قراءات ودراسات

قراءة في رواية “طيف..أنين الناي”للكاتبة مها القصراوي

الرواية شهادة حية معتمدة عن الواقع الفلسطيني وعلاقته بالواقع العربي، كان أجدى بمن يمنحون جوائزهم لمن هب ودب أن يمنحوا القصراوي عشر جوائز مجتمعة مرة واحدة
أسلوب القصراوي مترفع عن الجزئيات لأنه وظّف العموميات جيدا وأوصل رسالته
العنوان يشبه المحتوى فكما يحرك الناي الشجن في النفس فإن محتوى الرواية سمح للدموع ان تنهمر مثل مطر كانون في يافا

كتب :أسعد العزوني
قبل أيام وقعت بين يدي رواية بعنوان”طيف..أنين الناي”للكاتبة الفلسطينية بإمتياز مها القصراوي ،التي لا أعرفها شخصيا ولم يسبق لي أن قرأت لها شيئا ،وتبين انها ولدت وترعرت في الصحراء العربية ،شأنها شأن الكثير من الفلسطينيين الذين سعوا لطلب الرزق في أرض النفط،وأبدعوا وأخلصوا،لكنهم وجدوا أنفسهم عرضة للرحيل عند كل هزة تتعرض لها أرض النفط العربية ،وما أكثر تلك الهزات التي كان الفلسطيني يدفع ثمنها.
صدرت رواية القصراوي عام 2016 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان،وتضم 129 صفحة من الحجم المتوسط،موزعة على على 30 جزءا يحكي كل جزء منها قصة ،لكن فلسطين هي الحبل السري “بضم السين “الذي يجمعها،وكم أجادت الكاتبة القصراوي في ربط هذه الجأزاء بقضيتها الشخصية وهي القضية الفلسطينية ،كما لفت نظري ان القصراوي كاتبة من نوع خاص ،فهي لا تميل إلى الهوبرة والإستعراض ،بل كانت راكزة صريحة في إتهاماتها للواقع العربي لكنها ترفعت عم الجزئيات ولم تحدد الزوايا،وهو أسلوب علينا جميعا إتباعه للهروب من شباك العنصرية والشوفينية ،ناهيك عن قيامها بالسمو بإسم فلسطين ولم تذكر إسم قرية أو مدينة ،وهذا برأيي إن دل على شيء فإنما يدل على وعي الكاتبة السياسي والإجتماعي ونضوجها النفسي.
أعترف وانا الكهل البالغ من العمر 66 عاما أن دموعي بلّلت أوراق الرواية ،التي أنهيتها في جلسة واحدة ، أجبرتني فيها القصراوي ان اكون رفيقها في حلها وترحالها ،لكنها كما قلت أجبرتني على البكاء حد النشيج لحساسية وشفافية ما كتبته ،ولأنه يعنيني شخصيا ويرتبط بي ،وكانت القصراوي ماهرة في إنتقاء حرفها ما ساعدها على نسج روايتها غزلا رقيقا لكنه متين ،لا أحد يستطيع نقضه مهما أوتي من غطرسة وشوفينية ،وهذا هو حال الغزل الفلسطيني الذي ما يزال حيا بإذن الله رغم ما يتعرض له الفلسطينيون من مؤامرات تهدف لإجتثاثهم من قبل القريب قبل البعيد.
1
إستهلت الكاتبة مها القصراوي روايتها بالتساؤل عن الرحيل بكل أشكاله المعنوي والجسدي ورحيل الموت القصري ،ورغم انها أوحت للقاريء أنها تكتب في مجال العاطفة ،إلا ان العين الثاقبة تجد انها تتحدث عن الفلسطيني الذي لا يعرف معنى الإستقرار لأنه لم يعشه ،رغم أن غالبية الفلسطينيين يقيمون لاجئين في دول عربية ،لكنها لم تمنحهم الإستقرار أو الهدوء،بل كانوا مطاردين أينما حلوا ويحاسبون عند كل صغيرة او كبيرة.
2
في الجزء الثاني من الرواية تواصل القصراوي الحديث عن الرحيل ولكن في مكان آخر ومع أشخاص ىخرين لكن الفلسطيني يبقى حاضرا دون ان تعلن عن وجوده فهو صاحب الحل والترحال والهجرة واللجوء.
3
ما تزال القصراوي تمهد الطريق لتفجير قنبلتها المدوية التي تهدم قبل إعادة البناء،وتتحدث ربما عن نفسها وتقدم هويتها للجميع بأنها طيف ثائر متمرد على كل الأمكنة لأنه لا يريد الإستقرار إلا في فلسطين،رغم أن مسقط رأسها في بلاد الغربة.
4
ماهرة هي الكاتبة القصراوي التي مهدت الطريق سويا للإعلان عن نفسها ،وقد تحدثت بلسان رجل عاشق ولهان يبحث عن ضالته التي تعلق بها ذات سهرة في بيت أحد الأصدقاء،وكانها لا تريد المباشرة في الإعلان نفسها بل رغبت في الظهور من خلال نصفها الثاني الذي لم يحتمل فراقها بعد رحيلها ،ليتبين لاحقا أنها تربعت على مساحة الرواية بكاملها .
5
واصلت القصراوي توظيف نصفها الثاني في البحث عنها ،ووضعته في موضع العاشق الولهان الذي يناجي روحه وهو يمشي في الطرقات بحثا عنها ،وتغمره التساؤلات عن سبب رحيلها ،ويتخيلها معه ويتحدث معها رغم انه يبحث عنها ،وكم كات ذكية حين أوصلت لنا رسالة أن طيف ربما ذهبت إلى غزة التي تحترق عبر الأنفاق تهريبا ،لأن حدود فلسطين العربية تمنع على الفلسطينيين الدخول إليها ،كما ان سلطات الإحتلال ترفض عودة الفلسطيني إلى أرضه حتى وهو جثة هامدة في كفن.
6

بدات ملامح الفلسطيني تظهر في هذا الجزء،وقد هده الترحال والبعد عن الوطن وإنقطاع الصلة به ،وكذلك الحرمان واليتم والفقر والتهميش ،وكانت هنا توظف الأب الذي هو عامود البيت في الأسرة الفلسطينية ومن يحمي أولاده ويتكفل بإطعامهم وتعليمهم.
دخلت القصراوي علينا في هذا الجزء بوفاة أبيها الشاب الذي عانى من مرض السرطان ،وغاصت في الحديث عن العودة والغربة والحرمان ،وقالت ما أقسى اليتم ..والأكثر قسوة ان تولد في المنفى .وتكون بلا جذور.
7
لم تفصل القصراوي هذا الجزء عن الجزء السابق فما يزال موال الحنين إلى الوطن وتوصيف الحالة مع اليتم هو الطاغي في صوفية واضحة تجلى فيها جلال الدين الرومي ،ونجحت في توصيف الحياة بلا أب رغم انه ترك للأسرة مالا.
وكم كان والدها محظوظا لأن الإحتلال سمح لجثمانه بالعودة على غير عادته ودفن تحت شجرة التين وتحول جسده إلى غذاء للأرض،وهذه اللغة لا يفهمها إلا من اجبر على فقدان أرضه ،وقد اجبر الفلسطينيون على الرحيل بحيلة من قبل جيش الإنقاذ العربي الذي قال لهم انهم يعيقون عمليات التحرير التي يقوم بها ،وان عليهم ان يتحملوا الغربة أسبوعا او أسبوعين ومن ثم يعودون ،ولا ننسى أساليب عصابات اليهود الإرهابية في إجبار الفسطينيين على الرحيل،وها قد مرت سبعون عاما وما تزال مخيمات اللجوء قائمة.
8
تدخلنا الكاتبة القصراوي هنا في الجزئيات العميقة وتتحدث عن وضعها كيتيمة ،وكيف عانت في المدرسة ،ومع ذلك رفض حقيبة الملابس التي قدمتها لها مدرستها ظنا منها انها عاجزة عن شراء ملابس العيد،وكيف قالت لها:يا معلمتي ليست ملابس العيد هي المشكلة..لكن العيد لم يات إلينا ونحن لن نهب إليه وكانت تقصد بذلك أباها الذي رحل عن الدنيا بما فيها.
9
أتقنت القصراوي توصيف حياة الفلسطيني في الغربة فهو دائم الرحيل ولا يعرف طعم الإستقرار،كما انها اجادت في وصف أرض النفط بانها أرض الوهم والسراب نوكم تحدثت بغصة عن مسقط رأسها وهو ارض الوهم والسراب ،ولهذا لم تكن تحن إليه ،لأنه وعلى ما يبدو لم يبادلها الحنين.
10
تتحدث عن زيارتها لفلسطين عبر الأردن وتصف الرحلة وما كانت تعانيه فيها كونها كانت وحدية بدون أمها وأختها نورة واخيها ناصر،خاصة وان الوقت كان خريفا ،وتنتقل القصراوي هنا إلى مرحلة الجامعة ودراستها في جامعة اليرموك بإربد عروس الشمال كما تسمى في الأردن .
تعترف القصراوي بأنها إختطت لنفسها حياة خاصة في الجامعة ،ولم تتصرف بطريقة توحي بغير ذاتها ،حتى انها قررت عدم الإنتماء لأي تنظيم فلسطيني ،بحجة انها بصدد تكوين موقف ،رغم قراءاتها المتنوعة ،وهذه رسالة ان فلسطين اكبر من الجميع.
وتخبرنا طيف انها تعرفت على شاب فلسطيني من المخيم وطلب يدها للزواج لكنها رفضت من منطلق ان الزواج ليس موجودا في قاموسها.
11
تمعن القصراوي في الحديث عن الرحيل تجسيدا للواقع الفلسطيني ،فقد رحل طلال من حياتها بعد رفضها الزواج مكنه ،ظنا منه انها ترفضه لفقرة ،مع انها قالت له انها تفضله صديقا وليس زوجا،وهذا ما دعاه للهجرة إلى الغرب الذي أظهر على ما يبدو حنانا اكثر للفلسطيني من بلاد العرب.
12
ماهرة هي الكاتبة القصراوي التي اخذتنا في هذا الجزء إلى مخيم الوحدات من خلال زيارة صديقتها غادة التي كانت تساكنها الغرفة في الجامعة،وابدعت في وصف المخيم وبيوته المسقوفة بالزينكو ،كما زينت لنا العلاقات الإجتماعية التي تربط أهالي المخيم ببعضهم البعض.
13
تتحدث القصراوي في هذا الجزء عن امها الجميلة والحزينة على فراق زوجها مبكرا،وأظهرت القصراوي عظمة امها التي لم تنس والدهم ولم تقم بتشويه صورته امامهم وهذه حالة نادرة ان تبقى إمرأة فقدت زوجها مبكرا على ذكراه وتلبس السواد،ويبدو جليا ان فلسطين حاضرة في ذهن القصراوي على الدوام.
14
الحبل السري بضم السين ما يزال قويا في نسج القصراوي ،فهي في هذا الجزء تدخلنا بتؤدة في الحالة الفلسطيني عن طريق الخالة فاطمة صديقة امها الوحيدة في المنفى ،والتي تساءلت كثيرا :لماذا نحن الفلسطينيين كتب علينا هذا البلاء ..هو إمتحان إلهي ..وأجرنا عند الله عظيم…ان تعيش حياتك بلا وطن هو اعظم البلاء.
15
دخلت القصراوي في هذا الجزء في حالة حب مع مصطفى لكنها ما تزال متمسكة برفض الزواج لنه يقتل سمو العلاقة ،كما انها تخاف من الإرتباط خشية إعادتها إلى أرض الوهم والسراب ،ومع ذلك اجبرها على الزواج منه وقضت معه 21 عاما ،إنتهت بالإنفصال لسبب وحيد وهو انه لم يغص في روحها ويفهم سرها،كما انه كان دائم الرغبة في الهجرة إلى الغرب.
16
الحديث عن معاناة الفلسطيني لم ينقطع ،بل يأخذ مناح شتى نوهي هنا تتحدث عن غربة مزدوجة لزوجها مصطفى الفلسطيني البرجوازي الذي ولد هو الآخر في المنفى في أرض الوهم والسراب لكنهم رفضوا عودته إلى مسقط راسه بعد إنهاء دراسته في امريكا بحجة إنتهاء إقامته.
17
تعاني القصرواي كثيرا وهي تتحدث عن إنتقالها وزوجها إلى أرض وهم وسراب اخرى ،وما عاناه الفلسطينيون إثر زلزال عام 1990 بين العراق والكويت ،وأجبرهم على الرحيل قسرا،كما انها فتحت جرحا عميقا وهو دور الإفعلام المصري في التأليب على الفلسطينيين في الخليج.
18
تحدثنا القصراوي عن صديقة لبنانية تعرفت عليها في غربتها الجديدة ،لكنها لم تبتعد عن الحالة الفلسطينية ،التي عممتها على الحالة اللبنانية على لسان صديقتها ليان التي هاجرت إلى الغرب.
كما فتحت القصراوي ملف خطيرا آخر وهو وضع العربية والعربي في بلاد الوهم والسراب،وطبيعة التعليم وكثرة الأجانب الذي يطلق عليهم لقب”رفيق”بينما يصفون العربي بالجنبي.
19
تخبرنا القصراوي في هذا الجزء أن زوجها مصطفى لن يقبل الواقع كما هو في منفاه الجديد وانه سيرحل حتما وقد فعل وتركها وحيدة.
20
الوعي الكامن عند الكاتبة القصراوي قادها لفتح جرح العراق النازف فينا أصلا،واكثرت من أسئلة الإستنكار العربية عن سبب ترك العرب العراق وحيدا في مواجهة الغزو الغربي الذي إستعجل به أهل الوهم والسراب.
21
يرحل مصطفى زوجها وتبقى وحيدة ،هذه حقيقة وليست خيالا ،فأرض الوهم والسراب طاردة لنا كعرب لأنهم يعتبرون هدف وجودنا عندهم هو لسرقة خيراتهم ،لكنها تجذب الأجانب الذين يعتبرون أسيادا بغض النظر عن أصولهم.
22
تتجلى الكاتبة القصراوي في هذا الجزء وهي تحدثنا عن الشتات وما أصاب عائلتها بعد وفة أبيها وأمها ،وكيف وجدت بيت امها في الشميساني بعما بعد وفاتها ،وتحدثت مطولا عن طبيعة المكان وكأن أمها ما تزال في البيت .
23
وكأنها عالمة نفس حين تحدثنا القصراوي في هذا الجزء عن آثار التشرد والمعاناة والوحدة ،وتخبرنا انها قررت العودة إلى الله والإقتراب منه ،وكأنها تعلن دخولها حياة التصوف،وانها قرات كثيرا ووجدت ضالتها في جلال الدين الرومي.
24
لا يغيب العراق عن المعاناة الفلسطينية ،وتظهره لنا الكاتبة القصراوي من خلال صديقتها العراقية سندس التي تعيش مع زوجها الصحفي الأردني في عمان ،ولا يخلو بيتهم ليلة من سهرة تضم فلسطينيين وعراقيين وسوريين ولأن العراق كان يشكل املا بالنسبة للفلسطينيين فإن القصراوي تعرفت على رجل مثل لها الأمل في بيت سندس.
25
تناجي الكاتبة القصراوي نفسها وهي تحدثها عن حياة المنافي ومعاناة المنفي ،وكيف ان الفلسطيني الذي أخبروه انه سيعود، قضى عمره وهو ما يزال في الغربة،ومع ذلك تؤكد القصراوي تصميم الفلسطينيين على العودة.
26
تتحدث الكاتبة القصراوي في هذا الجزء عن لقائها بشخص اعجب بها وأراد الزواج منها ،ولكنها رفضت ،وعرض عليها ان ينشر قصائدها ،فقالت له انها تكتب الشعر ليس للنشر.
27
يبدو ان الكاتبة الصراوي تتراجع بعض الشيء هنا وتعلن ان خالد الذي إلتقته مؤخرا هو أجمل أقدارها،وقد أصبحا يلتقيان شبه يوميا ،فهما وكما قالت فإنهما يعانيان من نفس المشكلة ..الهجر،لكن كلمة الزواج كانت تهزها.
28
تحدثنا الكاتبة القصراوي عن دعوة سندس العراقي لها ومفاتحتها بأن عريسا يريد طلب يدها انما جعلها في وضع عصبي حرج ،لامت فيه سندس على عدم إخبارها بالهدف من الدعوة سلفا.
ترطب سندس الجواء قليلا وتمنع طيف من المغادرة ويدور نقاش بين الحاضرين في السهرة ،ويجرؤ علي بسؤال طيف إن كانت دموية ام لا
؟.فتجيبه انها تؤمن بضرورة ان يسيل الدم لتطهير الشعوب العربية من واقعها.
29
تعود طيف إلى بيتها مساء ولم تشعل النوار لتبديد العتمة ،بل فتحت التلفاز لتتابع العدوان على غزة وتغوص في حوار مع نفسها حول مآسي الفلسطينيين المتكررة في اماكن شتاتهم ،مستعرضة المجازر التي إرتكبت بحقهم مثل صبرا وشاتيلا،مؤكدة ان فلسطين قضية إنسانية تهم كل حر وشريف.
30
تختم الكاتبة القصراوي ان طيف ملّت من واقعها وبدأت تفكر بالرحيل وهي التي كانت ترفض ذلك رفضها للزواج،وفي خضم ضياعها إلتقت براعية أغنام ،جلست بالقرب منها وسألتها عن سر حزنها ،فاجابتها طيف انها فقدت امها وأبيها.
مسحت الراعية دموع طيف وأخبرتها أن إسمها انوار،وأخبرتها أيضا انها ليست وحيدة لأن الله معها،لكنها إختفت وأغنامها فجأة وتركت الفرح ينمو في نفس طيف ،كون القصراوي أغلقت باب اليأس وقالت ان الفرج آت بإذن الله.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق