قراءات ودراسات

النقد الثقافي في مرآة أحمد دلباني… نص النقد.. نقد سرديات المأسسة والتمركز

قلولي بن ساعد*

يشهد الوسط الثقافي العربي في السنوات الأخيرة إهتماما بالغ الأثر لدى عدد من النقاد والباحثين بتيار جديد من النقد والتحليل .. إنه النقد الثقافي كمعبر عن إبستيمية تمثل رافدا مهما وأساسيا جاء ليستكمل جوانب الأجزاء الأخرى والإنقطاعات التي لم يستطع النقد الأدبي النصوصي ترميم فجواتها بصرف النظر عن المنهج المستخدم فيها ونسبية إنتاجيته على إعتبار أنه لا وجود لقراءة صحيحة وأن كل القراءات هي (إساءة قراءة ) كما يرى جاك ديريدا ولإختلاف أهداف كل منهما والأبعاد التي يحاول أن يؤسس لها أو أن يساءل أسسها ومضانها الأساسية عبر النصوص الإبداعية والخطابات الثقافية عموما التي يتفاعل معها ولئن كان النقد الأدبي  كما نعرف جميعا مع العلم أننا هنا نفرق بين النقد الأدبي والدراسة الأدبية أو ما يسمى النقد الأكاديمي على ما بينهما من فروق وإختلافات…
ذالك أن الدراسة الأدبية هي عمل أو بحث يمكن أن يقوم به أي دارس أو طالب بحكم وظيفته المهنية وتوقه إلى التحصيل الدراسي والمهني بينما النقد الأدبي هو ممارسة وهم ثقافي وأدبي يستمد قوته وثراءه من الإستعداد الفطري للناقد المبدع ومخزونه القرائي وموهبته الأساسية ورغبته المحمومة في إستكمال ملف الكتابة الإبداعية وإضاءة مضمراتها على مستوياتها المتعددة إستخلاصا لقيم جمالية أو مرامي دلالية أو إزاحات نقدية تسمح بإستخلاصات ونتائج مضمرات النص الإبداعي في أشكاله وأبعاده المتنوعة عبر أدوات إجرائية تنتمي إلى منهجيات ونظريات متعددة تكشف عن ضروب شتى من الأشتغال اللغوي والوظائف الإسنادية والنصوص الغائبة أو المرجعية وغيرها في حين أن النقد الثقافي أو ما يتصل به من مفاهيم قريبة منه مثل (النقد التاريخي) عند محمد أركون و(نقد الذات المفكرة ) عند علي حرب و(النقد المزدوج) أي نقد الأنا والآخر عند عبد الكبير الخطيبي و (النقد مابعد الكولونيالي) مثلما يسميه أدوارد سعيد و(نقد المتعاليات) عند محمد بنيس والتحليل الثقافي والدراسات الثقافية والمادية الثقافية وغيرها ليس من إستراتيجياته مطلقا أدبية النص أو إبداعيته والقيم الجمالية التي يحاول أن يكرس لها… إنه يبحث في المنسي و(اللامفكر فيه) لمساءلة بنيات النص الإبداعي وأنظمة الخطاب الثقافي ككل والحفر عن الأنساق الداخلية للمعرفة والثقافة التي يشكل الملفوظ الأدبي والخطاب الثقافي خلاصتها الإبداعية والرمزية لإختبار فعاليته وهو يحاور ما يربض خلف النص ليقول ما لم يقله النقد الأدبي النصوصي مبتعدا قدر الإمكان عن ثقافة الحسم النهائي والوثوقية العمياء وقيم النسخ والتكرار والتماثل لتحرير الضمير الثقافي أو لنقل تحديدا المثقف النقدي الذي ينتمي لهذا العصر حدسا وعقلا وتخييلا من إرث لا زال يسكن تجاويف الكتابة النقدية كخطاب مثل كل الخطابات الأخرى جدير بالنقد والنظر والإمعان للتعرف على نسق إنتظامه ضمن (الأوالية النقدية ) التي تعنينا في هذا الزمن الثقافي المتحول وقد يدشن بداية تفكير جديد وتأسيس جدلي لحقل جديد من الممارسة النقدية يقطع نهائيا مع ثوابت ثقافة الوصايا و(المشيخة النقدية ) ذات الإرث المدرسي وسلطة الدال المفقر والمدلول المغيب ولأن النقد الثقافي لا يدرس أدبية الأدب أو ما يجعل الأدب أدبا بصرف النظر عن ما يحيط به من مؤثرات- خارج نصية بل يؤسس وجوده على ثقافة الخلخلة والمساءلة … مساءلة المنظورات الخطابية التي تكتنف أبنية النص الإبداعي أو الخطاب الثقافي عموما المرتبطة بالمعرفة والسلطة طالما أن  التساؤل هنا هو عن (تقوى الفكر ) كما يرى هايدغر لينفتح على ما يربض خلف النص الإبداعي من هوامش قصية  وعلى إستيهامات شتى تبحث في قضايا الوجود والمخيال  والثقافة والذات كمعرفة لا تتمركز حول ذاتها كما يفعل بعض الشعراء النرجسيون ولا تؤمن بما هو نظري علموي منهجي  طالما أن هذه المحاور تشكل مركزيات والنقد الثقافي قام في أسسه على أنقاض هذه المركزيات بل إنه يناهضها ليختبر فعالية الفكر نفسه بما يجعله جديرا بهذا (الوجود النقدي ) في بلورة الأسئلة والقضايا التي تسكن تجاويف كل معنى ينطوي عليه نص إبداعي أو خطاب ثقافي وعليه وضمن هذا المنظور تشكل المساهمات المتعددة لأحمد دلباني  موضوع حديثنا الذي سنخصصه فقط لمقارباته للنص الإبداعي دون أن نتجاوز ذالك إلى غيره من الخطابات الثقافية  الأخرى بإعتبار أن النقد الثقافي لا يتناول فقط  نقديا النص الإبداعي بل مختلف الخطابات الثقافية مع محاولات تحديد الأسئلة والقضايا  التي تعني النقد الثقافي وإشكالياته  وما تستدعيه هذه الإشكاليات  من تباينات في زوايا النظر  وتفاعلها الوثيق مع المقروء نصا إبداعيا كان أو خطابا ثقافيا في هذا السياق تجربة مميزة ففي دراسة له بعنوان ( ديوجين يكسر مصباحه من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي ) يعلن منذ البداية إنحيازه لهذا النوع من النقد واضعا علامات التأسيس التي أرخت فيما يرى لخطاب النهايات  والموت الرمزي (للمأسسة النقدية ) أي تحولها إلى مؤسسة تكرس لقيم الإمتثال والإتباعية والخضوع للتقاليد والمقاييس والإلزام القسرية ولكل مركزية أو خطاب أبوي شوفيني يرى الآخر المقصي المختلف مجرد هامش لاحق له في  (إقتسام الفهم) بتعبير ميشال فوكو من مثل (موت التعالي- موت الإنسان – موت المؤلف – نهاية الحداثة) وبإختصار شديد يقر أحمد دلباني  أنها( السرديات التي أعلنت ضياع الإشارة ليغرق العالم  من جديد في السديم)(01) وقد تحرر من اللوغوس – الدليل الواحد الذي أقامت عليه العقلانية الغربية مسارها الفلسفي والأنطولوجي والتي ناهضها جاك ديريدا ومن معه من فلاسفة الإختلاف ومن نظام الفكر السابق المقيد لأحادية المعنى من هنا تنبثق البداية الفعلية لعملية (إقتسام الفهم) كما يعبر عن ذالك ميشال فوكو طالما أن(نهاية الإنسان هي عودة بداية الفلسفة)(02) وإذن فثمة هجرة بإتجاه نقد أكثر شمولية  وجذرية يمر حتما عبر تملك وتمثل دروس الفكر المعاصر المسكون بالتعدد والإختلاف الكوني الصاعد للنفاذ إلى مواطن السلطة الأخرى …سلطة المكبوت و(اللامفكر فيه) على إعتبار أن هذا النوع من النقد أعني النقد الثقافي مثلما يرى أحمد دلباني ( لم يتنطح أبدا لمسألة الأدبية والجمالية وهولا يضعها في جدول أعماله حيث ينقب إركيولوجيا لإستكشاف مضمرات الثقافة ومآزقها ومحدوديتها وأشكال الإستبعاد التي تمارسها على الآخر المختلف) (03) إنه شعور ربما( بمرارة الراهن النقدي)  وما لم يلامس حدوده وأطرافه على الأقل النقد الأدبي النصوصي بغية إحضار ما هو عصي على الحضور أو لأن حضوره تأخر قليلا أو لأن ثمة صعوبات جمة حالت دون حضوره لذالك ليس من الصدفة ولا من (مكر النقد)  إن جاز لنا هنا أن نستخدم المصطلح الشهير لهيغل (مكر التاريخ) مع تغيير طفيف في المبنى لا في المعنى   أن يعلن أحمد دلباني أن هناك ضرورة أملت عليه التوجه إلى النقد الثقافي لعل منها(تفحص أسس الثقافة ككل والمنجز الثقافي بوصفه جزءا لايتجزأ من هذا الكل ولا يمثل فقط جزيرة معزولة وسط أوقيانوس الفضاء الثقافي الإجتماعي)(04) على الرغم من أن محددات النقد الثقافي عند أحمد دلباني تتباين رغم بعض التقاطعات عن قصدية ما ظل يدعوا إليه الدكتور محمد عبدالله الغذامي في كتبه ودراساته المتعددة ومنها على وجه الخصوص كتابه  المهم والأساسي( النقد الثقافي ..قراءة في الأنساق الثقافية العربية ) ..صحيح أن الغذامي إعترض على الجانب السائد في النقد الأدبي من حيث إقتصاره فقط على الأدبي الجمالي الصرف (والقدرة على معرفة عيوب الخطاب وملاحظة ألاعيب المؤسسة الثقافية وحيلها في خلق حالة من التدجين والترويض العقلي والذوقي لدى مستهلكي الثقافة وما يسمى بالفنون الراقية والأدب الرفيع)(05) لكنه إكتفى أولا في المقدمة التي وضعها لكتابه بالدعوة إلى( موت النقد الأدبي) وهي دعوة نعتقد أنها في غير محلها بإعتبار أن النقد الثقافي مشروع إستكمال وليس إلغاء وهو شكل من المساهمة والإثراء في المعمار النقدي والثقافي المتبادل على دعائم وأسس حوارية دون تعسف أو شوفينية وأن محدداته وآلياته من الناحية الإبستمولوجية التي تجد تجذرها في النقد التفكيكي الذي لا يعتبر هو الآخر منهجا بقدر ماهو مجرد تصور أو رؤية مثلما يؤكد على ذالك ديريدا  من حيث أنه يعلي من أهمية القارئ- أعني هنا التفكيك – بإعتباره المؤول الأساسي في إنتاج المعنى مزيحا شيئا فشيئا سلطة المؤلف – المؤلف طبعا هو المعادل الموضوعي أو الوجه الآخرلسلطة الدليل الواحد التي أقامت عليه العقلانية الغربية مسارها الفلسفي والأنطولوجي تكريسا لقيم الإختلاف التي تدعوا إلى التواصل لا إلى الإلغاء وبناءا على هذا فالنقد الثقافي لا يمكن إعتباره بديلا عن النقد الأدبي النصوصي أو مبشرا بموته الرمزي إنما جاء فقط ليستكمل تغطية بعض الفجوات التي لم يستطع النقد الأدبي النصوصي محاصرة المآخذ التي تنطوي عليها والإحاطة بها نظرا لنسبية قدرته على فعل ذالك ونسبية إنتاجية أي منهج مهما بلغ من فعالية بفعل فلسفة التطابق والتماثل التي يفرضها على مستخدمه سواء تعلق الأمر بالمناهج السياقية التاريخية والنفسية والسوسيولوجية أم بالمناهج الداخل – نصية أو النسقية وأدواتها الإجراءية الخاضعة لكل مظاهر التشاكلية  التي تلزم الناقد أو الدارس بالإنصياع لمتعالياتها المدرسية والتعامل معها بمرونة ما أمكن ذالك ثم تحدث أي الغذامي عن الأنساق الثقافية العربية وما يربض خلف النسق الثقافي الشعري تحديدا الذي قام بتعريته فيما يسميه (بخطاب الشعرنة) أي ذالك النسق الشعري  في الذات العربية المبدعة حسبه فقط في صناعة وإنتاج الفحل الشعري والطاغية والشاعر النرجسي كمركزيات لابد من تعرية مضمراتها بصور مغايرة مع إختلاف المعطيات والوقائع ولم يتجاوز ذالك إلى الإنخراط  في شؤون المغيب والمنسي وما ينطوي عليه الخطاب الثقافي عموما من مضمرات منتجة لمعنى محدد بإتجاه معين من موقع ربما وظيفي هيمني يريد أن يكرس دالا واحدا للمعرفة وهو الإنشغال الذي يتمسك به أحمد دلباني إلى النهاية كي لايبقى أسير دائرة ضيقة طارحا السؤال التالي  ماذا يعني النقد الثقافي  إنه يعني(خلخلة الأصول والبديهيات والجذور التي قامت عليها الثقافة العربية في شكلها المؤسسي المهيمن  )(06)   لقد سعى الباحث إلى تجريب شكل جديد من الممارسة في سياق  قراءته للنص الإبداعي  من منظور النقد الثقافي الجذري حيث يتم الإعتراف بأن مجال البحث يتعلق بأمر يهم المتلقي لا المنتج فقط في الزمان ونعني بذالك فهم حدود ومحدودية ونسبية التلقي أو القراءة …كان هذا واضحا في المنجز النقدي الذي خص به الشاعر الكبير محمود درويش عن (موت التاريخ أو منحى العدمية ) وعبدالله بوخالفة في (فجيعة التروبادور) من خلال تحديده للمنظومة الرمزية التي يتفاعل معها علائقيا في سياق تحديد موقعية النصوص الأخيرة لمحمود درويش على صعيد (الرؤية  للعالم) بتعبير لوسيان غولدمان   كون الشعر مثلما يقول الدكتور عزالدين إسماعيل (تأسيس بالرؤية) وهي النصوص التي تمثل خروجا متعمدا عن سرديات الكفاح التي ميزت منجزالشاعر طيلة أربعين عاما أوأكثر  بإتجاه إنفتاح منجزه الشعري الأخير على أبعاد الوجود والذات والمخيال رؤية ونسقا إسلوبيا بحيث يصير الفضاء الشعري أكثر إتساعا ورحابة  الذي يشد الشاعر إلى العوالم القصية  مرتبطا بمدى قدرته على إنفتاح منجزه الشعري على آفاق حساسية شعرية جديدة  تطرح قطيعتها النهائية مع خطاب النهايات  أو موت التاريخ  طبعا ليس بالمعنى الذي يتواتر صريحا في (نهاية التاريخ والإنسان الأخير ) لفرانسيس فوكوياما)و (صدام الحضارات) لصاموئيل هنتغتون ومن معهما من المحافضين الجدد ( حيث تغليب الرقم على الإسم وإنقضاء التاريخ على التاريخ وما بعد الإنسان على الإنسان والسلعة على القيمة )(07) ولكن موت التاريخ بوصفه(مسرح الإنعتاق الشامل للإنسان بالثورة )(08) كما يعبر أحمد دلباني وقد تحول إلى مجرد يوتوبيا سرعان ما  أظهرت وجهها الزائف.. التاريخ الذي كان  في وقت ما هو ما يجعلنا نتجذر في العالم وقد صار مجرد سردية فقدت مبرر وجودها أو أنها أكدت تاريخها من خارج التاريخ الفعلي بوصفه نتاج حلم لإنعتاق الإنسان  من خطاب شوفيني أو مركزية عمياء  لا تقر بالتعدد الثقافي والإختلاف الفكري ( للهامش اليقظ) يتعبير الخطيبي والذي لا يتحرك سؤال الإختلاف إلا منه وفيه لعلاقته بعقول الناس ووجداناتهم ومعتقداتهم ومصالحهم وكان لابد مثلما يقول فرانسوا ليوتار( أن تحترق المكتبة وأن يبدوا الأمر كما لوكانت السردية المغلقة القديمة  قد صارت رمادا وهلك معها تنينها الحارس )(09) لينبثق سؤال العدمية فاغرا فاه من خلال العودة إلى الذات بحيث تكون الوجهة  هي بعث روح الأشياء من جديد للإفلات من ضغوط السرديات القديمة والإكراهات الضاغطة للمرحلة داخل مناخات جديدة من الكتابة تتجذر في الذاتي  والوجودي لتلامس المسكوت عنه داخل طيات الجسد هذا ما جعل أحمد دلباني يتساءل قائلا( ماذا سيفعل الثوري هل يجابه السديم بخطاطاته الجاهزة  ويلقن التاريخ درسا في لاجدوى المكر والسخرية بمصائر البشرية)(10) ثم يستدرك ( لا طبعا ليس ذالك شأن الشاعر التراجيدي  الذي يريد أن يبقي على صحوه أمام إتساع الهاوية )(11) وقد صار النص قريبا من الشاعر ومن عذاباته ومكابداته يسكن من خلاله العالم ويسكنه  فهو ليس بالكيان الغريب عنه الذي تحدده قوى ومتعاليات خارجية  عند تشغيل آلة الرصد لما تتطلبه المرحلة وما تنطوي عليه الحالة النصوصية في تعاطيها مع سرديات الكفاح وإبداعيتها الظرفية الأقرب إلى مناخات الشعر النكسوي الإنهزامي الغنائي الثوري ليستخلص من كل ذالك  ومن كافة التيمات التي توقف عندها مسائلا إياها  وعن تمظهرات ورودها وإنبناءها في النسيج الشعري لنصوص الشاعر الأخيرة  أن الشعر ما عاد عند درويش مجرد تواترات على تيمات خارجية  أو تبدلات تتم داخل  ما يسمى  (بحقل الحضور الأولي للكتابة الشعرية  ) إنه الشعر الذي (صاريتاح له جماليا  أن يخترق شتات التجربة  وسمك الأحداث ليقول الجوهري والأساسي)(12) ككل التجارب الشعرية الرائدة في العالم من شارل بودلير إلى رامبو إلى هولدرلين وأوكتافيوباث ومحمد بنيس وكاتب ياسين وأدونيس وغيرهم في حين يتميز العمل الثاني لأحمد دلباني والذي خص به شعر ورؤيا عبدالله بوخالفة  في أنه يجمع بين الشهادة والدراسة  بالعودة إلى نصوصه التي كانت تمثل آنذاك  أي في زمنه طفرة نوعية  بالنظر إلى ماكان متداولا  من تجارب وممارسات شعرية إكتفت  بتلك المحاكاة الساذجة لخطاب دعائي تهدمت مختلف وثوقاته بفعل تداول قيم شعرية جديدة ناهضت الإفلاس الإبداعي إلى حد الخروج عن فخ التصنيفات المعيارية والإيديولوجية وبدأت تطرح أسئلة الخيبة والحيرة والمصير بعنفوان إبداعي لا يعتمد على المطمئن من الصور الجاهزة واللغة التي لاترضي سوى غرور القارئ النمطي المتعود على نحو خاص من النماذج الشعرية  التي يغلب عليها التحقيب المدرسي وقواعد الأغراض الشعرية  والمفاضلة و(الوساطة) المتخاصم حول حدود شعريتها في مرحلة مفصلية من التاريخ الثقافي للجزائر  لا لإضاءة نصوص بوخالفة فقط ولكن بهدف أكثر إثارة وتعقيدا وجدوى وهو الكشف المعرفي  عن اللامفكر فيه في شعر وحياة ورؤيا عبدالله بوخالفة أو عن الوجه والقناع والغموض الذي إكتنف سيرة هذا الشاعر ورؤياه وللتدليل على ذالك مثلا ماالذي صنع أسطورة هذا الشاعر شعره أم إنتحاره  أم الإثنين معا رغم أنهما لايتلازمان مثلما يستنتج أحمد دلباني  ومن هم (كتبة ديوان الإنشاء ) على ما يذكر أحمد دلباني  مثلما يصفهم  من مجايليه والأجيال السابقة عليه وما قصة ذالك الإنقلاب المفاجئ الذي حدث له في الأشهر الأخيرة التي سبقت رحيله ….هذه  التساؤلات وغيرها  مما يتعلق بحياة وشعر ورؤيا عبدالله بوخالفة  الإبداعية والفكرية وقراءاته المتعددة ومحددات التجربة الشعرية التي كان يؤسس لها ومرجعياته التي ساهمت في تكوينه الثقافي والفكري  وتطور مساره الإبداعي    والإنقلاب التراجيدي الذي حدث له  يطرحها أحمد دلباني من موقع الباحث   عن معرفة  تؤدي في أقصى حالاتها  وآفاقها  إلى بلورة رؤيا جديدة  في النظر  إلى المنجز الشعري  لعبدالله بوخالفة  تأتي كجزء مكمل  للبياضات والفراغات  التي تركها النقد الأدبي النصوصي  مفتوحة على المزيد من أشكال القراءة والتأويل  في سياق تلقيه لهذه التجربة على قلته وعليه فالقراءة التي يقترحها أحمد دلباني من منظور النقد الثقافي  تختلف تماما عن ذالك النقد  الإصلاحي منه أو المادي الدياليكتيكي في طبعته الإشتراكية  الذي كان هو السائد  زمن بلوغ تجربة بوخالفة الشعري ذروتها الإبداعية  خارج ما كان سائدا ومقبولا آنذاك  والذي كثيرا ما كان هذا النقد الغرض منه في غالب الأحيان  الإنغراس في العقدي  والموروث  والتنميط الأرثوذسكي  بالسياسي والإيديولوجي السائد  ضمن ألوان وتنويعات تبقى دائما في حاجة  إلى عكاكيز مدرسية  تبرر مشروطية بقاءها  ككل محاكاة ساذجة  لخطاب دعائي تصب في مصلحة  السلطة السياسية أو الأكاديمية  – طبعا( أنا أتحدث في المطلق ولا أعني جهة بعينها )- بما هي مركزية هي الأخرى  تتمأسس حول ذاتها  بما تملك من أدوات التوجيه  والإنصياع  والإملاء  لا يتوانى النقد الثقافي  الجذري يتبارى  في كشف وتعرية  أشباحها وأصنامها ودحض  مبرراتها وأوهامها البسودو – علمية – مما يقدم واضحا ومفهوما لا يشوش على الذائقة  التقليدية  نومها ونعاسها الوظيفي  المطمئن  إلى ما أستقر من ثوابت لا تقبل المساس أو على الأقل الإختراق الشكلي  في مطلق العد العكسي  والعودة بالتالي  إلى قيم ثقافة الإمتثال  والمطابقة وعليه  فإن النقد الذي يدشن به أحمد دلباني  رحلة معايشته من جديد لمنجز عبدالله بوخالفة الشعري  من منطلق النقد الثقافي نعتقد أنه على درجة كبيرة من الأهمية والتميز بوصفه (مساءلة لأسس الإبداع ومضمرات الرؤية الثقافية  والإيديولوجية  التي تربض وراء الأثر الإبداعي والفني )(13) من خلال حوار نقدي يملك رؤيا متكاملة  لنتاج عبدالله بوخالفة  الشعري  ومسيرته ورؤياه   مستفيدا من معرفته الخاصة  بشخصه  ..كل هذا يستخدمه  أحمد دلباني في مكانه فيدخل في نسيج الدراسة  كجزء عضوي منه وكعنصر إضاءة لمضمون هذا الحوار النقدي  وعوامل كشف لغوامض  ما إكتنف سيرة عبدالله بوخالفة الوجودية منها والإبداعية إن هذه الدراسة – الشهادة  لاتحمل فقط رؤية الباحث والناقد وصوته الواحد الأوحد  بل تحمل أيضا وخصوصا  رؤيا الشاعر  سواء تلك المبثوثة عبر نصوصه  أو ما جاء في حوارات ولقاءات معه  أثبتها الباحث  في ثنايا الدراسة  وقد صيغت في نسيج متشابك من التحليل النقدي الثقافي  الذي يمتلك وحدة عضوية من رؤية أحمد دلباني  وشمول نظرته إلى موضوعه  وكذالك من تعددية وديمقراطية تعامله مع مختلف عناصر الموضوع  والأصوات الداخلة فيه  وقد أشار إلى ذالك صراحة حين قال (إنني حين أتحدث عن الشاعر عبدالله بوخالفة لاأتناول النص لوحده فحسب  بل وبدرجة كبيرة أيضا الحياة القصيرة العاصفة  التي عاشها  وهذا من خلال معرفتي به لمدة أربع سنوات هي الأخيرة من عمره )(14) هكذا يريد أحمد دلباني أن يؤكد أن الطريق إلى تأمل هذه التجربة  نقديا لاتتم فقط من خلال نصوص الشاعر بل ينبغي أن تتجاوز ذالك إلى ما تخلل حياته العاصفة بتحولاتها المتعددة بوصفه ظاهرة تستدعي تأملا طويل النفس  في نطاق الرؤيا الإبداعية والفكرية التي كان ينطلق منها ثم أيضا قصة إنتحاره  وقبل ذالك إنقلابه المفاجئ و عودته الغير متوقعة  إلى فضاء الثقافة الدينية  بعد أن إنسلخ عنها في البداية  من هنا لا يمكن إعتبار إنتحار عبد الله بوخالفة  مثلما يرى أحمد دلباني (إنتحارا مرتبطا بقضية ما  وإنما بأزمة الإفاقة  على العراء الوجودي  الذي لم يستطع مقاومة لفحاته رغم محاولته الأخيرة تأثيث  باقي أيامه بمصابيح المعنى الديني  الذي وفرته له ثقافته )(15) بمعنى انه لاينبغي أن يقرأ إنتحار عبدالله بوخالفة  بصورة مشابهة لإنتحار ديوتيفسكي أو خليل حاوي أو جيل دولوز أو فاروق سميرة وغيرهم كما لا يمكن أيضا إعتبار أن البحث عن معقولية لقلق وجودي أو وجداني   يتجسد في الإنتحار  طالما (أن كل إنتحار هو إفساح في المجال لولادة مظاهر أخرى  بل إنه تمظهر سعيد للإرادة )(16) وهكذا لا يغدوا أمام الجسد إلا الإنفجار  رغم أنه ليس  الطريق  إلى التخلص من إكراهات الوصول  إلى حافة النهاية – نهاية تمثل ما أصبح مستعصيا على إستكناه خباياه  وأنسجته  الوجودية  أو ما وصفه أحمد دلباني (بالوصول إلى الجدار)  وطالما أن الإثنين لا يتلازمان معا  على ما يذكر أحمد دلباني أعني هنا الإنتحار والموهبة الإبداعية  فقد حاول الباحث من خلال تحولات علاقة الشاعر مع ذاته  التي تناضر الإنقلاب الذي حدث له النظر والتمعن في رؤياه الإبداعية والفنية  والتيمات والرموز التي شغلته كتيمة الطفولة مثلا  التي شكلت فضاءا (لإنسلاخ رؤية الشاعر من العالم المستنفذ  في ركام القراءات الإيديولوجية التي ظلت تمثل مبررا لإحتكار السلطة معنى الوجود الإنساني )(17)و لا يتجاهل أحمد دلباني كما يعرف كل من عاصر عبد الله بوخالفة  حضور هذا الأخير وموقعه  ضمن خارطة المشهد الشعري الجزائري  خلال فترة نهاية الثمانينات  كصوت شعري مختلف في زمنه  إرتبط مع بداية تشكل النواة الأولى لبروز حساسية شعرية جديدة  شكلت نشازا آنذاك كأهم فداحات (الوعي الممكن ) بتعبير لوسيان غولدمان لتجربة لاتستكين للسائد  الشعري والمقبول آنذاك بل تهدف إلى خلخلة وتفكيك (الأسس العائمة ) في الكتابة الشعرية وقد أحدث هذا الشاعر  (رجة في مسار القصيدة الجزائرية وأشاع فيها بهاء الثورة الشاملة  على مستوى الرؤية والتشكيل معا )(18) دون أن يتنازل قط عن مواقفه ورؤياه  الفكرية  أي أن الثورة مفهومة عند عبدالله بوخالفة  لاتكمن فقط في قضايا  (المثقف الثوري – العضوي ) بالمعنى الغرامشوي للكلمة وتسريبات الإنعكاس الإبداعي والإلتزام السارتري المسكون حد النخاع بالنضال والصراع الطبقي  بعيدا طبعا عن تلك المحاكاة الساذجة  للواقعية المسطحة  التي كانت هي السائدة بل المهيمنة بل ينبغي أن تتجاوز ذالك أيضا  إلى تثوير الأشكال الفنية وتفجير اللغة  وتحديثها بما يخرجها من تماسكها الموهوم المفرغ من أي دلالة   وتعقد ضبابية تعاطي الشاعر الجزائري عموما مع الواقع  إستجابة لمشروطيتها الجمالبة والفنية  والبنائية  رغم أن الجو الذي كان سائدا آنذاك كان يعمه إبتذال وتسطيح عميق للشعر والسرد معا  مما أرغم عبدالله بوخالفة على أن يصف البعض من مجايليه والأجيال التي سبقته (بكتبة ديوان الإنشاء) الأمر الذي جعله يعاني عناءا شديدا في إجتراح رموزه الخاصة وعدم الإكتفاء بالرمز الجاهز المستنفذ  فتقمص وجه التروبادور  بوصفه (الشاعر نفسه وقد أصبح كونيا  يختزل في معاناته عذابات رحلة الإنسانية المسحوقة )(19) مثلما وجد في رمضان حمود (صوت الشاعر الجزائري الشاب الذي مثل إبداعه  إنتفاضة فنية مبكرة في المتن الشعري الجزائري حادت عن قيم القصيدة التقليدية وعوالمها )(20) حتى ولو أنها صارت الآن مجرد جزء من متن شعري جزائري سابق  أنهى حالة الإنفصام والتردد بين المعطى التقليدي والحديث في الكتابة الشعرية وإنخرط إنخراطا مختلفا في زمنه صوب كتابة شعرية  تجريبا مغايرا لسالفه من التراث الشعري الجزائري ذي النبرة الخطابية وإيقاعاته النظمية  ومحاولات (الصناعة الظرفية للمتخيل الشعري ) ولكنها لم تعد تجيب عن أسئلتنا الإبداعية بالنظر إلى صيرورة الوجود والتاريخ ووعينا المختلف لكتابة شعرية تغوص عميقا في المنسي والمغيب عن معنى للإختلاف  يسكن تجاويف الطفولة  والمعرفة والسلطة والشفوي والعالم والوعي الجمعي والوجود  يتقصد الكشف عن مضمرات  الرؤية الإبداعية لهذه التيمات كمعطى إبداعي طبعا و كوجه آخرلسؤال القصيدة  الذي هو سؤال الكتابة عموما في حيرته طالما أن الكتابة الشعرية صارت تتجاوز كل أشكال الشلل الإبداعي والتدجين المعرفي  إنها تعني فيما تعني أن حيرة الشاعر المعاصرالآن  وقلقه الإبداعي والوجودي هي جزء لا يتجزأ من بلاغة الكتابة عموما ضمن معطيات جديدة إتسمت  بنهاية التاريخ ممثلا  في تلاشي بريق  اليوتوبيا الإشتراكية  وسقوط مختلف الوثوقيات العمياء وإحلال وعي الإختلاف محل التطابق والتماثل  بعد (الإنسحاب التدريجي للمثقف الثوري من الواجهة وتسليمه حق الكلام للمثقف النقدي الذي تجاوز التبشير باليوتوبيا  إلى تفكيك بنية الهيمنة ونقد المركزيات ومراجعة آليات العقل الإيديولوجي )(21) بل وكشف ألاعيب اللوغوس وتهاوي كل الأبويات وتعرية الأنساق الثقافية المهيمنة وإيديولوجيا القتل الرمزي للكائن الثقافي والأوهام النظرية والشعرية ومركزية( الشاعر المطبوع )أي ذالك الشاعر الذي لا زال يرى في القوالب الجاهزة والإيقاعات الشعرية منتهى الإبداعية  وهو يعتقد أنه إعتقل المعنى  مع أن المعنى كما يقول عبدالله الغذامي (في بطن القارئ لا في بطن الشاعر ولوكان المعنى  في بطن الشاعر لصار الآن من الناحية الرمزية والدلالية في قبره )(22) ولذالك حق له أن يفعل مايريد إضافة إلى عديد  الإزاحات الجديدة كلحظة نقدية تختبر فعلها الإبستيمي بماهو نقيض الدليل الواحد أو اللوغوس الذي تتحاشاه  الدلالات المفتوحة  كإستعادة للدال المفقود  الذي يجب إستحضاره بإستقلال عن سرديات المأسسة والتمركز التي هيمنت على النسق الثقافي الكوني طويلا

 

إحالات

 

(01) ديوجين يكسر مصباحه – من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي – ضمن كتاب –السمفونية التي لم تكتمل – في إركولوجياالإنتكاس  وإنفجار الأصوليات – أحمد دلباني – ص13 – منشورات منشورات أرتيستيك الجزائر 2007

 

 

(02) الكلمات والأشياء- الأعمال الكاملة – سلسلة مكتبة فوكو في العربية –ص59- مركز الإنماء القومي – بيروت

 

(03) السمفونية التي لم تكتمل –مرجع مذكور –ص15

 

(04) نفس المصدر – ص16 -17

 

(05) النقد الثقافي – قراءة في الأنساق الثقافية العربية  عبدالله الغذامي –ص15 – الطبعة الثالثة – 2005 –المركز الثقافي العربي – بيروت – الدار البيضاء

 

(06) سفر الخروج – إختراق السبات الإيديولوجي في الثقافة العربي –أحمد دلباني –ص21- دار التكوين – دمشق – 2010

 

(07) عولمة الإختلاف أو الإمكان الصعب –نحن والعالم الجديد – مصطفى الكيلاني –مجلة المستقبل العربي –ص65-عدد 337 – بيروت

 

(08) موت التاريخ ..منحى العدمية في أعمال درويش الأخيرة ص28 29- فيسيرا للنشر – الجزائر 2010

 

(09)الوضع ما بعد الحداثي – فرانسوا ليوتار –ترجمة أحمد حسان- ص138 دار شرقيات – القاهرة

 

(10) موت التاريخ – مصدر مذكور ص31

 

(11) نفس المصدر ص31

 

(12) نفس المصدر ص20

 

(13) فجيعة التروبادور – حول الشاعر الراحل عبدالله بوخالفة –ص06- أحمد بوعلام دلباني – منشورات البيت -2010- الجزائر

 

(14) نفس المصدر ص07

 

(15) نفس المصدر ص11

 

(16) الذات والخلاص من نصوص شوبنهاور ونيتشة-ص-50- كمال البكاري –مجلة الفكر العربي المعاصر –مركز الإنماء القومي بيروت عدد مزدوج 108109

 

(17) فجيعة التروبادور – مصدر مذكور ص12

 

(18) نفس المصدر –ص26-27

 

(19) نفس المصدر –ص46

 

(20) نفس المصدر ص49

 

(21) نفس المصدر ص52

 

(22)تأنيث القصيدة والقارئ المختلف- محمد عبدالله الغذامي –ص112 –المركز الثقافي العربي – بيروت – الطبعة الثانية -2005

 

 

 

*ناقد جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق