ثقافة المقال

سفيتلانا أليكسييفيتش: ثورة تاريخ المشاعر ضد تاريخ المنتصر

الراوي بن رشيدا

سفيتلانا أليكسييفيتش الصحفية البيلاروسية التي سعت طوال أربعين عاماً خلف الإنسان البسيط لتسبر غور أعمق المشاعر الإنسانية و أشدها غموضاً وعصياناً على الفهم ،مواجهة دون اكتراث حزم الرقابة السوفييتية وجهازها الاستخباراتي وثقافة الشعارات السياسية السائدة في العهد السوفييتي وما بعده ..
بدأت الحكاية عندما فتشت تلك الصحفية عن جنس أدبي تعثر فيه عن شخصيتها الأدبية فقرأت كتاباً لأداموفيتش و هو رواية جمعت من أصوات الحياة المتداخلة اليومية ،حكايات قد تبدو عابرة لكنها متخمة بالعواطف والمواقف المعاشة ،وفي هذا تقول أليكسييفيتش : ((أصبح أداموفيتش معلمي )) وراحت تفتش عن الأصوات المقموعة ،تلك التي لاتلتفت إليها الجرائد اليومية والسياسيون الكبار . جمعتها ونضدتها على أنها أصوات متعددة لتكشف سراً غامضاً ألا وهو ذاك الخيط الذي يربط بين عواطف البشر وتلك الصور المبعثرة التي تشكل لوحة الحياة .
في روايتها الأولى (ليس للحرب وجه أنثوي )تثير سفيتلانا أسئلة مهمة عن الحرب والموت من منظور النساء من خلال عدة أصوات لمقاتلات سوفييتيات شاركن في الحرب العالمية الثانية ..أما في روايتها (آخر الشهود ) تثير أسئلة عن الطفولة تحت وطأة هذه الحرب ،وفي (فتيان الزنك )توثق التدخل السوفييتي في أفغانستان من خلال لقاءات مع أسر لجنود فقدوا أو عطبوا أو قتلوا هناك لتطرح سؤالاً مرده :ماذا بعد الحرب ؟
مع أن كتاباتها تهتم بالموت وفلسفته إلا أنها تحتفي بالحياة من خلال الاهتمام بثقافة الموت وتسليط الضوء عليها ،فالكاتبة واثقة من أن الموت يحمل في جعبته الكثير من الأسئلة ،أسئلة لم تطرح بعد ولم يلتفت إليها ،من خلال الإجابة عنها يمكننا أن نتطلع إلى الحياة من منظور مختلف كلياً ،لأنه بالنسبة للكاتبة الكتابة عن الموت تقود بالضرورة إلى الحقيقة العارية ،الحقيقة التي قد لا نحتملها وتجعلك تنفر منها لكنها تتسلل إلى وعيك دون أن تدرك ذلك .

 

 

*كاتب سوري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق