ثقافة السرد

أنا كتوب اللص

الراوي بن رشيدا

أنا كتوب اللص
لم أعد قادراً على تمييز ماحولي ،كلُ ما يحيط بي ضبابٌ كثيف …. أتساءل إن كان ذاك هو الموت ؟لكنني لم أشعر بعد بقبضة الروح التي كلمنا عنها الشيخ زكاء في خطب الجمعة ودروس الدين الأسبوعية … لا لا لابد أنني مازلت حياً ،أسمعهم يرشقونني بوابلٍ من السباب والشتائم ،ذاك الأعجمي ذو العينين الوحشيتين ،لابد وأنه أسيرٌ دخل في الإسلام ،وهاهو ينتقم لنفسه بي ،كان سوطه يتفنن بضرباته السريعة واللاذعة ،كما لو أنه ريشةٌ في يد (سليم ) أمهر الخطاطين في الوراقة لدينا ،وأشدهم غروراً وتعجرفاً كلاهما بلا رحمة ، سليم الذي حولني من خطاطٍ بسيط إلى لص كتب . كنت خطاطاً أقصى سعادته أن يغرق بين الورق والحبر يخط الأحرف بأناقة ،وتتراقص أصابعه على لحن الكلمات .
والآن أنا لصٌ قذرٌ بين يدي الدرك يخطون بسوطهم ندباً على جلدي .ذاك الأعجمي الذي لا يشبه بني آدم بقناعه الأسود وأسنانه الكبيرة الصفراء كأسنان حيوانٍ متوحش أنهى وجبته للتو .
إذا كان دخوله في الإسلام خوفاً على نفسه قد حوله إلى هذا الوحش الماثل أمام عيني فكان من الأفضل أن يبقى كافراً . أتساءل مارأي الشيخ زكاء في هذا ؟ لابد وأنه كان سيؤنبني لو سمع مني هكذا كلام ،إذاً مارأيه بما يحدث لي ؟ ألم يقل لنا أن الإسلام دينٌ جاء ليحرر العبيد والضعفاء .
إذا كان ديننا الذي دافعت عنه دوماً جاء لينشر العدل ، فلماذا يحدث معي هذا في بلادنا التي تدعي بأنها تطبق الدين على أكمل وجه ،وأن حاكمها المبجل يستمد قوته وحكمته من الله سبحانه وتعالى . لا بد وأنني أهلوس الآن ،الآلام التي أشعر بها تفقدني عقلي .
كنت في طريقي إلى معلمي لإيصال مسروقات الكتب التي حظيت بها اليوم عندما توقفت عربة الدرك بجانبي وترجل منها أربعة مقنعين بأجسادٍ هائلة ،وانهالوا عليّ بالضرب والجلد ،ثم قاموا بحملي ورميي في قفص العربة المزخرف من الداخل بعبارات (( الله هو العدل )) ، (( الله هو الحق )) مخطوطة ً ربما بخط الثلث ،أحبُ الخطوط لدي ،أوربما لم تكن مخطوطة بذلك الخط وأن مارأيته مجرد هلوسة إثر الضربات العنيفة التي تلقيتها فوق رأسي .
تعجبت لهذا الاهتمام البالغ بتذهيب وتأنيق قفصٍ صنع أصلاً لتعذيب العباد .
أدرك الآن أنني مازلت حياً ،أشعر باهتزاز العربة وهي تعبر ذاك الجسر المؤدي إلى ساحة المحكمة الشرعية الكبرى ،أيعقل أنهم سينفذون حكم السارق بي فور وصولنا إلى هناك ،هل سيقطعون يدي مباشرةً ودون موافقة المفتي ؟ سأرجوهم عندها أن يقطعوا لي يدي اليسرى ،لايمكنني العيش دون أن أخط الحروف ،سأقول لهم أنني أخط المصاحف الشريفة للمساجد ،سيشكل هذا سبباً مقنعاً ليدعوا يدي اليمنى وشأنها ! ثم أنني الأكثر براعةً في خط الثلث فيالبلاد كلها ،الفضل في ذلك يعود إلى والدي رحمه الله .
كان والدي خطاطاً بارعاً ،لم تسنح له الفرصة لتعليمي جميع الخطوط العربية فقد كنت صغيراً جداً عندما سيق به للقتال في صفوف جيشنا الإسلامي العظيم ضد المتمردين في القسم الجنوبي من البلاد ،ذاك منذ زمنٍ بعيد قبل أن تنقسم البلاد وينفصل القسم الجنوبي ليشكل دولةً مستقلةً كافرة .
كان والدي يصحبني بعد صلاة العشاء في الأمسيات الصيفية الحارة إلى وراقته المتواضعة في أعلى تلةٍ قريبةٍ من منزلنا الريفي الطيني القديم ،الذي دمرته العواصف بعد استشهاد والدي لاحقاً ،يخرج المفتاح الفضي الكبير من جيب سترته المصنوعة من الجوخ الأحمر ،يدير القفل اللامع والمنظف بعناية ثم يمسكني من يدي اليسرى _والتي سيقطعونها ربما بعد قليل _ويشد عليها بعزيمة متمتماً بعباراتٍ غير مفهومة : هيا للولوج في عوالم اللغة ،هيا لنفهم الحياة ..لنفهم ذواتنا .
ثم يقوم بفتح أدراج الخزانة الضخمة التي تحتل صدر الغرفة بكامله درجاً درجاً ليخرج من الأول زجاجات الجبر الاثني عشر ،حبرٌ بجميع الألوان المميزة التي تنبض بالحياة ، ومن الثاني يخرج الورق المصري الجميل ذو الرائحة الزكية ،ومن الثالث وهو الدرج الأكبر يخرج بكرةً ضخمةً لجلدٍ مدبوغ ونظيف لصنع أغلفة الكتيبات .لم يكن لدى والدي كما كان لمعظم الخطاطين درجٌ رابع فيه زجاجات لماء الذهب والفضة لتذهيب وتجميل الأغلفة أو لتذهيب العبارات المخطوطة على الجدران والأبواب وأسقف المساجد والبيوت ، لم ينعم عليه الله بالمال الكافي لذلك . لكنه وبتحيزمني كان الأمهر في عينيّ .
كنا نمضي الليل بأكمله هو يخط ويلون ويصنع الأغلفة ،وأنا أتأمله تارةً، وتارةً أقلده على ورقةٍ تالفة وأفشل في تقليد حركات أصابعه عندما يقوم بفتلها لرسم انحناءة ألفٍ مقصورة ، أو هاءٍ في آخر الكلمة .
بقي والدي لسنواتٍ يحتمل فشلي وعندما أدرك أنني لاأملك موهبته ، قرر بأنه لا يناسبني أن أكون خطاطاً بارعاً وماهراً ،لكن يمكنني أن أكون خطاطاً مختلفاً وهكذا قرر والدي أن يصب اهتمامه في تعليمي خط الثلث ، قال بأن ابن قطفة كان مبدعاً عندما اخترع هذا الخط ،وبأنه التمس في أسلوبي أنني لا أحب التقليد وأسعى دوماً للابتكار وبما أن هذا مكروه في ثقافتنا الإسلامية ،لذلك وجد أنه من المناسب تعلم خط الثلث والتميز فيه وهكذا أصبحت أمهر الخطاطين في هذا الخط وغدوت مختلفاً عن أقراني في الوراقة ،مما ولد عداءات لي وخصوصاً من قبل (سليم)أمهر الخطاطين في البلاد ،الذي يفخر بزخرفته للعبارات المكتوبة على جدران وأسقف قصر الحاكم أدامه الله ..
ولكونه الأمهر في البلاد ،لم يخالفه (نور الدين) صاحب الوراقة عندما أدلى بقوله: (( من المستحسن طرد هذا الخطاط ،فهو لايملك الموهبة ولايتقن إلا نوعاًواحداً من الخطوط ،على الخطاط المسلم أن يكون كاملاً ولاننسى أن الكمال لله وحده )) !
وهكذا خسرت عملي في أهم وأعظم وراقة في البلاد ، وشعرت بالضعف والظلم ذاته الذي شعرت به عندما حملنا أنا وأمي ماتبقى من أغراضنا بعد أن هدمت العواصف منزلنا الطيني في الريف ،واتجهنا صوب المجهول إلى المدينة حيث قضينا ليالٍ باردة وحالكة بين الجبال وفي المغاور العميقة الموحشة ،حيث يعيش ((المعزولون )) تلك الفئة من الهاربة من السلطة الإسلامية الحاكمة لأسباب تاريخيةٍ أجهلها إلى الآن ..
هل يعقل أن يكون الحكم أشد قساوةً وأن أنفى إلى الجبال كالمعزولين بعد أن تقطع يدي ؟!!
لا أريد التفكير في هذا ،ألا يكفي ما أصابني ،رأسي ثقيلٌ للغاية ركلني ذلك الأعجمي الأخرق على خصيتي ،لم أعد أشعر بهما ،لابد وأنهما محتقنتان الآن . ربما فقدت ذكورتي ؟! كيف سأستمر إذا حدث هذا ؟! لن يرزقني الله بالبنين التي هي زينة الحياة الدنيا .وقد تطلب (شريفة) أن أطلقها .ربما تخلعني هي ،لكن يمكنني الاطمئنان فيما يخص هذا فهي لاتملك المال ،لكن أمها الخبيثة (أمينة) قد تساعدها ،إنها تعيرني دوماً بقلة مالي وحيلتي ،فكيف إذا أمسيت مخنثاً كالملعونين عند الله !
من الجيد أنني لن أخسر (( نينار )) الفاجرة التي يرسلني إليها معلمي لإيصال قصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ،كانت تقول بأنه لاشيء يستحق أن نعيش من أجله كما تستحق القراءة ،إنها فاجرة لكنها تنطق دوماً بعباراتٍ تعجبني وتذكرني بعباراتٍ أبي غير المفهومة .
لم أرتكب معصية الزنا معها ،حتى هي لم تطلب ذلك ،قالت بأنه يكفيها أن نجلس معاً نرشف شراب الورد والنارنج وندخن النارجيلة وأنها مللت من الرجال العراة الذين قابلتهم في حياتها ،(كانوا بغالاً وليسوا رجالاً) كانت تهمس بصوت طائرٍ يحتضر .
من الأفضل لي أن أكف عن التفكير بها الآن ،قد أنطق بشيء ويسمعوني ،لاأريد أن أحاكم حكم الزاني أيضاً!
لم تعد العربة تهتز ، لابد وأننا وصلنا ،أشعر بقبضاتهم الوحشية تجرني من كتفي ،مازال الضباب كثيفاً حولي ،بالكاد أقوى على المشي ،لا أعرف وجهتي ،أمشي لدقائق معدودة ،ثم أقف فجأة ،أحاول فتح عيني بصعوبة ،أرى رجلاً وسط هذا الضباب يجلس خلف طاولة ويحمل في يده ريشةً مغموسةً بالحبر ،يسألني بتجهمٍ:ما اسمك أيها اللص ؟وما اسم والدك؟
_(( كتوب ….اسمي كتوب ابن عبد الغفور ..))… أجيب بتلعثم …

*فصل من رواية الكتاب المسجون

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق