قراءات ودراسات

أمل جمال فى “السنجاب الأحمر” وحيوانات تشبه عالم البشر

محمد المطارقى

لعل الكاتبة أمل جمال قد أبرزت فى مجموعتها القصصية ” السنجاب الأحمر ” عالم الغابة بحيواناته وطيوره المختلفة. إنه قريب الشبه بعالمنا نحن البشر. إن الكاتبة استطاعت أن تقدم لنا مجموعة من الحيوانات لتسقط عليها مشاعر |إنسانية لتلهب مشاعر القارىء فتدفعه لأن يتعاطف معها، أو يكره فعلها السىء ليعدل من سلوكياته الخاطئة ويحاول أن يعمل على تقويمها وتهذيبها ريثما تتقبله الجماعة التى ينتمى إليها.

فقصة “الكلبة المهملة” هى درس لذلك الفضولى الذى يحاول دائما الخوض فى أمور قد لا تخصه، مما تضطره لأن يدفع ـ ربما ـ الثمن غاليا. فهى الكلبة الأم التى خرجت إلى التل لتحضر لصغيرها بعض النباتات الطبية لأنه تناول طعاما فاسدا. إلا أنها تتحرك فى اتجاه آخر حين تنامى إلى أذنيها نباح كلاب يخوضون معركة شرسة ضد ثعلب. وحين تتذكر صغيرها فجأة ينتابها حالة من الفزع والخوف فتعود أدراجها بسرعة. وهنا تكون الصدمة فهى لم تجد صغارها !!، حتى الصغير الذى يعانى آلام المعدة لم يكن موجودا .هنا، فى هذه اللحظة شعرت كم هى أم مهملة لاتستحق أن تكون أما!. لقد بلغت القصة ذروتها واستطاعت الكاتبة أن تصل بنا إلى درجة الانفعال القصوى بتعاطفنا مع هذه الأم برغم إهمالها وخشيتها أن يكون أحد الوحوش قد التهمهم.
لكننا نشعر بالغبطة، والسعادة حين نكتشف أن الجراء الصغيرة لاتزال بخير، وذلك بفضل جارتها الكلبة الطيبة” والتى قامت باحتضانهم ورعايتهم وتقديم مايلزم من أعشاب للجرو المريض.
هنا تبث القصة إحدى القيم الإيجابية الهامة، وهى حق الجار واغاثته، وقضاء حوائجه.. علينا أن نتعلم ألا نكون فضوليين بالقدر الذى يضر بنا، كما يتحتم علينا أن نقوم بواجباتنا نحو جيراننا.

وفى قصة ” القرد الحكيم” نجد أن كلمة واحدة، تلقى ـ هكذا ـ جزافا قد تكون سببا فى أزمة طاحنة، فكما قيل ” كفى بالمرء إثم أن يحدث بكل ما سمع”. بل ليت الأمر يتوقف عند مجرد كلمة . فمن العادات السيئة عند الغالبية من الناس أن يضيفوا إلى الكلمة كلمات من نسج خيالهم. وكأن البعض منا يستمتع بحياكة قصص من وهم خياله يسقط عليها حقائق كاذبة، تضر أكثر مما تفيد. إنها الكلمة التى لا يؤبه لها فتتحول إلى وحش هائل، ما يلبث أن يتحول إلى إعصار مدمر يعصف بالجميع ويحول عالمنا إلى أشلاء. وهذا ما حدث مع صديقنا ” القرد الحكيم” حين اجتاحت الغابة كلها قصة فى غاية الغرابة تناقلتها أفواه الحيوانات بدون تدبر أو تعقل. ومفادها : أن القرد الحكيم قتل قردا صغيرا وأكله، وهو فى طريقه الآن ليأكل الأسد المريض!!

 

إنه “الغراب” المصدر الأول لتلك الأكذوبة غير أن الحيوانات جميعها أجمعت على تصديقها ، لولا حكمة الأسد الملك واكتشافه لأصل الحقيقة، وكان لابد من الاعتذار. كل حيوانات الغابة اعتذرت للقرد لتلك الفرية الظالمة، وكان على الغراب والبومة ـ بأمر الملك ـ مغادرة الغابة لأنهما كانا السبب الأول فى اختلاق تلك الإشاعة وانتشارها. إنها خطورة الكلمة، إذ علينا أن نتحرى الدقة دائما فيما نود الإخبار به. هى إحدى القصص الجيدة، وان كانت تحمل عنوانا أعتقد أنه غير مناسب، فلم يكن ثمة فى القصة كلها مايشير إلى حكمة هذا القرد.
وفى قصة ” أميرة البط” وهى من أجمل قصص المجموعة، نجد إحدى البطات التى تعيش فى مملكة البط، بيد أنها دائمة الحزن. فهى المسكينة تشكو من عرج واضح فى إحدى رجليها. وهذا ماكان يدفع بها كل يوم لأن تذهب إلى البحيرة لتنفرد بنفسها على الشاطىء تبكى حالها. غير أن البجعة المخلصة تقترب منها وتتودد إليها. وحين تعرف سر بكائها الدائم وعدم مشاركتها اللعب مع البط. تحاول أن تخفف عنها آلامها فتبدأ بمعالجتها نفسيا أولا، وتبث فيها روح الأمل. بل هى ببساطة شديدة تثبت لها أنها بطة جميلة لها عينان جميلتان، وريشا لامعا.. وجناحين قويين، وصوت حسن قادر على الغناء. إنها الإرادة التى تتمكن من أحدنا فتعينه على اجتياز الصعاب والقدرة على التحدى للوصول إلى الهدف المنشود، وقد استطاعت البجعة ـ تلك الصديقة الذكية ـ أن تساعد ليس فقط بمجرد الكلام ( رغم أهميته الأكيدة ) ولكن بالفعل أيضا، فكانت تقوم بتدريبها رياضيا، وتعليمها.. بل وتثقيفها..
يا إلهى ، ما أجمل أن يصير أحدنا صاحب إرادة يستطيع بها أن يهزم اليأس والحزن.. والجهل. لنتعلم ـ نحن الصغار ـ من تلك البطة، البطة البائسة والتى كانت أضحوكة الجميع ، صارت بالإرادة والعزيمة الصادقة .. وبفضل صديقتها المخلصة “البجعة ” أن تكون مثلا رائعا للنجاح والتفوق. حتى أنها تزوجت بأمير البط وعاشت فى القصر الملكى ” أميرة متوجة” كأجمل ما تكون.

وفى قصة ” السنجاب الأحمر ” نجد الصداقة متمثلة فى السنجاب الأحمر والسنجاب الرمادى، فهما قد جمع بينهما الحب والإخلاص لكن الفأر ذو الذيل المقطوع يمتلأ قلبه بالحقد. إذ كيف يهنأ فى حياته وهذان الصديقان أمامه، إنه الفأر البغيض والذى بأفعاله الشائنة صار مبغوضا من كل حيوانات الغابة، وبدلا من أن يحاول أن يعدل من سلوكه ، ويحسن من أفعاله، إذا به يعمل على اشاعة الفرقة بين الصديقين، لكن أمره ينكشف، ويتم طرده من الغابة، فالغابة رافضة لكل من يحاول العبث بقيمها النبيلة، إن الأشرار ، والحاقدين، والمبغضين للجمال ليس لهم مكانا فى قصص المجموعة، إنها مجموعة تدعو للخير وتنبذ الشر.. تنحاز للضعفاء وتنتصر لهم كما فى قصة “كهف النمر ” “.. إذا كان على الصغير أن يحترم الكبير ويساعد من يحتاج المساعدة. فعلى الكبير أن يرحم الصغير ويعطيه الفرصة ليصلح خطأه..” صـ 31
هى قصص تتميز بلغتها السهلة تصاحبها لوحات فنية معبرة، حيث وفقت الفنانة ” سحر عبد الله ” برسوماتها للغابة، وعالم الحيوان بطريقة أقرب للطفولية والوداعة لتعانق قصص غاية فى البساطة، تصل إلى عقل وقلب الطفل القارىء بدون حذلقة أو إدعاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) السنجاب الأحمر/ للكاتبة أمل جمال عن هيئة قصور الثقافة ( كتاب قطر الندى) العدد 202

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق