ثقافة السرد

الفصل الرّابع من رواية (حرير الوجد)

لمحمد حيزي / تونس

فصل اللّيلة المربكة:

من لهفة الأصابع ورّطنا اللّيل في حكاية مبهمة . كانت شفتاها قد مالتا إلى يبس غريب وهي تتأسّى وتروي ما حصل بعد رحيلها عن حيّنا . بدا لي ذلك أشبه بشهرزاد وهي تحتدم مع أوان موتها وتدفعه براحتيها حتّى يمضي إلى أقصى ما تستطيع . ظلّت تهذي إلى الصّباح لكنّني لم أسمع صيحة لديك الحكاية . فقط تآكلت بين شفتيها إلى أن أشرقت الشّمس أو تكاد .

واندفعت ليلى تروي أطوارها …
هل كانت شهرزاد أخرى ؟ … تتبدّى الحكاية مربكة جدّا …
( 11 )
( … بعد شهر واحد من قدومه إلى هنا مات . رحل فجأة دون أن يصاب بعلّة . لم يشك يوما من مرض . كان كلّما لزم الفراش نتيجة زكام حادّ إلاّ وتركه بسرعة وعاد إلى عافيته … )

ابتلعتها غصصها لحين ثمّ وجدت حلقها المنفلت في ما يشبه النّشيج . عادة ما تكون النّهايات الموجعة هكذا …
( 12 )
( لم يرحل بمفرده . لقد أخذ معه أمّي . سيّارتنا القديمة كانت أقرب إلى علكة سوداء كبيرة الحجم على حافّة الطّريق . لحمهما اختلط بعظامهما . كان ذلك المنظر أبشع ما رأيت . لا أدري لما بقيت في البيت ولم أسافر معهما إلى العاصمة . كانا متعجّلين جدّا في ذلك الحرّ القاسي . لم يلحّا عليّ حتّى أصحبهما . ربما كانا في لهفة للحديث سويّا ولا يرغبان في وجودي . حزن ما كان يمسح وجهيهما كما لو أنّهما توقّعا ذلك الحادث القاتل . رحلا فجأة وتركا لي فجيعة مدمّرة . يومها أدركت معنى اليتم . أدركت ما معنى أن نتحوّل فجأة إلى يتامى وحيدين لا أحد معنا . دون أن نعي نحسّ بفراغ قاتل خال من أيّ وشيجة تربطنا بالآخرين . هكذا دون إذن يرحل أقرب النّاس إلينا ويختفون فجأة . لحظتها ندرك كم نحن سيّؤون . كم نحن كالبور لم نعط شيئا لمن غادرنا . نتراءى كالبخل … عديمي الجدوى ولا نمتلك أرواحا سخيّة … بعد رحيلنا إلى العاصمة ذلك العام توقّع فتحا مبينا هناك . أدرك بعد سنة مرّة أنّ العاصمة ستذلّه ولن تعطيه ما يريد . كان كلّما ضاق واستبدّ به الضّيم والقهر يغادرنا لأيّام ويعود إلينا سعيدا حالما . آخر مرّة زار فيها الحمّامات عاد إلينا مربكا جدّا . كان حديثه إلينا طويلا أشبه بالهذيان . ابتسامته كانت عريضة جدّا ليلتها . لم يسكر كعادته وذلك استغربنا له . كما لو أنّه عثر على خلاصه أخيرا فيها . تبدّى كجدّتي حين تروم خرافة آسرة وتغرق فيها بعد صمت طويل . مازلت أذكر إلى الآن آخر جملة ردّدها : ” – لقد وجدت ضالّتي أخيرا ولن أستمرّ في هذه المدينة الّتي تشبه الغول . سأتركها بعد أسابيع قليلة وسنستقرّ هناك . إنّها مدينة بكر تحتفي بالغرباء كما لو أنّهم أهلها العائدون بعد غياب طويل ” . كان كطفل جميل في ليل العاصمة البارد وهو يقتفي نطقه وحيرته البهيّة . حبانا بحميميّة مشوبة بفرحة متدفّقة لم نتعوّدها منه … ) .

بعد أن بكت في حضني للحظات خفّ نشيجها أخيرا . تركتني ومضت إلى الدّاخل وغابت لحين ثمّ عادت . ابتسامة خفيفة كانت تمعن في شفتيها دون أن تكتمل .
الشّرفة العاليّة كانت أقرب إلى أحجيّة وهي تلقي بأسرها على امتداد بصرينا ليتبدّى مزيج ألوان مطحون سائب أمامنا في لين رحب يغرق المكان في كون شعريّ شفيف يغرف من الشّاطئ أصواتا لبحّارة قدموا وآخرين بلغوا بعد عمق البحر في رحلة بعيدة . الضّوء الضّعيف خلفنا كان يودعنا ظلالا طيّعة توارينا عن كلّ ما حولنا وتدلق نحونا شلاّلا من العطر فنحسّ بغياب خالص معا كما لو أنّنا ننفلت من قيد ونلوذ ببراح يمتدّ بالغا فينا دون أن نشعر أنّ هناك من يراقبنا أو يتعقّبنا أو يترصّد شفاهنا خلسة . رائحة البنّ المنبعث من فنجانينا كانت لذيذة جدّا تورق ما يشبه الحلم . تدبّ فينا حميمة كالسّهو وتريقنا دفقا بطيئا حتّى نتهالك دون ضابط ونقول كلّ ما يعتمل في صدرينا من هواجس شتّى .
( 13 )
( … كان أبي يتلهّف الرّحيل . خنقته تلك المدينة وأغلقت دونه أبوابها وسحبت منه كلّ منافذ رزقه وما عاد قادرا على تحمّل سخريّة القادمين الجدد وهم يتطاولون عليه ويرون فيه ما يشبه الفوات والحمق . ترمّل في حزنه لشهور كانت قاسيّة عليه وباغتنا ليلتها بقراره الأخير . لن أستمرّ هنا . سأجد شاريا لهذه الفيلا وسأهرب بجلدي …
– هناك بعيدا سنكون أفضل حالا .
ببساطة ودون أن ينتظر منّا ردّا ما حفر قراره فينا . يبدو أيضا أنّه كان يوهمنا بالبحث عن شخص حتّى يبيعه الفيلا . ظلّ دائما ذلك الرّجل الّذي لا يفضي إلينا إلاّ بنصف الحقيقة وغالبا ما تكون محرّفة أو قريبة من أصلها حتّى لا نجد منفذا إليه . يدفعها إلينا سائبة فلا نتمكّن منها إلى أن يفعل ما يريده . أمّي لم تكن تلك المرأة الحريصة على ولوج صدره واكتشاف ما يخفيه . ظلّت تحاذيه دائما وتتواطأ غالبا ولا تحمّل نفسها عناء مواجهته أو اللّهاث خلفه حتّى تدركه وتمسك بنواياه . هل كانت تخافه ؟ هل كان يريدها أن تقف في وجهه ولو مرّة كي يجد مخرجا للخلاص منها ؟ تبدو أسرارهما عديدة ولا يرغبان في حفر فجوة بينهما وإن كنت أحسّها قائمة . أحيانا أشعر أنّني تلك الفجوة . يتبدّى ذلك في وجهي على المرآة . لماذا لا أشبه والدي ؟ أين ملامح أمّي فيّ ؟ ما هذا الشّعر الأصفر المتراكم على كتفيّ ؟ عيناي زرقاوان ؟ كان ذلك يؤرّقني لعدّة سنوات . أمّي أوهمتني أكثر من مرّة أنّ جدّتها كانت فاتنة جدّا . تشبهني تماما . أبي وصف لي في اقتضاب ملامح أمّه ونّاسة . قال عنها إنّها شقراء جميلة ولم تورثه إلاّ قامتها المديدة .
ابتلعتني شكوك لا حصر لها وأنا ألاحظ كلّ ما يصدر عنهما حتّى أدرك خفاياهما . كانا يتحدّثان أحيانا همسا . يتحوّل ما يدور بينهما إلى ما هو يوميّ مبتذل لحظة جلوسي على مقربة منهما . بدأ شكّي يميل إلى أسئلة كثيرة لم تخطر لي على بال . هل أنا ابنتهما حقّا ؟ هل عثرا عليّ مقذوفة تحت جدار ما ؟ هل جلباني من قرية بورقيبة ؟ ماذا لو تخلّى والداي عنّي ووهباني إليهما ؟ أين إخوتي الآخرين إذا كانا قادرين على الإنجاب ؟ لا أظنّ أنّهما اكتفيا بمقدمي ؟ عادة ما يسعى رجل مثل أبي إلى تكوين أسرة وفيرة العدد ؟ ألا يحبّ طفلا ذكرا من صلبه ؟ صارت شكوكي متراميّة جدّا . بلغت حدّا غريبا . ما يشبه الهوس صار كظلّي . يطاردني في كلّ موقع أطأه .
وقرّرت كشف الحقيقة مهما سابت بين شفتي أمّي وصرامة أبي وصمت جدّتي الّتي لا أراها إلا في ما ندر . كانت دائما تقيم في غرفتها ولا تهتمّ لأمري إلاّ لماما ولا تحسن إلاّ نهري وتوهمني بسلطة خاوية لا حسم فيها . هي بدورها كانت بالنّسبة لي كومة من الأسرار الّتي تحتاج نبشا عسيرا . والمسنّ يعود بي إلى خرافته الّتي يحفظها عن ظهر قلب بعد كلّ هذه السّنوات أحسست بوشيجة بهذه المدينة . كانت الحنّاء وهي تتراكم على قدمي إلى أن غطّتها مع رائحة الياسمين المنبعثة من كلّ مكان تضمّد فيّ شرخا بعد آخر وتهبني إلى قطيعة مع ماضيّ الّذي عشته في تلك الفيلا . بقيت أنت فقط في الذّاكرة . لم أقو على محوك . كما لو أنّك محفور فيها ولا يمكن لأيّ قوّة مهما كانت أن تجتثّك منها … ) .

رشفت شيئا من بنّها ونفثت بشكل غزير إلى أن غمرتني …
ماذا تنوي ؟ هل رامت ما بي حتّى تربكني ؟ إنّها تروي شيئا يشبهني . كما لو أنّها تبذرني وتحرثني حتّى تصير مثلي . نفس النّبت الشّوكيّ يتفرّع حولنا ويحيطنا من كلّ جهة . أيدينا تراخت وثغرها يمضي في فواتي ويعيدني إلى نفس الخطوة الّتي حاولت حدفها دون جدوى . ما معنى أن تمضغني هكذا وتتسرّب إلى حزني وتذروه في خصبها من جديد فيعاود فلق الأرض ويباغتني دون أن أدري . لم أع كيف امتدّت يدي إلى قارورة الويسكي وجذبتها من بين قوالب الثّلج الّتي أحاطتها في عسر . سكبت ما استطعت في كأسي ودلقت السّائل دفعة واحدة في حلقي وحاصرني ما يشبه الخوف وهي ما تنفكّ تهذي قبالتي . عرق غزير كسا وجهي وصار لزجا على صدري . تركتها وولجت إلى الدّاخل ووقفت تحت الماء أتهجّى هطوله على جسمي وهو يقشّر سمكا ما منّي ويقتطع زوائد نمت على جلدي حتّى أصفو ولو للحظة ممكنة . عدت إلى الشّرفة مبلّلا وتهالكت أمامها ودلقت كأسا أخرى في حلقي . مسافة صمتها وهي تترصّدني كانت تشبه قطيعة لم تكتمل . هل أوجعتها وأنا ألوذ منها بالماء . هل جرحتها شفتاها وبدت كامدة ؟ تملّتني إلى حين كما لو أنّها ترسم مسالك أخرى إليّ وابتسمت في حزن شرس . ماذا تريد من ورائه ؟ إنّها كمن يسعى إلى خلاص لم يحن بعد الحسم فيه . ابتسمت بدوري . أحسّت أنّني أمحو شراسة حزنها وهي تغرق بين يديّ . امتدّت يداي إليها وشدّت كتفيها في حميميّة مسربلة برهبتي منها حتّى تستردّ تداعيها دون أن تقيم حاجزا بيننا وتهرب إلى مقاصد أخرى أكثر ولوجا . دفعت إليها بكأسها فلامست أصابعي في رجفة كطعم السّائل في حلقي . ألهبتني لثانيّة وآبت إلى تفاصيلها من جديد . تتّبعت مجاهل الحكاية كجدّتها الّتي كانت ملاذها قبل حصول قطيعة غريبة بينهما . نظرة خاطفة منها أهملتني على وقع ثغرها الرّحاق وهو يعتمل لذّة طيب وخمر :
( 14 )
( كنت كمن قبض على الوهم …
لم يكن لسؤالي مخرج إلاّ ذلك التّوقّع البغيض . كان عليّ أن أكتفي دون سعي أو حفر في مكامن مرعبة . ما معنى أن أشكّ في أمّي وأمضي في مساحة ملغّمة ؟ كيف لي أن أستبيح لهفة أبي للصّمت وأورّق ما خفي ؟ هل كان ذلك مجرّد نزوة ؟ لنعد إلى تفاصيل رحيلنا أوّلا حتّى يلتئم الحكي فأسحّ دون أن ينقطع النّطق وأكون سجواء ليّنة فلا يضيع منّي السّعي أو ألتبس عليك فلا تشجني بك وإن أسرفت وتماديت .
أبي كان يتضاءل خلف آخر عندما يتركنا ويغيب لكنّه يتبدّى أمامنا ذلك الآمر النّاهي حين يعود . يتحوّل إلى زعاق في حلقي لكنّه سرعان ما يهمد حين يتأكّد أنّ البيت على ما يرام ولا خوف من قاطنيه . يتراءى لي أحيانا وهو يعجن رهبته على وجهه إلى أن يفرغها من مزالقها الممكنة . يستوي واقفا بعد ذلك واثقا من الدّنيا ويأمرني بأن أعدّ له نرجيلته وفنجان بنّه المعهود . عادة ما يجلس حذو شجرة الياسمين . يتظلّلها ويهيم في كتاب شعر أو صحيفة نحو ساعة أو أكثر . مع بداية اللّيل يتناول العشاء ثمّ يلج المطبخ . يخرج علب البيرّة الباردة وينصرف إلى أقصى الحديقة . يجلس تحت شجرة الزّيتون وينهمك في الشّرب . لم يطلب منّي أو من أمّي ولو مرّة واحدة وضع البيرّة في الثّلاّجة أو إخراجها منها. يقوم بذلك في صمت كما لو أنّه يشير إلى أنّ هذا الأمر شخصيّ بحت ولا علاقة لنا به أو يضمر أنّ غضّ الطّرف لا مفرّ منه ولا فائدة ترجى من إزعاجه . أمّي الّتي تصلّي دائما ولا تتوقّف عن ذلك مطلقا ولو ليوم واحد ظلّت تنظر إلى البيرّة في استياء سرعان ما يغيب لحظة ظهور أبي . مرّة رأيتها تمسك علبة بيرّة وتتمعّن فيها . قرّبتها بعد ذلك من جبينها ومرّرتها عليه وتلذّذت تلك البرودة لثوان ثمّ عاودت النّظر إليها . بصقت عليها وأعادتها إلى مكانها . هل كانت تكتشف طعمها أم أنّ حرارة الصّيف أيّامها كانت شديدة . لعلّه دوار أصابها فكمّدته حتّى يرحل عنها . وهي تستدير فوجئت بأبي خلفها . هربت بعينيها وتسلّلت مبتعدة عنه. بدا لي أنّهما يدوسان أرضا هشّة والصّمت القائم بينهما هو ذلك الجزء الصّلب الّذي يحطّان عليه فلا يغوصان إلى أسفل . كلاهما خائف من الآخر . متربّص به . يحاذيان تلك المسافة الخطرة بينهما ولا يقتربان من بعضهما حتّى لا تثور عاصفة أو بما يوحي أنّهما قد يتهالكان ولن يتمكّنا بعد ذلك من الوقوف…
ظلّت أسرارهما توقا بالغا حاصرني حتّى أطبق عليّ وقرّرت أن أكشف المستور كلّفني ذلك ما كلّفني … ) .

كانت ليلى وهي تتهالك مع كأسها الخامسة كمن غاب في صحراء …
وكنت قبالتها كمن يمضغ الرّمل ويسعى إلى حفنة ماء حتّى لا يختنق ويموت …
نفس الوجع المضني يتحوّل إلى ملح عند طرفي شفتيها وأنا أزيل بلساني بياضه الحادّ من فمي حتّى أقوى على متابعة حكيها . نزعت عنها ثوبها في قلق . الحرارة ليلتها كانت عالية جدّا . كدت أطلب منها الخروج إلى البحر . طعم الويسكي في تلك الشّرفة كان آسرا . لم أجد خيارا إلاّ البقاء . بدا لي أنّ طلبا مثله سيقضّ تلك الوشيجة العاتية الّتي جمعتنا بعد غياب طويل . من الحمق أن أردي تداعيها وهي تتخلّص من أثقال ضربت في صدرها حتّى تأزّفت بها وما عادت تقوى عليها . إنّها تنتزعني أيضا من رجسي وتذروني بعيدا كي أهشّم ما تبقّى فيّ دقاقا وأخطو إليها دون أن أقع مرّة أخرى . رخمت كأنّها آبت من براح وردحت ثمّ ترمّمت إلى أن بلغت شفتيها :
( 15 )
( – كنت كمن تقف في شدّة ريح نفخت حتّى ثار غبارها وترابها وأطبقت فصارت عمياء وأقامت أسوارا حولي فما عدت أرى إلاّ عتمة تركم عتمة خلفها . لذلك محوت ما غلّفني وانسللت في حيطة حتّى أرى وجهي مرّة أخرى خارج الفيلا وجدرانها العاليّة . قصدت عمّتي الّتي أوصدت دوننا بابها من سنوات مضت لأستجلي أمرها وأدرك قطيعتها لأخيها . لعلّها خرفت ولن تجد سببا ما حتّى تخفي ما يجيش في صدرها وقد تغضب فتتقيّأ كما اتّفق . خرجت صبيحتها ولم أقصد المعهد . توجّهت مباشرة إلى بيتها المترامي . كان قد تركه لها زوجها منذ سنوات بعد أن ارتبط بها على كبر ومات فجأة دون أن يقع في مرض أو أعراض . البيت ذو القرمود الّذي فقد ألقه قدّمه الاستعمار الفرنسيّ لزوجها المخبر ” القوّاد ” لخدماته العديدة . من عايشوه توفّي أغلبهم لكنّ وصمة عاره ظلّ يتناقلها النّاس . رغم خزيه ودناءته تحوّل بقدرة قادر إلى مناضل أحبّ وطنه وقاوم من أجله وذاد عنه . اسمه كتب بخطّ غليظ على رخامة وسط حديقة البلديّة مع آخرين مشكوك فيهم أيضا . تقاضى منحة شهريّة إلى أن مات كما كانت تصله بين الحين والآخر حوّالة من فرنسا . تواطؤ غريب ظلّ قائما إلى الآن. لا أحد حاول النّبش في ذلك الماضي. كلّهم يعرضون عن ذلك ولا يهتمّون . كما لو أنّ لا فرق بين مناضل وقوّاد . هناك قلّة منهم مازالوا أحياء . الموت يحسم كلّ ما فات ولا معنى لأولئك الّذين ضيّعوا أعمارهم من أجل هذه الأرض . المال وتلك الأوسمة النّحاسيّة تكفي لقطع دابر هؤلاء . عليهم فقط بالصّمت ومضغ الفوات ولا شأن لهم بما يحصل . أحيانا نفيض دون أن نعي ذلك. ها أنا أعود إليك من مهرب موجع . عمّتي كانت امرأة مهووسة بعدّة أكاذيب . كأن تقخر بزوجها وتروي عنه صولاته وجولاته في الجبال والأوديّة وتصف كمائنه لجيش الاحتلال وما ألحقه به من خسائر في العتاد والعدّة وتدمع عيناها فجأة وهي تذكر تلك الرّصاصة الّتي أصابته تماما حذو القلب وكادت تقتله . تروي عديد الأحداث وحسرة تغلّف نطقها . دائما ما يكون زوجها سي علاّلة هو العقل المدبّر وأوّل من يهاجم العدوّ ويربكه . تبلغ أوج فخرها به وهي تحبك عشرات القصص الّتي تنقص أو تزيد حسب حاجتها ونواياها وأكثر من مرّة تنسى تفاصيل مهمّة وتأتي بغيرها وتسقط في خلط عجيب كأن تذكر أمكنة لم تحصل فيها ولو معركة خاطفة . مزاجها يتعكّر بسرعة إذا أشار أحدهم إلى خرم ما في رواياتها الملوّنة . هذا ليس مهمّا لكنّه يصل بين ما يمكن أن ترويه عن أبي أو أمّي وإن كانت أكاذيبها محصورة دوما حول بطولات سي علاّلة ومقالبه ودهائه وذكائه الخارق . كراهيّتها لأمّي لا يمكن أن تتحوّل إلى بغضاء أو ما شابه ذلك لكنّها قد تكون أقرب إلى وجع بعيد بعد سنة من زواج أبي . دائما ما تشكو أمّي عمّتي ونادرا ما تلقي عليها شتائمها إذا كان أبي غائبا . ذلك يحصل بينها وبين نفسها عندما تتملّى صورتها في قاعة الجلوس دون أن تتجرّأ يوما على انتزاعها . قد تكون خائفة منها لذلك لم تسع إلى البصاق عليها مثلا . تكتفي دائما بشتيمة تتفرّع إلى مفردات مربكة وتلتفت خلفها حتّى لا يفاجئها أبي . إنّها ترهبهما معا . أحيانا لا تنفض الغبار الّذي تراكم على الإطار الّذي يحمل صورتها مع أبي . تتناساه ليوم أو اثنين لكنّها تمرّر عليه ( الغوله ) سريعا لتترك خطوطا دقيقة على بلّوره ليوم آخر . تتوقّع أنّ أبي سيلاحظ ذلك . حينها تمسك بخرقة مبلّلة وتمحو البلّور خطفا . تبتعد عنه قليلا . ترى الغبار قد تحوّل إلى طبقة خفيفة تخفي ملامحهما . تتركه وتمضي لكنّها تتّجه نحوه بعد غيبة قصيرة وتزيل ما علق به . أراقبها كلّ مرّة دون أن تحسّ بوجودي . ذات مرّة انفجرت كما لو أنّ عمّتي تقف بلحمها وشحمها أمامها . بقيت لنصف ساعة وهي تتحدّث عن تاريخ العائلة الوهميّ وطالت كلّ الأكاذيب الزّائفة ثمّ غرقت بعد ذلك في نوبة بكاء طويلة . بكت في حرارة بالغة وتهالكت بعد ذلك على الكنبة وأغمضت عينيها إلى أن باغتها النّوم وتمكّن منها . هل أحسّت أنّها انتقمت منها ؟ ذلك تشكّل على شفتيها ابتسامة شفيفة وهي غارقة في شخير خفيف . عمّتي بدت ساخطة وعيناها كانتا حادّتين في الصّورة وإن أشاحت أمّي بوجهها عنها في استخفاف بها .
بلغت بيتها بعد أن قطعت مسافة طويلة . كنت أثناءها أستعيد تفاصيل عديدة وأحاول أن أتخيّر أسئلتي دون أن أكشف عن نواياي حتّى لا تذهب مباشرة إلى مقاصدي وتخفي حينها حقائق ما جرى من سنوات بعيدة . لم أكتف بذلك . قرّرت أن أثير غضبها . أن أتحدّث عن أمّي مثلا بفخر وخيلاء . حتما سيدفعها ذلك إلى مزالق ما كانت ترومها .
قدّمت لي كأس عصير دون أن تضعه على مقربة منّي . تريدني أن أترك الكرسيّ وآخذه بنفسي . كما لو أنّها تذلّني أو لا تراني جديرة بخدمة بسيطة كهذه . أن تحطّ الكأس عند يدي أمر قد يسيء إليها . قلق تفرّع إلى أكثر من شكّ لكنّه قام على شأن واحد . عمّتي لا ترحّب بمقدمي ولا تشجني بها إلاّ نظرة مستخفّة بي . كما لو أنّني لست ابنة أخيها الّذي عادته ولم تحاول أن تمدّ يدها نحوه ولو سهوا . قامتها المديدة كان توحي بمنزلة أرفع وشموخ هائل ونظراتها من أعلى توهم من يراها أنّها ضاربة في الأرض كزوجها سي علاّلة . لم أدفع يدي نحو العصير . نظرت إليّ جانبيّا كما لو أنّها تأمرني . ألا يكفي أنّها جلبته من الدّاخل حتّى أبدو أمامها مرفوعة الرّأس لا يعنيني سلوكها المبتذل ؟ دفعت الكأس بأطراف أصابعها حوالي شبر إليّ في انزعاج خاطف . تتّعبت حركة يدها في لا مبالاة وهربت بعينيّ إلى الحديقة الّتي غمرتها أشجار الكالبتوس الهائلة . شعرت بالكأس تمضي شبرا آخر على الطّاولة . التفتّ نحوها وابتسمت . صاحت في وجهي لحظتها :
– ألا تشربين العصير ؟
انتفضت ثمّ اتّزنت :
– لم أطلب عصيرا . أنت لم تسأليني . عادة ما تعدّه أمّي ويروقني لكنّني أكره تناوله خارج الفيلا . أريد فنجان بنّ إن كان ذلك ممكنا ولا أتوقّع أنّ هناك من تحسنه مثلها. هكذا بدأ تشنّج عمّتي يتشكّل وهي تتمعّن فيّ وتلقي بالعصير على مبعدة منها في غضب :
– أمّك مجرّد كذبة ولا تعني شيئا . قد تحسن إعداد عصير أو بنّ فقط . وأبوك حطّة ومجلبة للدّون وضيمي منه شديد بالغ ولا أتوقّعك إلاّ امتدادا مبتذلا لهما.
كادت تطردني لكنّها تردّدت فجأة . شعرت أنّها تستدرجني حتّى تربكني وتتمكّن من كبريائي أوّلا . بعد صمت مربك نظرت في وجهي :
– أمّك لا جذور لها . أقبلت من الشّمال إلى هذه المدينة وسرقت منّي أخي الّذي أرضعته اليمنى واليسرى . عامر ليس أخي فقط . إنّه ابني . اقتلعته من قلبي بلا رحمة وعجنت منه آخر لا أعرفه . لذلك أكره مريم وأتمنّى سحقها حتّى أستعيد ما تبقّى منه . كيف بلغت هذه المدينة ؟ أخجل البوح إليك بهذا ولا أقوى عليه حتّى لا أخرمك . أنت لا أكثر من ضحيّة لقصّة حبّ مبتذلة لن تدوم لأنّها قامت على الخطيئة … ) .

تركتني ومضت . عادت بعد لحظات في ثوب خفيف . لعلّه الحرّ وإن تحامقت . عليّ أن أكون متّزنا حتّى لا تتهالك اللّيلة فجأة ولا أبلغ خفاياها . دلقت شيئا من الويسكي في كأسها ودفعته إلى شفتيها . لم أسلك مثل عمّتها وإن لم أضف قالبا أو اثنين من الثّلج في كأسها . أخذت الملقط ورفعت قطعة منه . ابتسمت وحطّت رجلا على رجل :
– أفضّله هكذا .
دلقته دفعة واحدة كما لو أنّها تستجير به . غرقت في عينيها . كانتا في رحابة الشّاطئ القريب . زرقتهما هادئة ثائرة . لا وسط فيهما . متطرّفتان بشكل بالغ . لم ألحظ أنّها تريدني أن أترك مكاني لكنّها بدت لي مثل قطّة شرسة . متوهّجة جدّا . تماما كنار حارقة . قلبي كان ينتفض لها . يعود طفلا كما كان . بكلّ نواياه الصّغيرة وأحلامه الخبيثة ولهفته المشتهاة . ذلك الطّفل المتحفّز إلى صدرها حتّى يكتشف استدارة نهديها ومدى لذّتيهما إن هو شدّهما بيديه معا وغابا فيهما إلى حين . إن هو مضى إلى شفتيها أيضا وحطّ فيهما وساب كما اشتهى .
أكاد الآن أستعيد ما حصل بعيدا . الآن صارت أبهى . قبل هذا كانت أنقى وأبلغ . كانتا معا ليلى وها هي ليلى بعد سنوات بين لين وشدّة . نفس الطّفلة تتوارى خلف أخرى أكبر قليلا . ذلك باد في أسر كالجنون . نفس الخصلة تخفي جبينها لولا هذا النّسيم النّحيف الّذي لم يحفل بي . رعشة خفيفة باغتت أصابعي وهي غارقة في كلمها . أكان عليها أن تتداعى هكذا ؟ ألا ترى أنّ هذا يجرحني ويريقني نحو أمس أسعى للخلاص منه ؟ إلى أيّ متاهة تريد أن تأخذني وأنا قد غادرت بعد تلك المدينة الهالكة ؟ بدا لي الويسكي أكفّا تصفعني داخلي . تلطمني إلى حين مستراب وتحدفني إليها . كيف لمسهّد مثلي أن يستمرّ لليلة وهو يهتك أسرارها ؟ تراءت لي كمن يفكّ خيوطا دقيقة عن جسد مهمل يفيض بحرارة لا مثيل لها كي يرسم ملامح متعدّدة لشهوة واحدة تروم أكثر من مسلك حارق …
( 16 )
( – حاصرتها أسئلتي والتبست عليها حتّى ضاقت بي . مرارة ما كانت تلهب نطقها وهي تطوّقني بعينيها في حدّة .
فجأة بلغت ما كنت نويت :
– لقد جلبها من مكان قذر وحطّ من عراقة العائلة وبلغ بها الحضيض .
تمكّن منّي خرس فاجع للحظة كافرة وتملّيت وجهها لحين كسير:
– تقصدين الماخور ؟
تلعثمت ثمّ فرّت إلى آخر الحديقة وكادت تختفي . فقط ظلّ جسمها حذوي يرتعش للحظات مدبرة في توجّس حاقد :
– نعم . من ماخور . أحبّها ذلك الأحمق ونفض عنها خزيها وكذب علينا لنصف سنة حتّى اكتشفنا أمرها صدفة . فعلها ببساطة وخان أصله الطّيّب كما لو أنّ مسّا أصابه وتزوّجها عن طيب خاطر .
فقدت نطقي لحظتها وهي تنتزعني بعينيها وتلقي بي خلف سور بيتها . انحدفت نحوها بكلّ جسمي حتّى كدت أتضاءل وأمّحي وعيناي في عينيها :
– وأنا ؟ من أكون ؟ … )

امتلأت عيناها وتدفّقتا . موجتان أقبلتا نحوي . دفعت يديّ إليهما وأوقفت مدّهما حتّى لا تتهتّكا في غفلة منّي . شددت رأسها إلى حضني كغريق وضممتها إليّ في حميميّة عاليّة . بدا نشيجها سكاكين تمضي فيّ وتقتطعني . دمي ساح حولها وسرى في جسدها حتّى صارت منّي . تحوّلنا إلى واحد في لحظة مريرة وواجهنا ما يشبه الذّبح . تهالكت دموعي منّي كنزيف حادّ على شعرها الغابيّ . مضت مع سنابل قمح استوت بعد حتّى طالت عنقها ووجهها وصدرها . تحوّلت الشّرفة الهادئة إلى نشيج كتيت . نظرت في وجهها . كانت دموعنا متحرّقة كأجّة شديدة . للحظات طوقّنا صمت مديد وملحنا يعرّش بيننا نوّارا نديّا . هل كان علينا أن نبكي إلى ذلك الحدّ حتّى يلتحم جسدانا أخيرا ونحسّ معا بخدر آسر . حملتها بين ذراعيّ كلهفة متّقدة وغبت في الدّاخل . أمواج الشّاطئ القريب كانت قد ثارت بعد واخترقت كلّ ذلك الصّمت القائم . رائحتها كانت غيبوبة تتستّر وراء حلم كاليقظة الضّاربة في غياهب متوهّجة لا تستكين :
( ح )
( بلغ ربوة صغيرة أخيرا . هل هو مصطفى الضّاوي أم أبي ؟ هل هو أبي أم مصطفى الضّاوي ؟ رجلان يحتويان قلقي ويغرقان في سؤال لا يريد أن ينطق على شفتيّ الميبّستين وطيني الّذي لا يريد أن يصير مسالك إليه حتّى أبلغ الرّبوة . فجأة سابت قدمي وانزلقت إلى سفحها . قواي خارت وهو جالس أعلاها ولا أرى إلاّ قفاه . تمسّكت بنبت شوكيّ وانهمكت في الزّحف على بطني . انغرس الشّوك في أصابعي ونزّ دمي وأنا أمضي إلى أعلى دون أن أكترث لذلك . هو على مسافة خطوات منّي الآن هامد لا حراك له كما لو أنّه جثّة . خطوتان فقط ويدي تكاد تمسك به وتجذبه إليّ حتّى أرى وجهه أخيرا . أردت أن أصيح فيه فلم أجد صوتي ولهاثي يدبر إلى رئتيّ . اختنقت وأصابعي المدماة على شبر منه . فجأة انتصب واقفا ومضى مع المنحدر الوعر وغاب عن عينيّ . دسست وجهي في الطّين وتنفّست الوحل حتّى أستعيد أنفاسي ثمّ رفعت رأسي وواصلت الزّحف … )

*لمحمد حيزي / تونس

محمد حيزي
محمد حيزي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق