ثقافة المقال

التجربة الروائية والواقع الملتبس

ناظم محمد العبيدي*

تكشف تلك الخواطر المرافقة للقراءة الجديدة عن مسؤولية الروائي وصعوبة مهمته وهو يسعى لأن يقدم نصاً ينافس النصوص الأخرى ، ليس بمستواها الفني فقط ، ولكن بامتلاك الفسحة الزمنية التي اتيحت لها فرسختها في ذاكرة القراء ، وهل يمكن لأي ظاهرة انسانية ان تولد وتحيا دون مسرح مكاني وزماني ؟  بل إن بعض الروايات عرفت قبل قراءتها عن طريق النقد ، وليس بمقدور أحد أن يشير الى مواطن الخلل فيها بسبب الهالة التي أحاطت بها ، ومن يجرؤ على إبداء الرأي في رواية دخلت الأرض المقدسة لما نسميه التاريخ الأدبي ؟ وتظل مهمة الروائي الشائكة مرتبطة بذلك الفضاء الملبد الذي يحمل اسم ” الواقع ” ومع إننا نستطيع الحديث عنه بوصفه مصطلح مضلل وخادع ، إلا أننا نستطيع الإشارة الى حقيقة لا يختلف عليها أحد وهي : أن الرواية لابد أن تجري أحداثها في حقبة ما وفي مجتمع ما من العالم .

فهل يمكن للرواية أن تتجاهل الواقع الذي تصدر عنه ؟ وتنتحي بعيداً الى تشكيل عوالم ذاتية تتحرر فيها من الواقع العصي على الوصف أو التمثيل ؟ وهل يمكن للكلمات أن تصنع جزراً هانئة للحلم الإنساني تنقذه من ثقل وفداحة الأخطار المحدقة به؟

ربما كان في بعض المحاولات الروائية ذات المسعى الجمالي ، المتوسل بالشكلية خلاصاً ، كبعض نماذج الروائي الإيطالي ” كالفينو ” وغيرها من الروايات ذات المنحى التجريدي ، والتي يشيد بأسلوبها ولغتها في كتابه ” الوصايا ” لمحاكاتها الرياضيات وبنزعتها الرمزية المختزلة ، بيد أن النموذج الأكثر شيوعاً وجذباً للمتلقين هو النموذج الملتبس مع الحياة والإشكاليات الإنسانية ذات البعد السياسي والإجتماعي والفلسفي وو

يعزز هذا قربها من السينما التي هي الوجه الأبرز لعالمنا الحديث ، فالصورة تمسك بالأشياء وتستحوذ على العقل البشري ، ومن ذا يقاوم سحر الصور المنسابة ليستعيض عنها بالكلمات ؟ وقديماً قال ” أرسطو” أن حاسة البصر أشد حواس الإنسان تأثيراً على العقل ، وهو ما جعله – العقل – يطلب لكل شيء صورة حتى المعاني المجردة التي لا شكل لها .

والأمر الذي لاشك فيه أن ما دعى الى تعدد النماذج الروائية وتنوعها بين أن تكون أداة كشف للواقع أوالبحث عـــن واقع آخـر بديل ، النظريات اللغوية الحديثة وتأثيرها في الفلسفة المعاصرة ، والمحاولات الدائبة للتجديد والبحث عن طرائق فنية في الكتابة الروائية ، يبدو ذلك واضحاً في الجهود التي بذلت لدى الروائيين عبر المراحل الزمنية المختلفة للمزاوجة بين التقنية المبتكرة وإعادة تقديم الواقع وفق المتغيرات الفكرية والحضارية ، فالروايات المكتوبة بعد الحرب العالمية الثانية في أوربا مثلاً ، حملت رؤية مغايرة عن العالم عما كانت عليه الروايات السابقة ، فقد أحدثت الحرب خراباً هائلاً أفرز رؤية شابها الكثير من القلق ، فلم تعد الصورة الثابتة عن الحياة مقبولة لدى عامة القراء ، وأصبحت الكتابة الحديثة متفجرة وقاسية مثل قسوة الحياة وتلاطم أحداثها المأساوية ، وأطلق الناقد الفرنسي ” البيريس ” على هذه الروايات ” روايات المصير ” إشارة للهم الإنساني ومعاناة أبطالها في مواجهة أقدارهم الأمر الذي سيشكل بعد ذلك جوهر الفلسفة الوجودية ، وللتدليل على هذا المعنى يجري مقارنة بين مقدمة لإحدى روايات الروائي الفرنسي ” موبوسان ” التي تبدأ بوصف رتيب لإحدى القرى وآخر لرواية ” الوضع البشري ” للروائي ” أندريه مولرو ” ، ويشير الى التغير الحاصل في الكتابة الجديدة وطريقتها في تناول الواقع ، ويقول موضحاً :

” أن الروائي الحديث لم يعد يروي لنا الأحداث ولكن يضعنا فيها ، ….” .

الأمر الذي يجعل من الرواية شكلاً أدبياً بالغ التعقيد ، لأنها حملت مع المنحى الجمالي الهم الإجتماعي والفلسفي ، وصار لزاماً على الروائي بالإضافة الى كونه أديباً يمسك بأدواته اللغوية وتجربته الحياتية أن يمتلك الوعي بلحظته التاريخية ووجوده الإنساني ، وهذا الوعي ليس مجانياً أو وليد قراءات معرفية فحسب ، بل حدس إنساني فريد يستشعر بوجوده وما يحيط به من متغيرات دون أن تختلط لديه الرؤية فيقع فريسة للضرورة وإلزامات الواقع ، فهل كانت التجارب الروائية المتميزة التي مازلنا نقرأها بإعجاب لتكون بهذا العمق لو أنها إكتفت بنقل سطحي للحياة البشرية واستسلمت لمعطياته ؟ فثمة القدرة على إستخراج الإستثنائي والفريد وتلمس الهم الإنساني الذي هومحور الهاجس الإبداعي ، واذا كانت الأزمات الكارثية قد فتحت أمام الرواية العالمية نوافذ لرؤية أخرى فإن الرواية في العراق ستكون ولا شك أمام تحد كبير ، لأنها تتعامل مع واقع ملتبس تتحكم فيه قوى داخلية وخارجية ، وليس من السهل الإمساك بوجوهه المضطربة ، فما زال يموج بإلتغيرات العنيفة ولم تتبلور مفاهيمه بعد ، فالواقع الذي رسمته رواية ” الرجع البعيد ” للروائي فؤاد التكرلي قد تخلخل كثيراً ، وطرأت عليه تقلبات عنيفة وكذلك الروايات الأخرى مثل روايات غائب طعمة فرمان وغيرها التي قدمت ملامح المجتمع العراقي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، ولابد من الإشارة هنا الى أن بنية المجتمع بقيت عصية على التغيير ، ونعني بها مجموع القيم والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال ، فليس بمقدور العواصف السياسية الطارئة أن تمحو ذاكرة شعب مهما ارتفعت وتيرتها ، يمكن ملاحظة ذلك حتى لدى من يعتقدون بعدم وجود مثل هذه الحقائق الإجتماعية التاريخية ، فهم سليلوتلك الحواضن التي نشأوا فيها وعرفوا مسميات العالم بأحلامه وأوهامه وهم غارقون في تفاصيلها ، ولهذا يظل الأفراد المغتربون يحملون صورة الإختلاف مع المجتمعات الأخرى برغم مرور السنوات الطوال في المنافي ، لأن البيئة الأم تهب الأفراد المكونات الأولى للوعي وكذلك العادات والمسلمات والقيم الأخلاقية وو

والأمثلة على وجود الهوية الإجتماعية في الأعمال الروائية كثيرة ولم يقتصر على الأعمال الكلاسيكية في الروايات العالمية مثل روايات دستويفسكي التي رأى فيها الفيلسوف ” برديائيف ” أفضل ممثل للشخصية الروسية في القرن التاسع عشر والإنكليزي ” ديكنز ” والروائي العربي ” نجيب محفوظ ” ، وفي الأدب العراقي الحديث يمكن ملاحظة ذلك في روايات فؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وغيرهم .

يقابل تلك السمات الإجتماعية الراسخة قيم جديدة تطرؤ بسبب المتغيرات الإجتماعية والسياسية ، فهل تتمكن الرواية العراقية من الغوص خلف الظواهر وأن تتميز بنموذجها في المرحلة المعاصرة ؟ إن القراءة الأولى تشير الى أن الرواية في العراق ستواجه صعوبات هائلة بسبب ضبابية الرؤية ، ومن ذا يزعم ان بإمكانه تقديم تفسير او قراءة معقولة لواقع تعصف به كل هذه القوى الماثلة ؟

*روائي من العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق