ثقافة المقال

نحن وتراثنا.. نحو تجديد العلاقة

بومدين بوزيد

هناك حلقات مفقودة في التاريخ المعرفي العربي/ الإسلامي، سواء تعلّق ذلك بالقرون الأربعة الزاهية الأولى تدويناً وإبداعاً أو في المرحلة الزمنية الممتدّة من القرن الثاني عشر ميلادي إلى منتصف القرن التاسع عشر أو كما يحاول البعض تحديده بصدمة “حملة نابليون بونابرت في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي على مصر” التي هي فاصلة بين زمن يسمّيه المؤرخون والأدباء عصر الإنحطاط والتخلّف وعهد الدويلات المتحاربة وزمن ما يزال مستمراً معنا. هذه الفراغات الزمنية والمعرفية يعلّلها بعض الكتاب من كون جزء كبير ممّا كتب لم يصلنا، وقد اكتفى الدارسون من المستشرقين والعرب قبل تحقيق المخطوطات الإعتزالية مثلاً على ما كتب عنهم من خلال الكتب الحجاجية الجدلية الخصمية أو من خلال مؤرخي الفرق الإسلامية – كتب الملل والنحل –، ونفس الكلام ينطبق على التراث الفاطمي/ الإسماعيلي الّذي يعود الفضل في التُعريف بنصوصه الفلسفية الباطنية إلى الباحثين: “مصطفى غالب وعارف تامر”.

هذه الحلقات المفقودة سواء على المستوى التاريخي/ الزمني، أو إنعدام النصوص التراثية لفرقة من الفرق الإسلامية أو لعهد من العهود الإسلامية تخلق وضعاً متأزماً في الدراسات التراثية، ويصعب اتّخاذ موقف أو حكم، وكمثال على ذلك الحرج الّذي وجد فيه نفسه كاتب عربي ظلّ يربط ابن رشد بالأرسطية البرهانية وحين أعيد كتاب “الضروري في السياسة” لإبن رشد إلى لغته الأصلية “العربية” من العبرية فحاول تأويلاً تبرير الانعطاف نحو الأفلاطونية بدل الأرسطية، ترى إلى أيّ مدى نجحد مساهمات علمية/ معرفية برزت في عصر ما يسمّى “بالإنحطاط”؟.

هل التسمية لها علاقة بالمؤرخين الذين يفهمون التقدّم والتخلّف بمقاييس تختلف عن الباحث في الأفكار وقارئ النصوص فهماً وتأويلاً؟ أم أنّ التسمية لها علاقة بالدّراسات الأدبية التي ترى الإبداع في الشعر والنثر وفق معايير جمالية فنية؟.

قد يكون إستعمال لفظ “الإنحطاط” صائباً كتحقيب زمني تاريخي يهمّه التطوّر السياسي والإقتصادي، كما يكون صائباً أحياناً حين نرى إختفاء الإبداع الشعري والنثري والجمالي وبروز التكرار والإتّباع والتقليد، ولكن هل من المعقول أن يستقيل عقل لمدّة خمسة قرون فجأة من مسرح التاريخ؟.

يرى “توبي هاف” الأمريكي المختصّ في “أنتروبولوجية العلم” أنّ خمسين فلكياً عربياً أحصوا بمرصد “مراغة” جنوب إيران في القرن الثالث عشر، كما وجدت مراصد عربية فلكية أخرى ولكن المظهر العام الموجودفي هذا القرن وما تلاه هو إنعدام الإتِّصال بين المشرق والمغرب وغياب الإتحادات المهنية العلمية والمدونة القانونية التي تسمح بالإبداع والتركيبية الإجتماعية الملائمة، وهي عوامل ثلاثة كانت وراء نشوء العلم وميلاده في أوروبا.

إنّ تعميم اصطلاح “الإنحطاط” على حقول معرفية أخرى غير الفقهية والأدبية قد يحول معرفياً ومنهجياً دون تأويل وفهم نصوص أخرى تشكل قوّة إبداعية وحضارية، وقد استطاع “هنري كوربان” إعادة الإعتبار إلى التراث الإشراقي الصوفي الذي برز أكثر مع صدر المتألهين” المُلّا صدرا الشيرازي “ت1640م” من خلال موسوعتين فلسفيتين “الشواهد الربوبية” و”الأسفار الأربعة” فهي نصوص فيها الجدّة والتأصيل، هي تمثيل قوّي للحكمة الشرقية والعقلية اليونانية مع مزجهما برؤية قرآنية ذات تأويل متميّز وخاص، كما يمكننا ذكر النصوص التراثية المغاربية ومنها الجزائرية الّتي لم تحقق بعد، سواء أكانت عقائد كلامية أو نوازل فقهية، ففي المغرب الأقصى مثلاً منذ سنوات تعمل فرق بحث على تحقيق وتقديم النّصوص التراثية المتميّزة، كنصوص “ابن عجيبة” الصوفي والكتاني وسكيرج… إلخ، أمّا عندنا ما زلنا لم نلتفت لهذا، وأذكر هنا كذلك “التراث الإباظي” ممثّلاً في جهابذة كبار كموسوعة “أبي يعقوب الورجلاني” – الدليل لأهل العقول –.

نصوص وتراث هذه المرحلة الزمنية – إعادة طبعها وتحقيقها ودراستها – تحرّرنا من أسر مقولة “السنية البرهانية” الّتي ترى التصوّف والباطن والإشراق غنوصاً، وهي لا تختلف عن المقولة “السنية المادية” الّتي أقصت المثالية والميتافيزيقية إنتصاراً لرؤيته الماركسية، كما نقرأ في دراسة “هادي العلوي” عن “الحركة الجوهرية عند الشيرازي” التي تقصي تماماً الجوانب الغيبية والميتافيزيقية وتمسك فقط بالتّفسيرات المادية لهذا الفيلسوف.

إنّ هذه المقولات – رغم تميّزها الإبداعي – تتحوّل مع مرور الوقت إلى أسر للتفكير والنقد والقراءة كما اعتدنا كذلك على تغييب الحلقات المفقودة بتحقيبات تاريخية وأدبية، فنقرأ زمننا مبتوراً أو نجعله أربعة عشر قرناً ونلغي الخصوصيات الثقافية والنفسية المستمرة معنا سواء أكانت فرعونية أو آشورية أو أمازيغية.

يمكن إعطاء مثال هنا على عدم فهمنا لمظهر التشدّد والتزمت في قضايا المرأة مثلاً وكيف نختلف في ذلك عن المشارقة رغم الدين الواحد؟ ألا يعود ذلك إلى هذه الخصوصيات الحضارية القديمة؟ وقس ذلك على مسائل أخرى يحدث حولها الخلاف وتعدّد التصوّرات غير المؤسّسة على الخلفية التاريخية وبناءات الثقافة ونفسانية الشعوب.

ترى إلى أي مدى كان النصّ المدرسي والبرامج الجامعية المرتبطة بوعي الحلقات المفقودة في تاريخنا السياسي والإجتماعي والإقتصادي والمعرفي مساهمة في شلّ قدراتنا الإبداعية وفي أحكام هي في حاجة إلى المراجعة والنقد؟.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق