ثقافة السرد

طائر بلا أجنحة

الجزء الثالث

غادة عبدالله ناجي*

بداية و نهاية

استغرقت نورية قرابة الأسبوعين في محاولة إقناع محمد بالزواج من إبنة أختها، كثفت خلالها كل جهودها حتى تمكنت أخيراً من أخذ موافقة مبدئية منه على مضض .
أخيراً تم تحديد عصر يوم الخميس ميلاداً جديداً لهذه المناسبة وبالفعل توجت الخطبة والعقد بالنجاح، وفي نهاية هذا النهار الممطر الجميل الذي كانت الشمس فيه مختبئة خلف السحب بخجل تنفست هيفاء الصعداء وشعرت انها لو تمكنت من مقابلة احدى نجوم السماء في تلك الليلة ربما لطلبت منها مشاركتها في الرقص على وقع هذا الهواء العليل إبتهاجاً بما حدث.
لكن لم تبد السعادة على وجه محمد بل على العكس كان وجهه يزداد غضباً و عبوساً يوماً بعد الأخر، ولم تجد محاولات والدته نفعاً لاستطلاع ما يحدث معه لكنها تمنت أن يكون هذا توتراً طبيعياً قبل مراسم العرس المزمعة بعد أقل من شهر.
أخيراً اتضحت الأمر أكثر خلال إجتماعهم المعتاد بعد صلاة الجمعة لتناول وجبة الغداء معاً.
قال محمد: أمي لقد فسخت العقد مع نجدة وأبلغتها بذلك.
شهقت والدته التي نزل عليها الخبر كالصاعقة وقالت : هل جننت، كيف ؟ولماذا؟ وماذا حدث؟
لم تستطع هيفاء التحدث فقد شعرت أن يداً فولاذية ألجمت فمها وشلت قدرتها على إبداء أي تعبير أو حركة، فيما كان أحمد ينظر لإبنه وهو يتناول الطعام بهدوء وترقب منتظراً ماذا لدى محمد ليقوله بعد.
محمد ساخراً: لأنها ببساطة كبقية الفتيات ولا يمكن الوثوق بفتاة تراسل شاباً وتتواصل معه .
الأم: لكنها إبنة خالتك وعلاوة على ذلك هي بحكم زوجتك بعد العقد.
محمد بريبة: لو كانت تحترم نفسها وأسرتها ما وافقت على التحدث والتراسل معي حتى لو كنت زوجها، كيف سأثق بها مستقبلاً؟
الأم: هل فقدت عقلك يا بني هذا ليس مبرراً لما فعلت.
محمد ساخراً: حتى اسمها الغريب “نجدة”!!! يبدو لي نذير شؤم إنها تشعرني أن حريقاً ما سيشب بين لحظة وأخرى، أو قد تلقي الشرطة القبض علي بتهمة ما.
الأم: لا تبدو لي طبيعياً بما فعلته وما تقوله الآن… إنك حتى لم تفكر كيف سأواجه خالتك ؟
نهض محمد غاضباً وقال بلا مبالاة: حسناً أخبريها بما قلته لكِ صراحة.
الأم: أنت مجنون كيف أخبرها بما قلته وكيف تحكم هكذا على إبنة خالتك لمجرد أنها راسلتك واتصلت بك باعتبارك قريبها وزوجها أيضاً ؟!!.
أحمد مقاطعاً: هل أنت راضية الآن لقد خرج قبل أن يتناول الطعام .
الأم بذهول: حقاً ؟!!.هل هذا كل ما يهمك الآن… أنه لم يتناول الطعام؟!
احمد بغضب: أجل وتوقفي عن تقريعه، كل هذا فقط لأنها ابنة أختك وربما هذه هي عقوبتك لأنك كنتِ تخططي مع ابنتك في إبعاد ولدي الوحيد عني .
الأم بحسره: آه يا إلهي…أرجوك خذني سريعاً فلم يعد هناك شيء يدفعني للحياة بعد.
هيفاء وقد استفاقت أخيراً من صدمتها: أمي أرجوك لا تقولي مثل هذا الكلام مجدداً.
الأم وقد بدأت في البكاء: كيف سأنظر في وجه خالتكِ؟ و كيف سنعوض خسارتك يا هيفاء؟ اخبريني كيف؟
احمد ببرود: أخبري أختك أن تعيد المهر والهدايا أما بقية خسارة الحفلة فستعمل هيفاء على تسديدها مع الوقت ولا داعي لكل هذه الجلبة …أنا أيضاً لم أعد ارغب بتناول الطعام . سأخرج بحثاً عن ولدي الحبيب لنتناول الطعام معاً في أحد المطاعم ومن ثم شراء القات إذ لا بد أنه جائع الآن و مزاجه معكر.
وضعت نورية يديها على رأسها وقالت: لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.

القرار
كان الجو بارداً مع أولى خيوط الفجر، غير أن هيفاء كانت مستيقظة وتفترش سجادتها بعد أن أنهت صلاتها، لم تكن تشعر بالبرد، بل كان الدفء هو فقط من يتسلل الى قلبها وروحها رغم كل الصعوبات التي تمر بها، كان قلبها يدق بقوة لدرجة أنها خافت أن يحدث صوته جلبة يسمع صداها أحد سواها، وخصوصاً والدها وشقيقها.
راحت تفكر فيما عساها تفعل و قد أتى الشاب الذي لطالما حلمت وتمنت الإرتباط به، جاء من أخذ قلبها معه فلم يعد الأمر بيدها هي لتقرر الابتعاد عنه، ولم تعد تقوى هذه المرة على الرضوخ لقرارات والدها وشقيقها المتعنتة بهذا الخصوص كما كان يحدث معها من قبل، غير أنها في الوقت نفسه لا تتخيل مجرد وقوفها في وجه أحد منهما، كانت في اعماقها تشعر بأن هذه هي الفرصة الحقيقية الوحيدة لبدء حياة جديدة كما حلمت يوماً.
بيت واسرة محبة هذا كل ما تمنته، أغمضت عينيها وهي تتخيل اطفالها وهم يلعبون في كل زاوية من البيت ويملؤونه صخباً وسعادة، تخيلت أمير زوجاً محباً لها ، يحتويها ويشعر بها عندما تتعرض للإجهاد والتعب ويعاملها كإنسانة لها الحق بالحياة والحب معاً، كانت تفكر كم أن هذا سينقذها أيضاً من حديث الناس ونظرات الشفقة التي تحيط بها من كل مكان بأنها غدت مجرد عانس.
تذكرت قبل ايام حين اودعت سرها الصغير لدى أنسام صديقتها وزميلتها في العمل إذ رغم انهما مختلفتان جداً في الأفكار، إلا أن حديثها معها حينها لم يمحى من ذاكرتها حين قالت لها: لو كان لي أب وأخ كأنت، وتقدم لي شخص كأمير فلن أترك فرصة كهذه تضيع من بين يدي حتى لو اضطررت لمواجهة العالم كله من أجله، طالما وهو متمسك بي هكذا حتى لو ذهبت معه إلى المحكمة والطلب من القاضي تزويجي به، لا يهمني هنا ياعزيزتي أبي وأخي وكلام الناس.
أبي وأخي سيضطران مع الوقت للرضوخ أما كلام الناس فلا يهمني البته فالناس يتكلمون بدون توقف سواء كنت على حق أم لا.
نهضت وفتحت أحد أدراج خزانة ملابسها وأخرجت حبة للصداع و تناولتها ثم جلست على حافة سريرها و اغمضت عينيها، راحت تسترجع حواراً لها مع أمير في مقر عملها حين صارحته على حرج بفارق العمر بينهما و عرضت عليه أن يختار فتاة أخرى غيرها فرد قائلاً : لا توجد من هي أفضل منك على الأقل في عينيّ أنا أما فيما يخص العمر فأنا سأرتبط بروحك انتِ، وليس بهويتك الشخصية… أليس كذلك؟ .
استفاقت من سرحانها وقد أمدتها هذه الكلمات بكثير من الشجاعة لمواجهة الكثير من الصعاب نظرت صوب مرآتها بثقة وقالت: إن الأمر يستحق التضحية وبعد أن يهدأ أبي سأطلب منه الصفح والعفو عني ولن اتوقف عن طلب مسامحته لي حتى آخر رمق .

حلم يوشك أن يتحقق

في المحكمة وقفت هيفاء مترددة و خائفة، كانت تشعر بالضعف لأنها بمفردها في يوم هو الأهم بحياة أي فتاة… يوم يفترض أن يزدان بإحتفال جميل في ظل أسرة تحتويها وتقدم لها الدعم والتشجيع، وتتمنى لها الكثير من الأمنيات بالسعادة الدائمة
تلفتت حولها كانت المحكمة مزدحمة وتكاد نظرات معظم روادها من الرجال و النساء تلتهمها ما إن تبين لهم سبب وجودها فيها، كانت تسمع كلاماً وهمسات عنها وعن شرفها تكاد تفتك بها، فتارة هي أخطأت وجاءت مع عشيقها لتصحيح خطأهما وتارة أُخرى هي لم تجد من يردعها أو أُسرة تحسن تربيتها…البعض اكتفى فقط بنظرات الإحتقار لها، فيما عدد قليل جداً منهم لم يكترث وحاول عدم الخوض بما يجده لا يعنيه في شيء .
اقتربت من أمير فلم تعد تكفيها نظرات الدعم التي يقدمها لها عن بعد شعرت بمرارة في حلقها، لكنها لا تستطيع لوم أحد غير نفسها فهي من أقنعت أمير بضرورة قيامهم بهذه الخطوة بالرغم من معارضته لها في البداية لكنها تمكنت من إقناعه وضرورة وضع والدها وشقيقها أمام الأمر الواقع.
نادى القاضي بإسمها :هيفاء أحمد علي وأمير مراد حسن
اقتربا من القاضي الذي قال: هل ترغبين في تزويج نفسك بالفعل من هذا الشاب.
هيفاء بإرتباك: بالطبع أرغب أن يتم هذا بموافقة أبي وأخي لكن ماذا افعل إن كانا يرفضان بشدة تزويجي لأحد.
القاضي: هل تمانعين إذا اتصلت بوالدك لمحاولة إقناعه بالحضور ليزوجك هو.
هيفاء بسرعة: بالتأكيد لا أمانع.
أمير: هل أنت متأكدة ؟ أخاف أن يغضب بشدة إذا عرف ما أقدمتِ عليه، لماذا لانترك هذا للأيام كما قلت سابقاً، فقد يهدأ يوماً ما وحينها سنذهب اليه معا ونطلب صفحه ومباركته .
هيفاء وقد بدأت بالبكاء : لا أستطيع الإستمرار بدون أبي أرجوك إفهمني لم يحدث يوماً أن عصيت له أمراً، لم يحدث أن جعلته في يوم يشعر أنه أخطأ عندما أرسلني للعمل…أنا أحبه رغم قسوته، احبه جداً وأتمنى أن يلين قلبه ويحضر بالفعل.
امير: لن يحضر كيف ما زلت تأملين بذلك وكأنك لا تعرفينه حق المعرفة عندما يعلم أنك الآن في المحكمة ووضعته أمام أمر واقع إما أن توافق إجباراً على تزويجي أو سأقوم بتزويج نفسي ولا حاجة لوجودك أصلاً.
هيفاء برجاء: دعني أحاول على الأقل.
القاضي: ماذا قررتما؟
هيفاء : هذا رقم هاتفه أرجوك إتصل به سيدي القاضي.
القاضي : حسناً .
أمير باستسلام: حسناً أرجو أن يكون ما فعلته صحيحاً.

*قاصة من اليمن

الجزء الأول 

الجزء الثاني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق