ثقافة السرد

شجرة التوت

عبد المجيد طعام*

شق التعب والفقر تجاعيد غائرة على وجهه و برزت عروق عنقه ويديه فبدت منها دماؤه كأنها حمم بركان ساكن لا ينتظر إلا شرارة ليتدفق سيلا جارفا .. اعتاد ” الجيلالي” كلما أنهى عمله أن يتكئ على جذع الشجرة الوحيدة التي لا زالت واقفة وسط حي ” التوتة”… كانت ظلالها توقظ فيه الحنين إلى باديته التي هجرها منذ ثلاثين سنة …لم و لن ينساها أبدا ولم ينسجم بعد مع أجواء المدينة الكبيرة ، كان يردد دوما بكثير من الاستغراب :”كم هي كثيرة أزبال أهل المدينة !…أزبالهم ملقاة في كل مكان !”
كان ” الجيلالي” يحقد على الشمس أكثر من حقده على مدير شركة النظافة التي يعمل بها … الشمس اللعينة أقسى من المدير اللعين …الشمس ! لم تكن يوما رحيمة به كانت معاندة تدور معه عبر أزقة و شوارع الحي تتحول إلى مطارق تضرب رأسه و زنابير مؤذية تلسع جسده كلما انهمك في جمع الأزبال التي نثرها الناس هنا و هناك في هذا الركن و في ذاك المكان ..عزاؤه الوحيد كانت شجرة التوت التي تتوسط الحي كان يلوذ بظلالها، يضع رأسه على جدعها فتسري في جسده احساسات غريبة ، يشعر و كأن التوتة تمسح على ظهره برفق فيخف عنه التعب.
قبل غروب الشمس بدقائق كان يجر جسده عائدا إلى شقته الضيقة ضيق أنفاسه التي أتعبتها أنفاس سجائر من النوع الرخيص و مع مرور الأيام أصبح يستعجل طلوع الفجر ليعود إلى عمله من أجل أن يلتقي بشجرة التوت ، لم يعد يكره الشمس و لم يعبأ بحرارة فصل الصيف الحارق …. كانت ” التوتة” رفيقة به تمنحه الظل ، تهز أوراقها فينبعث منها نسيم خفيف بمذاق خدر لذيذ يسري عبر كل عروقه فيهدئ دماءها الفائرة .
مع أولى طلائع الخريف بدا ” الجيلالي” قلقا و بدت عليه علامات حزن شاحب لأنه يدرك أن الخريف إيذان بالنهاية و سيكون على شجرة التوت أن تتخلى عن أوراقها مجبرة فلن يكون بوسعه أن ينعش جسده بنسائم أوراقها المعطاء و في لحظة يأس قاتل لامس جذعها بيديه و أسمعها دقات قلبه و قال لها :” قريبا سأفتقد نسائم أوراقك و ظلك و دفء جذعك و إنسانيتك فمن سيحميني من عنف نفسي وقسوة مدير متعجرف … من سيحميني من شمس خريف ماكر ؟ ” انقضى الصيف و استمر ” الجيلالي ” يستعجل الفجر ليعود إلى عمله فيلتقي بشجرة التوت التي قررت أن تتحدى مكر الخريف ولا تتخلى عن أوراقها أبدا من أجله…

* كاتب مغربي، القصة من المجموعة القصصية “الماتادور”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق