حوارات المجلة

الأديب نازك ضمرة للمجلة الثقافية الجزائرية

لا أحب أن أقرأ قصصي بعد نشرها، وأخشى على نفسي من الجمود أو التقوقع

عربي حد الثمالة، سرقته الغربة إلى ديار العم سام، مع ذلك ظل وفيا لعروبته، وللقضية الإنسانية الأولى والأخيرة: فلسطين. نازك ضمرة الكاتب القاص، هو نفسه نازك ضمرة الإنسان في تعاطيه مع الكتابة وفق شعوره الإنساني، بحيث تسجل قصصه حضورا لافتا للقضية الفلسطينية، بكل ما تعنيه من إنسان ومن وطن، ومن مشروع غد يريده جميلا لأجل جيل يولد اليوم برغبة في التحرر من الكثير من المصطلحات الجاهزة. في هذا الحوار، فتح لنا الأديب الفلسطيني نازك ضمرة قلبه، حكى عن الكتابة، وعن الثورة، وعن الغربة، وعن الاختلاف بين العربي والآخر الغربي.. فإليكم نص الحوار كاملا:

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من الأستاذ نازك ضمرة أن يقدم نفسه للقارئ، ماذا سيقول؟

نازك ضمرة: أصعب سؤال يواجهني عادة مع كل لقاء. هل تعني كيف يراني الناس؟ أو كيف أرى نفسي انا؟ وفي أي حالة سأكون مقبولاً أو محترماً أو منبوذاً؟ سأحاول أن أكون موضوعياً قدر الإمكان، نازك ما زال طفلاً حالماً، يريد الحرية والسلام والحب، والحب أولاً وأخيراً هو أهم المشاعر عند هذا الرجل العجوز، حب كل شيء على هذه الأرض، والأنثى هي دعامة الحياة وبؤرة الخير والشر، الطفل نازك احب الجمال منذ نعومة  أظفاره، وأجمل الجمال هو المرأة، ثم الطبيعة ثم الحرية، وكفلسطيني افتقدت كل هذه، لهذا فما زلت طفلاً، أشاغب في الليل والنهار ، في الأرض والسماء، في البر والبحر، في القر والجمر،  لعلي آتيكم منها بقبس، أو أجد على النار هدى، وأصدق تقديم ل نازك هي كتاباته المتنوعة والمشاغبة دائماً وليس أحياناً. أقول هذا وأنا على إدراك تام بأن معظم عمري ضاع أن أكمل  أي مشروع، نازك يحب الكمال والإتقان، ويعمل بما تبقى له من طاقة  لتحقيق ذلك، ولأجل عيون حبيبتي فلسطين التي أعرف وهادها وشعابها، سهولها وجبالها، مدنها وقراها، أرضها وبحرها، قدسها ومسجدها الأقصى، وحارات القدس العتيقة، وكل من عاش على أرض فلسطين أو سوف يعيش. أقول (أحن إلى أرض أمي) أطلت في إجابتي أليس كذلك؟ لكن ملخص ما قلت، نازك لا يعرف الكراهية، وفي الوقت نفسه لا ينسى من أحسن إليه أو أمتعه، ولا لحظات الجمال مهما شاغلتنا السنون، لكنه لا يتوقف ولا يتوانى عما هو متوقع منه، ما يزال على يعارك في الحياة.

المجلة الثقافية الجزائرية: أنت كاتب قصة قصيرة، وتشتغل على النقد أيضا.. دعني أسألك كيف ينظر نازك ضمرة الناقد إلى نفسه كقاص؟

نازك ضمرة: حين يمتلئ الوعاء، أي وعاء يسكب حوله مما فيه، وكتابة  القصة والنقد والرواية والشعر هي من فيض التعبئة حين يكون متسع ووعاء مهيأ لذلك، النقد هو محاولة البحث عن الجمال وتذوقه وكشفه، وإن وجد القبح فلتجميله، قلت قبلاً الجمال هو جنتي، وأي إبداع فني هو جمال، وما إن أقرأ أو  أرى نصاً يستحق القراءة حتى ولوكان به عيوب، أجدني مدفوعا بالفطرة لكتابة ما أحسست وما شاهدت، فكتابتي للقصة وللنقد ليست مبرمجة، ولم تكن كذلك يوماً ما، بل عفوية وفي أحيان كثيرة عشوائية، أبدأ بكتابة  شكر أو تنبيه لكاتب نص ما، ثم أجد ان التعليق طال، فينقلب الموقف إلى مقال، لكن دعني أكون صريحاً معك، لا أتبع أي مدرسة نقدية حديثة ولا قديمة، وإنما أكتب بما يفيض من داخلي عن التأثر في الموضو ع الذي أقرأ فيه، ولنقل إنها من وحي الخاطر لإظهار سروري واستمتاعي بما قرأت، وربما  لحس أبوي أحياناً، أجد واجباً عليّ أن أظهر ما أراه من جماليات إبداع الكاتب أو تنبيهه لهفوات، وخاصة  الشباب منهن أومنهم.لكن لا تنس أن نازك تلميذ دائماً، أنني ما زلت أقرأ أكثر مما أكتب، وسؤالك عن نازك كقاص، لا أنجح حين أجبر نفسي على كتابة قصة، بل يجب أن تتمخض بنفسها ثم تستنجد بي وتدفعني إلى غرفة التوليد كي أخرجها للنور،  ثم لا أحب أن أقرأ قصصي بعد نشرها، لأنني أكتشف أنها تحتمل المزيد من التجميل والإضافات، وأخشى  على نفسي من الجمود أو  التقوقع.

المجلة الثقافية الجزائرية: يتداخل الوطن كثيرا في قصصك بين زمنين، ماض مترام الأطراف في وطن فلسطيني مسلوب وحاضر يثير الخيبة.. هل تشعر أن القصة ساهمت في “فضح” حالة الغربة في دواخلك؟

نازك ضمرة: سؤال فضاح، هو ما قلت، لكنني أحس بشيء من علاج نفسي حين أكتب قصة فيها رائحة الأرض، وعرق الشباب صبايا ورجال، وكلما تداخلت رائحة أرض فلسطين ومنتجاتها بين سطوري، أشعر أنني أعيش في حضنها، وأتمرغ فوق تضاريسها الناتئة  والمحسورة. ولا تحزمني على مفردة  (الزمنين)، أنا مازلت طفلاً كما قلت في بداية  هذا الحوار، ولا أريد أن أكبر، لأن طفولتي كانت على أرض فلسطين وبين بساتينها وطرقها ووعرها ومدنها وشواطئها، فكيف بي أستمتع بمكان آخر؟ نازك العجوز يكتب عن نازك الولد المسالم عاشق الجمال والهدوء والجرأة والصراحة  والصدق والنقد البناء، فحين أنتهي من قصة عن زمن فات، أضع القلم وأتنفس الصعداء، وأشعر أنني أرضيت نفسي بعض الشيء،  وأرحت ضميري وأطعت ربي وخلدت شعبي، جاهدت قدر استطاعتي، لهذا  أستحق راحة واسترخاء لساعة أو بعض ساعة.

المجلة الثقافية الجزائرية: الكتابة هي وطن الكاتب، مع ذلك، يبدو (الكاتب) في كثير من الأحيان في حالة غربة إزاء نفسه وإزاء المكان على حد سواء.. كيف يفهم نازك ضمرة الكتابة ضمن سياق الزمان والمكان؟

نازك ضمرة: الكاتب الأصيل المطبوع يجد نفسه في أجواء تنزل عليه من  حيث لا يدري، وتهب عليه أنسام من اتجاهات لا يعلم توقيتها ولا متى ستتوقف،  فهو  هائم حتى لو بدا في صحو، في البيت، بين الرفاق، في العمل، في المقام والسفر، هو رهن شيطان سحر الكتابة، حين تتلبسه هموم البوح، يغيب عن واقعه أينما كان، وتحمله تصوراته وخيالاته، ويصبح همسه حبراً على ورق، او على شاشة  الحاسوب، فما دام مسكوناً بشيطان الكتابة وبوحه واستدراجه، فستكون تلك الأجواء له مقاماً، ولا  أقول وطناً، لأنني أوافق مع أمير الشعراء أحمد شوقي في بيت شعره الذي مطلعه (وطني لو شغلت بالخلد عنه، نازعتني إليه في الخلد نفسي)، كل فلسطيني هو كاتب، لأن  كل فلسطيني يعيش في وطنه فلسطين المنزرعة في قلبه ودمه، حتى لو كان يعيش في أمريكا أو  الأردن أو سوريا أو الجزائر أو الجحيم، فعقله في حالة اضطرات وانفصام ومن السهل أن ينفصل عن جسمه ومكانه الذي يكون فيه، ولا تحسبن الفلسطيني أنه سيستسلم أو يقر بسرقة بلاده؟ والشعوب  لها هبات واشتعال لا ندري متى تبدأ صولاتها ولا متى تنتهي، لكنني أطمئنك أنها ليست ببعيدة. لهذا قلت كل فلسطيني هو  كاتب حتى لو لم يتقن فن الكتابة والإبداع. صدقني لو قلت لك أنني لم ألتق بفلسطيني إلا وباح بأنه حاول  أن يعيش على أرض فلسطين عبر سطور  دونها في مذكرة  أوموضوع تعبير أو  إنشاء أو مقال،  وحتى الأطفال الذين لم يعرفوا فلسطين  ولم يشربوا جرعة ماء من ينابيعها (أهوى عيون العسل، أهوى سواقيها، أهو ى ثلوج الجبل سبحان مجريها، سالت كدمع المقل، في أرض اجدادي، عليك مني السلام يا أرض اجدادي)

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا أضافت لك الغربة ككاتب؟

نازك ضمرة: لو  لم  أغترب لتمنيت أن  أغترب، الغربة مدرسة،  بل جامعة، بل هي مختبر،  أومعمل يحلل ويركب، وكلما عركتنا الأيام في تجارب بين تقدم وتأخر، بين صعود ونزول، بين عذاب وراحة، كلما ازددنا مناعة وقوة وقدرة على الاحتمال، هذا وانت في أرضك  وتحت سمائك، فكيف لو اغتربت او اضطررت، الحياة في الغربة خضم مجهول الأطراف والحدود، وكلما توغلت في عالم الغربة  وعايشتها برغبة الاكتشاف وبإخلاص، ستحسّ أنك تخوض البحر وتتوغل إلى الأعماق، وتخشى أن لا  تقوى على الرجوع، ولكنك بهذا تكتسب مناعة الصمود،  وقوة الانتصار، مصبية الغربة  هي  الخشية  من الغرق في عمق اليمّ، أو  أن لا تقوى  على العودة  إلى شاطئك، ومع ذلك تخلق الغربة إنساناً كفؤاً حتى لو لم يكن مهيأ لاحتمال الصدمات، وهنا يظهر جدوى الغربة  للكاتب، تضيف الغربة للكاتب مذاقات جديدة، كما تضيف مدخلات تغذية جديدة عند كل وجبة على أي مائدة، كله طعام، وكله مغذ إلا إذا حصل تسمم أو  تخمة، لكن المذاق والخبرة تزدادان، وتكتسب إما مناعة أو خبرة في معرفة النافع والضار، وتستطيع أن تصف للغير كيف أحسست، إن لم تمّحي وتتماهى مع الآخر،  هكذا هي الغربة  بالنسبة  للكاتب، تعطيه حياة جديدة، خبرة جديدة، مذاقاً ونكهات مختلفة أو مختلطة، وحين يكتب بلمس المتلقي تلك  المعرفة المضافة (الابستيمولوجي) بشكل ملموس.

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا أخذت منك؟

نازك ضمرة: الرفيق والأصدقاء، لم تأخذ مني شيئاً فيه خسارة  لي، العمر يمضي بغربة وبلا غربة، والزمن لا يتوقف عند مكان واحد ولا زمان، والغربة نوعان: غربة جسدية فعلية بنأيك عن أرضك وأهلك، وغربة  نفسية، حيث تجد نفسك غريباً حتى لوكنت بين أهلك، وتلك والله مصيبة بعض الكتاب، لكنني انا شخصياً لم تأخذ مني الغربة  ما يجعلني أحس بنقص أو  خسارة، لا بل أنا الذي أخذ من  الغربة، وهنا أعترف أنني بقيت وما زلت أحاول التشبث بأرضي وببلادي روحياً وتخيلاً ونفسياً حتى لو اكتملت لي شروط الراحة والكماليات في أي عالم أقمت فيه، الشيء الوحيد الذي تأخذه الغربة مني هو أنسي برفقه أصدقائي ومعارفي وأبناء حارتي، ومن أحببتهن، إنني أشعر بالمنفى فقط حين أتذكر والدي الذي توفي وأنا في الغربة، وأتذكر والدتي التي توفيت وأنا في الغربة، وأفتقد الكثير الكثير من الأصدقاء، حالة مزمنة هنا في هذا القلب.

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أسألك عن العربي في أمريكا، كيف يُنظر إليه، وما الدور الذي يقوم به الإنسان/ المثقف العربي في أمريكا في إطار تغيير الصورة السلبية على الأقل؟

نازك ضمرة: أحقر نظرة، وأحياناً هو الذي يخلق تلك  النظرة  أو يثبتها في وجدان الناس في أمريكا، ويبدو  لي أن الأمور تسير من سيء إلى  أسوأ، وأخشى سوء  العاقبة على  المغتربين، لتراكم الأحقاد عليهم، ويلخص المتطرفون فكرهم الحاقد بمقولة: الأصح أن يزال الجنس العربي من على أرض القداسة والعسل والبترول، فالأخطاء والظلم الواقع على حياة الإنسان العربي من العرب انفسهم، وسكوت الشعوب على ظلم القلة الحاكمة وتحكمهم تثبت للأمريكي خاصة والعالم عامة سقوط شخصية العربي ونقص شهامته، وإنه يستمرئ ويتعايش مع الظلم وكأنه قدر ألهي، واللوم هنا لا يقع على الحاكم والمسيطر، لكن على من يستسلم للخنوع، المثقف العربي في أمريكا تعيس مظلوم مسحوق، لا سميع ولا مجيب ولا معين، ومليارات الدولارات العربية تنفق على الزيف والباطل واللاجدوى، وأؤكد لك  أن 99 % من الشعب الأمريكي لم يقرأ سطراً  واحداً من كتابات إدوارد سعيد المثقف أمريكي الجنسية العربي فلسطيني الأصل،لانه عربي مع انه مسيحي غربي. وأتحدى أي إنسان أن يسأل أي أمريكي إن كان يعرف من هو إدوارد سعيد، وإن  قلت له إنه أمريكي ومن بلدك، فسيقول لك آسف لم أسمع به ولا أدري أي علم كتب فيه، وأسباب ذلك داخلية وخارجية، وهي كثيرة ولا مجال للخوض فيها هنا. لكن وفي رأيي هناك أشياء كثيرة  وبسيطة  جداً، وسهلة  جداً يمكن أن يقوم العرب والجامعة العربية لتحسين صورة الإنسان العربي المقيم في أمريكا ومن يعيش على أرضه.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما الذي يجعل اللوبي الصهيوني مؤثرا في الكثير من الدول الغربية (أمريكا نموذجا) قبالة ضعف الحراك العربي الإسلامي على كثرة نسمته في القرار السياسي لدول كبيرة مثل أمريكا، أو دول أوروبية أخرى؟

نازك ضمرة: أطريت الكثرة والحجم اليس كذلك؟ وبدءا أقول لك إن سيارة متوسطة الحجم مليئة بالأسفنج أو القطن المندوف قد تزن حمولتها خمسين كيلوغراماً، بينما قطعة حديد وزنها خمسين كيلوغراماً يحملها شخص ضعيف أو ولد بين أصابع يديه كي يتمرن بها، وهل يحارب حصان خشبي مهما كبر حجمه؟ الإنسان العربي أصبح مسخاً، ويبدو أننا كلنا نسخ من مسوخ، لا نطبق التخطيط ولا الاستعداد لآتي الأيام، حياة عشوائية  مؤقتة، وإيمان مزيف تغلفه الشكليات الطفوس والنفاق وربما سوء النية والانانية، وخاصة من ذوي السلطان ومن لهم  نفوذ أو ثروة، أو ممن  يركبون قطار السلطة والدين، يهودي واحد يتبرع ببليون دولار (نعم مليار دولار) على مدى عشر سنوات، أي مائة  مليون كل سنة، دون أن يعلن ذلك أو يتبجح، وهذه البلايين التي تنفق على إقامة المستوطنات في فلسطين المحتلة هي من جيوب الأغنياء اليهودالمخلصين وفي صمت ودون  أي تصريح أو  تلميح، ونحن نردد (لا تدري يدك اليسرى ماذا قدمت اليد اليمنى) لا تدري من أين تنهال المليارات على نتنياهو، كي يتمكن  من إبقاء اقتصاد ستة ملايين إسرائيلي منتعشاً مثل أقوى الاقتصادات العالمية، وجيش يعد ثاني أو  ثالث أقوى جيوش العالم وأكفئهم، وبرواتب خيالية، وبأحدث تسليح، ومستوطنات بعشرات الآلاف من المنازل سنويا تعمر وتقام وتقطن، ويتم ابتلاع الأرض العربية، ونحن نرتل ونحسن ونكتب على الجدران واللوحات آية القرآن التي تقول: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من  المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) صدق الله العظيم، كل مسلم يؤمن بهذا الكلام، ويعرف أن المسجد الأقصى هو جزء أساس من العقيدة الإسلامية ، ولكن كلهم أو  غالبتيهم يسيرون في حيواتهم على مضمون الاية الكريمة : (إذهب انت ورب فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون)، علماء أمريكا معظمهم يهود، أدباء أمريكا معظمهم يهود صهاينة، أساتذة الجامعات في أمريكا معظمهم يهود، الجامعات الراقية والمتقدمة يمولها يهود، دور النشر لليهود، الإخراج والأنتاج التلفزيوني لليهود، إذا برز  مغني جذاب أومغنية جميلة يتلقفونها ويثبتون لها أن جدتها أو والدتها المتوفية  كانت يهودية، أو يتزوجها يهودي، أو تتسلط على المغنى الذي علا صيته يهودية جميلة مثقفة كي يتزوجها أو تنجب منه طفلاً يهودياً ولو حتى بغير زواج، وتقول لي ماذا نستطيع أن نفعل لنكون مؤثرين في أمريكا؟؟ . . . سيدي، العرب أرقام عل يمين الخانة العشرية، ولا أريد أن  أقول اصفاراً على اليسار، أقصى طموح العربي في أمريكا أن يحصل على دخل يستطيع أن يحيا به عيشة متوسطة أو (مرفهة) كالأميركان، او ربما يحسب حساب تقاعده عند الشيخوخة، فلا يؤسسون  جمعيات خيرية  ولا نوادي ثقافية ولا دراسات مسرحية أو فنية من أي نوع، لا يفكرون بالفن كالغناء والموسيقى والتشكيل والسينما ولا بالبنوك، ولا بالشركات العابرة للقارات، وعبر الخمسة والثلاثين عاما الماضية والتي قضيتها في أمريكا لم ألتق بشاب أو عائلة يدرس أحد أبنائها الأدب أو الفن المسرحي أو  الفن التشكيلي أو الموسيقى أو  يحترف الغناء الأمريكي، هل يعقل أن لا نجد رجلاً أو امرأة بموهبة  صوت جميل وموهبة للغناء أو الموسيقى أو  الرسم  التشكيلي من جملة عشرة ملايين عربي يعيشون في أمريكا؟؟ لم أجد في أمريكا شركة عربية عابرة للقارات،  ولا يساهمون في البنوك  والمؤسسات التي يقوم عليها الأقتصاد الأمريكي، وإن  دخل عربي مغترب من دول البترول كي يستثمر أو يتملك في أمريكا فسيجد أن أمواله مرحب بها، لكنه يبحث أولاً عمن يدير له أمواله، فيعرفون حاجته الحقيقية، سهر ليلي مع الجمال والرقص والشراب والقمار، ويقع بين أيدي مدراء المال اليهود، خبراء يديرون له أمواله وعلى الدنيا السلام.

تصور  أنه يندر جداً جداً أن تجد عربياً بارزاً حتى في النشاطات الرياضية، ولو  شاء أحد الشباب أوالشابات التقدم في هذا، فهو بحاجة ماسة جداً لتوفير دعم ومساندة وتشجيع من مؤسسات قوية تساعد على صموده للتحديات ومحاولات تحطيم الأعصاب وإلغاء الآخر،  وهل ما زلت تسألني عن إمكانية  تأثير العرب في المجتمعات الغربية؟؟؟

المجلة الثقافية الجزائرية: لعلي أقصد أن يستطيع مثقف يهودي مثلا على لفت النظر إلى إسرائيل، أكثر من قدرة مثقف عربي على لفت النظر إلى قضية مهمة ومصيرية.. أين يكمن الخلل؟

نازك ضمرة: الخلل يكمن في الجمود وسدنة التراث، قبول الزمر الحاكمة المتحكمة في جو انعدام الديمقراطية وتغليب مصالحهم من أجل بقائهم على مصلحة الوطن والشعب في الأقاليم العربية، ثم ما ينتج عن ذلك من تهميش المفكرين والمخلصين في الداخل والخارج، وتناقص الدعم للمفكرين وربما حتى نبذهم، وبالتالي بعثرة جهود الدول العربية وعدم اتفاقها وتعاونها على خلق جو يساهم في دعم مشاعر الإنسان العربي ويعكس قدراته، الكل منشغل بتثبيت حكمه وتوريثه، فلاخطط ولا مؤسسات متخصصة ولا استقلالية للمؤسسات إن وجدت، ولا ميزانيات ولا شفافية، فيحدث الانقسام والرشوة والواسطة والمحسوبية  والكذب والتمثيل واللامبالاة، والتركيز كله على إثبات فهلوة  الوزراء والحكام والمتسلطين. والجيوش والبوليس والمخابرات والملايين كلها من اجل حماية السلطة وإرضاء الأعداء الأقوياء للحصول  على دعمهم أو للسكوت على عبثهم بشعوبهم وبمستحقات الشعوب. اكرهني ابني على مرافقته إلى دائرة رسمية في أمريكا هذا اليوم، نعم هذا اليوم، وكان ذهابنا للدائرة  قبل إقفالها بربع ساعة، وفي آخر يوم من ايام العمل الأسبوعي الجمعة، فلم تتسع الصالة  الواسعة لصفوف المراجعين، والحر شديد في الخارج، ومع ذلك اختلط الناس وتراصوا، لم يفكر أحد بالتعدي على دور آخر، مع ان المجال كان مفتوحاً ومن السهل على اي واحد الانتقال من ركن إلى ركن ومن متر إلى متر، فكل مساحة الصالة الواسعة مرصوصة بالمراجعين، وبدون حواجز تفصلهم، ينظمون أنفسهم بأنفسهم، ويلتزم كل منهم بدوره، أقفل الباب عند الخامسة تماماً، حضر أكثر من شخص وقرعوا الباب فلم تقبل السيدة فتح الباب، يخرج من ينتهي ولكن لا يدخل أي مراجع جديد بعد الخامسة، دون حياء ودون إحراج، حاول شخص ما الدخول فلم ينجح، هدد وتوعد، فقام  المدير لدعم الموظفة التي تشرف على الباب، واعطاه بطاقة  اسمه الشخصية كي يتقدم  يتظلم أو يشكوه إن أراد، ولأنني كبير في السن ولا أستطيع الوقوف طويلاً، قامت شابة فاجلستني، وجلس بجانبي رجل سمين مكسيكي، فظنني مثله، قلت له لا اتكلم الإسبانية، لم يسألني عن أصلي، لأن ذلك محرّم في القانون الأمريكي، لكنه شاهدني أكتب ملاحظات من  اليمين إلى اليسار،  فتفاجأ انني عربي، فقلت له أنا من فلسطين، فقال كم تبعد فلسطين عن إسرائيل، ولماذا يتقاتلان دائماً، وعندما عرف انني لا  أستطيع العودة إلى بلادي فلسطين لأن إسرائيل تقوم على أرض فلسطين استغرب جداً وقال ((كيف لهم  أن يفعلوا ذلك، إنني لم أكن اعرف أن إسرائيل تقوم مكان الفلسطينيين))، وعليك أيها القارئ تفسير معنى قولة الرجل الأخيرة، تصور قصور العرب في أدنى توضيح، بل أطرحها للمثقفين والسفارات والملحقين الثقافيين ولمحطات الفضاء المتخصصة بتلميع الرؤساء فقط. : استقبل، زار،  ودع،  هاتف،  رجع،  سافر،  أبرق، هدد، ثم صلى وصام وقال إنه مسلم.

المجلة الثقافية الجزائرية: لكن ثمة من يقول أن آليات المثقف العربي تظل بدائية إلى حد كبير في ظل نظم استبدادية، بدليل أن تأثيره في مجتمعاته العربية لم يعد قويا كما يفترض ان يكون؟

نازك ضمرة:  قبل الدخول في تفاصيل، لا يوجد لدى المثقف العربي آليات أصلاً، هناك ثلاثة أنواع من المثقفين: سلبي انطوائي، إيجابي تقدمي بناء، ومنافق يركب أي موجة يستفيد منها، ولأن اهتمام الساسة بالثقافة هامشياً فعدد المثقفين سيكون غير ذي ذكر في أي مجتمع عربي، وبغلبة الانتهازيين والوصوليين على الجادين برغم قلة  عددهم نسبة  إلى السكان، فسيقلل ذلك من أهمية  وصوت المثقف الحقيقي الإيجابي التقدمي. والتهميش يؤدي إلى فقر الأدباء الحقيقيين والكتاب، ويشغلهم بالصراع للحصول  على لقمة العيش أو الحياة المعقولة لهم ولأسرهم عن التفرغ لمواجهة الطبقات المتنفذة والمتحكمة والديكتاتورية، فيخفت أصواتهم،  ويمكن إسكاتهم ، ويحصل أن  تشترى ضمائر البعض منهم أو تصاب بالنوم أو حتى الموات. آليات المثقف لا يمكن  أن تكون بدائية، فمادام مثقفاً فكيف ستكون آلياته بدائية إن كان لديه آليات، إن المثقف يعرف ماضيه وحاضره ومستقبله، وإلا فلا يقال له مثقف،  لكن كما قلت هي العوامل المحيطة به، والسلطة  المتسلطة هي التي تهمشه أو  تغفله او تكتم صوته وبأساليب جهنمية أشدها السجن  والتعذيب والتجويع والإفقار والحصار، وأخيراً حرمانه وأسرته من العيش الكريم  على ارضه وفي حدود بلاده، فيضطر مكرها إلى الرحيل فيختار المنفى بنفسه، أو  العزلة،  أو ينصحه أحدهم بالخروج من أرض الوطن كي يسلم. او يلوذ إلى الهايبرنيشن الموات الشتوي، ولذلك ترى كثيرين من الأدباء والنقاد والمثقفين الأكفياء في المهجر. وشتان بين أن  يكون المثقف على أرضه وبين ان يكون مبعداً مكرها. وعلى عجل ألفت نظر القارئ إلى نوعية ما يكتب في المحافل الثقافية والصحفية بعد ثورتي مصر وتونس ومقارنتها بما كنا نسمع ونقرا من قبل.  بالاختصار ماض مقرف وممرض. فلا تلوموا المضطرين للابتعاد عن أرض الأجداد.

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يشجعني على سؤالك عن نظرتك إلى الثورات الشعبية العربية الراهنة؟

نازك ضمرة: إذا أردت أن تعرف رأي المثقف عن حدث كبير كالثورات الشعبية العربية، فيلزم أن ترجع لكتاباته قبل حدوث تلك الثورات، وهل كان لديه تنظير يثير الهمم والعقول وينبه لمخاطر التسلط والتراجع والخيانات؟؟ أو كان يحالف سلطات القمع يمدحها، أو يتعامل معها، أو يسكت عليها على الأقل أو مغيــّب عن كل ذلك؟؟ أما بعد حدوث الثورات فيحاول معظم الكتاب ركوب موجتها. الكاتب الملتزم مهتم بهذه القضايا منذ سنوات. بنقد مُصاغ هادئ أو صارخ مثقل بهموم الوطن والحرية، هل اتخذ المثقف  الملتزم دور منظري الثورات كفولتير وروسو وسارتر، أو كان في حقيقة الأمر تابعاً  ومُقلّداً على أفضل تقدير،  ثم لنبحث في تاريخ حياة الكاتب ، ماهي الأوسمة والمكافآت التي حصل عليها الكاتب من الحكام قبل نشوب تلك الثورات، وقبل اضطرار أبو عزيزي لحرق نفسه. حتى إن سكوت الكاتب في زمن  الأزمات له دلالات مختلفة، منها قد يكون ملوماً أو يكون لديه العذر، ولكن نعرف على الأقل أنه لم يداهن ولم يشارك  في تلميع الظالمين والإبحار في قوارب الديكتاتورية أو  مع  أفراد الحاشية.

أما عن هذا العجوز كنت أرى ما حدث من ثورات رأي العين وأتوقعها كل لحظة، مع انها تأخرت سنتين أو ثلاثاً حسب حساباتي،  وتستطيع تلمس مللي وتذمري من عدم حدوث مثل تلك الثورات في كتابي القصصي الأخير، بعنوان (زمارة في سفارة) والذي صدر قبل شهور ستة تقريباً، وكذلك في روايتي الجديدة الحاهزة منذ عامين والتي تنتظر من يساعد في نشرها وترجمتها إلى لغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، ثم أتمنى أن يقرأ الأدباء والنقاد روايتي (ظلال باهتة) والتي صدرت قبل ثلاث سنوات، أو أول رواية كتبتها بعنوان (الجرة) الصادرة عام ا1997الثورات هي قفز إلى المستقبل، وتنفيس أوتعويض عن النوم والركود والتكاسل والتخاذل والكبت الذي يحصل في حياة الشعوب، هي حق للشعوب بل ضرورة ملحة، وهي طبيعة التاريخ، ومن ينسى حتمية التطور في حياة  الشعوب، والغافل الجاهل سيصاب بصدمات كبيرة، ومن يقف أمام عجلة التطور فستدوسه العجلات بلا رحمة، وها أنتم تشاهدون ما يجري على الأرض العربية، إنني أرى فلسطين عربية حرة قبل حلول عام 2025 رغم أنف الأقوياء والمتحكمين وبالرغم من دعم الخونة للمستعمر والدخيل، وشطب شعب من تاريخه وشخصيته وأرضه هو أمر مستحيل. لكننا ننبه دائماً إلى أن التسرع في أي أمر أو مشروع أو خطة ستؤتي ثماراً مرة أو غير مستساعة، فعلينا أن ننظر للوراء دائماً حين نريد أن نخطو للأمام، ثم نتأمل المسافات التي نريد السير عبرها بعيون مبصرة، وبعقول متحررة منفتحة.

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تفسر أن يكون المثقف منساقا إلى الحدث أكثر من كونه قائدا له ضمن الثورات العربية الحالية على الأقل؟

نازك ضمرة: المثقف إنسان كالآخرين، ومهما اختلف تأهيله واستعداده فيظل له  قدرات ومشاعر إنسانية تتجلى أو تختفي أو تتضاءل حسب الظروف التي تحيط به، وندرة هم الذين بإمكانهم التمرد على المألوف، ففي جو ضاغط اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً لا بد أن يتأثر ذاك الإنسان المثقف سلباً إو إيجاباً مع المحيط الذي يعايشه، فإن أوتي الصلابة  والثقافة والقناعة والإيمان فسيحاول أن يكون حكماً مستقلاً معبراً عما يعتقده لصالح بيئته وشعبه، والضعف شأن إنساني مقبول في حدود معينة، بشرط أن لا يصبح المثقف بوقاً للسلطة أو سوطاً على عقول المتحررين، وما بالك بشاب نشأ  في جو ديكتاتوري لا كرامة للإنسان  فيه ولا حرية للتعبير؟؟ سيحاول أن  يكتب لنفسه حين يخشى على حياته ومستقبله، وحين لا يجد مجالاً لنشر أفكاره، وإلا فسيسكب آراءه ويعبر عن همومه بالكناية  والرمز والتمثيل في إبداعه الأدبي او الفني. وإنني هنا اتمنى أن يركب مثقفو العالم العربي والسياسيون “قطار الحداثة” وليتنا نعزل ونعري الركاب المتسلقين خفية  أو خيفة أو  استغلالاً. الفرح والتشفي ضار أحياناً، وحين يفرح المثقفون لما قامت به الثورات، فسيضيع جزء كبير من مخزونهم وحقدهم على الأنظمة الفاسدة، فينشغلون بمتابعة الأخبار، وعلاج أمراضهم النفسية المتراكمة، أنصح الوقوف مع النفس لا مع مذيع النشرة، فهناك خطوات متزنة وضرورية يجب اتخاذها في رحلة الألف مي

المجلة الثقافية الجزائرية: الكثير من المثقفين العرب كانوا جزء لا يتجزأ من الأنظمة التي انهارت إلى الآن، وبعد الثورة تنصلوا كلهم من الأنظمة البائدة وهاجموها.. ما رأيك أنت في هذه الإشكالية؟

نازك ضمرة: سرعان ما يتم اكتشاف هؤلاء الفئة، ولنعلم أنهم كانوا موضع شبهة في المراحل السابقة، وتم التحذير منهم في مواقع ومناسبات  عدة، وقد بلغ ببعضهم التعاون ليس مع الأنظمة البائدة  وحدها، بل تجرأ أناس  منهم على التطبيع مع الأعداء والغرباء. لكننا ما دمنا عرفناهم فعلينا أن نحذر منهم أكثر من  الناس العاديين، فالنفس المريضه  والانتهازية لا يسهل تصويبها، ولكن علينا أن نبقي باب التوبة  مفتوحاً، مع الحذر والمراجعة  والتدقيق وسمو  النقد وتحفيزه في كل مناسبة وكل زمان ومكان، فإن ازدهر النقد فلا خوف من التراذل والاستهتار بمقدرات الشعوب ومفاهيمها.

هناك تعبير بالفرنسية يقول les résistants de la dernière heure أي “المقاومون في الساعة الأخيرة”، والمقصود هم أولئك الذين ينضمون إلى شيء في آخر لحظة حتى يكونوا على الجانب الصحيح في الوقت المناسب، أو في الدقيقة الأخيرة، والماضي والإعلام تبرز مؤهلات كل شخص وتفرزه.

المجلة الثقافية الجزائرية: نعم.. كيف تقرأ المشهد الثقافي العربي، وما الفرق بين آليات العمل في الوطن العربي وفي أمريكا انطلاقا من تجربتك على الأقل؟

نازك ضمرة: لا إله الا الله، قبل جوابي على سؤالك، واختصاراً أقول إن آليات العمل في كلا الموقعين غير متشابهة، وأستطيع أن أقول مختلفين تماماً، خذ مثلاً أي كتاب يطبع في الدول العربية فلا تتعدى مبيعاته على أكثر الاحتمالات ال ثلاثة  آلاف نسخة  وهذا نادر جداً للكتب الجادة، أما في الغرب، الغرب قاطبة، وليس دولة واحدة كأمريكا مثلاً، فلا يباع من الكتاب أقل من خمسين الف نسخة في المعدل حسب تقديري، مع انني أقرأ أن الكثير الكثير من الكتب الأدبية والروايات بيع منها بالملايين، وكيف لعقل عربي أن يصدق أن  كل جزء من رواية  (هاري باطر) بيع منه ثلاثة  ملايين  نسخة؟ هذا يلخص حال المشهد العربي. سآتيك بقصة حدثت مع شخص عزيز  عليّ، تقدم بكتابه لوزارة الثقافة طلباً لدعم طباعة  الكتاب وفي نفس اللحظة  تقدم معه زميل أصغر سناً منه، كان الزميل الأول قد ساعده في ضبط كتابه الأدبي ليكون مقبولاً للنشر والدعم، وبعد شهر أو  شهرين فوجئ الكاتب الأكبر سناً برفض دعم كتابه، وموافقة  الوزارة على دعم كتاب زميله الأصغر سناً (ليس مستجداً على الأدب) والذي استعان بصديقه الأكبر لضبط كتابه، ولا نريد هنا التوضيح أكثر، ((رشوة محسوبية خذلان إهمال استهتار شللية إحباط)) احداها أو أكثر أو كلها. هل تجد  مثل هذا يحدث في بلد  أوربي أو أمريكي أو اليابان؟؟ آلية العمل الثقافي تعتمد على النزاهة والشفافية والإبداع في اي بلد أوربي أو أمريكي، لا تستطيع قوة  أن  تقف أمام نص أدبي ناجح ومثير، ولا بد أن يجد ناشراً أو  داعماً، ويحتمل حصر الكتاب بعد نشره، اي بالحد من انتشاره إن كان يعارض المتسلطين على الساحة  الأدبية  كالصهيونية  مثلاً في أمريكا، أو الحد من  انتشار كتاب يلامس شخصية جدلية، مثل كتاب (جوهرة  المدينة- عائشة بنت أبي بكر)، مراعاة  لشعور المسلمين، او خوفاً من التطرف الإسلامي والسلفيين، فاكتفوا بطباعة عشرة آلاف نسخة منه كمرحلة  أولى في دولة صربيا وباللغة  الإنجليزية، وكجس للطلب، وبعد مرور عامين برزت للإعلام اتفاقيات لطباعة الكتاب في دول  أوربية كثيرة، وبأعداد كبيرة،تتجاوز المائة  الف نسخة  في كل دولة سيتم طباعته بها، وبلغات مختلفة.

المجلة الثقافية الجزائرية: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

نازك ضمرة: أؤكد لك أن العواجيز من أمثالي أو كل من تخطى الستين عاماً من  العمر،  يحمل روح الجزائر أدباً وثقافة وطموحاً، حين كنا نقرأ ونسمع عن جهاد الجزائريين، كنا نعتبرهم قدوة لأي إقليم عربي وخاصة في فلسطين، ولما قطف الجزائريون الاستقلال، اختلفت الصورة أو بدأت بالهمود، كان العراقيون يحيون تجمعاً ثقافياً كل عام، وبرغم الحصار لم يتوقف التجمع عاماً واحداً، كان العراق يستقبل خلال أسبوع أو  أكثر الأدباء الزوار العرب ويستضيفهم ويحسن وفادتهم، يتعارف الأدباء ويلتقون ويتحاورون ويتنافسون ولا  يخسر الأديب دولاراً واحداً على طعامه أو مقامه، فهل العراق أغنى من الجزائر؟ وهل اكتمل المشهد الثقافي والأدبي في الجزائر وأصبح قدوة  لكل العرب حتى يزورونها بمبادرات منهم؟؟ لماذا لاتفعل الجزائر الشيء نفسه كل  عام؟؟ وخاصة وان معظم الأدباء العرب من الطبقة الكادحة وبالكاد يجدون لقمة العيش، التقيت بأدباء جزائريين في بغداد، ولمسنا منهم حيوية وعروبة وإخلاصاً وقدرات مختزنة، حاولت على مدى عمري الذي بلغ الرابعة والسبعين إيجاد طريقة للتواصل مع ادباء جزائريين، ولكن باءت محاولاتي بالخيبة، إنني أحاول أن أقرأ لكتاب من الجزائر، لكن كتبهم لا تصل إلى أيدينا. فماذا فعلت الجزائر لحل مشكلة كهذه؟؟ الرواية مثلاً هي  (إبداع وتلقي) إن أول من كتب الرواية الجزائرية بالعربية المعاصرة هو رضا حوحو عام  1947 في روايته (غادة أم القرى)،  ثم برز أبو الرواية الجزائرية الطاهر وطار، ثم بروز الشباب في الرواية تمثلهم ياسمينة صالح، هذه  أمثلة لا للحصر، ولإثبات تواجدي في ساحة الأدب الجزائري واقترابي منه كتبت مقالاً نقدياً عن  رواية ياسمينة صالح (وطن من زجاج) نشرت على موقع الجزائر الثقافي. ولا تسألني كيف وصلت رواية ياسمينة صالح لي، بارك الله في الدكتور كمال عبد الرشيد الذي سوى هذا الأمر، أي أنني أحاول ما استطعت مسايرة أي إبداع أدبي من أي إقليم عربي، كي أبقى على تواصل وأمل بالتلاقي الفكري أو بالتلاقح بين الآداب والأدباء على اتساع الوطن العربي. أما في الشعر فلا أنكر أنني لست على تواصل مع أي شاعر جزائري. واطلاعي على الشعر الجزائري يبقى محدودا جداً وفي حدود ما ينشر على صفحات موقع الأدباء الجزائريين في الشبكة العنكبوتية أوالمجلة الثقافية الجزائرية  الإلكترونية، لكن لي رأي في اتجاهات الأدب الجزائري ومواضيعه، الجزائري الأديب نسخة ممثلة للعربي، حين يلوح في الأفق مجال أو نقص أو  قوة يتجه الأدباء كلهم لذاك المجال بشكل متطرف، فتصبح تقليعة أو موضة، كالتطرف الديني مثلاُ، أو التطرف الوطني الشوفيني، أو الانفتاح المطلق. اتمنى من الأدباء عدم التسابق بل الغوص في النفس والتعبير الصادق عما يحس به الأديب، وأن لا يكرر نفسه، فالدق على مسمار واحد يخفيه أو يذيبه، والأديب الواعي يكون غابة من جمال، ينبت فيها مختلف أنواع النباتات.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

نازك ضمرة: أقرأ رواية  كل شهر تقريباً وأنا في هذا العمر، فقد قرأت هذا العام وحتى اليوم رواية عائشة رضي الله عنها بعنوان (جوهرة المدينة) باللغة  الأنجليزية للكاتبة الأمريكية شيري جونز، ورواية قصة عشق كنعانية للفلسطيني صبحي فحماوي ورواية  الصمت للياباني شوساكو إندو ورواية فضيحة (مترجمة) لنفس الروائي ورواية أكتاف غضة (مترجمة) للكاتب الإنجليزي جون وين،وروية  (فارس مضى) للكاتب الأمريكي لاري ميكمارتري مترجمة، والحكايات الخرافية (مترجمة) للألماني هيرمان هيسة، وقرأت الأسبوع المنصرم كتاب (مذكرات أديبة فاشلة) للكاتبة السعودية زينب البحراني وكتبت عنها مقالاً نقدياً سأوافيكم به لنشره ، لكنني لا أكتفي بقراءة الكتب المطبوعة، فأطالع المقالات والقصص والشعر يومياً نقداً وأدباً عبر المواقع أو مما يصلني من أدباء وأصدقاء من مختلف الأقاليم العربية. وأمامي كتاب بعنوان (عبد الرحمن منيف، الكاتب والمنفى) أقرأ به فصلاً أو  أثنين لتغيير الجو والتنويع.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب؟

نازك ضمرة: أكتب أي شيء يخطر على بالي، القصة، وقد كتبت قصة (تتحدثين بكلام غير ما عهدته) في الأسبوع الماضي، واكتب مقالاً عن أي كتاب أقرؤه إن كنت بصحة جيدة، وأكتب في رواياتي غير المنجزة في نفس الوقت، فكلما عانيت أو سرحت بخيالي إلى أجواء رواية ما أضيف لها صفحات أو فصلاً، أو فقرة أو حتى سطرا، وخاصة روايتي شه المنتهية واسمها (ظلال متحركة)، وأتعامل مع مشروع رواية جديدة أخرى بعنوان (ظلال ما تزال) وما زالت في مراحلها الأولى، وتحتاج لسنتين مني على الأقل، ثم إنني أكتب خمس رسائل إلى عشرة يومياً، للأصدقاء من الأدباء فقط، وكل رسالة مني إلى أي أديب أو ناقد هي وجهة نظر أو تعليق أو نقد، وأؤكد أنني أتواصل مع الأدباء كل يوم

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة ترغب في قولها عبر موقعنا الثقافي؟

نازك ضمرة: الشكر للعقل والجهد والتضحية التي أبرزت موقع الجزائر الثقافي والمجلة  الثقافية الجزائرية الالكترونية، ولكل من يدير هذين الموقعين، والشكر للجزائر التي أخرجت الكثير من  المآثر وما زالت، ولكن مهلاً، أريدها قولاً مدوياً وقويا وصارخاً،  نطمح في أن تكون الجزائر مالئة لمركز يليق بها كدولة عربية كبيرة الحجم في الأرض والسكان والقدرات الاقتصادية والسكانية والموقع  والتاريخ والكفاح والأثر والاهتمام، وفي رأيي المتواضع أن  الجزائر تستطيع أن تكون الشمس العربية، فالسماء والأجواء خالية من الشموس العربية، والمجال متاح جداً للجزائر، أؤكد نعم للجزائرً، لتنير سماءنا وأجواءنا بإبداعات وإنجازات، وبحضارة حداثية  تليق بنا وبماضينا وتراثنا وبطموحاتنا، وأتساءل أين  مصانع السيارات التي في الجزائر؟ وأين مصانع الطائرات أو الدبابات؟ وأين مصانع الكمبيوتر؟ وأين محطات الأبحاث والفضاء في الجزائر؟ بل أين مصانع الأحذية في الجزائر؟ ألا  يوجد جلود بها ولا في أفريقيا؟ وأقل ما يقال هو: أين محطات الجزائر الفضائية؟ نشاهد محطة المغرب وليبيا القذافي ومصر والسودان من شمال أفريقيا ونحن هنا في أمريكا، لكن أين محطة الجزائر الفضائية المجانية طبعاً؟ بل أين المحطات المتخصصة المختلفة للجزائر؟؟؟ عجباً ويا ألمي!…..  فلنعمل يدا واحدة ولنفتح عقول السياسيين والمفكرين والسلطويين على واقع الحال، ولنكشف بؤر الفساد والظلم في أرضنا العربية، فلماذا لا تكون الجزائر المجاهدة الخبيرة القريبة  من العالم المتحضر والقريبة  من القلوب العربية، لماذا لا تعمل بإخلاص على خلق مكانة لها بقدر حجمها وأهميتها؟؟ آمل أن يأتي الوقت لتتبوأ الجزائر كدولة  وأدباء الجزائر ومفكروها ومثقفوها مكانتهم الأسمى في المحيط العربي وفي افريقيا والعالم ككل. وأحياناً نتساءل من هو  الملوم يا ترى؟؟؟ أهو الحكومة والمسئولون الجزائريون؟ أم  النخبة المثقفة والمنظرون والأحزاب إن  كان  هناك  احزاب بالمعنى العصري؟؟ أهو التراث الإسلامي أم مخلفات الاستعمار الفرنسي؟؟….. المهم إن المواطن العربي لا يغفر الجمود الذي مر على الجزائر مهما كانت المبررات والعوائق، فالجزائر يكاد يكون كالمفقود أو لا  أثر له على الساحة  العربية ، فكيف به على الساحة الدولية؟؟! !. . .  الهموم  كثيرة وكبيرة، والتحديات القادمة أصعب بكثير من التي مرت وتخطاها الجزائر، والشعب واع ومتربص، والوعي الجمعي العربي يتشكل بقوة متسارعة في السنوات الأخيرة، والساعات تتكتك والشعوب حين تنفجر تحرق كل شيء أمامها حتى لو كانت هي نفسها مادة الحريق.

 

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق