ثقافة السرد

بيكيا

رضا سليمان*

الفقر .. هو الذى صنع عدد كبير من أثرياء مجتمعنا ..
تلك الجملة الصادمة والغريبة فى تركيبها هى واقع حقيقى لدينا .. فقد صنع الفقر عدد كبير من أثرياء البلد .. لقد ظهر “أثرياء الروبابيكيا” و أصبحت الملايين لديهم أرقام لا تجعل القلب يجفل، فتجد هذا الرجل الذى يرتدى جلباب قصير لونه بنى داكن أو أخضر بلون الخيار .. أى لون يتناسب مع مستوى متدنى من الذوق العام .. غالباً ما تجد بقع سمراء صغيرة متناثر على حِجر هذا الثوب وكأنها نمل ضل طريقه، لو تأملت أكثر لعلمت أن هذه البقع السمراء ما هى إلا حروق صغيرة فى الثوب .. لأن هناك شرر تطاير من جمر الشيشة وهبط ليصنع هذه البقع السمراء، لا يهتم أحدهم بهذه الحروق .. لأنهم لا يهتمون أصلاً بأراء الآخرين فيما يلبسونه أو فيهم بشكل عام .. يبدو ذلك من أقدامهم الموضوعة فى شباشب قديمة و قد ظهرت شقوق كعوبهم بشكل ملفت للأنظار .. كذلك ستجد أظفار أياديهم متسخة .. و بشرة وجوههم لزجة مما عليها من طبقة دهنية تتراكم مع عرقهم الغزير .. ليس من اللطيف أن أعدد صفات تلك الفئة التى أمقتها .. اللطيف أن نذكر ما يتميز به الحبيب .. ما تتميز به الزهور من روعة .. لكن للحق و الإنصاف هذه الفئة تحاول الظهور فى المناسبات بمظهر لائق يتناسب مع طبيعة المكان ورواده، فلو مناسبه حفل زواج راقِ بين أبناء الطبقة العليا مثلاً، تجد صاحبنا الثرى هذا وقد ارتدى بدلة داكنة اللون وغالباً تكون فضفاضة و القميص من تحتها يدلى بطرفيه فلا يستطيع أحدهم أن يدخل قميصه فى البنطلون فيبدو الكرش متكوراً بارزاً عبر فتحات مثل قوسين مغلقين بين أزرار القميص، ثم إنك ستعرفهم بدون عناء لو تأملتهم على هذه الشاكلة أو ستجد ياقة القميص تعلو ياقة الجاكت .. أو ياقة الجاكت نفسها فى غير وضعها الطبيعى .. أما إن كان حفل الزواج فى منطقة شعبية فستجده يرتدى جلباب واسع وقد لمع شعره لكثرة ما عليه من كريمات ومعظم الوقت ستجده يرفع يده كى يخفف من عبء طرف كم الجلباب على كف يده و أيضا ليتيح الفرصة لإظهار الساعة الذهبية باهظة الثمن، وستتعرف عليه من عينيه التى تدور فى المكان لتحصد ردود الأفعال على أناقته التى يشعر بها، وسوف تتعرف عليه من عدد الموبايلات التى يضعها أمامه لتدلل على كثرة معارفه و انشغاله الدائم، و ستتعرف عليه إن تحدث فى تليفونه المحمول لأنك ستجده يتحدث بصوت مرتفع عن صفقات و علاقات و سينعت مَن يتحدث إليه بمعالى الباشا الكبير أو يلقبه برتبة عسكرية كبرى أو يطلق عليه لقب الفنان الكبير و عينيه لن تكفا عن الدوران حصداً لردود الأفعال عن حديثه. و سوف تتعرف علي أثرياء “البيكيا” بيسر لأنهم أول مَن يبارك أفعال القيادة السياسية و إن لم يعلموا فحوى هذه الأفعال، و أيضاً هم أول مَن يظهر فى سرادقات الحملات الانتخابية و قد يمولنها، و هم أول يقيم الأفراح ابتهاجاً بنجاح فلان فى هذه الانتخابات. و تعرفهم بسهولة من أفعال يتقربون بها إلى الله و يعلنون ذلك على لوحات ضخمة، فهم أصحاب العديد من موائد الرحمن فى رمضان و هم أصحاب أضحيات عديدة فى العيد الأضحى و هم مَن يغمسون أياديهم فى دماء الأضاحى الساخنة ثم يطبعون بأكفهم على الجدران الأمامية للمنازل وعلى مقدمة السيارات “خمسة وخميسة”.
عموماً معظم اهتمام فئة أثرياء البيكيا هى توفير الكثير من الطعام وخاصة الأطعمة التى تساعد فى عملية الجنس واهتمامهم الثانى هو تكديس الذهب فى أيادى نساءهن للتباهى بالثراء.
لكن كيف صنع الفقر هؤلاء ؟
حالة الفقر الدائمة التى نعيش فيها، بالرغم من التطور الرهيب الذى شهده العالم وجعلنا نشاهد ونحن على أسرتنا كيف يعيش العالم من حولنا .. و كيف يحصل كل فرد على حقه الطبيعى فى الحياة، لكن دائما ما يؤكدون لنا أنه يكفى مجرد العيش و الشعور بالأمان. و لامجال للحديث عن حالة الفقر حتى أصبحت حالة عادية مستساغة .. طبيعى أن تُولد لأبوين فقيرين .. وتحيا فقيراً .. وتؤسس أسرة فقيرة .. و تموت فقيراً تاركاً أولاد فقراء .. أولاد كلب لم يدرك أن فقره ورث كئيب .. فإن لم يضمن حياة طبيعية لأولاده ما كان عليه أن يأتى بهم إلى هذه الدنيا .. لقد أجبرهم على الاتيان وسوف يجبرهم على معيشة الفقر . طبعاً كان وقتها متعلقاً بأحلام نجاح الأبناء لانتشال الأباء من حالة الفقر التى عاشوها .. لكن تلك أحلام و لا يتحقق منها إلا حالة واحدة من بين كل مليون حالة .. حالة واحدة يغفل عن صعودها الأثرياء .. ذلك لأن الأثرياء نادراً ما يسمحون لغريب أن يعيش بينهم .. إلا إن قدم عشرات القرابين.
وقد قدم أثرياء البيكيا عشرات القرابين .. قدموها على صدور العرايا و تحت أقدام البك الكبير .. إنهم امتلكوا الأموال ( التى صنعها الفقر ) و يبقى لهم الحصول على الاعتراف بهم بين الأثرياء، يقدمون القرابين كما كان يُقدم طالب البكوية أو الباشوية فى عهد المملكة.
ألا تذكرون ذلك المشروع الضخم الذى تبنته زوجة الرجل الكبير كنوع من التواجد الاجتماعى بين أفراد الرعية؟ هذا المشروع كان يلزمه المال الكثير .. تقدم أحدهم نافشاً ريشه مثل ديك رومى و تبرع بمبلغ ضخم يلفت الأنظار .. بالفعل لفت الرقم نظر الهانم .. تساءلت عن صاحب التبرع ؟ أخبروها عنه .. ابتسمت .. فى التعديل الوزارى الجديد حصل هذا المتبرع على لقب وزير على رأس وزارة من أهم الوزارات.
الفقر هو البداية .. الفقراء لا يستطيعون شراء سلع ذات جودة مرتفعة لأن تلك أسعارها لا تناسب دخلهم، يشترون المنتجات إعادة التصنيع .. سواء من الزجاج أو البلاستيك أو المنتوجات الورقية .. فلن تجد فقيراً يشترى أكواب للشاى مصنوعة من زجاج درجة أولى، فى حين هناك أكواب إعادة تدوير سعرها مناسب و لا يتعدى واحد بالمائة مقارنة بسعر المنتج المتميز .. ولن تطهى فقيرة الطعام فى أوانِ من السراميك أو البورسلين !! ولن يشترى فقير لأولاده كراريس أو كشاكيل من ورق فاخر، المنتوجات الورقية و إن كانت إعادة تصنيع أسعارها مرتفعة .. ما بالنا بالورق الفاخر ..!!
و لأن الفقراء كُثر فقد راجت تجارة الأشياء إعادة التصنيع، و بالتالى زادت مصانع التدوير .. فزاد الطلب على تُجار الروبابيكيا .. جندوا جيشاً من العمال يبحثون فى أكوام القمامة فى الأحياء الشعبية والقرى و الصناديق المخصصة للقمامة فى الأحياء الأكثر تمدناً .. يفرزونها بدقة متناهية .. يصنفونها الزجاج فى جانب و البلاستيك فى جانب و الأشياء الورقية فى جانب آخر .. وهناك أماكن مخصصة لإعادة الفرز و الغسيل قبل أن يتوجه الإنتاج إلى المصانع كل فى تخصصه، لتخرج المنتجات مرة أخرى كى تُباع إلى الفقراء.
الحقيقة أن تجارة المنتجات “إعادة تصنيع” رائجة بشكل جعل من عمال البيكيا يصعدون سلم الثراء بشكل سريع، حتى إن معظمهم أنشأ مصنع إعادة تدوير يخصه ليضمن ثراءً أكثر و أكثر ..
كلما مرت السنوات .. زاد عدد الفقراء و زاد الطلب على المنتجات المعاد تصنيعها .. وكل قرش يشترى به الفقراء يصنعون به رقما جديداً فى حساب الأثرياء. أثرياء البيكيا .. و لن تجد نشاطهم يتوقف عند الروبابيكيا فحسب .. فطالما توافر رأس المال فسوف ينتشرون فى مختلف المجالات .. فقد اشترى منهم عدد كبير شقق سكنية كنوع من الاستثمار .. و حصل منهم عدد أخر على أوراق رسمية لأقاربهم و معارفهم من الفقراء وتقدموا بها فى قرعة الإسكان الحكومى و دفعوا هم المبالغ المطلوبة و التى يعجز الفقراء عن توفيرها .. وحصلوا على الوحدات السكنية و أعطوا معارفهم مبالغ زهيدة عوضاً عن استخدام أوراقهم الرسمية. وتجد عدد منهم اشترى أراضِ وقام ببناء العمارات عليها وباع بعض الوحدات ليحصل على التكلفة و يحتبفظ بالكثير من الوحدات السكنية لبيعها مستقبلاً بأسعار مضاعفة. و عدد غير قليل من “أثرياء البيكيا” أقام مشروعات من نوعية المقاهى المتوسطة المستوى والكافيهات التى تجتذب الطبقة الثرية .. وما يتبقى منهم قد وجد فى تجارة السيارات منفذاً رائعاً لتشغيل رأس المال فتجده يفتتح معارض فى أماكن متفرقة على مستوى الدولة، قطعة أرض زراعية على جانب الطرق السريعة و يقوم بتبويرها و سرقة الكهرباء من أعمدة الطريق التى تتكبد الدولة تكلفتها .. ثم يأتى بصفقات مختلفة من السيارات و يملأ بها المكان .. بيع هذه السيارات آخر همه .. لنه ليس فى حاجة إلى مكاسب ضئيلة .. إنما يتركها شهور و أعوام و أسعار السيارات فى بلدنا ترتفع بشكل جنونى .. و كل الأسعار فى بلدنا ترتفع بشكل جنونى، لأن لا أحد أصبح يقتنع بالمكسب القليل .. المكسب القليل فقط متاح لمن يعمل و يتفانى من الفقراء .. وهو مكسب يكفى للمعيشة فقط ..
ألم أقل لكم أن الفقر .. هو الذى صنع عدد كبير من أثرياء مدينتنا ..
***

*كاتب مصرى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق