الموقع

الخوف يقتل الحرية

ايفون ريدلي
ترجمة: بشار عبد الله
ما تزال تشعر أمريكا بالحرج من جلسات استماع مكارثي سيئة الصيت التي دمرت حياة آلاف الأبرياء خلال خمسينيات القرن الماضي. في ذلك الوقت ألقت السلطات القبض علي كل من يشتبه بأن له صلة بالتيار الشيوعي واستجوبته وسجنته أو أجبرته علي إعطاء أسماء آخرين يشتبه بأن لهم ميولا للشيوعية.

وهكذا صار الخوف والترهيب ينتشران كوباء كبير في أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية كافة. وأدرجت أسماء في القائمة السوداء وجري تدمير السجلات المهنية وحيوات أصحابها علي أيدي سلطات لا رحمة لها تتاجر بمخاوف الشعوب، وجنون العظمة ونقاط الضعف.

شكوك كثيرة
وكان يحكم علي الناس بأنهم مذنبون حتي في ندرة الأدلة التي قد تدينهم او في غيابها تماما، لا لشيء سوي ان هؤلاء الناس تجرأوا واستفسروا عن الإجراءات والاتهامات غير المبررة بحقهم والتي تحوم حولها شكوك كثيرة. ولكن يا أهلي، كان ذلك كله في الخمسينيات وكانت الإدارات علي اختلافها تعتزم بأن لن تعود الهستيريا المجنونة نفسها، والكراهية والخوف لتلقي مرة ثانية بظلالها الثقيلة القاتمة علي أرض الحريات. ولكن ما يؤسف له هو أن عمليات الاقتناص علي غرار أسلوب ساحرة سالم قد عادت اليوم مع أن الأهداف الجديدة اليوم لم تعد شيوعية. فقد استبدلت الندبة الحمراء بأولئك الذين يهتفون بصوت مرتفع تحيا فلسطين. وابتداء من أعلي سلم واضعي القانون وهبوطا إلي جون دو المواطن العادي هناك خوف غير عقلاني من الضخامة بحيث أنه يحمل العديد منهم إلي أن يكونوا رهائن في منازلهم وأماكن عملهم وفي مدارسهم. لقد بلغت رؤيتهم من الانحراف ما يجعلهم غير قادرين علي التمييز بين ما هو حقيقي وما هو وهمي. فعدد قليل من هؤلاء عندما يبلغون بان الجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح أطلقوا النار علي نشطاء سلام من مسافة قريبة من باب الدفاع عن النفس، نجدهم ما يزالون يمتلكون الجرأة علي الاستفسار. فهم يلزمون الصمت عندما يرون أطفالا رضعاً يموتون في قطاع غزة بسبب نقص المعدات الطبية جراء الحصار الاسرائيلي القسري. ومع ذلك فإن عدد من يجرأون علي توجيه انتقاد إسرائيل أقل بكثير.
ثمة ملايين وملايين من الأمريكيين يستيقظون صباحا خائفين، والخوف نفسه يتملكهم عند ذهابهم للنوم في وقت يتغذي بعض آخر علي الكراهية والمرارة التي يوفرها لهم سياسيون ودعاة وأكاديميون ووسائل إعلام نقول لهم ان إسرائيل طيبة وعلي حق وفلسطين سيئة وعلي باطل.
ثمة سياسيون يرغبون في رؤية أمريكيين أبطال من الذين شاركوا في قوافل (تحيا فلسطين) وأسطول الحرية الذي كان متوجها إلي غزة في الآونة الأخيرة وهم يحاكمون بصفة إرهابيين.
كنت أتصفح اليوم عددا من الصفحات في وسائل الإعلام الأمريكية وهناك، بين الأعمدة الصحافية، من القصص التي توضح تماما مفعول مصنع الخوف الصهيوني الساري في واقعنا.
إذ تكشف صحيفة لوس انجلس تايمز أن يو سي ايرفين (إحدي أبرز عشرة مجمعات ضمن جامعة كاليفورنيا) أبلغت طلبتها الجامعيين بتعليق عمل اتحاد الطلبة المسلمين مدة سنة لأنه تجرأ علي انتقاد إسرائيل واحتج خلال خطاب ألقاه السفير الإسرائيلي. وها هي الحقيقة تنكشف أمامنا جميعا ــ يصار الآن إلي حظر حرية التعبير.
إن هذا الفعل غير المسبوق يبعث أيضا رسالة مرعبة للطلبة في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية جميعا الذين قد يفكرون في التظاهر، أو التجمع أو الاحتجاج علي الدولة الصهيونية ومؤيديها. فحرية التعبير، علي ما يبدو، هي شيء من الماضي في الولايات المتحدة تحت إدارة باراك أوباما. وفي حال راودت أحدكم أي شكوك في هذا الأمر، فما عليكم سوي قراءة قصة عن القرار الأخير الذي سيصدر قريبا من المحكمة العليا الأمريكية.

سوء التغذية
ففي غالبية الحكم 6 ــ 3 يكون من المستحيل تقريبا علي أي شخص وضع طعام في أفواه أطفال غزة الذين يعانون من سوء التغذية أو تقديم أموال لجمعية خيرية لتقوم بواجبها الإنساني عنكم.
وعلي ما يبدو الأمر عليه من جنون، فإنه يعد جريمة العمل في أمريكا الآن من أجل السلام وحقوق الإنسان في غزة المحكومة بحكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا. ولذلك سيكون من المستحيل عمليا تجاوز حركة حماس عند القيام بأي عمل داخل غزة.
وفي حكم مثير وشبيه بحكم مكارثي فإن أي أمريكي يقدم حتي لو مجرد مشورة إلي منظمات محظورة مثل حركة حماس، بما في ذلك المساعدة القانونية ومعلومات عن حل النزاعات، فإنه سيحاكم بوصفه إرهابيا. عليكم أن تخافوا الآن، بل عليكم أن ترتعبوا، فهذا هو ما يحصل بالضبط في الولايات المتحدة الأمريكية الآن. تعتقد إدارة باراك أوباما المجنونة أن أي مشورة حتي المخصصة منها لأغراض سلمية من شانها أن تتحول “دعم مادي” للإرهاب. “تقضي المحكمة العليا بأنه يمكن الحكم علي المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين يوفرون التدريب والعون في حل المنازعات غير العنيفة، علي أنهم إرهابيين”، هذا ما يقوله ديفيد كول، أستاذ القانون بجامعة جورج تاون الذي جادل في القضية أمام المحكمة. ويضيف فباسم محاربة الإرهاب، قالت المحكمة إن التعديل الأول علي (حرية التعبير) يسمح للكونغرس اعتبار العمل من أجل السلام وحقوق الإنسان جريمة. وهذا هو الخطأ”. فالحكم هنا مصمم من أجل تخويف مؤيدي الشعب الفلسطيني ونشاطهم في جمع التبرعات. وقد حوكم عدد من هؤلاء بالفعل وسجنوا بسبب جمعهم المال لصالح مجموعات اجتماعية تهتم بمعالجة قضايا مثل السكن والرعاية الاجتماعية في قطاع غزة.
وقد سبق أن أثارت قضية الحكومة في شباط الماضي تساؤلات ايلينا كاغان، وهي الآن مرشحة ادارة اوباما للمحكمة العليا. إذ قالت: “حزب الله يبني القنابل. حزب الله يبني المنازل، تري اين كان الكونغرس عندما تساعدون حزب الله في بناء المنازل، وها انتم أنفسكم تساعدون حزب الله في صنع القنابل. هذا هو مجمل النظرية التي تقف وراء التشريع“.
حسن، إذا كان الأمر كذلك فثمة وضع قانوني مثير للاهتمام يلوح في الأفق ــ إلا إذا كانت هذه التشريعات جميعا مصممة من أجل المؤيدين للشعب الفلسطيني.
هناك لجنة فرعية في الكونغرس، بقيادة البرلماني جون ف. تيرني، الديمقراطي من ولاية ماساتشوستس، كشفت مؤخرا عن أدلة تبين محصول الضرائب الأميركية بالدولار يخصص في تمويل حركة طالبان. والمصدر هو عقد صادر عن البنتاغون بقيمة 1،2 مليار دولار يحمل عنوان نقل شحنات الدولة المضيفة، وهي تمثل المبالغ التي تدفع لنقل المواد الغذائية والإمدادات إلي نحو 200 قاعدة أمريكية. وعلي ما يبدو فإن شركات امن أفغانية كانت وما تزال تغتصب نحو 4 ملايين دولار في الأسبوع، ثم تقوم بتحويل الغنائم إلي أمراء الحرب وطالبان في مقابل ممر آمن. وباختصار، فإن الولايات المتحدة هي نفسها تقوم بتمويل العدو وتقويض الجهود الدولية المبذولة لتحقيق الاستقرار في البلاد.
همممم، إذن أوليس هذا الأمر بمثابة دعم مادي للإرهاب؟ أعتقد أن بنا حاجة إلي القائد العام المكلف بتحقيق الأثر المنشود علي الفور.

ايفون ريدلي: صحافية بريطانية ومراسلة حربية فضلا عن كونها واحدة من أبرز مؤسسي منظمة تحيا فلسطين ورئيسة الاتحاد الأوربي الدولي للمرأة المسلمة.
المصدر: صحيفة راشنال ريفيو ــ سياسة جديدة لقرن جديد
Azzaman International Newspaper – issue 3638

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق