف المتمرد على التقليد والرتابة والعاشق للجمال والتحدي وسط بيئة تعج بالمخاطر والصعوبات ابتداءا من الحصول على لقمة العيش الى فقدان حنان الاب وقسوته ، وويلات الحروب الطائفية القذرة التي احرقت الاخضر واليابس وقتلت احلام الناس في حياة حرة امنة سعيدة ، هذا هو واقع حال اغلب احياء وحارات لبنان العزيز وسط صراع وحشي بين ابناء الوطن الواحد الذي عاش حربا اهلية طائفية مدمرة امتدت لسنوات عديدة …
وبذلك كانت الروائية موفقة جدا في اختيار عنوان الرواية لتكون مفتاحا جيدا لفتح مغاليق غرف فصول الرواية والتعرف على مضمونها ودلالتها للناقد والقاريء ….

عائلة الحب والقسوة ، عائلة الاستسلام والتحدي :-​
تدور احداث الرواية في وسط من المهمشين في المجتمع اللبناني في طرابلس على وجه الخصوص (( عائلة عبد الغفور )) المكونة من زوجته عيوشة ، واولاده رؤوف ، واحمد، وطه ومحمود، وابنته فاطمة ، ومن زوجته الثانية ، واولادها ))، كما ان هناك عدد من اقارب العائلة من الاخوان والاخوات اللذين كانت تربطهم علاقات الدم والقربى من عائلة (عبد الغفور)) بائع القهوة المتجول .
هؤلاء المهمشون وقود الحروب ، وبناة القصور ومنجي كل وسائل الحياة ومجدي ثروات البلدان والشعوب ولكنهم رغم كذلك لايحصدون الا الالم والجوع والتشرد والسجن والتعذيب … لايذكرهم المؤرخ ولا يسجل بطولاتهم السلطان ، مساكنهم قبور وقبورهم مساكن لاحلامهم وتطلعاتهم على دار الارض، وقد يتنظرهم مصيرا اكثر قسوة وقهرا في ((الدار الاخرة ))، حيث شغلهم رغيف الخبز عن فرض الصلاة ، واغناهم الجوع عن فريضة الصيام ، اما الحج فلم يستطيعوا اليه سبيلا …
قدمت لنا الروائية شخصية عبد الغفور ، المتمرد ، اللا ابالي ، بائع القهوة المتجول ، الباحث ن المتعة انى واينما تكون ، شخص يبدو انه لايرتوي ولا يمكن ان يرتوي من الجنس ، رغم ان زوجته (( عائشة )) المطيعة والخانعة القانعة لم تقصر في اسعاده واسكات غرائزه ورغباته ، فكانت عبارة عن معمل تفريخ للاولاد والبنات ، حتى فارقت الحياة ، صيبرا على نزواته واهماله لها ولاولاده وبناته واللهاث وراء بائعات الهوى .
هنا تتابع الروائية الوضع النفسي لكل من شخصية عبد الغفور ، وزوجته فاطمة ، وانعكاسات هذه السلوكيات على الابناء فبينما نرى فوضوية وخشونة ولا مبالاة عبد الغفور ، بالمقابل نرى رقة وحنان والتزام الزوجة التي كانت تغفر لزوجها كل شطحاته ان لم نقل اساءاته … وهي بذلك نموذج للمرأة المستسلمة للواقع مهما كان مرا حتى الموت …
دون انتظار طويل يتزوج من عيوشه الشابة النزقة التي ياست من حب ابن احد الاثرياء الذي لم يجروء على تجاوز ارادة عائلته الثرية التي تحرم زواج ابناءهم او بناتهم من الفقراء ، وهي اشارة الى حقيقة التفاوت الطبقي في مجتمعاتنا والتي لاتقيم أي وزن للحب فالثروة فوق كل اعتبار …
((عيوشة)) ابنة عمته ، زوجته الثانية بعد وفاة زوجته الاولى ، تجعل من عبد الغفور لعبة في يدها ، تضمر الشر والكره والعداوة لاطفاله ولابنته الوحيدة الطيبة التي تكفلت بتربية اخيها رؤوف بعد وفاة والدتها اثناء الولادة ، واخذت تحوك لها المكائد لابعادها عن الدار ، فتعرضت للضرب المبرح من والدها الاحمق الاهوج وكاد ان يقتلها نتيجة مكيدة تمس شرفها مع خلدون الحرفي ، الذي تزوجها في اخر الامر ….
تركز الرواية على متابعة حياة ((رؤوف)) وتحولاتها ، و معاناته لكسب قوة يومه ومن ثم تعلم حرف ومهن مختلفة من صناعة العصي، ومن ثم عمل الاحذية ، والتحول الى عمل حافظة المسدسات … تحولات المهن وحسب طلب السوق وماتجري من تحولات اجتماعية تختلف في حالة السلم وحالة الحرب … عشقه وزواجه من خدوج رفيقة طفولته وصباه ، ومن ثم عشقه ل((عفاف)) والعيش معها متحديا كل الظروف بعد خبا حبه لخدوجه ، وانشغال خدوجه عنه باولادها وحياتها الخاصة مما القاه في احضان ((عفاف)) الفتاة الجميلة الغامضة التي لايعرف من هي ومن تكون عائلتها وهل هي يهودية او مسلمة .
بعد عجزه وكبر سنه مات رؤوف شنقاً ، فلم يعد يحتمل حياة العجز والفاقة وعطف الاخرين .
الحب والحرب في رواية ((زند الحجر)):-

بمرارة كبيرة تتحدث الروائية عن الحرب الداخلية بين ابناء الوطن الواحد وما سببته من خراب وويلات للجميع ، حرب قذرة تحركها ارادات شريرة من الداخل والخارج ، غيرت حياة الناس فكتبت عليهم التشرد وترك البيوت وهجران الاحبة وخسارة العمل ، حرب يقتتل فيها الفقراء فيما بينهم يربحها الاثرياء ويوجهونها لمصالحهم (( نحن الفقراء نمارس السلطة بعضنا على بعض وبدرجات … )) ر ص104.
حرب لا معنى لها لا احد يعلم كيف بدأت وكيف ستنتهي (( البغضاء والكراهية بين المذاهب المتناحرة ))رص107.
مما ولد المزيد من الافقار والبؤس والحرمان (( المعارك الطاحنة بين ابناء منطقتين اندمجتا في صراع اخوة قاتل ))رص 109 .
هذه الحروب ادت الى تردي الحياة المعيشية وفقدان الخدمات الصحية والبلدية والتعليمية مما جعل الكوليرا والحرب تتكاتف لابادة الناس وسلب حياة الكثير من البشر
((الحرب تشعل الخوف في الانفس وتصبح الحمامة كالغراب في اعين الجميع )) رص117.
أي انها لم تعد تحتكم للعقل والعلم والموضوع وانما توجهها عواطف همجية متطرفة لاتميز بين الابيض والاسود ، فمن هو معها هو الناجي وغير ذلك لايستحق الا الموت والافناء .
الحروب العرقية والطائفية سرطان الارض الفتاك ،يبدو انه مرض غير معروف الاسباب ، ولكن من يتقصى الحقيقة يجد ان اصحاب الجاه والسلطة ممن استعبدوا الشعوب بقوة السلاح والخرافة هم السبب الحقيقي وراء هذه الحروب المدمرة من أجل تابيد سلطاتهم وتثبيت كراسيهم ، وحرف جماهير المهمشين عن طريق الثورة والتمرد من اجل غد الحرية والعدالة والمساواة في كل العالم. ومنمع انتقال الفرد والجماعة من حالة الوعي الواقع الى الوعي الممكن حيث الخلاص والحرية .ف(( مضمون اية رواية لابد ان يعكس مكونات الوعي الممكن لجماعة بشرية محددة)) ص69 النقد الروائي والايدولوجيا – د. حميد لحمداني ط1 1990 المركز الثقافي العربي .

المرأة في رواية (( زند الحجر )):-
الرواائية تبحر عميقا في الوضع النفسي للرجل والمرأة وخصوصا للزوجين والعلاقة فيما بينهما من حيث الود وتجدد علاقة الحب والخروج عن الروتين، مشيرة بذلك الى عوامل ديمومة هذه العلاقة وتاجج حميميتها عبر الزمن والحفاظ على الود وتبادل الحب بشكل دائم ونفي مقولة (( الزواج مقبرة الحب )) رص 129 ، كما وصفته عفاف عشيقة رؤوف التي اندفع نحوها بكل جوارحه ومشاعره بعد أن هيمن البرود والسلبية على سلوكيات وتصرفات حبيبته الاولى خدوجه وانشغالها باطفالها لرعايتهم واهمال زوجها مما ادى الى موت العاطفة بينهما (( هي تهتم بالاولاد ولم اشعر بحبي لها كما اشعر لك ياعفاف)) ص123.
، هنا تشير الروائية وهي محقة تماما فيما ذهبت اليه في ان ((انحراف)) الكثير من الرجال وبناء علاقات غرامية خارج نطاق الزوجية استجابة لحاجة نفسية وارتواء حاجة غريزية عانت من الجفاف والتصحر في فراش الزوجية وكما يذكر ذلك رؤوف (( لم اشعر بالاطمئنان الا مع عفاف وعندما امسك شفتيها الخمريتين بين اصابعي ترتفع نسبة الرجولة لدي)) رص 117
مما ينتج عنه الكثير من المعاناة بالنسبة للاطفال الذي قد يهملهم بعض الاباء نتيجة لانغماسهم في ملذاتهم الشخصية كما حصل لاولاد عبد الغفور بعد زواجه من عيوشه بعد وفاة زوجته الاولى ام احمد ورؤوف ومحمود وطه وفاطمة ، خصوصا وهو شخصية متجاوزة همه الوحيد اشباع رغباته ونزواته ، وقد كانت عيوشه فتاة لعوب تحمل في داخلها مشاعر الحقد والكراهية وكانت تدس الدسائس ضد اولاد زوجها ، وتدفعه لارتكاب الافعال الوحشية والهمجية واللاانسانية ضد ابنائه دون أي شعور بالمسؤولية تجاه العائلة ، مما ادى الى شرذمة العالة وهروبالاولاد للخلاص من قسوة الاب ودسائس زوجته واتصرفاتها الاستفزازية الماجنة …تزوجته وبسرعة غير متوقعة ردا على خوف ((عبد الحميد)) من عائلته بعدم قدرته على الزواج منها رغم حبه لها لانه من عائلة ثرية وهي من عائلة فقيرة ، اشارت واضحة الى التمايز الطبقي ومايترتب عليه من استلاب لحرية الاختيار
تؤشر الروائية طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة الذي يجب ان لاتكون علاقة فراش فقط بل علاقة انسانية سامية يسودها الحب والاحترام والعشق الدائم واتباع كل ما يبعد الروتين وكما قال رؤوف حول علاقته بعفاف ((أنتمائي الى عفاف ليس انتماء الذكر انما انتماء الانسان الى الانسان واحترام رغباته …)) ((رص133)).
هنا انحياز كامل للجمال والرقة والتفاهم بين الرجل والمرأة بين الزوجة وزوجها وبين العشيق وعشيقته والابتعاد عن اسلوب العنف والحيونة الغرائزية ، والاحترام المتبادل ، وان يسعى الشريك لاسعاد شريكه وجعله يشعر بالحميمية والامان والتواصل والحب ، على ان تكون هذه المشاعر متبادلة ، وعلى الرجل فهم حساسية مشاعر المرأة ورقتها وخصوصيتها كما نصح الرجل الشامي رؤوف قائلا:-
((يابني اسمع ماتقوله المرأة وأبتسم حتى وان شتمتك ))رص89.
كما ينبغي ان يكون هناك توازن بين الخوف من الله بعدم خرق الثوابت الاخلاقية الدينية المعروفة لدى كل الاديان التي تدعو للحب والعفة والتسامح والصدق في التعامل والوفاء كقيم عليا ، وبين نواهي وموانع وتابهوات العرف الاجتماعي وان لايكون (( الخوف من الناس اكبر من الخوف من الله )) ص141.
يبقى ان هناك امر غامض من الصعوبة فتح مغاليقه في علاقة رؤوف ب((عفاف)) اليهودية الاصل ، حيث يفاجيء القاريء بانها كانت زوجته وقد سافرت معه الى المانيا عبر قبرص كما تكشف ذلك ابنته من خلال تحرياتها ، رغم ان كل ماورد في الرواية يشير الا انها كان يعيشان حياة زوج وزوجة ولكن دون ارتباط رسمي كزوجين …
كما ان هناك غموض يلف حياة ((عفاف)) هل كانت بالفعل جاسوسة تنقل المعلومات الى اسرائيل وكانت تمثل خلال علاقاتها مع رؤوف ومع صديقه ((عبد اللطيف)) قبله ، وكذلك ما اكتنف موتها من غموض هل ماتت في دارها نتيجة احتراق منزلها نتيجة الحرب الطائفية ، او ماتت ميتة طبيعية بعد مرضها بالقرب من والدتها …
كما ان الروائية رسمت لنا صورة للمرأة القوية الفاعلة المتحكمة حتى في مصائر الرجال وجريان الاحداث كما هي صورة اخوات عبد الغفور …..
وصورة عن المرأة التي نذرت حياتها للناس حبا وتضحية وملاذا كما هو حال الكوشارية التي كانت جدة كل وليد في الحارة تحبه وترعاه كما ترعى اطفالها وعائلتها
الروائية تعطينا امثلة لشخصيات نسائية ورجالية متناقضة منها من تلتزم بالاعراف والتقاليد وتفيض طيبة ومحبة لزوجها وعائلتها وللناس جميعا مث ((الكوشرية )) ام احمد ، و((عائشة )) زوجة عبد الغفور الاولى ، و((فاطمة)) الطيبة ابنت عبد الغفور من ((عائشة ))، في حين نرى نماذج تهيمن عليها روح الكراهية والنكد لزوجها وللاخرين امثال ((عيوشا )) و (( خدوجة )) في اخر المطاف التي اهملت زوجها وسببت له الكثير من الازعاجات مما ادى الى نفوره منها .
هنا تبدو الروائية في غاية الواقعية فنماذج الخير والحب موجودة ونماذج الكراهية والشر موجودة في مجتمع غير متوازن تهيمن عليه ثقافة ذكورية طاغية ، وثقافة العرق والطائفة .
في الوقت الذي ترينا الروائية نموذج
المرأة الرقيقة المثقفة محبة الفن والجمال والحياة المنفتحةكماهوتوصيف((عفاف))،
كما تظهر لنا الحاجة ((نورا)) شخصية قوية وذات مؤثرة في وسطها العائلي والمجتمعي
((كانت الحاجة نورا سيدة ذات هيبة ووقار لها حضورها وكلمتها في حارة التنك ، بيتها المطل على ثكنة بهجت غانم كان ملاذا للفقراء ..)) ص107.
وقد اعطتنا الرواية نماذج من الرجال بين ملتزم ، يقجس ويرعى العلاقة الزوجية ويثمن دور المرأة ويبقى وفيا لها حتى بعد موتها كما هو حال ((ابو احمد)) شقيق ((عبد الغفور))، في حين يكون سلوك ((عبد الغفور)) مناقضا لذلك تماما فهو يخون زوجته بشكل مستمر ويسبب لها الكثير من النكد والاذى ، ولم تمض فترة قليلة على وفاتها حتى حلق ذقنه وعاد الى ملاحقات النساء ، ومن ثم تزوج متناسيا حب ووفاء وتضحية زوجته الاولى ((عائشة )) .
كانت هناك اراء غاية في الجرأة حول علاقة الرجل بالمرأة ، حب ، عشق ، صداقة ، تبدو ان اغلبها تفند مقولة ((ما اختلى رجل وامرأة الا وكان الشيطان ثالثهما )) ، فقد قال الروائي الكبير ساراماغو (( ماكان رجل وامرأة الا وكان الله حاضرا)) ، او كما قال الروائي العراقي امجد توفيق في روايته الساخر العظيم ((((ان الله لا يغفر لمن يتخلى عن دعوة أمرأة)).
كانت هناك مقولات على لسان ((عفاف)) وعلى لسان (( هدى)) ابنت عبد الغفور ، وكانها فتاوى عشق تتجاوز الكثير من التابوات المعروفة .

المكان في ((زند البحر )):-
من خلال ما كانت تقوم به الروائية في متابعة تنقلات شخصياتها وخصوصا افراد عائلة عبد الغفور ، اخوانه واخواته رسمت في مخيلة القاريء خارطة متكاملة لحارات وازقة وهندسة الشوارع والبيوت ، وتواجد الغابات والانهار ، رسما وافيا لشاليهات البحر الجميلة ، مما يجعل القاريء يعيش هذه المناطق ويالفها ويرسم صورة للشخصيات في هذه الاماكن وطبيعة حياتهم اثناء العمل والحركة والنوم او الاطلال من الشرفات والنوافذ المشرعة ، نهر ابي علي ، حارة التنك ،جبل محسن ، التبانه ، عكا ، طرابلس، الميناء ، الكوره ، حارة البرانية، مقهى ابي مراد ، قرية عيدمون، بيروت، الحمرا ، مما يضفيالقناعة بموضوعية وواقعية الاحداث ، تجعل المتلقي يندمج مع احداثها ويتفاعل مع شخصياتها ، ان سلبا او ايجابا تماشيا مع طبيعة الشخصية والحدث.
كم هو مؤثر وصادق توصيفها مثلا لحالة حارة التنك (( الهدوء في حارة التنك هو هدوء الفقر الذي يبعد اهلها عنها طوال النهار ، وفي الليل يجمعهم الشخير الصادر من الذين ينامون في الخارج لضيق المكان)) ص47.
والتوصيف الجميل لقرية عيدمون
((كانت قرية عيدمون قريبة من القبيات وهي بين الجبال كجبين)
ناصع الجمال حيث كنت ألعب بين حقولها وبساتينها دون ملل.)) ص82.
أسلوب السرد واحكام الروي:-
كانت الروائية موفقة تماما في اسلوب السرد والوصف للاحداث والاماكن رغم انها لم تؤثث الشخصيات بشكل جيد لتكون صور لاغلب الشخصيات الرئيسية في الرواية واضحة في ذاكرة المتلقي ، من حيث الشكل والعادات والعلامات الفارقة ونوع وطريقة اللباس والاكل …الخ، ولايبقى عالق في ذاكرة القاريء سوى الاسم بصورة شاحبة غير واضحة الملامح … كشخصية رؤوف واحمد وابي احمد وحتى عبد الغفور ، ناهيك عن اغلبية الشخصيات النسائية .
كانت مسحة شعرية جميلة تسود السرد ، بلغة سلسة ومفردة ممتلئة بمعناها راضية بموقعها في الجمل السردية ، مما يسهل توصيل الفكرة او الحدث الى المتلقي ، دلالة امتلاك الروائية لثروة لغوية وثقافية مميزة مكنتها من حياكة نسيج السرد بخيوط الكلم الملونة ، ليكون نسيج الرواية بابهى صوره وكما يقول باختين
(( ما تتصف به الجنس الروائي ويتميز ليس صورة الانسان بحد ذاته بل صورة اللغة، ولكن على اللغة كيما تصبح صورة فنية، ان تصبح كلاما على شفاه متكلمة وتقترن بصورة الانسان المتكلم )) الكلمة في الرواية – ميخائيل باختين – ترجمة يوسف حلاق ط1 دمشق 1988 ص114.
يبدو للقاريء ان هناك هفوة في ذكر عمر ((رؤوف)) ففي الوقت الذي يخاطب عفاف قائلا (( هل تعشقين رجلا ستينيا ايتها العشرينية الفاتنة )) ص127 .،وبعد مرور سنوات على هذه المحادثة يذكر لابنته هدى انه رجل خمسيني مما يعد مفارقة فلو قال لها وانا رجل سبعيني لكانت الرواية منسجمة مع تسلسل الاحداث وعمر ((رؤوف))
(( كان علي ايجاد بيت واعادة تاسيه من جديد، وهذا مكلف وانا اصبحت في الخمسين لاحول ولا قوة ، لانني بعد اختفاء عفاف احسست بالعجز وكأني كبرت مئة سنة…)) ص137.
كذلك هناك ما يربك القاريء حول زواج او عدم زواج ((رؤوف)) من ((عفاف)) ففي الوقت الذي يروي لابنته هدى في ايامه الاخيرة قبيل الانتحار انها رفضت الزواج منه (( ايقنت حبي لها بعد اصراري على الزواج بها ، ورغم ذلك رفضت وهذا ما يثير جنوني حتى الآن..))ص120.نركز هنا على عبارة حتى الآن .
أي انه ينفي نفيا مطلقا زواجه من ((عفاف)) حتى لحظاته الاخيرة وتثبت تحريات هدى بانها كانت عشيقة صديقه ((عبد اللطيف)) والذي تركها ورحل الى استراليا ليتزوج من استرالية تمنحه الجنسية ولان ((عفاف)) ابنة الثراء رفضت الزوج منه لفقر حاله كما ذكر ذلك ل((هدى)L( بانها نزوة ومضت لانهال اترضى الزواج به وهو الفقير المعدم )) رص110 ، في حين ان ((هدى)) تكتشف لاحقا بانها تزوجت من ((رؤوف)) في المانيا مرورا بقبرص، في حين تذكر عمتها انها توفيت بالسرطان وكانت في غاية الحزن على زوجها الذي توفي في المانيا بحادث قطار ، مما يجعل من عفاف لغزا محيرا ، وربما هناك اكثر من عفاف ؟؟؟!!!
نشهد ان الرواية تمكنت من رصد التحولات في حياة الفرد ، والعائلة ، والمجتمع اللبناني ، بشكل جيد ، وهذا هو توصيف الرواية الناجحة في مرصد تحولات وتبدلات الافراد والمجتمع وحتى الطبيعة .وكما يرى محمد برادة (( الروائي يستطيع ان يلتقط بالمعاينة والتامل والحدس ، ظاهرات لها صفة الشمولية التي تجعل منها معرفة تضيء السلوك البشري )) محمد بادة – الرواية العربية ورهان التجديد – ص70 ط1 2011.
في الختام الرواية تحتمل المزيد من التحليل والتاويل نتمنى ان يتناولها الزملاء النقاد والكتاب والمهتمين بالرواية الجنس الادبي المهيمن على الساحة الادبية في الوقت الحاضر .يمكننا القول ان الرواية لايمكن ان تكتمل ولا زال على الارض انسان ينبض بالحركة والحياة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق