ثقافة المقال

الموضوعية في التاريخ

بقلم : بشينية أحمد *

تأخذ كل من العلوم الإنسانية و التجريبية على حد سواء الموضوعية ركنا أساسيا أثناء التقديم لأحد الأعمال، وتستوجب على المقدم على أي موضوع أن يتجرد من عاطفته ونراها تحترم قلمه إن أتى بذلك فعلا، وتهمش ما قدمه بل لا تعترف به البتة إذا لمست عاطفة حنان أو غيرة في كتاباته، وإذا كان الأمر يبدو هينا للمشرفين على العلوم التجريبية أو على الأقل بالنسبة لدارسيها، فان موضوع الموضوعية، كان و لا يزال يسيل الكثير من المداد في العلوم الإنسانية و خاصة علم التاريخ … فيما إذا كان  من السهل  على المؤرخ أن يتجرد من عاطفته في كتاباته؟ وإلى أي مدى يمكن أن يتحلى بالموضوعية أثناء تدوينه للحادثة التاريخية؟

 

على الرغم من اهتمام العلوم الإنسانية بالإنسان ككائن حي ,اجتماعي بطبعه، فأنها تستوجب على الدارسين والكتاب أن يتحلوا بسمة الموضوعية أثناء دراستهم للأعمال المنجزة أو خلال تأليفهم لها، ولما كان علم التاريخ أحد هذه العلوم الإنسانية التي تهتم بدراسة الحادثة التاريخية انطلاقا من محركها الأول (الإنسان) في زمان و مكان معينين، فقد جعل الموضوعية شرطا أساسيا وركنا بالغ الأهمية بل هي أولوية لابد على المؤرخ والدارس الإتيان بها، أملا من خلال ذلك إلى استخراج عبرة صادقة خالصة بعيدا عن الزيف و التجميل، ويرى المطالبون بذلك أنه طريق إلى تحميص الروايات التاريخية ومؤرخيها لذلك يستوقفون طويلا عندها وأحيانا لا يبرحون أسطرا معدودة إذا لمسوا عاطفة حقد أو ولاء ظاهر من كاتبها، ويأخذون عليه انطلاقا من ذلك ضعف الدرس التاريخي الذي يرنون إلى اقتباسه، أو عدم صدق وواقعية ما توصلوا إليه لعدم سلامة مقدماته ولكن : هل يمكن أن نلمس عذرا لذلك المؤرخ فيما قدمه من عمل ونغض الطرف إذا قفز على الموضوعية؟ وأي درس يمكن أن يستقى إذا كان كاتبه غير مقتنع بما قدمه من دلائل وبراهين لأنها أقنعت قلبه و عجزت عن تجاوز عقله ؟

يتناول الحادثة التاريخية بالشرح والتحليل إنسانا، قبل أن يكون مؤرخا، مدججا بقلب و عقل لا يفارقانه، أثناء قيامه بمهمته، مقيما وسط مجتمع تحكمه قوانين، أعرافا و معتقدات، فيحمص وقائع ويغفل النظر عن أخرى، لا لشيء، إلا لأنها أساءت إلى مجتمعه وبني جلدته و يبدو الأمر أعظم وأشد إذا مس دينه ومعتقده، فأخذ مثلا المؤرخون الغربيون يحطون من انجازات المسلمين الحضارية ويقدموا أسبابا تتعارض مع حقيقة الواقع لتبرير أعمالهم الماضية فغضوا الطرف عن حقيقة الحملات الصليبية، واستكبرت الإدارة الفرنسية الحالية عن الاعتراف بجرائم قامت بها فرنسا أثناء عصرها الاستعماري في عديد الدول وعجز كثير من مؤرخيها عن الانتصار للتاريخ وقول كلمة التاريخ الصارمة والأمر عينه بالنسبة للمؤرخين المسلمين فكثيرا ما تورعت الأقلام عن الخوض في حوادث إسلامية كان لها أشد الأثر في التاريخ الإسلامي فعجز المؤرخون المسلمون على تناول حادثة صفين وموقعة الجمل الشهيرتين بموضوعية، و طغت النزعة والمذهب في كتابات كل مؤرخ و كاتب، فتحمس الشيعي لعلي وأخطأ السيدة عائشة وحلفائها، و انتصر السني لعلي و صحابة رسول الله – صلى الله عليه و سلم- وهناك من وقف بين الطرفين في موقع الاعتدال وحجته في ذلك ما قاله عمر بن عبد العزيز «تلك دماء طهر الله منها أيدينا  فلنطهر منها ألسنتنا ».. وعجز بذلك كثير من المؤرخين على تحليل الكثير من الحوادث التاريخية وهناك من تجاوزها بحجج متباينة، غافلين عن القيمة التي يمكن أن تجنى من  تلك الحوادث حتى لا تتكرر أو على الأقل حتى لا تتكرر مقدماتها و مسبباتها، فما قيمة التاريخ إذا عجزنا عن الاستفادة من دروسه وقضاياه بصدق وموضوعية؟ أو على الأقل إذا لم نحسن دراسته لأن عاطفتنا طغت على حكم عقلنا الصادق والصريح؟

فكثيرا ما عجز المؤرخ على قول كلمة الحق والانتصار للتاريخ لا لشيء إلا لأنه أطلق العنان لقلبه وعاطفته وقيد عقله فشوه حقائق تاريخية وداس على دروس عدة غيرت منحاها، وهو بذلك أرضى عاطفته وأغضب ضميره وأرقه، فكثيرا ما تناولت الكتب والمراجع التاريخية السيد مصالي الحاج أحد زعماء الحركة الوطنية الجزائرية بالتلفيق والتزوير بل أعظم من ذلك بأن اتهمته بخيانة بلده وأمته قبل أن ينتصر له التاريخ حين ارتفع صوت العقل والضمير عن طغيان المصلحة والعاطفة. وكم هم كثيرون أمثال مصالي الحاج الجزائري …

كم يعتبر دور المؤرخ صعبا وهو يبحث عن الحقيقة وكم هو أصعب عند إصداره الحكم لأنه مطالب بعدم الاستجابة لعاطفته وأن لا يعلو صوتها على صوت الحق والحقيقة التاريخية وإلا فما جدوى الدرس!! ولكن: هل من الممكن حقا أن يتجرد المؤرخ من عاطفته إطلاقا ؟

على الرغم من أن مهنته صعبة، ومهمته بالغة التدقيق ولا يشعر بقيمتها إلا القائم بها، فان الأصعب من ذلك وقوف تلك الدراسة أمام المحكمة التاريخية التي لا تعترف بالأسماء ومدرسة الحياة التي لا تشفع لأي أحد خان التاريخ أو صنع الخيانة أو ساهم في طي الحقيقة وانتصر لذاتيته..لأن  حكمها لا يقبل الطعن على الرغم من تقديرها في التماسها الأول أن كاتب تلك الدراسة إنسانا قبل أن يكون مؤرخا، عاطفة و عقلا، والمؤرخ الناجح هو من ينتصر للحقيقة التاريخية فهو لم يتجاوز حدود مجتمعه وأمور دينه ما دام أنه يسعى إلى غاية نبيلة أولا وهو كشف اللثام عن أخطاء الماضي حتى لا يسقط فيها أجيال اليوم والمستقبل، فناقل الكفر ليس بكافر، فكم من فتنة عجز القلم عن تدوينها والتأريخ لها بحجة المجتمع وعاداته و معتقداته؟ وكم من أناس همشهم التاريخ لارتفاع المصالح عن صوت الحقيقة؟ وكم من مرة أعيدت أحداثا أو الأصح من ذلك دوافعا وأسبابا مطابقة لأسباب ودوافع الماضي لأننا لم نحسن قراءتها  والاستفادة منها قبل الآن؟

يدرك القاصي والداني، في ختام هذا المقال، أن مهمة المؤرخ جد صعبة و نبيلة في أن واحد، والأصعب، أن نطلب منه أن يتجرد من عاطفته، فذلك صعب إن لم نقل مستحيلا، إلا أن الغير مستحيل، في نظري، هو أن يحاول بقدر ما أوتي من قوة أن ينتصر للحقيقة التاريخية، محاولا بقدر الإمكان الدوس على عاطفته وقلبه وتجاوز بعض القيود والحدود إذا لم يرد الانتصار للمصلحة والحقيقة المزيفة.. أملا من خلال ذلك إلى راحة ضميره أولا وصدق درسه وقيمته الثمينة انطلاقا من صدق مقدماته ومبرراته.

*طالب بالمدرسة العليا للأساتذة بقسنطينة  – قسم التاريخ و الجغرافيا –

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق