قراءات ودراسات

“الرواية كفعلٍ نقيض لتزوير التاريخ”!

المحامي حسن عبادي

عندما أقرأ كتابًا للمرّة الأولى أشعر أنّي قد كسبتُ صديقًا جديدًا، وعندما أقرأه للمرّة الثانية أشعر أنّي ألتقي صديقًا قديماً (هذا ما قاله الكاتب والشاعر أوليفر سميث) ولحُسنِ حظّي ألتقيت بكوانتوم للمرّة الثانية:
الأولى حين أعارني إيّاها زميلي فؤاد نقارة حال صدورها، (ضمن التعاون بين نادي حيفا الثقافي ودار فضاءات)، والثانية قبل أسبوعين – ساعة تحضيري لمداخلة حولها وجاءت قراءتها مختلفة بعض الشيء وتساءلت: هل هذا مرتبط بمقولة نظريّة التلقّي الألمانيّة “إنّ قراءة نصّ واحد في زمنين مختلفين من القارئ نفسه تؤدّي إلى قراءتين مختلفتين”!

صدرت رواية “كوانتوم” للشَّاعر الرِّوائي أحمد أبو سليم، عن دار فضاءات للنَّشر والتَّوزيع في عمَّان، وهي الرواية الثَّالثة له بعد روايتيه: الحاسَّة صفر وذئاب منويَّة، بالإضافة لخمسة دواوين شعريَّة.

تناولت روايتُه الأُولى “الحاسَّة صفر” تجربة المقاومة الفلسطينيَّة في لبنان، حطَّم من خلالها كل التابوهات، أنسن التَّجربة النِّضاليَّة الفلسطينيَّة ونزع القناع عن هالتها وقدسيّتها وصرخها بصريح العبارة: “لا قداسة لأَحد، ولا مطلق أَبدًا”.

في روايته الثَّانية “ذئاب منويَّة” يُعرّي الواقع والإنسان العربيُّ، حيث أَصبحتْ الذِّئْبويّة هي القيمة الَّتي يحملها الإنسان في داخله، يتصيّد الفرص ليهمِّش الجمال ويُهشّمه ليقلب المفاهيم والمعتقدات رأسًا على عقب.

وفي روايته “كوانتوم” يصل إلى القدس.

تحوّلت القدس إلى رمزٍ خطابيّ يتغنّى به الجميع رغم أنّها تتآكل، شوارعُها تغترب، بيوتها تفقد هُوِيَّتَها وأهلَها، والكلّ نيام، وخوفي أن نصحو من سُباتِنا ونجدَها في مخيّلاتنا فقط. قام الاحتلال بتغيير معالِمها، وهدم الكثير من بيوتها وأماكنها.
قد تكون هزيمة الجغرافيا والتاريخ مجرّد جريمة قتل عابرة مقارنة بهزيمة الذاكرة التي تُعتبر مَجزرة.
يقول الفيلسوف العربيّ ابن خلدون في المقدّمة: “إنّ حقيقة التاريخ أنّه خبر عن الاجتماع الإنسانيّ الذي هو عمران العالم” ويعني بذلك أنّ الحياة المدنيّة هي أساس التاريخ، وليس تاريخ السياسة والملوك والحروب بل هو في الحقيقة جميع أنشطة البشر العاديّين من فكريّة واقتصاديّة واجتماعيّة.
التاريخ غير مُجرّد وغير مُطلق، وعادةً يكتبه المنتصر، لذلك هناك ضرورة ملحّة في توثيق روايتنا الصادقة، المُهمّشَة والمُغيّبَة، ووضع حدّ للتشويه وعدم تركها لل”مؤرّخين”، فالذاكرة الجماعيّة سلاح لتحقيق العدالة!
أمامَنا، وبينَنا، الاحتلال الإسرائيليّ ينمو ويكبرُ ويترعرعُ ويُغيّرُ جغرافيَتَنا ومعالمَنا وتاريخَنا، ويُغيّرُ قدْسَنا ويمسخُها … يُنكرُ وجودَنا قبلَهم وبينَهم، ونحن نتعامى رُغمَ أنّه لا يُمكننا تجاهلَ أو إنكارَ وجودِهم وتأثيرِهم في حياتِنا اليوميّة. القدس تغيّرت، والبساطُ من تحت أرجلنا انتُزِعَ وما زلنا نستنكر ونغضب ونستنكر ونتظاهر ونستنكر…
يُعتبر اختيار عُنوان الرواية مهمّةٌ صعبة، رغم أنّه في حينه قيل: “الكتابُ يٌعرفُ من عُنوانِه” فكان الكاتبُ يختارُ عنوانًا يلخّص مضمون الكتاب، يُشير إلى مُحتواه ليُحفّز القارئ على تناولِه، ولكن مع الزمن أصبح العنوان عتَبةً نصّية وعملًا روائيًّا موازيًا لمتن الرواية وأصبحت له وظائف ودلالات ومنها: إسم يميّزه عن باقي الكتب، وظيفة وصفيّة تتعلّق بموضوع الكتاب أو نوعه أو كليهما معًا، أو ترتبط بالمضمون ارتباطًا غامضًا، أو وظيفة إغرائيّة تسعى لإغراء القارئ … وفي رواية “كوانتوم” يجذب القارئ ويَبقى في ذاكرتِه وقد یُنسى اسم المؤلف ولا یُنسى اسم الرواية. رغم ذلك، عنوان الرواية يصلح أن يكون لرواية في بلدٍ القراءةُ عند أهله ضرورة حياتيّة مثل الماء والهواء… في بلادنا نحن بحاجة لتشجيع الناس العاديّين على القراءة من خلال عنوان يجذب القارئ العاديّ لأن البديل سيكون كتابًا آخرَ من الموروث الدينيّ أو البورنوغرافيّ، إلّا إذا كان يُكتب للنخبة… وما نراه على صفحات التواصل الاجتماعيّ خير دليل.
تساءلت عندما رأيت الرواية للمرّة الأولى: ما هو الكوانتوم؟ أعترف بجهلي المعرفيّ بالفيزياء، ولكن العنوان المغاير شدّني لقراءة الرواية، فتحت الصفحة الأولى فإذ ب”صوت دويٍّ هائل رجَّ الأرض كالزِّلزال، الناس تدفّقوا من حيِّ الثُّوري، وجبل المكبّر، هبّوا من نومهم فزعين، حفاةً، أشباه عراة، وراحوا يركضون مذعورين باتِّجاه البيت، بعد أن أدركوا أنّه انهار”.

إنّها القدس، مسرح أحداث الرِّواية، التي تمتدُّ منذ ستينيَّات القرن الماضي، قبل سقوط المدينة واحتلالها من قبل اليهود، وصولًا إلى نهاية التِّسعينيَّات، مرورًا بتوقيع اتفاقيَّات السَّلام المقيتة ومرحلةَ السراب الأوسلَويّ، إنّها حالة من الجنون!
أخذتني البداية الصاعقة إلى ما قاله محمد الماغوط، صاحب “سأخون وطني”: “يا إلهي، كلُّ الأوطانِ تنام وتنام، وفي اللحظة الحاسمة تستيقظ، إلّا الوطن العربي فيستيقظ ويستيقظ، وفي اللحظة الحاسمة ينام!” ونحن ما زلنا نيامًا، وها هو أحمد أبو سليم يقرعُ جدارَ الخزّان مُلبيًّا نداء غسّان كنفاني، الذي يردّد على مسامعنا كلَّ يومٍ، كلَّ ساعةٍ وكلَّ دقيقةٍ: ما تبقّى لكم… ما الَّذي تبقّى لكم؟ اقرعوا جدارَ الخزّان… اقرعوا جدارَ الخزّان!!!
يحاول أَبو سليم أَن يغوص إلى أعماق القدس بصورة جريئة، ويعرِّيها، عن طريق معادلة فيزيائيّة فلسفيّة قد تبدو خياليَّة للوهلة الأولى، لكنَّها واقعيَّة وحقيقيَّة تمامًا، شأنها شأن الكوانتوم: هو نظريَّة حقيقيَّة، موجودة، لكنَّها تهدم كلَّ بديهيَّات العقل المتعارَف عليها.

يوظّف أبو سليم نظريَّة فيزيائيَّة معقَّدة لخدمة فكرة فلسفيَّة، هي فكرة علاقة البشر مع أنفسهم وغيرهم، فمفهوم الكوانتوم نجح في قلب قناعات البشر في الوجود والكون، في الزَّمان والمكان، وفي الحياة وأَعاد صياغتها من جديد.

“كوانتوم” هي رواية فلسفيَّة بامتياز، تحاول تفسير احتلال وضياع القدس من ناحية نظريّة، وعلاقة الفلسطينيِّ بها وبذاته. يُبحر في أعماقها وباطنها ليصل إلى نتيجة أنّها ليست معالم دينيّة وحضاريّة وتاريخيّة فحسب، بل هي صراع أزليّ شرس حول أسرارها الخبيئة والدفينة في بواطنها، يستعين بقوانين الفيزياء لفهم إنسانها بلحمِه ودمِه، على علّاته.

يصوّر أبو سليم من خلال الرواية هزيمة مستمرّة منذ النكبة، مرورًا بالنكسة، معرّجًا على انتفاضة الحجارة وصولًا إلى مصيدة أوسلو والمكيدة الّتي حيكت ضد القدس وفلسطين مُمثّلة بمعاناة اللا بطل م.م. الذي أُغتُصِب في المعتقل، دلالة على خصيِ المقاومة.

يحاول أبو سليم تعرية الهزيمة لتولد من رحمها المقاومة، فالتجربة حارقة ومميتة، فيها القتل والتشريد والمعاناة لكن أهلها لا ينهزمون تمامًا، بل يشحنوا طاقاتهم من أجساد وأرواح من رحلوا ليُعبّدوا طريق الأمل والحريّة… فهناك حياة بعد موتهم، وهنا تكمن قوّة مفهوم الكوانتوم: القدرة على التجدّد والاستمراريّة والقيامة من الموت للشعب الفلسطينيّ؛ مثل طائر الفينيق.

يفكّك أبو سليم النكسة، أسبابها وتداعياتها، فالشعب الفلسطينيّ كان وحيدًا يتيمًا فيقول: “أقسى الأوجاع هي تلك الَّتي تحملها وحدك، ولا تستطيع أن تبوح بشيءٍ لأحد كي يحمل عنك بعض الألم، ويواسيك، ويشدَّ على يدك، ويدفعك قليلًا إلى الأمام”. (ص. 121) دائمًا ستكون وحدك، كما ينبغي لنبيٍّ أن يكون! ولذلك هُزم في حينه “حربنا لم تكن حربًا، في الحرب ثمَّة احتمالات للهزيمة، والنَّصر، للموت، والحياة، لكنَّ حربنا لم تكن تحمل سوى احتمال الهزيمة، كانت مجزرة، القاتل فيها معروف، والمقتول معروف، وليس بوسعه أن يكون غير الضحيّة” (ص. 212) “أيُّ عبث أن تقاتل الطّائرة بيديك، أيَّة فضيلةٍ أن تنحت الصَّخر بأظافرك، أيَّة فضيلة في الموت هكذا، بلا مقابل؟ نحن أيضًا نحارب كي ننتصر، لا كي نموت، فقط نموت” (ص. 218) رُغم أنّ الانتصار لا يأتي إلّا بالتضحيات!

كان الفلسطينيّ مقموعًا بلا حريّة شخصيّة “ماذا تعني الحريّة إن كانوا قد اختاروا لك دينك، واسمك، ولغتك، وألوان علَمك، وأسماء أنبيائك، ونسبَك، وإن كنتَ من سلالة السَّادة أو العبيد؟” (ص. 95) “نحن نرى الأشياء بعاطفتنا، نفسِّرها بعاطفتنا، نرى فقط ما نريد أن نراه، ولا نرى الواقع كما هو، نُتقن النَّظر إلى الماضي، إلى الخلف، نحن نسير ورؤوسنا دائمًا ملويّةٌ إلى الخلف، فكيف سنرى الأمام؟ كيف سنتجنّب الاصطدام بالأشياء التي تعيق تقدُّمنا؟” (ص.236)

يصوّر أبو سليم بحِرَفيّة سرقة القدس، عمليّة سطو مُمأسسة بدأت قبل النكسة بكثير؛ “إنّهم حفروا نفقًا قبل سقوط القدس، تحت الأرض… يصل المقبرة… يسرقون عظام الموتى من المقابر، ويُجرون عليها الدِّراسات ليثبتوا من خلال تلك العظام أحقّيَّة اليهود في القدس” (ص. 96) قبل الاحتلال راحوا يمسحون الذاكرة ويجيّرون التاريخ، واستمرّت منذ أيّام النكسة الأولى: “تقدَّمت الجرَّافات، والحفّارات، وراحت تهدم بيوت حيِّ المغاربة في اللَّيل، وتنقل أنقاض البيوت، صنعَت ساحة واسعة للمصلِّين اليهود الَّذين تدفَّقوا إلى الحائط الغربيِّ المقدَّس”. (ص 217)، “كانوا قد بدأوا بترسيخ جذورهم في المدينة منذ اليوم الأوَّل، منذ هدموا حيَّ الغاربة وأقاموا ساحة حول حائطهم المقدّس”. (ص. 235)

عمِل الاحتلال على تغيير المعالم بشكل مُمَنهج، لإعادة كتابة التاريخ من جديد، بما يخدم مصالحه وروايته المفبركة: “يغيِّرون من وضع حجرٍ أو حجرَين، حتَّى إذا ما اطمأنُّوا تمامًا إلى أنَّهم قد وصلوا إلى التَّرتيب الأصليِّ للحجارة، أخرج أحدُهم آلة تصوير، وراح يلتقط الصُّور للمشهد، وراح آخرون يدوّنون بدقّةٍ ورويَّة ما يرَونه من معادلات مكتوبةٍ على الحجارة” (ص.9-58).

“في الأنفاق، تحت الأرض عالم آخر، ثمّة تاريخ بلا بداية ولا نهاية، مرسوم على الأرض، فوق الجدران، في كلِّ شيء كان حولنا، في الحجارة، والصُّخور، وبقايا الجنود، العظام الَّتي تبقَّتْ منهم، وقطع السِّلاح التي أكلها الصَّداُ، ثمَّة جيوش مرّت من هناك، جيوش بلا عدد، أكلها الزّمن، وتآكلتْ، وأُبيدت، وأصبحت طعامًا للدُّود، والحشرات التي تسكن تحت الأرض” (ص.174)

يتناول أبو سليم قضيّة السطو والاستيلاء على القدس وبيوتها من خلال البيت في جبل المكبّر، والبيت في حارة السعديّة، بحُججٍ واهية بحكم قانون الغائب، كما هو الحال في رواية “حرام نسبي” لصديقي عارف الحسيني، كما هو الحال في يافا القديمة وبحرها، عكا القديمة ، وادي النسناس وتلّ السمك ووادي الصليب في حيفا وغيرها.

وكذلك حياة الإنسان العاديّ البسيط المقموع تحت نير الاحتلال، ماذا يُريدُ من الحياة غير حياة كريمة وهم يوفِّرون له، المال والعمل؛ وإسحاق هو الحاكم الفعليُّ لمدينة القدس، ضابط أمن بلباس مدنيٍّ لا يترك شاردة ولا واردة في المدينة تغيب عنه! فهو طويل النَّفس، لا يكِلُّ، ولا يملُّ أبدًا من الانتظار.

الكوانتوم أصل النقص في الإنسان، أصل معاناته، لأنّ جمع النظائر من شأنه أن يكشف كلَّ الاحتمالات التي كانت قائمة قبل وقوع الحدث والوصول إلى حقيقة مطلقة؛ “كيف يمكن أن تتحرَّر من نير الاحتلال وهو يسبقك بأشواط، وأنتَ عبد رغباتك، وماضيك، وموروثك الَّذي يقيِّدك بأغلال، وجهلك، وتخلُّفك؟ ثمّ تعتقد أنّك تعرف، وأنت لا تعرف، وتعتقد بأنَّك قادر، وأنت لست قادرًا، وتعتقد بأنَّك موجود، وأنت لست موجودًا في حقيقة الأمر، أنت مجرّد ظلِّ الظلِّ، خيال الخيال، فكرة الفكرة”(ص. 193)

“للاحتلال فلسفة عليك أن تُتقنها كي تنتصر، أو على الأقلِّ تخرج من سطوَتِه عليك، أعني تتعلّم كيف تتخلّص من سطوته عليك، فأنت أمام عدوٍّ لم يسرق الأرض فقط، وإنّما يحاول أن يسرقك أنت نفسك، تاريخك يعيد كتابته، يسرق الشجر، والحجر، والماء، والهواء، والطعام، وبيوت الله، وحتى بيوت الشياطين” (ص. 274) (وهنا لي مأخذ على الروائي؛ لم يتناول نظريّة كيّ الوعي التي يمارسها الاحتلال: استعمال القوّة العسكريّة وسياسة الحصار الاقتصادي والأهمّ سجن واغتيال المفكّرين والعلماء والقادة، لا يُراد للشعب الفلسطينيّ أن يكون لديه قيادة سياسيّة وفكريّة حقيقيّة).

ثمَّة ثغرات فينا، في المبدأ، في التَّفكير، في طريقة التَّفكير، في طريقة الحياة؛ المالانهاية تعني شيئًا واحدًا فقط: العجز، والاستسلام، العجز عن التَّفسير، ونحن الآن نعيش مالا نهايتنا، ولا نريد أن نعترف بأنّها كذلك.

يلجأ الكاتب لأسلوب السخرية السوداء وجلد الذات فيُبدع:

“كالرَّجل الذي يدخل بيتك، ويغتصب زوجتك أمام عينيك، ويأمرك أن تأتي له بالمنشفة بعد أن يغتسل في حمّامك، وعليك أن تنحني احترامًا له، وتقول له شكرًا حين يمدُّ يده إلى جيبه، ويمنحك بقشيشًا، أليس الأمر كذلك؟” (ص. 181)

وكذلك وصفه للجنود الصهاينة ساعة اجتياح القدس في النكسة:

” خلسة يكرع جنديٌّ الخمرَ من زجاجةٍ يخبَّئها في جيبه
وخلسة يقبَّل جنديٌّ مجنَّدةً على جانب الطَّريق من شفتيها
وخلسة يبكي جنديٌّ حين تطأُ قدماه أرض البلدة القديمة، ويمسح دموعه قبل أن
يراها أحد.”(ص.216)

“الله لا يلعب النَّرد…محاولًا أن يتنصّل من عشوائيَّة الكوانتوم التي تكاد تُصدَّق” (ص.206)

وهنا أخذني أحمد إلى آينشتاين، صاحب المقولة: “الله لا يلعب النرد” الذي لم يؤمن بنظريّة ميكانيكا الكمّ، التّي تعتمد على أنّه لا يوجد شيء مؤكَّد في عالم الجُسيمات مثل الإلكترون ونحن نستطيع أن نفسّر الأمور فقط عن طريق الاحتمالات. نظريّة الكمّ هي نظريّة سليمة وأقرّ بها الفكر، لكن من الصعب هضمها من قبل معظم الأفراد، فهي تدّعي أنّ نفس الجُسيم يمكنه أن يكون في مكانين في آن واحد ولا يُمكنك أن تعرف أين يتواجد أبدًا ومن هنا يأتي دور الاحتمالات وهكذا نرى أنّ الاحتمالات عديدة والأسباب كثيرة لكن النتيجة واضحة.. وضعنا القائم!!!

يسمّي أبو سليم الأشياء بأسمائها، من خلال تساؤلاته الفلسفيّة والوجوديّة قائلًا: “الحرب كُفرٌ مُطلق. الحرب فاجأتنا، طعنتنا في الصَّميم، عرَّتنا، وتركتنا بلا ثياب أمام المرآة نحدّق إلى عوراتنا”. (ص. 63) والبطولات الفرديّة حين تعلن الهزيمة، لا يصبح لها مكان في تاريخ الحروب، ثمَّة مكان فقط لمقولة واحدة بعينها: الهزيمة، بكلِّ ما تحويه من ألم، وضياع.

وكما جاء في بداية الرواية على لسان صاحب نظريّة الكوانتوم: “لا بدَّ من تقديم تفسير نظريّ مهما بلغت التكلفة، وبأيّ ثمن” وها نحن نكتشف من خلال الرواية أنّ الكون كان أعمى، لا يفقه شيئًا ممّا يدور حوله، وأنّ الحقيقة أبعد بكثير ممّا كان العالم يعتقد، وهي دلالات الحقيقة.

الكوانتوم هو شيء حقيقيٌ تمامًا، مثبت تمامًا، موجود تمامًا، لكنّ الفِكر لا يستطيع أن يُقرَّ به، أو يتقبَّله لأنَّه خارج منطق العقل، لأنّ العقل مدرَّبٌ على منطق بعينه لا يتقبَّل غيره بسهولة أبدًا. ثمَّة ما لا نستطيع أن نصدِّقه، وثمَّة ما لا نريد أن نصدِّقه، لأنَّه ببساطة يشكِّل بديهيَّاتنا، فإن فقدْناها، فقدنا البوصلة التي ركنّا إليها، واعتدنا عليها طوال حياتنا، ولا نريد أن نتوه من دونها حتّى لو كانت تضلِّلُنا، أو تقودنا إلى الجحيم.

“هناك آلاف الاحتمالات القائمة، والطبيعة في أعمق أعماقها غير محدَّدة، وهي تنتظر شخصًا ما كي ينظر إليها ليعطيها وضعًا محدَّدًا” (ص. 125)

حقًّا: أقسى ما في الحياة أن تكون فيها عاجزًا عن إنتاج الحياة! ما أقسى أن تحلم، وتنتظر، أن تحلم، ويموت فيك الحلم؟

سمعت صوتًا يقرع خزّان ذاكرتنا هذه الأيام – صوت غسان كنفاني في “رجال تحت الشمس”، يردّد على مسامعِنا كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة: ما تبقّى لكم.. ما الّذي تبقّى لكم؟ اقرعوا جدران الخزّان. اقرعوا جدرانَ الخزّان، لم يعُد أمامكم سوى إتمام رسالتكم، أنتم على وشك الانتهاء من رحلة الألف ميل!

وها هو أحمد أبو سليم يقرعه بعنف… لا يمكننا أن نقول – لم نسمع!!!

​​​​​​ المحامي حسن عبادي

(ألقيت هذه المداخلة في ملتقى فضاءات للإبداع العربي- معرض الكتاب الدولي في عمان- يوم الأحد 30.09.2018)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق