الموقع

الموت وصناعة الشمس

محمد زكريا السقال

توفيت فادية شاليش*، هناك في باريس وقبيل الساعة الثانية عشر ليلاً لفظت أنفاسها وهي تجيل عينيها بالمكان: لم تكن الشرفة تطل على قاسيون، ولاعلى مشارف دمشق. كان ليل باريس على اضوائه شاحبا ثقيلا، وكانت فادية تموت مرتين، موت في الغربة موحش وتراجيدي، وموت آخر اسمه العجز والوهن منعها من ان تخرج بمظاهرة من مظاهرات الحرية التي تضج بها شوارع سوريا. قيل في لحظتها الأخيره ظللت وجهها ابتسامة واثقة بالأمل القادم، قيل، رحلت وقلبها يخفق للشباب والشابات في ساحات سورية، قيل، بأن وجهها رغم الألم، كان مفعماً بالأمل. قيل، تمنت وأغلقت عينيها ورحلت.

 

كم هو مأساوي أن يموت المرء دون الفكرة التي نذر نفسه لأجلها، وكم هو مر أن تأتي اللحظة الكبيرة الجميلة لهذه الفكرة وأنت غائب بين دهاليز وممرات المشافي لا تقوى على حراك أو صراخ. كم مؤلم هذا الأنين والحشرجات التي تعاورت فادية، وكم كانت الشراشف سوداء على بياضها.

فادية شاليش المعيدة في كلية الهندسة، دخلت المعتقل بأواسط الثمانينيات من أجل الحرية والعدالة، هي والكثير الكثير من صبايا حزب العمل الشيوعي في سوريا. هناك بالسجن كان للحرية طعم ونكهة خاصة. الحرية حالة اشتهاء دائم، وأنت محاط بالجلاد والجدران وهذا الفضاء الضيق. لها ميزتها وحرارتها واتساعها عكس ضيق المكان ونكده. فهي لا تخلو من نزوع شره مترع بالشوق والعشق. عشق لفضاء رحب وسهول وجبال. عشق لمدى لا تجاوره حدود ولا أبواب بقضبان حديدية. هناك في السجن تتحول الأشياء وتتجسد في متخيل جميل. ترسم كل القضايا على أنها رغبة ومطلب، من التنفس ورؤية الشمس، للحمام وترك الجسد لثرثراته تحت الماء، للحلم وهو منطلق لا يحده حد، والبوح الذي يكسر جدران السجن ويتسرب حبا وحكايا عما صار وعم يجول وعما يرسم.

تقول إحداهن، فادية كانت أكثرنا طفولة وبراءة. تعقب ثانية، فادية منذورة للحب. تتبصر أخرى، فادية سيقتلها حبها للشمس والحرية. صبايا كثر وكل واحدة منهن لها حكاية مع فادية ، كما أن فادية تخبئ لدى كل واحدة زهرة وسر ووردة وهمسة وضحكة ودمعة. كم كان الدمع كثيرا تقول هند، وتسترسل مع ذلك لا يلبث إلا أن يتلاشى عندما نتجمع ونحلم ونرسم في مخيلاتنا أشياءنا التي نحرص على شدها بالقلب لننجزها في الشمس.

الشمس الشمس ما سر الشمس ولماذا هذه الوجوه الحالمة والضفائر التي تلبدت وراء الزنازين تحلم بالشمس؟ لماذا بقيت الشمس دائما صورة لوطن كبير ومتسع؟

[1]

يجمع الكل وفادية منهن أن الشمس سرقت وجفت كما جف بردى وانحسرت الغوطة التي كانت ملجأ احلامنا وتشابك أيدينا. الغوطة التي كلما خلعت ثوبها انبلج سحر من ثمر وورود. الغوطة اليوم عجوز ترتدي الأسمنت والحجر.

من سرق الشمس؟

ومن سرق الغوطة؟

من أوحل بردى؟

يقول الجميع، فقدان الإحساس ويتم العقل

وتقول فادية، غياب وتغييب وترهيب الإنسان، ذاك الحر المتذوق المحب.المنفعل والمتفاعل مع الحرية وعشق الحياة والانسان هو السبب.

كثيرهذا الذي تركته فادية، على جماله، يبقى موتها المأساوي يغلف سر قصة قلب انهكه الحلم وسرق الآخرون علاجه. بين حلم فادية بالشمس والإنسان وموتها المرعب هناك في باريس وصناعة الشمس التي بدأ بها مواطنوها، تبقى قصة فادية وبقايا همسها وحكايتها وحلمها، رواية سورية بامتياز تتحدث عن قهر الانسان ومقاومته الدائمة التي ما وقفت يوما، لكنها اليوم، مفعمة بإرادة تحدي الجلاد والسجان، تسيل دماؤها لكنها مشرقة ومتوهجة كاالشمس التي تريدها فادية.

سلام عليك يا فادية، نامي قريرة العين، لن ننساك ولن نغفر لهم ما جنوه بك وبنا وبالوطن.

برلين 22/06/2011



. *فادية شاليش مناضلة ،يسارية عنيده من عائلة علوية معروفة في سوريا، احترفت العمل السياسي السلمي المعارض ضمن صفوف حزب العمل الشيوعي في سوريا تم ملاحقتها في الثمانينيات واعتقلت مع عدد كبير من النساء زميلاتها في الحزب. رزحت قيد الاعتقال لأكثر من خمس سنوات. بعد الافراج عنها عملت معيدة في الجامعة السورية لكن مرض السرطان داهمها، ما  يحزن ويفجع معرفة سرقة جرعات الدواء التي كانت تحتاجها للعلاج في سوريا واعطائها كمية اقل مما هو محدد ويحتاجه علاجها مما ساهم في سرعة انتشار الخلايا السرطانية في جسمها والذي ادى الى وفاتها مساء يوم الاثنين في أحد مستشفيات باريس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق