ثقافة المقال

مرض النسقية وفيروس الموضوعية في الفكر والثقافة العربييْن

فريد الزاهي

منذ كتابات طه حسين ومحمد مندور والعقاد إلى حدّ فورة المكتوب والبصري في وقتنا الحالي، ثمة مديح عتيق وكاسح للنظام والانتظام والنسقية والتسلسل والصدور المنطقي للنتيجة عن المقدمات. الأمر المهول أن الأمر لا يتعلق فقط بالكتابة النقدية الباحثة عن الأنساق المحايثة بموضوعية شبه رياضية تمتح أصولها من لسانيات الخطاب، وإنما أيضا بالكتابة عن الفن، في الحديث عن تناسق الألوان والأشكال وغيرها. فبالرغم مما حققته النهضة العربية من انزياحات، كبرى في أحيان نادرة، ظلت مفاهيم النسقية والموضوعية تتحكم في الفكر والفلسفة، وشبيهاتها تتحكم في الفن والكتابة النقدية. وما عدا ذلك من دعوات للشذرية fragmentary، وللتفكيكية أو للاتزامنية واللاتاريخية، فهي لا تزال لحد اليوم مجرد شذرات في أرخبيل الثقافة العربية.

من الذات إلى تأويل الوجود

نحن بمعنى ما لا نزال نؤمن بأن الذات اسم لا يرتبط سوى بالذات الإلهية، ونحتقر الجسد لأنه ظل يعتبر مصدر الذات وسندها والمكون الأساس لتجذرها في الواقعي والمحسوس والدنيوي. من ثم ظل التجرُّد من الذات والجسد مصدرا للتعالي وللروحانية. من ناحية أخرى ظللنا ضحية مفهومي العقل والنظام، من غير أن نسعى يوما إلى فهم هذا الاحتقان الذي تعيشه الثقافة العربية بمفارقة كبرى وبوعي شقي وبمأساوية عميقة: كيف أننا بالرغم من إيماننا بهذه المفاهيم العملاقة، لم ننتج بعد منذ نهضتنا فكرا يمكن أن “نصدره” للغرب، للآخر الذي يقيس مدى كونيتنا وعالميتنا؟

حين كتب هايدغر: “كيفما كان التفسير، فليس عليه الاكتفاء باستخراج المعاني من النص. إنه مطالب أيضا بأن يمنحه من معناه، بشكل خفي ومن غير إلحاح شديد”، كان يلح على الحرية الذاتية للباحث والمفكر في مساءلة النصوص من غير إخضاعها لسرير بروكوست. إنه يدعونا للخروج من سدْرة الوصف الموضوعي إلى الذكاء التأويلي الفينومينولوجي، الذي يحرر الفكر والنص معا من سلطة النص وسلطة المعنى المسبق. فمعنى النص بناء جديد للقراءة، لأن القارئ ليس قارئا بقدر ما هو مؤول. وحين يضيف: “وبما أن انهيار الأشياء المألوفة ونقصُها ينتمي إلى وجودنا العاري في صلب عصر سيادة الموضوعية، فبالمقدار نفسه يستوجب تأكيد جوهرنا إنقاذا للأشياء بتحريرها من موضوعيتها الخالصة. إن هذا الإنقاذ يتمثل في قدرة الأشياء على أن تستريح في ذاتها داخل المحيط الشاسع للإدراك الشامل، أي بدون حدود بين بعضها البعض”.

هنا علينا الإنصات للدرس الهايدغري الذي كان بشكل ما بلورة للتصور النيتشوي ومجاوزة له، وفي الآن نفسه أول درس يصارع الموضوعية باعتبارها بشكل ما (ومن غير أن يصرح بذلك) إيديولوجيا الفكْر المرضية. إنه الدرس الذي سوف يجعله تلميذه هانز جورج غادامير الأساس الذي سوف يبني عليه منهجية جديدة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، تتوخى منح التأويل القدرة على أن يكون ترجمة فورية للفهم. من الناحية المنهجية يكون التأويل أفقا للفهم، وكلما كان الأمر كذلك فإن مفهوم الموضوعية المفترض يغدو مشكلا زائفا: “ستكون المسألة، فيما يخصنا، (…) متعلقة بمعرفة كيف ستتمكن الهرمينوسيا من إنصاف تاريخية الفهم بمجرد ما تتخلص من العوائق الأنطولوجية لمفهوم الموضوعية” (غادامير).

قد يخطئ الكثيرون حين يعتبرون أن مشكل المنهج والموضوعية والنسقية مشكلات عقلية محض أو نصية نقدية محض. إنها بناءات حاولت معها العقلانية أن تنفي الحياة (حياة الواقع وحياة النصوص والفكر والوجود) من خلال مطلقية المنظور وأحاديته. لا لأن العقل غير قادر على تملك الواقع بموضوعية، ولكن لأن العقل بحاجة للحواس والنفس (وابن رشد أدرك ذلك منذ زمن، ضدا على أرسطو وديكارت) لإدراك الطابع الأنطولوجي لضرورة التأويل واستخدام الذات بحرية معينة في إدراك الظواهر والنصوص.

وإذا كان النموذج الرياضي واللساني قد أثر بشكل واضح في البحث النقدي الأكاديمي منه بالأخص بحيث غدا أنموذجه الوضعي، فإن الإنصات إلى التفكيك الذي همَّ علْمية العلوم الإنسانية في أواخر الستينيات من قبيل مفكرين كمشيل فوكو ولويس ألثوسير جدير بنا في الوقت الراهن أيضا. لذا حريٌّ بنا النظر بنوع من الحيطة والنقد للوضعية التي سادت لدينا، منهجيا على الأقل، مع تجذر البنيوية وقبلها مع النزعة الأكاديمية، خاصة وأن روادها الكبار قد انزاحوا عنها بدورهم توسيعا لمجال بحوثهم وتوفقا مع المقتضيات الأساسية للنص.

الذاتية مجال إنتاج للمعرفة

لكي نعيد للذات مكانتها، والخطيبي قد أدرك ذلك بحدسه الفكري منذ زمن، كما أدركه في مجال الدراسة الأدبية عبد الفتاح كليطو، يلزم أن نمارس الاختلاف. وكل اختلاف لا يتأتّى لنا إلا من تجذرنا في محلِّيتنا، أي في تاريخنا. وانفتاحنا لا يمكن له أن يكون خصيبا إلا بالانطلاق من الذات الشخصية والوجودية، لجعلها مصدرا للاختلاف والوعي بالوجود والآخر. وللأسف لا تزال جامعاتنا تعلم الباحثين الشباب أن يمحوا ذواتهم في البحث وأن يتحلوّا بموضوعية جوفاء، ويتركوا حدسهم في الفهم والتحليل كي ينتجوا معرفة قابلة للقياس الكمي. فعليهم من ثمَّ أن يستعملوا، في مجال السوسيولوجيا والأنثربولوجيا، الاستمارات الكتابية في مجتمع مبني على الشفهية (!!)، وأن يقيسوا النتائج بالعلاقة مع المقدمات، ويمارسوا التحليل الكمي والتشريح الإحصائي… بهذا الشكل ينتج علماء اجتماعنا دراسات ليست صالحة لتحليل مجتمعاتنا، ونتائجها لا تتوافق مع مكوناته وسيرورته ومساربه الدفينة، ولا تضيف شيئا للأسف للمعرفة الكونية في هذا المضمار.

لماذا تظل مشكلة المنهج method والمنهاجية methodology، المشكل العويص الذي يسمّم حياة الدراسات الأكاديمية، والذي يعاني منه أغلب طلبة الدكتوراه؟ العلة في ذلك أن أساتذتهم لا يحررون فيهم الذكاء التحليلي، وحرية الحدس وعمقه، ولا يشجعونهم على بناء منهجيتهم الشخصية من خلال المزج بين “المناهج”، وانتهاج التفاعل بين المباحث، ولا ممارسة التأويل. فالتأويل يعتبر لديهم أمرا ذاتيا لا ممارسة لبناء شخصية الباحث وقدرته على بلورة ذكاء تأويلي وبناء شخصيته المعرفية.

نحن لن ندعو مع الأميركيين إلى جعل الذاتية منظومة معرفية (بّارادغما)، ولا تبنّي ما يعرف بالنقد الذاتي (دافيد بليش)، وهو توجه نقدي يدعو، انطلاقا من تجربة القراءة كإدراك سيكولوجي، إلى الارتكاز على مجموع المعطيات الإخبارية التي تفرزها تجربة القراءة وذات القارئ، مما يجعل تلك التجربة والإدراك المعيار الأول والنسبي للتقويم الأدبي والثقافي. فتحرير الذات من عوائق الموضوعية سبيل إلى مجاوزة ثنائية الذاتية والموضوعية وتقويضها وتفكيكها. يقول مشيل هنري في كتابه “فينومونولوجيا الجسد وفلسفته”: “نحن نفضل التجريبية empirisme بصورة أكيدة في الوقت الراهن على نقيضها المتواطئ، أعني الدوغمائية، إذ الحدس يمكنه أن يعكس واقعا موضوعيا. فلا شيء يمنع نواقص التجريبية والحدس المعروفين من أن يكونا صالحيْن بل ضرورييْن للنشاط العلمي، وهو ما تسعى إلى نفيه بعض الأفكار العلمية المسبقة المنتشرة بكثرة في العلوم الإنسانية بالأخص”.

تمكننا هذه التحولات من استيعاب مدى تعالق مسألة الذات بقضية التأويل والتفكير في النصوص والعالم بأجسادنا وحساسيتنا، سواء كما أسس لها نيتشه وهيدغر أو كما نظّر لها فيما بعد بول ريكور. إن هذا الترابط ليس منهجيا أو إبستمولوجيا فقط وإنما هو أيضا ذو طبيعة وجودية وتاريخية. فليس الاختيار المنهجي هو الذي يملي علينا الاهتمام بالذات، وإنما الموقع الوجودي للذات ودورها في صياغة الوعي الفكري، وحصة الجسدي من هذه التركيبة الفردية الوجودية.

إننا ونحن نطرح هذه الأمور اليوم، نجد أنفسنا في مجال الجامعة العربية والدراسات الأدبية والفلسفية، نعيش استمرار تمجيد عقلانية صارمة تنجم عنها فيروسات وأمراض الموضوعية والنسقية التحليلية، أو منزع ذاتوي يحرر نفسه كلية من كل فكر وتفكير. وبذلك نعيش سكيزوفرينيا بين الكتابة الثقافية والكتابة الجامعية الأكاديمية، وكأن الجامعة تنتج لاهوت الفكر والأدب، والساحة الثقافية تنتج اليومي والعارض الزائل، المعارض أحيانا والمفكك أحيانا أخرى. ولذلك فإن الجم الكثير من أطاريحنا الجامعية وكتاباتنا “التنظيرية” ومقالاتنا الصحفية ستؤول إلى النسيان، لتنمحي من ذاكرة فكرنا وثقافتنا كأنها سحابة صيف…

إن موقعة الذات في الفكر والكتابة ليس هو تبني التحرر الذاتي من كل فكر. الذاتية ليست هي الإفراط في الذاتوية التي تتحول إلى انطوائية في الفكر ومقاربة النصوص، وتجعل من الأنا الأنوية مركز العالم الفكري والنصي. الذاتية موطن للفكر والتفكير والوجود منفتح على إنتاج معرفة اختلافية وتعددية بالظواهر والنصوص. فمن غير تحويل الجسد والذات إلى منتج لمعرفة الآخر، نظل نبني فكرا من ورق لا ينفذ إلى أعماق المحسوس والفكر لأنه يبني نسقيته ومعماره على أنقاض وجودنا وفكرنا وحواسنا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق