قراءات ودراسات

المكان فى رواية صبحي فحماوي “الإسكندرية 2050”

أ.د. سوسن ناجي*

“يا إلهى ما أبهاك أيتها البجعة البيضاء الجميلة، الطافية فوق بحر أزرق، أيتها الجنة على رمال شاطئ من ذهب، ما أشهاك يا أجمل الجميلات… فأنت المقيمة هنا، راحلة فى القلب معى، وأنا الراحل عنك.. مقيم بالشوق إلى جوارك”.
صبحي فحماوي.

إن مغزى عنوان الرواية “الاسكندرية 2050” لا يتضح من مجرد المسمى المعلن على الغلاف، ولا يتضح من الوصف الدقيق للمجتمع السكندري بكافة طبقاته وأطيافه، والتي أفاض الراوي فى وصفها، وتبيان عادات أهلها وتقاليدهم، مستعيناً أحياناً بلغة الوصف، أو التصوير بالكلمات لتفاصيل الحياة الاجتماعية لأهل الاسكندرية فى صور ومشاهد متجاورة تعكس مشاهد حية، أشبه باللقطات السينمائية يقول:
“تبتهج وأنت تشم هواء الاسكندرية النقى الرطب. وتشاهد المدينة الهادئة النظيفة البحرية الطابع… الاسكندرية التى دفنت الاسكندر المقدونى وكل من تبعه من قياصره روما الفاشلين فى تكوين إمبراطورياتهم على أرضنا، تطل على فلول الصليبيين وهى تذروها الرياح. وتشاهدون نابليون الخائب فى عكا، خائباً فى الاسكندرية، وغير قادر على تكوين إمبراطورية الشرق الأوسط الكبير على جثتنا”.
وعنوان الرواية هنا له دلالة سيميائية مباشرة لكونها تستشرف المستقبل (عام 2050)، وتستبق العمر والواقع والأحداث؛ لكونها تعيد صياغة العالم السكندري من منظور الراوي الذي أفاد من البعد الحضاري التاريخى لمدينة الاسكندرية المحفورة فى الذاكرة المصرية/ العربية..

غير أن رمزية العنوان تتجاوز هذا المعنى التلقائى المعلن لتصل إلى مفارقة ساخرة تعكسها المقارنة الدائمة التى يعقدها الراوي بين المدينتين التاريخيتين، وإذا كانت عكا هى مرفأ الطفولة ومحبسها؛ فإن الاسكندرية هى النور ومرتع الشباب إذ يقول:
“تصور أن عكا والاسكندرية يرضعهما بحر واحد، ويقطعهما بحر واحد، ومصر وفلسطين أخوة فى الرضاعة والبحر، وأخوة فى اللغة والدين والعادات والتقاليد والجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة والوطن والحب وعيسى الفلسطينى…”
لكن فى عكا “أنت لاجئ مستضعف، مستكين بظل ذل وكالة غوث التى أخذت منك الوطن، ولحقت بك، لتعطيك خبزك، كفاك يومك، بينما من يدّعون وراثة يوسف يودعونك فى غيابة الجب، لا أحد يسأل بحالك سوى ذلك الذى شردك من وطنك..”.
إن ثراء العنوان أمكن الراوى- فرصة- إثراء النص بأفكارة، وتنبؤاته، ومعتقداته، فغدت الاسكندرية كالمحيط الذى يتسع لكل الروافد والاحتمالات؛ لذا فهو يقفز بوعيه، ويتنبأ لها بصورة جديدة أو لما ستؤول إليه اسكندرية عام 2050، إذ يقول:
” لقد أنشأوا مطار الاسكندرية الدولي عام 2045…. فصار أهم مطار فى قلب الوطن العربي، يربط أوربا الموحدة بأفريقيا المفرغة من محتوياتها، بالشرق الغني، والغرب المجهد، ولهذا كان شراء شركة (بون تشو الصينية) أرض هذا المطار وما حولها فى شمالى محافظة البحيرة، إذ اشترى الصينيون المنطقة بكاملها… كانت صفقة تجارية صينية…
يستوعب المطار مائة مليون مسافر سنوياً…
لا ترى إنساناً موظفاً فى المطار، إذ يدقق لك الحاجز الآلى الممثل للأمن هويتك الشخصية المخزنة فى جهازك الخلوى…
الآن صار كل شيء مدوناً على هذا المحمول، ومسجلاً دولياً…
معلوماتك يا محترم مفضوحة فى كل المراكز والدوائر العولمية”.
هكذا يقدم المؤلف رؤيته للاسكندرية (2050) وهى رؤية لا تتناقض مع الواقع لكونها مازالت محتملة.. والأدب هنا إن لم يقدم لنا حقائق مطلقة! ولكن يكفيه أن قدم خيالات ممكنه ! لذا كانت الاسكندرية (2050) “مجرد مكان لتهيئة وعي المتلقي لإطلاق عنان الخيال للمستقبل.. واستشراف الأفضل والأجمل والأقوى…
يقول: “عند بوابة مبنى المطار، تقف العربات الفضائية الهيدروجينية، تحمل الركاب بالدور، ثم تطير بهم فى الجو. تقود مركباتنا الفضائية الكهربائية المحملة بحقائبنا فى العربة، ويقفز كنعان بخفة محتضناً كلبة ذا شعر أخضر غزير… ويتبعه برهان الذى تمسك المرأة الآلية بيده، ثم تجلس بهدوء إلى جوارهما، ويضغطة زر من يدها الآلية، تغلق علينا القمرة، وكأننا نجلس فى مركبة فضائية.. تطير السيارة الفضائية لتنقلنا إلى الفندق… وهذه المركبة تذكرك بالقطار الفضائي الذى سافرت به إلى سطح القمر”.
إن استراتيجية المؤلف- هنا- تحث المتلقى على التفكير والاستشراف والبحث والاسترجاع والغوص فى الأنساق الثقافية والمعرفية للروائي الذى تجاوز- فى تلقائية الاعتيادي والتقليدي فى الكتابة، وقدم لنا فى هذه الرواية لوحة فنية تتناص مع الطبيعة ومعطيات التراث والعلوم والآداب.. وعلى طريقة القص واللصق ثم دمج هذا الخليط فى لوحات أو مشاهد متجاورة.. فبدت مشاهد فصول الرواية فى تجاور مشاهدها أشبه بلوحة فنية (فسيفساء) حيث دمج هذا الخليط ووظفه للتعبير عن المجتمع السكندرى بصفة عامة، أو المصرى بصفة خاصة؛ ذلك أن الاسكندرية غدت- فى المحتوى العام للنص- رمزية لمصر والمصريين، يقول:
“الناس طيبون، وتتسع صدور بعضهم لبعض، ولكن ما يمتعك حقيقة هو منظر السهول الواسعة (جنات عا مد النظر، ما بينشبع منها نظر) مزارع خضراء تنطلق منها أشجار نخيل باسقة بين حقول الذرة والقمح والبرسيم… تشبه مآذن مساجد لا نهائية فى المدى الرحب… إنه سحر مصر الخضراء، التى صحروها لاحقاً!”.
إن “التناص” من التقنيات التى تعين القارئ أو المتلقى على إعادة ترتيب النص/ إعادة بناء العالم: أو بمعنى آخر يعين على إعمال العقل ورأب الفجوات بين الماضى والحاضر والمستقبل..

الروائي صبحي فحماوي
صبحي فحماوي

ويأتى “برهان/ الابن الأكبر ل مشهور شاهر الشهري ليكمل مسيرة إعادة بناء العالم، وتقديم البديل الموضوعى له، فيقول:
“انتهى عصر التمييز العنصري فى عكا وحيفا ويافا بعد تنفيذ حق العودة المطلق للفلسطينيين، وانتهت معاداة السامية بالاعتراف بأن العرب المسلمين والمسيحيين وقدامى اليهود هم ساميون، ومتساوون فى الحقوق والواجبات، دون تمييز عرقى أو دينى، وتم قبول ولايتنا على أنها جزء لا يتجزأ من إتحاد الولايات العربية، وصارت ولايتنا بعد هذا الإتحاد واحه آمان حرة لكل الأديان السماوية، والمبادئ العلمانية بلا تمييز”.
هكذا لا يقف الاستشراف/ المعادل الموضوعى، على التصالح التكنولوجى بين شعوب العالم، بل أيضاً التصالح الإنسانى ، لذا كان “الإنسان الأخضر” أحد أهم انجازات الأبحاث الوراثية والتى تعهد بها الابن “برهان” “والذى انتجه فى معمله للبحوث الوراثية يقول:
“لقد تطورت أبحاثنا الوراثية يا أبى، فبعد أن نجح العلماء الأوائل فى دمج خلية نباتية مع خلية حيوانية، وانتجوا منها أول خلية لحيوان أخضر. تابعنا بعدهم تطور أبحاث الحيوان الأخضر”
ويستأنف “برهان”- فى تجاربة” دمج النبات والحيوان والإنسان جينياً، وبهذا يكون المؤلف قد حّمل المتلقى مسئولية التوقع والانتظار لظهور هذا الإنسان الأخضر/ الجديد، وقد قدم المعادل الموضوعى للشر والكراهية والفرقة، بتقديم استشراف جديد للعالم، أو ما ينبغى أن يكون عليه، إذ يقول:
“نسعى لخلق عالم بلا تحديات! نريد جيلاً أخضر يعيش بلا خوف! بصراحة نريد جنة على الأرض”.

أ.د. سوسن ناجي
أ.د. سوسن ناجي

وإذا كان صراع الحضارات هو الواقع، أو الوضع القائم فإن إعادة آليات التفكير، وتقارب الجنس البشرى معاً لتكوين حضارة كونية إيجابية، تُعلي من إنسانية الإنسان، ولا تقلل منها، يعد ضرورة؛ لذا كان البعد الاستشرافي هو المخرج الوحيد.. وأيضاً كان المتكأ على العجائبية والمفارقات- فى الرواية- من أبرز التقنيات التى تعين المتلقي على التوهم بالحقيقة، لتجاور الأمكنة والأزمنة الواقعية، أو تحقيق درجة من إعمال العقل بكسر الرتابة وتحقيق التشويق بل وإثارة الدهشة.

*وكيلة كلية دار العلوم – جامعة المنيا- مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق