ثقافة السرد

الصراخ فنّ التعبير عن الألمْ

زهير عبد الرحمن

السّمكة.. ذلكَ الكائنُ الذي لم يتعلّم فنّ الصراخ، نقتلُها بلا هَوادة. نصطادُها من الماء فُرادى وجَماعات. نُلقي بها جانباً. نتركُها تلفظُ أنفاسَها، نفسٌ وراء نفسْ. تتخبّطُ فوقَ بعضِها البعض. تفتحُ فمَها لتتخلّى عن أحلامها حُلماً وراءَ حلم. تضعفُ شيئاً فشيئاً حتّى تَمحّ الذاكرةُ وتُلقي بآخر أمنية.
نتركُها تموتُ ببطء، ببطء شديد حتّى الرمقِ الأخير. لا نعترفُ لها بالألم، عليها أن تصرخَ، أن تخاطبَنا بما نفهمُ كيْ نعترفَ لها بحقّ الموتِ الرحيم دونَ معاناة. حتّى الموتُ المقدّس نستنكرهُ عليها فنقولُ “نفقت”. إنها ليستْ جديرةٌ بفكرة الموت، فالموتُ الذي أقلقَ الانسانَ منذُ الأزل لايليقُ به المرورُ على كائنٍ لايعرفُ الصراخ، يتركُ المهمّة لآلهة الشّر في العالم السفلي لتحصدَهم حين يحينُ موسمُ الحصاد. كلّ الكائنات الأخرى نقتلُها فرادَى، نخافُ من صرخَتها، نستشعرُ الألمَ الذي غمّسناها به. نخافُ انتقامَها، ندركُه فنستعجلُ قتْلَها وندّعي الرحمَة بها كي لاتتعذّب. عندما نريدُ أن نضحّي، نختارُ الكائنَ الأكبرُ حجماً، نحتاجُ الصرخة الأكبر. لنشعرَ بحجم الألم الذي بادلناهُ مع الآلهةِ قرباناً للغفران. كلّما كَبُرَ حجمُ الأضحية زادتْ فرصتُنا بصكوكٍ ذاتِ امتيازاتٍ أكثر.
السمكُ لايصلحُ أضْحية. لاتقبَلُهُ آلهة الإغريق. إنه لايصرخ، لا يستطيعُ موتُه وحده أن يمنحنا العفو. للأسف الشديد، يحتاجُ الأمرُ أكثرَ منْ ذلك. يحتاجُ أنْ تستشعِرَ الآلهةُ التي ربت على جبل الأولمب أن تسمعَ صراخَ الضحية. تحبُ أن تسبحَ بمياه حمراءَ داكِنة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق