قراءات ودراسات

قطار الأحلام: وحكايات “أشرف حسن” المدهشة

بقلم/ محمد عبد الظاهر المطارقى

نحن أمام كاتب أطفال من الطراز الأول. وبالرغم من كون هذه المجموعة القصصية هى الأولى للكاتب د.”أشرف حسن” فى مجال أدب الطفل، حيث سبق له إصدار أكثر من مجموعة قصصية خاصة بالكبار ، إلا انه استطاع أن يعلن عن نفسه بقوة، هو كاتب متمكن يمتلك قدرة هائلة على تقديم أبطاله فى أسلوب يتسم بالروعة والإدهاش. نحن ـ بالفعل ـ أمام أحد القامات التى ينبغى أن نفخر بها . فهو ـ برغم ـ قلة إنتاجه ـ فى أدب الأطفال، إلا أن هذه المجموعة تؤكد أن وراءها كاتب موهوب بدرجة امتياز. استفاد بالقصص العالمى، وبالأخص الأدب الفرنسى(بحكم تخصصه ) فامتلك القدرة على الإمتاع، وهذا ما نفتقده فى الكثير من قصص الطفل، لم يتفضل علينا بنصائح معلبة، وإنما فتح الباب السحرى لحكاياته، وتركنا نتحرك نحن بكامل حريتنا، هو يجذبنا بطريقته الخاصة ويدفعنا دفعا للسير فى الطريق الذى رسمه لنا سلفا لكننا لم نشعر للحظة واحدة أن ثمة من يجبرنا على ذلك.
استفاد كاتبنا البارع بلا شك بالقصص العالمى بل وما يقدمه التلفاز من أفلام كارتون فائقة الروعة، مع التأكيد على شخصيته المتفردة.
ففى قصته ” العروس النائمة ” والتى تذكرنا على الفور بسلسلة الرسوم المتحركة لأفلام ” حكاية لعبة ” الشهيرة انتاج شركة والت ديزنى عام 1995 وهى لمجموعة من الدمى كآندى ديفز،وودى راعى البقر وبو راعية الغنم و”باز” الإنسان الآلى واستاذ بطاطس وركس الديناصور الاخضر.. وسلنكى الكلب، وهام الخنزير الحصالة وغيرها من الشخصيات التى أدهشتنا جميعا كبارا وصغار.
ها نحن أمام دمية تتميز بجمالها المبهر، لدرجة أن مصنع اللعب نفسه قد كتب على علبتها “برنسيس أميرة”، وهى أميرة بحق، بدليل أن كل من رآها فى محل بيع الدمى ينجذب إليها، وبالأخص الفتيات. لكن ثمنها غال لا يقدر أحد على اقتناءها. ” … فى المساء، بعدما يطفىء صاحب المحل الأضواء ويغلق المحل تستيقظ كل اللعب وتسرع جميعها لتواسى أميرة..” صـ8.
إننا إزاء عالم من الدمى تدب فيها الحياة بعد أن يخلد الجميع للنوم والراحة، يتحرك عالم الدمى العجيب ليسقط عليها الكاتب مشاعر إنسانية تجعلنا نتعامل معها باعتبارها شخصيات عاقلة، تدرك الواقع المحيط بها، تتأثر به وتنفعل من أجله. الأميرة تحلم، وتتمنى ، وأقصى ما تتمناه أن يتم بيعها لفتاة تقدر قيمتها وتحسن معاشرتها، لكنها تقع فى يد ميدو ذلك الولد الصغير المدلل، الذى لايعرف قيمة الألعاب يتعامل معها بمنتهى العنف والقسوة، فتتعرض أكثر الألعاب للإصابة والتلف، حتى الأميرة الجميلة لم تسلم من شقاوته ومشاكسته فهى الرقيقة التى تضحك وتبكى وتقول ماما.تتحول إلى فتاة بائسة، مسكينة، تتمزق ملابسها، وتفقد إحدى ذراعيها، ويخفت صوتها وتكاد تلفظ أنفاسها. فى النهاية يتم ـ لملمة ـ كل الدمى القديمة لتذهب إلى دور رعاية الأيتام، والجمعيات الخيرية لتكون الأميرة من نصيب فتاة صغيرة ، فقيرة ومريضة. تفرح الطفلة، وتفرح الدمية، ويتبادلان الحكايات. وتنتهى القصة بشفاء الفتاة الصغيرة وهى تغادر سريرها لتجرى وهى تعانق أميرتها المحبوبة.
إن الطفل/القارىء بجانب استمتاعه بالحكاية فهو سيتعلم درسا مفيدا، إذ ينبغى ان نحسن معاملة ألعابنا. فضلا عن اكتسابه صفات حسنة كالرفق والرحمة.. وإسعاد الآخرين .
وفى” بطل الغابة ” نلتقى بحكاية بسيطة للغاية، لكن مغزاها بلاشك هام ، حين أعلن الأسد عن مسابقته السنوية لاختيار بطل الغابة. وهكذا كل من وجد فى نفسه القدرة على المنافسة ذهب ليشارك فى المسابقة، “دبدوب الصغير” أيضا قرر المشاركة، وفى طريقه إلى جبل الغابة يضطر لأن يساعد بعض الحيوانات والطيور التى أوقعها حظها العاثر فى أزمة مما يستدعى وقوف دبدوب بجانبهم بكل ماتمليه عليه النخوة والشهامة ليخرجوا من عثراتهم، وأزماتهم .. فى النهاية يصل دبدوب حلبة السباق متأخرا، لكنه يحصل على جائزة “بطل الغابة ” بالاجماع، وذلك لمواقفه النبيلة ودفاعه عن أبناء الغابة.

إنها دعوة لبذل العطاء، ومساندة الضعفاء تجاه أفراد المجتمع الذى نعيش فيه، إنها إذن البطولة الحقيقية، فالبطل ليس بقوة جسده ولا باستعراض عضلاته، وإنما البطل الحقيقى هو من يكون أكثر فائدة وايجابية للمحيطين به.
وفى قصة “ابنة الحطاب” نجد أنفسنا أمام قصة أخرى تشبه إلى حد كبير قصة ” بطل الغابة ” حيث الفتاة الفقيرة ” ابنة الحطاب” تمتاز برهافة الحس فهى عاشقة الفقراء والكادحين والمرضى.. هى تنحاز بصوتها المذهل الرائع نحو الفلاحين، والعمال الشرفاء لتتحول جراحهم وأوجاعهم إلى بلسم، وأحزانهم إلى أفراح.. وتعاستهم إلى سعادة، وهزيمتهم إلى نصر.. إنه صوت الحياة المتدفق إذن. صوت مستمد من قلب أخضر، نقى.. مفعم بكل معانى الخير والحب.. والسلام. وحين يطلب منها الأمير أن تغنى له فقط لا تستطيع، فصوتها ليس ملكا لها تستطيع أن توظفه حيثما شاءت، ومن هنا كان يتحتم على الأمير بأنانيته أن يحتال عليها لينزع عنها كل صفات البراءة والرحمة، ليتحول قلبها الناصع إلى كتلة من الحجر الأسود.. حتى بعد أن تبدلت الأميرة وتحولت إلى إنسان متبلد المشاعر، لم تستطع أن تغنى للأمير. هى لاتستطيع إلا أن تغنى للوطن فقط.. صوتها جبل على الخير، ليحمل أمارات الصبر، والنصر، والامل.. وإما أن يذوب فى أتون الصمت. وبصمت الأميرة المجبر يتحول العالم من حولها إلى ظلام، فيبدو كل شىء كئيب، منهزم.. ضائع..وفى لحظة ما تتحرك الأميرة لتعيد الطبيعة إليها كل مافقدته.. إنها هنا تنال ثمرة فعلها الطيب. القصة تذكرنا بقصة ” الكروان” للرائع العالمى “هانز كريستيان أندرسن” حين كان الكروان يمتلك صوتا جميلا مذهلا، حتى أنه كان حديث الملوك والأمراء ، رصعت فيه أجمل المخطوطات، وأنشدت فيه أروع القصائد. ولما أسره الإمبراطور فى قصره ليجبره على الغناء له وحده ( تماما كأمير قصتنا ) لم يستطع الكروان أن يشدو بالغناء، ومرض.. وهزل جسمه وكاد أن يموت. فهو فى الحقيقة يستمد حيويته وروعة صوته من حريته فى الطبيعة ليسعد كل المحيطين به. وبالاخص الفلاحين والكادحين، والفقراء المساكين.
مما يؤخذ على هذه القصة أن الكاتب استخدم ثلاث شخصيات ممثلة للغباء والشر وهم ” الساحر، الطبيب، والكيميائى” وأنا أعتقد أن الساحر قد يكون مقبولا، أما الطبيب والكيميائى فهما شخصيتان تمثلان للطفل قيمة علمية ، يجب ألا تدنسا، أو يعتريهما شائبة، فما اشد احتياجنا إليهما. فالطبيب يداوى الجراح ويسكن الآلام، والكيميائى يقوم على مختبره ويجاهد ليل نهار من أجل الحصول على تجارب تفيد البشرية، ربما ـ قديما ـ حين كان الجهل بالعلوم الطبيعية وبالأخص الكيمياء كانت أصابع الاتهام تشير إليهم، فكانت اقرب إلى المشعوذين والسحرة. أما وقد تجلى آثارهم وتحققت منافعهم فيجب أن نظهرهم بالشكل الذى يليق بهم.

أما قصة ” رامى وقطار الأحلام” فهى ـ بحق ـ من أروع وأمتع ما قرأت للأطفال فى الآونة الأخيرة، ( هذا بلا أدنى مبالغة ) فهى قصة تؤكد قدرة الكاتب على المزج بين عالم الواقع، وعالم الأحلام. ببراعة وحنكة استطاع كاتبنا البارع أشرف حسن أن يجذبنا إلى عالم الأحلام. هى قصة أشبه بشريط من النور الساطع داخل بقعة كبيرة من الظلام الدامس، هو الحلم بروعته ودهشته.. هى الطفولة بكل ما تحمل من طزاجة وبراءة، إنه الكوكب البكر الذى لم تلوثه الصفات الرذيلة. لم يدخل فى قاموسه مفردات الشر، إنه عالم الأطفال المبهج المدهش.. العجيب، والذى نحلم أن ينتقل هذا العالم إلى واقعنا الفعلى، حين ينتصر الخير ويسود الحب والعدل.
المجموعة تزدان بلوحات فنية مبهجة للفنانة نشوى سعيد.. وإن كنا نتمنى أن يتحول هذا الكتاب ( كتاب الهلال ) إلى صورة أفضل مما هى عليه. فالمحتوى رائع ، أما الكتاب فمستواه للأسف سىء.. لايليق بعظمة وتاريخ دار الهلال.. فهو لايزال على صورته تلك لم يتطور منذ زمن بعيد.. وليته ظل على صورته تلك.. فقد بلغنى أن السلسلة توقفت تماما ولم تعد تصدر.. فى الوقت الذى نهتف به بقوة من أجل الاهتمام بالطفل والارتقاء به
***
فى النهاية لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة لكل من يحاول الكتابة للطفل بشكل جيد ومحترم ، وندعوا الدارسين والمتخصصين أن يلتفتوا إلى هذا المجال الهام الذى نتمنى أن يزدهر ويثمر أجيال صلبة، قوية ، فهم بكل تأكيد بنيتنا الأساسية التى سيتحقق على يديها كل القيم النبيلة والمعاني الرائعة الجميلة.

محمد المطارقى
عضو لجنة ثقافة الطفل
بالمجلس الأعلى للثقافة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) قطار الأحــــــلام/ للكاتب د. أشرف حسن..
سلسلة كتاب الهلال للأولاد والبنات

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق