ثقافة السرد

غليون جاك بريل

فصل من رواية (مدينة مصطفى )

الراوي بن رشيدا*

إنه اليوم الرابع عشر من نوفمبر عام 2015 ،وقد أشرقت الشمس فيه كالمعتاد على مدينة اللاذقية حيث يعيش نجيب ،مع خوفه وأحلامه ،واليوم يتم نجيب شهراً من الإقامة في مقهى قيثارة الذي يملكه نهاد ،المثقف السكير بعد أن وافق على طلبه بالعمل لديه مقابل أن يسمح له بالمبيت في المقهى وحكى له عن رسائل التهديد التي تصله .
ومنذ ذلك الحين ونجيب يعيش حياةً يوميةً متشابهة ،فها هو اليوم يبدأ ككل الأيام ،جاء موزع الجرائد راكباً دراجته الهوائية ورمى بالجرائد عبر الباب المشرع على درفتيه ،الذي اعتاد نجيب على فتحه كل صباح لتجديد هواء المقهى ،ثم الشروع في تنظيف المكان ومسح صور السبعينات ثم اعتاد أن يقف عند صورة جاك بريل وأن يخال مصطفى حاملاً ذاك الغليون الغريب الأطوار .
لم يكن يعلم لم اختار هذا المكان للهرب من مصطفى مع أنه يعرفه جيداً ،لكنه خمن بأن مصطفى الجديد الذي يرسل رسائل تهديد ويمتلأ رأسه بالظلام سيكون بعيداً كل البعد من أن يخطر له بأن مكاناً بهذا الجمال قد يمسي ملجأً لضحيته .
وكالمعتاد اتصلت إنجي بنجيب لتلقي عليه تحية الصباح ،وتخبره بأنها تشعر به ،ثم احتسى نجيب فنجاناً من القهوة بعد أن جلس إلى طاولتهما المعتادة ،تأخر نهاد وزوجته اليوم عن موعد وصولهما المعتاد .
حمل نجيب الجرائد فشعر بأنها أثقل من المألوف ،وخمن أن فيها ماهو ثقيل للغاية ،ثم عاد بها إلى طاولته وإنجي ،بجانب النافذة المطلة على الفسحة الفارغة المحاطة بأشجار الكرمة التي ترسل أسراراً ،لكنها اليوم كانت صامتةً ،ساكنةً وموحشة .
راح يقلب في الجرائد بعد أن تنبه لهذا السكون المخيف الذي يحيط بالمقهى ،وشعر بخوف ما لم يشعر به منذ آخر رسالة تهديد وصلته حين كان في منزل خاله غريباً عن كل ماحوله .
تبدد هذا الخوف حينما حلت الدهشة مكانه ،عندما قرأ خبراً في الجريدة عن هجمات إرهابية شاملة على مدينة باريس تشمل إطلاق نار وتفجيرات انتحارية في مسرح باتاكلان وشارع بيشا وشارع أليبار وشارع دي شارون ومحيط ملعب فرنسا ،وأن حصيلة ضحايا هذه العمليات تصل إلى مئة وثلاثين قتيل ،وجرح الكثيرين . كانت الصور المنشورة في الجرائد توحي بأنها قادمةً من حرب عالمية لم يشهدها العالم بعد ،ولم يكن لأحد ليصدق أن تلك المدينة هي باريس ،مدينة بودلير وسارتر .
وما أن أنهى قراءة الخبر ،حتى أرسلت له أشجار السرو نسيماً حاراً ،وشعر بلطمة ساخنة على جبينه ،ثم أخذ يتأمل الصور المعروضة على الجدران ،ولاحظ أنها للمرة الأولى تبدو بأنها جماد ،مجرد صور للحظات مندثرة في حياة مشاهير عاشوا في زمن ما ،أصبح اليوم غير ذو أهمية ،وحتى تافهاً .
مامعنى غليون جاك بريل أو شاربا دالي، تلك رموز لا تنتمي لثقافة هذا العصر، كان دخان النيران الذي ينبعث من صور الجرائد هو الذي يلون هذا العصر، هو رمزه السرمدي ،وهو ماترسله أشجار السرو ليلتطم بجبين نجيب ،ليوقظ خوفه من مصطفى ويشله في كرسيه ،صامتاً محدقاً في اللاشيء، إلا أن جاء نهاد وزوجته لإيقاظه من غيابه، كانا قد علما بما جرى لكنهما بدا غير مكترثين ،وتوجه كل منهما إلى مكانه وحياته الروتينية .فتح نهاد زجاجة بيرة ولم يتخلى عنها رغم توبيخ زوجته أمل له، وصراخها الممزوج بالوهن ،وتوهج شعرها الناري بعد أن يعبر بين خصله شعاع وضاء أرسلته شمس غاضبة ،تصر على مقاومة عتمة الدخان المنطلق من الجرائد .
في الخارج، كان الدخان قد أعلن انتصاره على الشمس عندكا تجمع على شكل غيوم سوداء حجبتها ،ثم راحت تلك الغيوم تفجر غضبها في حبات برد كبيرة وقاسية وكأنها من رصاص .
واصطدمت حبات البرد تلك بكل ماظهر في طريقها بقوة ،مفجرة نفسها بين شقوق الجدران ،وفي الزوايا ،لينضح منها الماء الذي يقتل الغبار،مذكراً الناس بأنه لا بد دوماً من وجه جديد للحياة .
عندما راقب نجيب حبات البرد عبر نافذته الخاصة ،فهم لعبة السماء ،والسر التي ترسله شجرة السرو ،فسارع إلى جواله ،وقام بفتح صفحته على الفيس بوك وقرر أن ينشر عما شعر به تجاه تلك الأخبار والصور التي جاءت من مدينة لم تعتد يوماً على الدخان ،من باريس حيث غنى جاك بريل أغنية نجيب ومصطفى المفضلة ،والتي غدت اليوم تخص مصطفى بعد أن ماتت داخل نجيب منذ رحيله .

*روائي سوري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق