ثقافة المقال

الصحافة المكتوبة في الجزائر: بودعك آخر وداع..آخر وداع

د- وليد بوعديلة

تعاني الصحافة المكتوبة في الجزائر الكثير من التحديات في السنوات الأخيرة، بخاصة مع تحديات تكنولوجيا الاتصال، فبقدر الفوائد المتعددة التي حصلها الإعلام المكتوب من المعلوماتية وثوراتها المتلاحقة ، لتغيير تقنيات وجماليات النشر الورقي، إلا أن السلبيات تلاحقت لتشكل حلفا مع السلطة الحاكمة ، ضد الإعلام بعامة والمكتوب منه بخاصة….كيف ؟؟
لقد توالت أزمات الصحافة المكتوبة في الجزائر، شانها شان الصحافة العالمية ، وكذلك العربية وقد رفع الإعلامي اللباني طلال سلمان صرخته في مقاله “نهاية الصحافة في لبنان” بالجريدة الالكترونية التي يديرها الكاتب عبد الباري عطوان ” رأي اليوم”، وفتح النقاش حول معاناة الجرائد اللبنانية الكبرى عبر منشورات دار الصياد، وهي إحدى المنارات السياسية والثقافية و الفنية المحترمة وذات الامتداد التاريخي و الاجتماعي، فالتفت للواقع الجزائري، و تساءلت عن واقع ومستقبل الاعلام المكتوب في الجزائر؟؟
إن الجرائد الكبرى تعاني لتحافظ على وجودها ، والصحف الصغرى تعاني أكثر كي لا تنهار وتموت، أما الإعلام المرئي المستقل -الخاص فهو يتحرك بحذر في ظل مراقبة السلطة و سلطة السمعي البصري، لدرجة قد يجد المشاهد حصصا عن الشعوذة و السحر و صراع الازواج و تفسير الأحلام، وأفلاما عن الوسترن والرعب ومسلسلات تركية عن الحبو الخيانة …. في الوقت الذي يبحث المشاهد الجزائري عن أخبار حول الفيضانات او صحة الرئيس او صراعات أهل البرلمان واحتجاجات القطاعات المختلفة…. في القنوات الأجنبية و في الانترنات؟؟؟
كما اطلع الجزائريون مؤخرا على ملف إعلامي كبير لجريدة الخبر الواسعة الانتشار بالجزائر تحت عنوان كبير”موت مبرمج للمؤسسات الاعلامية”،(عدد2 اكتوبر 2018) حيث نبه الإعلامي خالد بودية للمخاطر التي ستنجر لتطبيق قانون المالية الجديد -2019، فمن أحاكمه الجبائية تشير مادة إلى ترقية المنتجات التي ليست قابلة للخصم على الصعيد الجبائي إلا في حدود2.5 بالمائة من رقم الأعمال السنوي.
وفي الشرح يقول الكاتب الصحفي خالد بودية:” وببساطة كان رقم الأعمال الذي تخصصه الشركات الاقتصادية لإعلان منتجاتها في شكل إشهار إعلامي خاضعا إلأى شبه إعفاء ضريبي، إذا كانت النسبة تحت 2.5 بالمائة، لكن مع التدبير الجديد ستفرض الضريبة فوق 2.5 بالمائة”، وهو ما سيدفع الشركات لتقليل ميزانياتها الموجهة للإشهار، وهنا ستدخل المؤسسات الإعلامية المختلفة في ضائقة مالية، والخطر الكبير ، حتى لا نقول الغول الكبير، سيخنق الإعلام المكتوب ببساطة.

غول يلاحق الصحافة؟
وفي قراءة أولية للآثار التي تصيب الجرائد نقول بأن ما تقوم به السلطة الحاكمة هو نوع من التضييق على الإعلام ودفعه للوقوف إلى جانب ممارسات وقناعات السلطة في كل مبادراتها ومقترحاتها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، حتى لو كانت آثارها كارثية في الآجل والعاجل على المواطن البسيط.
فمثلا…سيرغم الإعلام المكتوب على الصمت أمام مهازل قطاع التربية، و عدم الكلام أو التحليل او فتح النقاش حول مشاكل الاكتظاظ، اخطاء الكتب، سؤ التسيير، الهوية في المناهج، ظروف المعلم و المتعلم….
ومثلا… على الصحافة المكتوبة عدم الحديث عن الانهيارات الاقتصادية و الحركات الاحتجاجية الاجتماعية و النقابية، وعدم فتح مجال تحليل انهيار الدينار أو ندرة الأدوية أو فيضانات المدن أو انتشار الجرائم أو….
ومثلا… على الصحافة عدم التساؤل عن فضائح ومهازل كرة القدم والبطولة الجزائرية، وعدم النقاش حول النتائج السلبية لمختلف مدارس ومنتخبات و فرق الرياضة في المحافل الإقليمية و الدولية…
وتكثر أمثلة الرهانات التي تحتاج للبحث و النقاش وسماع أصوات مغايرة عن الأصوات المدافعة والمساندة، من الموالاة و المطبلين للحكومة والرئاسة؟؟؟ رغم أن التاريخ يقول بان ما قدمته الصحافة من أفكار ومبادرات للآراء المتعددة لكتاب موهوبين وطنيين وأصحاب خبرة طويلة، وما قراه القارئ من حوارات وندوات …قد عادت له السلطة ومستشاريها، رغم سلبية الإعلام العمومي الذي تحول لإعلام حكومي، يدافع عن الوزراء والولاة حتى لو كانوا على خطأ، والأمثلة كثير في تبسة، الجلفة، باتنة، قسنطينة…
وقد أجاد أستاذ الإعلام الدكتور العيد زغلامي عندما اختصر البرامج المالية التي تخنق الإعلام بقوله “إجراء الحكومة مضايقة من اجل المقايضة”، بمعنى مقايضة المبادئ وحرة التعبير والتفكير بالمال والإشهار، فتضطر الكثير من المنابر للغلق وتسريح الصحفيين و العمال ، كما فعلت منابر إعلامية مكتوبة كانت تصنع المشهد الصحفي الجزائري،
أو تضطر لرفع أسعار الجرائد وهنا قد تفقد القراء حاشا الأوفياء والعشاق، وهم الذين يدفعون رغم كل الزيادات التي تتجدد في كل مرة.
لنقل إن الإعلام الجزائري و العربي محاصر من الحكام ومؤسسات الدولة، ولا فرق هنا بين القنوات الفضائية او الإعلام الالكتروني او الصحافة المكتوبة، في ظل قوانين تخنق حرية التعبير والتفكير وتراجع رهيب للحريات السياسية و النقابية، وتواطؤ للدول الغربية مع الأنظمة لأجل مصالح اقتصادية و مالية…
وهنا لا داعي لإنشاد أغاني حقوق الانسان و الديمقراطية والحرية، فلا تنفع هنا إلا أغنية محمد فؤاد ليقولها المواطن الجزائري و العربي لحرية الإعلام و للصحافة المكتوبة تحديدا : ” بودعك .. آخر وداع..آخر وداع” .

د- وليد بوعديلة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق