قراءات ودراسات

الإسهامات الأدبية للوافدين المغاربة إلى مصر المملوكية

(648-923هـ/ 1250-1517م)

حماده عبدالحفيظ الرخ*

تنوع الأدب في عصر سلاطين المماليك بين النثر والنثر المنظوم والشعر الموزون، وهو ما فتح لرجالات الأدب أبواب القدرة للتعبير عن دروب ومسالك هذا العصر البالغ الثراء الفكري، عما لا يمكن أن يعبر عنه بأسلوب آخر، ويرتبط الأدب ارتباطا وثيقا باللغة؛ فالنتاج الحقيقي للغة والثقافة المدونتان بأي لغة يكون محفوظا ضمن أشكال الأدب وتجلياته والتي تتنوع باختلاف المناطق والعصور، وتشهد دوما تنوعات وتطورات مع مر العصور والأزمنة.
وقد ازدهر الأدب شعراً ونثراً في العصر المملوكي(648-923هـ/ 1250-1517م)، فظهر هناك الكثير من الشعراء والأدباء في هذا العصر، وقد أسهم المغاربة والأندلسيين في هذا النشاط، فمن الأدباء والشعراء المشهورين كتاكت المصري(ت:684هـ/1285م) الذي جمع بين الإقراء والوعظ والأدب، وله شعر جيد منه تلك القصيدة المعروفة عند الصوفية التي أولها:
حضروا فمذ نظروا جمالك غابوا والكل مذ سمعوا خطابك طابوا
ومن شعره أيضاً:
اكشف البرقع عـن بكر العقــــــــار .. واخل فــي ليلك مع شمس النهار
وانصب العيش ودعه غلظــــــــــــاً .. ينقضي مــا بين هتك واستتــــــــــــار
إن تكن شيخ خلاعات الصبــــــــا .. فالبس الصبوة فــي خلع العــــــــذار
وارض بالعار وقل قد آن لـــــــــي .. في هوى خمار كاسي لبس عاري
وفيما يخص شعر المديح النبوي فإن قصيدة “الكواكب الدرية في مدح خير البرية” والمشهورة باسم”البردة” لصاحبها الشاعر والأديب البوصيري(ت:696هـ/1297م) قد أتت في مقدمة أعمال المديح المعروفة حتى يومنا هذا؛ وقد جاءت في مائة بيتاً واثنين وستين بيتاً، اثنا عشر في المطلع وستة عشر في ذكر النفس وهواها وثلاثون في مدائح القرآن الكريم وثلاثة عشر في معراجه واثنان وعشرون في جهاده وأربعة عشرة في الاستغفار وتسعة في المناجاة، وتبدو من النظرة الأولى لقصائده في حب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها تزكي عظيم ما كان يتمتع به من وجدان الشاعر المخلص مع صفاء السريرة وأكثر ما اشتهرت به مدائحه النبوية استعمال البديع فيها، كما برع في استخدام البيان، ولكن غلبت عليه المحسنات البديعية في غير تكلف، وهو ما اكسب شعره ومدائحه قوة ورصانة وشاعرية متميزة لم تتوفر لكثير ممن خاضوا غمار المدائح النبوية. وبالإضافة إلى ذلك فقد أنتج البوصيري قصائد أخرى وفي مجالات متعددة مثل تلك التي أظهر فيها مثالب الجهاز الإداري الذي عمل فيه موظفاً في ديوان أعمال الشرقية ببلبيس، ومن شعره أيضاً قوله:
يا أهـل طيبة فــي مغناكم قمـــــــر .. يهدي إلى كل محمود في الطرق
كالغيث في كرم، والليث في حرم.. والبدر في أفق والزهر في خــــلق.
ومنهم الأديب ابن أبي حجلة (ت:776هـ/1374م) ،وهو شهاب الدين أبوالعباس أحمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الواحد، ولد بتلمسان725هـ/1324م، ثم قدم إلى دمشق ومنها إلي القاهرة وله نظم ونثر وفضائل، وله تصانيف كثيرة في الجد والهزل وأكثر تصانيف في الأدب، وتفقه لأبي حنيفة، وقد عرف بمهارته في الأدب نظماً ونثراً، وتؤيد مصنفاته هذا، فمن مؤلفاته: كتاب “حاطب ليل”، وكتاب “سكردان السلطان” الذي يتناول في معظمه الحديث عن العدد سبعة، وأهميته في تاريخ مصر وأحداثها، والسكردان كلمة دخيلة على اللغة العربية من اللسان التركي بمعنى الخوان الذي يوضع فيه الشراب، والمقصود بها هنا “المائدة التي يوضع عليها الطعام”و يعلل المؤلف نفسه هذا الاختيار لهذا الإسم قائلا: “وسميته سُكُرْدان السلطان لاشتماله على أنواع مختلفة من جد وهزل وولاية وعزل…”، أما المقصود بالسلطان فهو السلطان الناصر حسن ابن الناصر محمد.
ويقول في مقدمة الكتاب: “فلما كانت السبعة من أشرف الأعداد، وكان وجودها بمصر المحروسة أكثر من سائر البلاد ألفت منها في هذا الكتاب سنة سبع وخمسين وسبعمائة ما لم أسبق إليه، ولا عثر أحد في الأقاليم السبعة عليه…” ، وقد اعتمد في مصادره على السماع والمشاهدة والمؤلفات السابقة، ورتبه على مقدمة وسبعة أبواب ونتيجة.
أيضاً كتاب “سلوة الحزين في موت البنين” الذي يدور موضوعه حول رثاء الأبناء نثراً وشعراً، وهو من أقدم الكتب في هذا الموضوع، ولهذا اعتمدت عليه الكثير من الكتب التي جاءت بعده، وفيما يخص الشعر فكان له كتاب “ديوان الصبابة” الذي تحدث فيه عن أخبار العشاق ومصارعهم، وما جرى لهم من أحداث، ويعد هذا الكتاب من أمتع كتب العشق وأخبار أهله، ألفه ابن أبي حجلة التلمساني للملك الناصر حسن في فترة حكمه الثانية التي امتدت من عام 755هـ /1354م حتى 762ه/1360م وافتتحه كعادته في معظم كتبه التي تجاوزت الثمانين بقصيدة في خمسة وأربعين بيتاً في التنويه بالكتاب ومدح السلطان حسن، وبناه على مقدمة في العشق وما قيل فيه، وثلاثين باباً في نوادر أخبار العشاق وأحوالهم، وخاتمة في ذكر شهداء العشق، ذكر فيها قصتين من مشاهداته ومسموعاته، الأولى جرت أحداثها في دمشق عام 752هـ/1351م والثانية قصة ناصر الدين القلندري أشهر خطاطي عصره المتوفى عام 735هـ/1334م وقال في خاتمة الكتاب: “وفي رحلتي: نشر العلمين في زيارة الحرمين ما هو كفص الخاتم لهذه الخاتمة”.
ومما قاله في مقدمة الديوان: فإن كتاباً هذا كما قيل
حوى فيه من أخبار من قتل الهوى .. وسار بهم في الحب كل مذهب
مقاطعيه مثــل المواصيل لـم تــــــــزل .. يشبب فيه بالربـاب وزينـــــــــب
ومن أشعاره في هذا الديوان:
أعلل بالمنى قلبي لعلـــــــــــــــــــــــــــــي .. أروح بالأماني الهم عنــــــــــــــي
وأعلم أن وصلك لا يرجـــــــــــــــــــــــــى .. ولكن لا أقل من التمنـــــــي
ومن المرتحلين من الأندلس إلى المشرق ابن جابر ويعرف بشمس الدين ابن الضرير(ت:780هـ/1387م)، وقد دخل مصر ثم الشام، وهو صاحب البديعية المعروفة باسم “بديعية العميان”، والبديعية هي قصيدة طويلة من البحر البسيط، على روى الميم المكسورة، في مدح النبي- صلى الله عليه وسلم- ويتعاقب في كل بيت نوع من البديع غير النوع الذي قبله، ويكون في البيت شاهد عليه، وقد يوري الناظم باسم النوع البديعي في أثناء البيت ،وتعتبر البديعية هذه الأثر الثاني في تاريخ البديعيات من حيث التأريخ الزمني، ويرى محقق البديعية أن ابن جابر أقدم على وضع البديعية بسبب رغبته التقرب إلى الله بمدح نبيه و نظم أنواع البديع ضمن هذه القصيدة لتخرج فريدة من نوعها.
هنا نقف على حقيقة تاريخية لا تقبل الشك؛ أن ارتباط العالم الاسلامي ببعضه كان وحدة لا تقبل التفريط، فهل يعود جزء مما كان؟

*دكتوراه تاريخ وسيط – جامعة الزقازيق – مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق