قراءات ودراسات

قراءة في. الجزء الاول ((العربانه)) والجزء الثاني ((كفاح)) من ثلاثية:

محطات للاديب حميد الحريزي

بقلم جمعة عبدالله

الرواية تستلهم ركيزة التوثيق لمرحلة من مراحل العراق السياسية، وصياغتها في اطار البناء الروائي بالتقنيات المعاصرة الفن الروائي. الذي يتجلى بوضوح، في براعة المتن السردي في آفاقه الواسعة في الخوض في المنظور الروائي . الذي يستند على براعة التوثيق للواقع الاجتماعي والسياسي وتفرعاتهما، ليدخلا، كمحاور اساسية، في المتن الروائي . الذي يرتكز على معطيات واقعية وموضوعية، من الحقائق والوثائق التي افرزتها تلك المرحلة آنذاك (العهد الملكي)، في ظواهرها البارزة للعيان، في الواقع الحياتي والمعاشي . في جوهر احداثها في الصراع السياسي والطبقي . بين السلطة الملكية القائمة على العسف والاضطهاد والتبعية الاستعمارية . واليسار العراقي المتمثل بالحزب الشيوعي العراقي، الذي ينطلق بالضد من هذه المنطلقات الغاشمة التي لا تخدم الشعب والوطن . لذلك ان الفضاء الروائي، يدخل في تفاصيل هذه المعطيات، وتأثيرتها على الوضع العام، في المشهد الواقعي والحياتي . في تفاصيل تداعيات الصراع السياسي، وتسليط الضوء الكاشف عليه في رواية (العربانة)، في سرد توثيقي لتاريخ الصراع الناشب بين الجانبين، وتتبع مسار نضالات الحزب الشيوعي في الواقع العراقي، من خلال النضال الشرس، في الدفاع عن الوطن واستقلاله، والذود في الدفاع عن المحرومين والمسحوقين، من الشرائح المجتمع الاساسية، والوقوف بصلابة في وجه الظلم والاستغلال، الذي تتبعه نهج السلطة الملكية آنذاك، وازلامها من الاقطاع والرجعية، الذين أتخذوا من الفلاحين والفقراء، عبيد وخدم اذلاء، في ممارسة ضدهم الظلم والجور والمعاناة والاستغلال، بأن يكون الفلاح وعائلته، حصة شرعية من ممتلكات الاقطاعي الخاصة، يتصرف بها، بمايشاء ويرغب، في اباحة كاملة، ليمارس عليها الانتهاك والاحتقار، واستغلال الجهد العضلي والبدني الى اقسى حد، ليرمي لهم كفاف العيش، ليسد رمقهم من الجوع . وما معاناة الفلاح (مظلوم) إلا صورة لبشاعة الاستغلال . الذي اضطر الى الهروب لينجو بحياته وحياة عائلته . من الاستغلال الفظ والبشع . لذا فأن مجريات رواية (العربانة) هي تنتمي الى بيئتها وحاضنتها الاجتماعية . والى زمنها المحدد، في بدايات الخمسينات من القرن الماضي . ومكانها، الانتقال من ريف مدينة (النجف) الى مركزها المدني . والرواية تتابع في تفاصيلها، مسار تسارع وتيرة الاحداث في الشارع العراقي، الذي يقوده الحزب الشيوعي، ومن المنطقي ان يكون لرواية، وجهة نظر ايدلوجية مرتبطة بنضال الحزب الشيوعي، وتطرح نفسها بقوة، في عالم روائي متكامل، يتقصى محصلات الواقع وانتاجيته العقلية والثقافية، ودرجة الوعي والادراك، وكذلك تأثيرات العشيرة وناموسها واعرافها وتقاليدها، التي تلعب دوراً حيوياً في المجتمع والواقع المعاشي . وأن الرواية تفتح آفاق عالمها الروائي، على الحقائق والوثائق التاريخية، لنضال شعب، جسده بجدارة نضال الحزب الشيوعي، من خلال الشخوص المحورية في الرواية . فهناك تناسق منسجم في العلاقة، بين تحرك هؤلاء الاشخاص ومجريات الواقع وافعاله، في تحركها في المسار السياسي . لهذا تقدم الرواية، انموذج البطل الايجابي في المنظور الروائي، اي انه يمتلك القدرة على التحرك والتفاعل، وتنامي قدرات الوعي والادراك لديه، ومحاولة فهم الواقع ومعطياته المكشوفة . وما شخصية (مظلوم) إلا أنموذج للبطل الايجابي، في صراعه مع الواقع وتكيفه، بعد هروبه من الريف من جور وظلم الاقطاع . وحط الرحال به في مركز مدينة (النجف)، وتنامي الوعي عنده، من خلال التحولات في التجربة الحياتية الصعبة، في كفاحه اليومي، في توفير اقراص الخبز لعائلته .
مسار احداث الرواية:
تبدأ احداث الرواية، من يوم سقوط نظام (صدام حسين) واحتلال الفوضى خناق الحياة بالهرج والمرج، وانفتحت زنازين السجون وسراديبها فجأة . ليجد السجين السياسي (كفاح) فجأة نفسه في عرض الشارع في هيجانه المجنون، وحالة الاضطراب في حالة الشارع، وحرائق والدخان تملئ الارض وعنان السماء، فيصبه حالة من الذهول والاضطراب، والغرابة المجنونة لما يحصل من هياج وفوضى، بهذا اللغط العجيب والغريب عند الناس، واكثر غرابة وجود العلم الامريكي يجول بحرية في الشوارع، مرفوع على سارية المدرعات التي احتلت الشوارع والطرقات . تساءل بغرابة عما يحصل؟ وماذا يجري؟ وماذا يحدث؟، ومن القاتل ومن المقتول؟، ومن اعتلى السلطة، ومن سقط؟ وهل عاد القطار الامريكي من جديد؟ ولكن كيف عاد؟ ففي المرة الاولى جاء بالبعث واعوانه في الحكم، فمن يحمل هذه المرة الى السلطة؟، ومن يحكم العراق الآن بالقطار الامريكي الجديد؟ هذه الاسئلة تسبب الصداع والغثيان، ويفقد السيطرة على وعيه ويضبط اعصاب المتهيجة، وهو يرى العالم الخارجي لاول مرة بعد غياب في متاهات السجن لمدة 24 عاماً، هذه حالة السجين (كفاح) الذي زج في زنزانة انفرادية مغلقة لمدة 24 عاماً . منقطعاً تماماً عن العالم ومحيطه الخارجي . وهكذا وجد نفسه وسط الهياج، وهو في حالة يرثى لها، لحيته الطويلة، وثياب الممزقة، وهيئته الغريبة، كأنه شبح انسان غريب، او انه مجنون هرب من المستشفى مع الفارين . لا يعرف ماذا يفعل وسط هذه الفوضى العارمة، وهو في حالة متعبة ومرهقة . ويراجع شريط ذاكرته في (فلاش باك) ونعرف بأنه كان استاذاَ في الكلية، يدرس الادب العربي، وشاعر معروف ومرموق المكانة، وله منزلة محترمة في الاوساط الادبية والثقافية . وتعرف على أستاذة النقد الادبي في الكلية (احلام) وارتبط بعلاقة حب معها، انتهت بعقد الزواج، طال لمدة سنة واحدة، وزج بعد ذلك في السجن بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي . ثم تلحقه في السجن زوجته (احلام) وكانت حامل، وبنفس التهمة، وضاعت اخبارها تماماً، . ولكن عرف بعد ذلك، انها اعدمت بعد ممارسة اساليب التعذيب الوحشية عليها . و(كفاح) ينتمي الى عائلة ريفية . هجرت الريف من جور وظلم الاقطاعي، الى مركز مدينة (النجف) . واشتغل ابيه (مظلوم) بعد ذلك في مهنة بيع (اللبلبي والباجلاء) يدور في عربانته في الشوارع .ولهذا قلد مهنة ابيه بعد خروجه من السجن في بيع (اللبلبي) يدور في العربانة في الشوارع ومسطر العمال، الى ان داهمه الانفجار، وفقد الوعي، لكن يسمع صوت يناجيه بمرارة، كأنه صوت أمه (يمه كفاح . يبعد عيوني كفاح . يمه هاي اشصار بيك . يبعد أمك وابوه؟ يبعدعيوني يمه . ولك يمه وين جانو أمضيعيك . يبعدعمري . يمه الله لا يرضه على من كان السبب ..) ص32 . ويسلط الضوء على حياة عائلته، ومشقة والده المضنية في ايجاد عمل، يسد رمق جوع عائلته، حتى وجد (العربانة) لبيع (اللبلبي والباجلاء) يدور بها في الشوارع . ويختلط بعد ذلك بشخصيات تمثل الحزب الشيوعي . ومنهم الاستاذ (منير) فقد ساعده كثيراً في تخفيف اعباء الحياة الصعبة، وقدموا كل العون له، لكي يقف على قدميه في مواجهة مشقات الحياة، وتخفيف الصعوبات التي تعترضه، وخلق العزيمة والمثابرة في مواصلة الحياة . حتى اخذ يتلمس الوعي والادراك تدريجياً، ويتفهم حقيقة الاضطهاد الاجتماعي، ومدى ظلم عرف العشيرة وناموسها، الذي يركز على انتهاك المرأة ونزع كرامتها وحقوقها الانسانية، دون وجه حق، ومنها الزواج (الكَصة بالكَصة)، الذي يكرس الحرمان والخضوع الذليل، ان تكون المرأة سلعة . لذلك جابه بعزيمة صلبة هذا الظلم الذي يقع على المرأة، بعرف الزواج (الكَصة بالكَصة) تزويج بنات العشيرة على شباب العشيرة، فكانت المواجهة حادة في ديوان العشيرة، ومع رئيس العشيرة، بالرفض القاطع لهذا الاسلوب الظالم في التقسيم والاجبار على الزواج دون ارادتها ورغبتها، وقدم ادلة حياتية مقنعة في الاجحاف والحيف ضد المرأة وهي صغيرة السن، في اسلوب كلامه وطريقة حديثه بالاقناع . حتى أن احد افراد عشيرته خاطبه قائلاً (- والله ابو مطشر يبين بيع الباجلة هواي مغير من طبايعك . جالون تبيع الذهب جان صرت بمجلس النواب) ص131 . وامتلك القوة في مجابهة صعوبة الحياة، بالتحدي والمثابرة، في تجربته الجديدة في المدينة . في سبيل توفير رمق العيش لعائلته . فكان يعود في المساء الى بيته متعباً ومرهقاً ومأزوماً، وبعض الاحيان يعود مفلساً و لا يملك حتى تكلفة اقراص الخبز الى عائلته، اضافة انه في بعض الاحيان، يقع في مطبات في التلاعب والغش والسرقة . لكن اصدقاءه الشيوعيين يقدمون الدعم والمساندة، وفق الامكانيات المتوفرة لديهم . حتى في احد الايام وقع في اغراء امرأة (غنودة) الغجرية . زوجة احد وجهاء السلطة (معيوف) . فقد مارست عليه الاحتيال بشراء (الباقلاء) والدخول الى بيتها واغرته بشهوة الجنسية والمضاجعة، حتى استسلم لها بكل جوانحه، لكنها بعد ذلك اخذت كيس فلوسه (جيس الفلوس) وحين رجع اليها متوسلاً اعطاءه نقوده، انكرت وطردته . لكن بعد ذلك تقع في غرامه وتشتاق اليه، حتى انها ساعدته في الخروج من السجن وساعدته مالياً . وسردت له حكاية حبها وعشقها الى (شياع) وفقد كانت غجرية مملوكة خصوصياً الى احد الاقطاعيين، ولا يقربها احداً من كان، وحين عرف بعلاقتها مع (شياع) قتله بر صاصات مزقت جمجمته، وبعد ذلك لفق تهمة مزورة على العاشق القتيل، بأنه كان مسجوناً سياسياً خطيراً، هرب من السجن، وحين وجده رفض الانصياع، وعودته الى السجن .وظلت (غنيدة) الغجرية تشتاق اليه بهيام العشق والهوى، ووجدت ظالتها ب (مظلوم) العاشق الذي يسد الفراغ الروحي واحبته واشتاقت اليه و حتى قدمت المساعدة له وانقذته من السجن بنفوذ زوجها او خليلها (معيوف) الذي تكرهه ولا تميل له، لكنها مجبرة في الارتباط به، وبعد خروجه من السجن وقفوا اصدقاءه الى جانبة في تدبير شؤون حياته، وخاصة الاستاذ (منير) الذي وجد فيه وجه الخير، لم يتوانى في تقديم المساعدة والدعم للمحتاجين، وكان يمدح اخلاقه النبيلة والمتفانية في حب ومساعدة الناس (- أي والله والنعم من ’’ الاستاذ ’’ منير من أهل النخوه والطيب وما يقصر ويه كل محتاج) ص116 . ويختلط بعلاقة وثيقة مع اصدقاء الاستاذ (منير)، لانهم اصدقاء الخير والنخوه، ويتفانون في تقديم المساعدة وادخال الفرحة والبهجة في نفوس المحتاجين، ويتفهمون معنى الانسانية والتضامن والتكاتف مع الاخرين، ولهم سمعة ومكانة مؤثرة في قلوب الناس، لذلك يمتلكون، السيطرة على تحريك الشارع، وزجهم في المظاهرات والاحتجاجات ضد السلطة السعيدية (نوري السعيد) الذي ينتهج اساليب قمعية في الحكم،لكي يتمكن على اخماد المظاهرات والاحتجاجات المناهضة للسلطة الملكية . في ممارسة نهج القبضة الحديدية، في ارتكاب جرائم بشعة بحق ابناء العراق الاوفياء . الذين يطالبون برفع الحيف والظلم، والخروج من التبعية الاستعمارية، وتحصين الاستقلال الوطني . فكان (مظلوم) يسمع ويصغي الى احاديثهم، ويتلهف الى معرفة حقيقة الامور الجارية في الصراع السياسي، ويبدي اعجابه بالروح المتفانية للوطن، وحب الفقراء والمظلومين، ويحاول ان يطور ملاكات وعيه السياسية، ليخلق في نفسه روح النضال الوثابة، وكانوا اصدقاءه يبسطون الامور، بشكل سهل في طريقة الكلام حتى يفهم المضمون والجوهر والغاية والهدف، من اسلوب المظاهرات الاحتجاجات الشعبية ومعرفة حقيقة الجرائم التي ترتكب بحق الناس، في اعدام وقتل العشرات، من المناضلين من احرار العراق، وعن زج المتظاهرين في السجون والمعتقلات، انتقاماً من انتفاضة الشعب عام 1948 . التي هزت اركان السلطة الملكية، التي تماديت في اسلوب العنف في مواجهة الانتفاضة الشعبية بالحديد والدم (عزيزي ابو مطشر هؤلاء (الشهداء) لا قتله ولا سلابه ولا نهابه . وانما كرسوا حياتهم من اجل ايقاف سلب ونهب ثروة الشعب والوطن . ووقف قتل وتعذيب وخطف ابناء الشعب الشرفاء . كل ما يريدونه سلام امن وحرية ورفاه الشعب، وخصوصاً من العمال والفلاحين وكل الفقراء والكادحين، لذلك ناصبتهم الحكومة العداء، وقررت قتلهم حفاظاً على حكمهم، والحفاظ على مصالح اسيادهم …. وان شاء الله تتبدل الحال وتستطيع ان تتعرف انت وغيرك على احدى التضحيات هؤلاء المناضلين وشجاعتهم وحبهم لناسهم) ص121 . وفي احدى الايام تخبره زوجته، بأنه وصلها خبر، بأن احد افراد عمومته، قتل رجلاً من عشيرة اخرى، وعليه اخذ الحذر والحيطة والتخفي . حتى لايقع صيدة سهلة لعائلة المقتول بأخذ الثار . واخبر اصدقاءه بالخبر المؤلم، وقرروا نقله الى بغداد، وايجاد عمل له هناك، واختيار له اسم جديد (غضبان) واسم ابنه (مطشر) بأسم جديد (كفاح) بعدما اثبت جدارته في المدرسة ونشاطاته الجماهيرية، يديرها بعقل متفاني من الوعي والادراك .

قراءة في الجزء الثاني من ثلاثية محطات (كفاح)


تعتبر تقنيات المتن الروائي متنوع ومختلف في الرؤى والرؤيا، في ابراز العوالم الجمالية في التعبير السردي. الذي يستلهم فنية براعة مقتنيات وتكتيكات الفن الروائي الحديث، لكي يعطي جوهر مضمون التعبير ونواصبه الايحائية من موضوعية الواقع العام، التي تعمقت في استقراء مرحل السياسية الحرجة، التي مرت على تاريخ العراق، في الصراع السياسي والطبقي. وتحليل وتشخيص كفاح ونضال التيار اليساري، المتمثل بالحزب الشيوعي العراقي، في مراحل نهوضه السياسي، في مجابهة الحكم الملكي المرتبط بالاستعمار البريطاني، ومراحل النضال المتعاقبة بعد ذلك، او بعد سقوط الملكية واعلان قيام الجمهورية،التي فجرت الصراع السياسي والطبقي، الذي اخذ منحى وشكل اخر من دائرة الصراع الحادة . وتأثيرات المناخ السياسي، على الواقع المعاشي بشكل مباشر، بتأثيراتها الحيوية، ففي عهد اعلان الجمهورية، تدشين مراحل التخبط السياسي المضطرب، بالصراع العنيف والتناقضات في التعامل السياسي، الذي يفقد الرؤية السياسية الواضحة في المواقف الحادة التي خلقها الواقع الجديد، لا من قبل قادة الثورة، بالاخص قائدها الزعيم (عبدالكريم قاسم) ولا من ناحية الاحزاب والتيارات السياسية المتصارعة في حلبة الصراع، لاقتطاف ثورة تموز وسرقتها لصالحها . لقد كانت معاول الهدم اكثر بكثير من معاول البناء، بالسلوك المتوحش، في استغلال ضعف الثورة في اتجاه هويتها السياسية المرتبكة، فقد كان التشويش والارتباك والتخبط، ابرز عوالم قادة الثورة في سلوكهم السياسي، في الصراع بين التيار القومي والبعثي، الذي يخطط لاجهاض الثورة واسقاطها . وبين مطاليب الحزب الشيوعي بالحسم الثوري في الاقتصاص من اعداء الثورة واجهاض مخططاتهم الشيطانية والشريرة . وخاصة ان ان اعداء الثورة تحالفوا على مختلف مشارفهم، في جبهة واحدة في اغتيال الثورة . وكانت تضم من المتضررين من التوجهات الاصلاحات للثورة، وهم من الرجعية الدينية والاقطاع والتيار القومي والبعثي، اصبحوا اللسان الناطق، او اصبحوا وكلاء لشركات النفط الاحتكارية، التي عملت بكل وسائل الدعم والاسناد، بالمال والسلاح الى عملاءها او وكلاءها، في الاسراع في عجلة اسقاط ثورة تموز . في استغلال مطبات المتخبطة لثورة تموز، وبالفعل تكلل نجاحهم الباهر، في الانقلاب الاسود في الثامن من شباط عام 1963، ليدشن مرحلة العنف الدموي . وطغيان البطش والتنكيل . واطلاق العنان لذئاب المتوحشة المتعطشة لسفك الدماء . من قطعان (الحرس القومي)، في مراحل الصراع السياسي، الذي تحمل العبء الكبير، الحزب الشيوعي، في الاعدامات بالجملة، ونصب اعواد المشانق في الساحات والمدن . بعد اغتيال الثورة . مما خلق حالات من التذمر والغضب في الشارع العراقي . وزاد الطين بلة، في تصاعد العنف الدموي، اصدار فتاوى من العمائم الدينية المزيفة، بمحاربة الشيوعية بأعتبارها كفر وألحاد، هذه الفتاوي اضفت الشرعية على القتل وسفك الدماء الجارية . من اعداء الثورة، من التيار القومي والبعثي والاقطاع، عملاء شركات النفط الاحتكارية، هذا التحالف العريض كان مستعداً لتحالف مع الشيطان . في سبيل اسقاط الثورة، وابادة الحزب الشيوعي واخراجه عن دائرة الصراع السياسي . وبالتالي دفع ثمن تخبط للثورة، قادتها وقائدها، وهذا ما حصل في اعدامهم في اليوم الاول لشباط الاسود . لقد دفع قائد الثورة، ثمن التخبط والخلاف مع قاعدته الشعبية، فقد نجحوا اعداء الثورة، في خلق فجوة وخلاف كبير، بين قائد الثورة، والحزب الشيوعي، وميل كفة الميزان في الصراع، لصالح جبهة اعداء الثورة، بفتح السجون والمعتقلات الى التيار اليساري، وكان هذا الهدف الاعداء، في نزع قاعدة الثورة وسورها الجماهيري الصلب، ثم يفتح الطريق السهل لهم في اسقاط ثورة تموز، ونجحوا بذلك نجاحاً باهراً. هذه هي مؤشرات المشهد السياسي، في المتن الروائي، في تسليط الضوء بجوانب المناخ السياسي القائم آنذاك . لذلك هناك تطابق في رؤية النص الروائي، بين الرواي او السارد، ورؤيته الفكرية في الفضاء الروائي . فالراوي هو احد المساهمين في النشاط السياسي والحزبي، وتأتي تسلسل الاحداث الدراماتيكية ومواقفها، كأنه يسرد سيرة حياته النضالية والمعاشية،فان رؤيته السياسية، تمثل وجهات نظر السياسية للمناخ العام، ومراحل الصراع السياسي والطبقي، بأعتباره احد المنضمين الحزبيين في صفوف الحزب الشيوعي، وينشط في الجانب العمل السياسي والجماهيري .

احداث المتن الروائي
ينتقل (مظلوم / غضبان) من مدينة (النجف) الى العاصمة بغداد، هرباً من الاقتصاص العشيرة في عرف الاخذ بالثأر، ويستقر به الحال في بغداد، بتقديم يد المساعدة والعون من رفاقه الشيوعيين، الذين قدموا كل الدعم والاسناد، حسب الظروف المادية المتوفرة لهم . وخاصة من الاستاذ (منير) الذي عرف فيما بعد بأنه (سلام عادل / سكرتير الحزب الشيوعي العراقي) . ويصبح حارس ليلي، وفي الصباح عامل مطبعة، حتى تعلم اتقان المهنة بجدارة، وتعلم القراءة والكتابة، وانخرط في الحياة السياسية والحزبية، كنشيط حزبي يدير احدى المطابع السرية للحزب . ويتواصل مع عائلته بالاستمرار، حتى يجيئه البشير في بيان الحزب، الذي يتطرق، بأن هناك حدث عظيم على وشك الوقوع، يغير الطابع السياسي للعراق، وانه على وشك اعلانه الى الشعب . وكان الحدث العظيم هو انطلاقة ثورة 14 تموز، وسقوط الملكية واعلان الجمهورية . فور اعلان البيان الاول للثورة، هبت الجماهير الغفيرة، تعبر عن فرحتها وبهجتها بالثورة، بانطلاق الاعراس الشعبية، التي اخذت تطوف في الشوارع، ولكن مع هذا الابتهاج العظيم للشعب، لكن رافقته هستيريا جماعية متوحشة، نحو الهوس في اراقة الدماء والقتل، مثلما حدث بقتل العائلة المالكة . والتمثيل بجثثها، بالطعن بالسكاكين، وكذلك رميها بالحجارة والاحذية وسحلها في الشوارع . في هياج هستيري كأنهم من أكلة لحوم البشر. لذلك كان الاستاذ (منير) مستاء جداً ومتألم من هذا الحالات الوحشية، التي اصابت الجماهير وحشودها الهائجة، التي فقدت الصواب والعقل، وكان يشعر بالحزن والاسى . بأن هذه الافعال المدانة والسيئة، بأنها تحرف لتوجهات السلطة الجديدة . التي انتصرت على الخونة وعملاء الاستعمار والامبريالية، ووكلاء شركات النفط الاحتكارية . فكان الاستاذ (منير) او بالاحرى (عادل سلام) يرفض هذه التصرفات الوحشية (كأنها مرادفة للثأر، في سواني واعراف العشيرة، يبدو لي أنه ثأر وليس ثورة . ماذا يفعل هؤلاء الرعاع أنهم يسحلون الجثث بشكل وحشي وغير أنساني، من أعطاهم هذا الحق ؟ من اصدر هذه الاحكام ؟ انها محكمة الشارع المسعور !!!) ص73 . لم يمض عام على عمر الثورة، حتى اصاب الفزع اعداء الثورة، من انطلاقة التظاهرة المليونية في بغداد عام 1959، بمناسبة عيد العمال العالمي، فقد بدأت حالات التوجس والخوف من قوة الثورة الجماهيرية، والدعم المنقطع النظير لقائد الثورة المحبوب، وبدأت تظهر الدسائس والمؤامرات والخطط، في دك اسفين في الثورة، تبدأ بضرب الحزب الشيوعي، وخلق الخلاف والفجوة الكبيرة، بين قائد الثورة والحزب الشيوعي، بكل الوسائل الثعلبية والشيطانية، بما فيها استغلال التأثيرات الدينية، في اصدار فتاوى تحارب الشيوعية بذريعة أنها كفر وألحاد، بهدف اضعاف قوة الحزب، وزرع الخلاف والشقاق في صفوف الثورة ، وبالتالي اضعاف الثورة، وسورها الجماهيري . حتى (أم كفاح) زوجة (مظلوم / غضبان) ادركت هذه الحقيقة الظاهرة في غش العمائم الدينية المزيفة، التي تحالفت مع اعداء الثورة في اجهاضها . بقولها (والله يبو كفاح همه هذوله متحالفين من زمان، مو من اليوم، لا الاقطاعيه يفارجون أهل العمايم، ولا اهل العمايم يفارجون الاقطاعية) ص84 . بهذه الشكل تكون الحياة العامة، صريعة التناوشات والاختناقات في الصراع السياسي . وتكالب الذئاب على نهش الثورة، بدعم من الشركات النفط الاحتكارية، بنشاطات عملاءها المسعورين على مختلف مشارفهم، من اصلاحات الثورة، التي راحت تنزل الى العظم المشاكل، برفع الظلم والاستغلال، لذلك وجهوا نشاطهم المسعور، في سبيل وقف المد الاحمر، لذلك انفرزت ظاهرة الالوان الى قطبين، اللون الاسود والاصفر والاخضر في صف الاعداء الثورة، واللون الاحمر في صف الشعب والثورة، فاصبح الفلتان والفوضى، هي من عيوب الثورة التي عجزت عن الحسم، بل راحت تتوجس من مناصريها وقاعدتها الشعبية، بفتح السجون والمعتقلات، بحجة ايقاف المد الاحمر، وانتصار الباطل بتوحده على الحق المتشتت بالخلاف والشقاق (توحد اصل الباطل، وتفرق وتشتت اهل الحق، الحزب يطالب الزعيم، والزعيم يخشى الحزب، فريق تعاطى بالتسامح وحسن النية، وفريق قرر ان لا ينتظر، قرر التعاون مع الشيطان، منعاً لهيمنة اللون الاحمر، واللون الاحمر مكتوف الايدي) ص80. وكان قطف ثمار اعداء الثورة بأسقاط ثورة تموز، بعملية قتل قائدها ورفاقه الميامين، وكشف عن مخالبهم الوحشية المتعطشة للدماء والقتل، وكانت قطعانهم من الذئاب السائبة (الحرس القومي) تجول وتعيث قتلاً ودماراً، بشريعة الغابة، في البطش الدموي المجنون، وهم في قمة احتفلاتهم الدموية . تأتي ألانتفاضة المسلحة في معسكر الرشيد، بقيادة الثوري الشجاع (حسن سريع)، لتزرع الخوف والفزع في قلوب قادة انقلاب شباط الاسود، كادت الحركة المسلحة من الحنود والعرفاء، ان تنجح وتطيح في قادة انقلاب شباط، لولا الاخطاء الفادحة التي وقعت فيها، وكرد انتقامي وحشي على بسالة الحركة العسكرية، قاموا في ارسال اكثر من 500 سجين من مختلف الرتب والاختصاصات العسكرية والمدنية في حشرهم في (قطار الموت) وارسالهم الى (السماوة) واصدار امر الى سائق القطار، ان يسير في سرعة بطيئة جداً، وخوفاً على البضاعة المحمولة في (فراكين) الموت الحديدية في صيف تموز الحارق، بهدف موتهم في الطريق، لكن يقظة السائق وروحه الانسانية، انطلق باقصى السرعة، من اجل محاولة انقاذهم من الموت المحقق، وحين وصل الى محطة (السماوة) كانت الحشود البشرية الغفيرة من اهالي السماوة تنتظر قطار الموت، تحمل الماء والملح والطعام والمواد الطبية، في اسعاف السجناء، وهم يصارعون انفاسهم الاخيرة، بهذه البسالة والشجاعة، تم انقاذ السجناء من الموت المحقق . هذه المأثرة الشعبية العظيمة، خلقت الشقاق والخلاف في معسكر القومي والبعثي، ووصل الى حد التأزم والتصادم بينهم، الى حد كسر عظم الاخر، وتحميله الفظائع الوحشية في اراقة الدماء والاعدامات الجماعية، وما بقاءهم في السلطة إلا مسألة وقت، حتى تحسم الامور بينهما، بالاسقاط احد الطرفين المشاركين في السلطة الدموية

قراءة في الجزء الثالث من رواية ثلاثية محطات ( البياض الدامي )

اقتحمت الرواية في المتن السردي , الاحداث والقضايا العاصفة للحقب السياسية المتعاقبة على العراق . في مناقشة الاطروحات والحوارات المطروحة في خضم الصراع السياسي , في البنية العراقية الاجتماعية والسياسية , وفي حساسيات التناكف والخصام السياسي , الذي دلف الى اسلوب العنف المفرط في فناء وابادة الخصم السياسي المعارض . وناقشت المواضيع الحساسة والملتهبة . من اجل الصراع على السلطة والحكم , ومن الذي يتحكم في مصير القرار السياسي . لاشك ان العنف والاضطهاد والمطاردة . تغيرت اساليبها نحو العنف الهمجي المفرط , بعد اسقاط الجمهورية , ومجيء حزب البعث والتيارات القومية الى السلطة , وممارسة السلوك الارهاب , السياسي والفكري , وممارسة القتل والاغتيال , ضد الحزب الشيوعي . واطلاق العنان الى ( الحرس القومي ) في ممارسة الاجرام والانتهاك , فقد فتحوا السجون والمعتقلات للحزب الشيوعي والتيار اليساري عموماً . و تناقش ثلاثية محطات ( العربانة / كفاح / البياض الدامي ) في الاطروحات السياسية والايدلوجية والمواقف السياسية والحزبية , وعرجتعلى نهج وسلوك عمل الحزب الشيوعي عبر نضاله الطويل , وكشفت عن الاخفاقات والانحسارت في قوة الحزب وضعفه , التي شهدت المد والجزر . لاشك ان تجربة الحزب الطويلة . وهو يواجه اشكال مختلفة من العنف والارهاب . صاحبتها اخفاقات مريرة وفادحة في عمل الحزب , كبدته خسائر فادحة لا تعوض , وهو يواجه عدوه السياسي شرس وهمجي . لايعير أية اهمية الى القيم والاخلاق في التعامل السياسي , وانما يسلك سلوك فاشي , بالارهاب والقمع والاضطهاد . عدو متلون كالحرباء في سبيل انتزاع السلطة , وبأية وسيلةكانت , ومنها الركوب بالقطار الامريكي / البريطاني واستلموا الحكم . هذه الاطروحات السياسية التي ناقشتها ثلاثية محطات , بمواقف جريئة , توغلت الى اعماق الواقع العراقي , ووضعت النقاط على التساؤلات الوجيهة والعميقة , في خضم الصراع السياسي الطويل , والسعي الى اغتصاب السلطة بقوة السلاح , مقابل الاخفاقات وضبابية الرؤية السياسية للحزب الشيوعي والقصور والثغرات في الرؤية , من خلال نضاله الطويل , التي كلفته الثمن الباهظ , عبر تاريخه الطويل , تعبد بالدماء والشهداء وفتح السجون والمعتقلات والتشريد والمطاردة القمعية , وصولاً الى مرحلة ما بعد الاحتلال الامريكي , ومجيء الجلود السياسية الحرباء والثعلبية , والتي تتلون وتتغير حسب المناخ السياسي والمصالح والمنافع الضيقة والانانية . طرحت هذه القضايا من صلب الواقع السياسي والاجتماعي . ضمن الحبكة الفنية مقتدرة في تقنياتها , وبلغة السرد المرهفة والمتمكنة من اداءها الفني وصياغتها التعبيرية الدالة . كما وظفت في ابداع مشوق , اللهجة العراقية , في السرد والحوار . في حركته الديناميكية المؤثرة . كما برزت ثلاثية محطات . نضال الطبقة العاملة وكفاحها العسير والجسور , في الحقب السياسية المتعاقبة , وانحازت الى تبني مواقف ونضال الطبقة العاملة في كفاحها الطويل , وامتلكت تأثير الشارع السياسي . وكما عرجت على عامل مهم في الواقع العراقي الاجتماعي , ثيمة الاحتيال والنفاق والخداع للعمائم الدينية المزيفة , والمجندة في الاساليب الشيطانية في خداع البسطاء , في استغلال التأثير الديني وعاطفته عند عامة الناس . وبعد الانقلاب الثاني للبعث , جندهم تحت لواء الاجهزة الامنية . وتصاعد التجنيد الارتزاقاي بعد الحملة الايمانية , التي قادها صدام حسين . مما خلق شريحة كبيرة من رجال العمائم المنافقة , التي لها قابلية ان تبيع ضميرها واخلاقها , وفق مصالحها الذاتية والانانية الجشعة , بالمكر الثعلبي . وقد زاد علوهم ومقامهم بعد الاحتلال الامريكي , بتغيير جلودهم بسهولة أزاء أغراءات السلطة والمال العام الحرام . وكما قدمت ثلاثية محطات في النص الروائي , نماذج نسوية بصورة ايجابية مشرقة , بأن المرأة لا تقل مكانة ومنزلة عن الرجل , وفي الوفاء والجدارة والمسؤولية . وهي :
1- أحلام ( زوجة كفاح ) استاذة جامعية في الادب والنقد . بعد اختفاء زوجها ( كفاح ) الاستاذ الجامعي والاديب البارز , ليتجنب الاعتقال والسجن , بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي . ظلت وفية الى زوجها رغم الارهاب والملاحقة , وحين عجزت الاجهزة الامنية في اخضاعها في معرفة مكان اختفاء زوجها , سجنت وعذبت , ثم اعدمت وهي حامل . لانها رفضت التجنيد في حزب البعث .
2 – مليحة . الانسانة الحزبية التي ظلت وفية بكل جدارة الى زوجها الشيوعي الشهيد , بروح التفاني والتضحية في العمل الحزبي , في مجال الطباعة السرية لمنشورات الحزب الشيوعي .
3 – حياة ( زوجة مظلوم ) : ظلت تشد ازر زوجها بالعزيمة والحب والوفاء , وتحملت المعاناة والجور والفقر . وكانت تأخذ دور معيل العائلة , اثناء غياب زوجها . فكانت عنوان الحب والوفاء .
4 – سعيده : الفلاحة البسيطة التي عشقت بحب واشتياق وهيام , حبيبها ( ناطور ) الفلاح الشيوعي . الذي رفض الانتماء الى حزب البعث , وتم ارساله الى جبهة الحرب ضد ايران , من اجل التفرد والافتراس بها , واجبارها على الزواج بالارهاب والقسر , من سيء السمعة ( حاشوش ) ابن السركل , الذي هربت عائلته بعد سقوط الملكية , خوفاً من انتقام الاهالي , فكان والده مجرم وحرامي معروف لعامة الناس , لذا وجد في حزب البعث ضالته , ليطارد الناس ويتحرش في بناتهم , وكان يقوم بدور ( القواد ) يجلب النساء للمتعة الجنسية لعناصر الجيش الشعبي , لكي يتسلق على والمنصب والنفوذ , وكانت عاهرته ( مريودة ) تنتقل بين احضان الرفاق . لذا رفضت ( سعيده ) بالزواج منه , وطردته هي تلاحقه بالزجر والشتائم . وبعد مقتل حبيبها ( ناطور ) في جبهة الحرب , اصابها الجنون ,ووفاءاً الى حبيبها , تطوعت في المعارضة المسلحة في الاهوار .
وكذلك تناولت نماذج نسوية اخرى , من زاوية الاطار الاجتماعي .
1 – غنيده : الغجرية , رغم انها سلعة او متعة جنسية تدور بين احضان الرجال . لكن في اعماق روحها , توجد عاطفة انساية رقيقة وشفافة , وخاصة بعد مقتل عشيقها من قبل الاقطاعي . ورغم انها بعد المضاجعة الجنسية مع ( مظلوم ) وسرقة رزقه اليومي . لكن وقفت بتقديم العون والمساعدة , وساعدت في اطلاق سراحه من السجن .
غزيلة : الانسانة الشغيلة بعواطفها وانشغالها بالهم , في البحث عن رجل ترتبط به بالحب والوفاء , لينتهي بالزواج , يأست من العلاقة من ( مظلوم ) لانه له مشاغل عنها , لكثير من الظروف والاسباب ومنها , بأنه مرتبط بالحب والاحترام الى زوجته الوفية ( الحياة ) وحققت اخيراً املها , في ايجاد ابن حلال لتتزوج منه , وهي سعيدة في عشرتها الزوجية .
رغم ان اسلوبية النص الروائي في ثلاثية محطات ( العربانة / كفاح / البياض الدامي ) . انتهجت اسلوبية الواقعية النقدية , في انتقادها الاخطاء السياسية الفادحة في الصراع السياسي , لكنها جسدت بموضوعية نضال الطبقة العاملة وحزبها السياسي . وابرزت محطات كفاح الطبقة العاملة , في نضالها السياسي , الشرس والدامي . بذلك ان اسلوبيتها المنهجية في الفن الروائي , اقتربت من ضفاف الواقعية الاشتراكية , في ابراز المعالم الاساسية في كفاح الطبقة العاملة , عبر الحقب التي تعاقبت على تاريخ العراق .
× × احداث المتن السردي للراوية :
× أنقلاب ( عبدالسلام عارف ) على شركاءه الامس في الحكم ( حزب البعث ) في اقصائهم من السلطة . وحل الحرس القومي , واختفاءه من الشوارع والساحات , قوبل بنوع من الانفراج والارتياح , وتنفس الناس الصعداء من مضايقات وارهاب الحرس القومي , الذي كان جاثماً على الصدور , بالقمع والارهاب , فكان بمثابة الكابوس الذي يفزع ويرعب الناس , من كثرة الجرائم والانتهاكات الهمجية البشعة التي يرتكبها بدم بارد . فكان الشرطي وجهاز الامن للبعث , بأن يملك الحرية المطلقة , بشن حملات الاعتقال والسجن والتعذيب في اسلوب فاشي صرف , وفرض الفدية المالية على الناس .
اما على صعيد ظروف ( مظلوم ) فقد وجد عملا ً , كفلاح في احدى البساتين في منطقة ( الكاظمية ) وكذلك ك ( حدقجي ) في البيوت . ويواصل المطالعة والقراءة بنهم وشوق واشتياق .
وعلى الصعيد السياسي , سمحت كوة الانفراج الصغيرة , في لملمة جراح الحزب العميقة , واعادة الصلة بالمنظمات المنقطعة , واعادة الصلة بعناصر الحزب , التي تعرضت للاعتقال والنفي والتشريد والاختفاء القسري . وطالب الحزب الشيوعي في اطلاق سراح السجناء , والكف عن الارهاب السياسي والفكري . ومن خلال هذه الاجواء تصاعدت بعض الدعوات من تنظيم الحزب , تطالب في اندماج الحزب الشيوعي , في اتحاد الاشتراكي العربي , مما أثار اعتراضاً قوياً من قبل القيادات وقواعد الحزب . وعلى اثر تحسين الحالة المعيشية المستقرة , جلب ( مظلوم ) زوجته لتعيش معه في بغداد . ويخبره الطبيب بأنه مصاب بمرض السكر .
اخذت تطورات السياسية في منحى اخر للحزب اكثر جسامة وخسارة , فقد تعرض الى الانشقاق في التنظيم , اذ انشطر الى قسمين . قسم يتبع اللجنة المركزية بقيادة ( عزيز محمد ) والقسم اخر يتبع القيادة المركزية بقيادة ( عزيز الحاج ) وقد بدأ التناحر بين الطرفين ( وقد بدأ كل من الطرفين , يشن هجوماً اعلامياً ودعائياً ضد الطرف الاخر . مما يسبب المزيد من المرارة ل ( مظلوم ) الذي اعتزل الطرفين ) ص87 . وكذلك اجهاض عمل الكفاح المسلح في الاهوار , بقيادة المهندس ( خالد أحمد زكي ) الذي ترك حياة لندن , وتوجه الى الاهوار , ليواصل مهمته الثورية . وكذلك فشل ايضاً الكفاح المسلح , بقيادة ( عزيز الحاج ) فقد ظهر على شاشة التلفاز بعد انقلاب البعث الثاني , يمدح ويثمن دور حزب البعث , وكشف خلاياه التنظيمه واسماء وعناوين رفاقه . وبعد ذلك انبثقت الجبهة الوطنية بين حزب البعث والحزب الشيوعي . التي دشنت مرحلة الارهاب والاغتيال السياسي , التي طالت بعض القياديين البارزين في الحزب الشيوعي . والايحاء الرمزي في تعابيره البليغة في النص الروائي , في يوم توقيع على ميثاق الجبهة الوطنية . توفي ( مظلوم ) يعني تدشين مرحلة الموت والخراب في عواقبها الوخيمة على العراق . وقد اوصى ( مظلوم ) في وصية الوفاة . بأن يدفن ويشيع بشكل بسيط جداً الى القبر . وان يوضع التابوت داخل السيارة , وليس ربطه على سقف السيارة كما تربط الاثاث والحيوانات . وهذا موقف حضاري عند الشعوب المتحضرة , التي تحترم مقام المتوفي , ان يوضع داخل السيارة مع اكليل من الزهور .
وتاخذ التطورات في هرم سلطة البعث , في ازاحة ( احمد حسن البكر ) وتولي ( صدام حسين ) رئاسة الجمهورية , التي دشنها بالقيام بحمامات الاعدامات لرفاقه في القيادة , ثم تطورت الامور الى المنحى الخطير , بشن الحرب ضد ايران . ثم يدشن الحملة الايمانية , بتجنيد بعض مرتزقته , في تبديل الزي الزيتوني . بزي العباءة والعمامة الشيطانية وتطويل اللحى , ووضع طمغة الباذنجان في الجبين , للاحتيال والتجسس . مثل شخصية ( حاشوش ) الذي يملك تاريخ اسود , اجرامي وحرامي محترف . في مهمة اصطياد المعارضة وخداع الناس بالدور الثعلبي الجديد , . ولكن من مصائب الزمن الاسود , ان يظهر ( حاشوش ) وعاهرته ( مريودة ) ضمن شخصيات مجلس الحكم بقيادة برايمر . في مجلس الحكم الانتقالي , يعني رمزية الحدث بوصول هذه الحثالة الى اعلى هرم السلطة , ترمز الى ان المرحلة , ستكون مرحلة العهر والدعارة السياسية , في سوق النخاسة الرخيصة . وينتهي النص الروائي , في مقتل ( كفاح ) ضحية في احدى التفجيرات الدموية .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق