ثقافة المقال

“حسان بن ثابت” رضى الله عنه الشاعر المؤيد بروح القدس

محمد عبد الظاهر المطارقى*

إنها الصحراء العربية بتاريخها الذي يضرب بجذوره في الأغوار السحيقة، كانت مسرحا هائلا للكثير من المعارك والغزوات الحربية.
فإذا كانت الخيمة العربية بنكهتها الأصيلة وعبقها العتيق ، والتي تطل علي أنهار من الرمال تسبح في المدي، وتعانق الجبال الراسيات المتدلية في شموخ علي حوافها المترامية ، فإنها ـ الخيمة ـ استطاعت بعبقريتها الفذة أن تمد الساحة بفرسان يعتزون بقدرتهم علي خوض المعارك والأهوال ، والزود عن حياض القبيلة والدفاع عن بكارتها الجهمة بعبقرية السيف .
والسيف وان كانت له المكانة السامقة في حياة الناس فإن الدماء الحارة التي تسري في شرايينه تعود لتلك السواعد الفولاذية التي تقبض علي زمامه وتوجهه بحسب أهواء القبيلة ورغباتها الصريحة، ويبق الميدان رحبا ، فسيح الجنبات ، يحده البراح لتتجلي عبقرية فرسان آخرون يحملون سيوفهم المسنونة كلمات بأجنحة تنطلق كالسهام إذا أرادت ، أو تتحول إلي عصافير ذات ألوان وبهجة تحلق في سماوات العشق والهيام ، أو تتجمع لتصنع كتل من الحجارة المدببة في وجوه المتنطعين وأشباه الرجال من القبائل الخصوم . فلما رفرف الإسلام بأجنحته الحانية ليخفف من وهج وقسوة تلك القلوب الجافية ، يحفظ لها مكانتها العريقة ويصون لها كرامتها ويضع عنها شوائبها المقيتة؛ ونعراتها الكاذبة.. وأبواقها الجوفاء ليجتمع الجمع تحت راية واحدة ” لا اله إلا الله ” وقائد واحد هو محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم ” يجعلون سلاحهم السيف ، وسلاحهم الكلمة للدفاع عن بيضة الإسلام ، والعمل علي نشر الدين إلي خارج هذا المسرح العريق ، ليستضيء العالم بشمس الإسلام .
وهنا ، تتجلي عظمة هذا الفارس ، فإن لكل ميدان فرسانه ، ولكل زمان رجاله .. وسيف الكلمة يؤازر ويساند سيف الجهاد ، وكلاهما لا غني له عن أخيه ,

* * *

ويأتي حسان بن ثابت هذا الصحابي الكريم ، ذلك الذي قطع ستون عاما من عمره ينتظر دين محمد صلي الله عليه وسلم ليمتد عمره ستون آخرون في نور الإسلام .
انه يلازم النبي صلي الله عليه وسلم ، كتيبة هو بمفرده ، استطاع أن يتصدى لجيوش الشرك ومعه شاعران آخران ، وقد اتفقت العرب علي أنه أشعر أهل المدر علي الإطلاق .
قالوا : أشعر أهل المدر ” يثرب ” ، ثم ” عبد القيس ” ، ثم ” ثقيف ” علي أن أشعر أهل يثرب هو هذا حسان بن ثابت رضي الله عنه .
وقد فاق الشعراء قاطبة بثلاث : كان شاعر الأنصار في الجاهلية ، وشاعر النبي صلي الله عليه وسلم ، وشاعر اليمن كلها في الإسلام .
ولقد كان في ميدانه فارسا مغوارا لا يشق له غبار ، يحمل سنان لسانه أينما ذهب ، كان يهجو قريش ويعارض شعرائهم, ولقد تحصل علي أنسابهم من أبي بكر ، فكان يسلقهم بألسنة حداد دون أن يتعرض لنسب النبي الطاهر صلي الله عليه وسلم ولقد قال النبي صلي الله عليه وسلم للأنصار :
ـ ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله صلي الله عليه وسلم بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم. فقال رضي الله عنه:
ـ أنا لها ، وأخذ بطرف لسانه ، وقال : والله ما يسرني به مقول بين بصري وصنعاء ,
فقال صلى الله عليه وسلم:
ـ كيف تهجوهم وأنا منهم ؟
فقال : اني أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين ،
فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار ، هذا الصحابي واحد منهم .
حتي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال له كلمة عظيمة !
ـ إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما كافحت عن الله عز وجل وعن رسول الله صلي الله عليه وسلم ،

* * *

قدم علي النبي ذات يوم وفد بني تميم وهم سبعون أو ثمانون رجلا ، فيهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر، وعطارد بن حاجب، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم وانطلق معهم عيينة بن حصن ، فقدموا المدينة ، فدخلوا المسجد فوقفوا عند الحجرات ، فنادوا بصوت عال جاف :
ـ أخرج إلينا يا محمد ، فقد جئنا لنفاخرك ، وقد جئنا بشاعرنا وخطيبنا !!
فخرج إليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فجلس . فقام الأقرع بن حابس فقال :
ـ والله إن مدحي لزين ، وان ذمي لشين ،
فقال النبي صلي الله عليه وسلم :
ـ ذلك الله .
فقالوا : إنا أكرم العرب ،
فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم :
ـ أكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام ”
فقالوا : ائذن لشاعرنا وخطيبنا ،
فقام رسول الله صلي الله عليه وسلم فجلس وجلس معه الناس ، فقام عطارد بن حاجب فقال :
” الحمد لله الذي له الفضل علينا وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكا وجعلنا أعز أهل المشرق وأتانا أموالا عظاما نفعل فيها بالمعروف ، ليس في الناس مثلنا ، ألسنا برءوس الناس وذوي فضلهم ، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا ، ولو نشاء لأكثرنا ولكن نستحي من الإكثار فيما خولنا الله وأعطانا ، أقول هذا فأتوا بقول أفضل من قولنا أو أمر أبين من أمرنا .
ثم جلس .

o
فقام ثابت بن قيس ( خطيب الرسول ) فقال : الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه ، قضي فيهن أمره ووسع كرسيه وعلمه ، ولم يقض شيئا إلا من فضله وقدرته ، فكان من قدرته أن اصطفي من خلقه لنا رسولا أكرمهم حسبا وأصدقهم حديثا وأحسنهم رأيا ، فأنزل عليه كتابا وائتمنه علي خلقه ، وكان خيرة الله من العالمين ، ثم دعا رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي الإيمان ، فأجابه من قومه وذوي رحمه المهاجرين أكرم الناس أنسابا ، وأصبح الناس وجوها ، وأفضل الناس فعالا ، ثم كان أول من اتبع رسول الله صلي الله عليه وسلم من العرب واستجاب له نحن معشر الأنصار فنحن أنصار الله ووزراء رسوله ، نقاتل الناس حتي يؤمنوا ويقولوا : لا اله إلا الله فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه ، ومن كفر بالله ورسوله جاهدناه في الله وكان جهاده علينا يسيرا ، أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين و المؤمنات ،

o
فقام الزبرقان فقال :

نحن الملوك فلا حى يقاربنا * منا الملوك وفينا يؤخذ الربع
تلك المكارم حزناها مقارعة إذا الكرام على أمثالها اقترعوا
كم قد نشدنا من الأحياء كلهم عند التهاب وفضل العز يتبع
وننحر الكوم عبطا فى منازلنا للنازلين اذا ما استطعموا شبعوا
ونحن نطعم عند المحل ما أكلوا من العبيط إذا لم يظهر القزع
وننصر الناس تأتينا سراتهم من كل أوب فتمضى ثم تتبع.

فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا حسان بن ثابت فجاء، فأمره أن يجيبه. فقال رضى الله عنه:

إن الذوائب من فهر وإخوتهم قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذى شرعوا
قوم إذا حاربواضروا عدوهم أو حاولوا النفع فى أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة إن الحلائق فاعلم شرها البدع
لايرقع الناس ماأوهت أكفهم عند الدفاع ولايوهون مارقعوا
إن كان فى الناس سباقون بعدهم فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
أعفه ذكرت فى الوحى عفتهم لايطبعون ولايرديهم الطمع
ولايضنون عن جار بفضلهم ولايمسهم من من مطمع طبع
يسمون للحرب تبدو وهى كالحة إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لايفرحون إذا نالوا عدوهم وإن أصيبوا فلا خور ولاجزع
كأنهم فى الوغى والموت مكتنع أسود بيشة فى أرساغها فدع
خذ منهم ما أتى عفوا وإن منعوا فلا يكن همك الأمر الذى منعوا
فإن فى حربهم فاترك عداوتهم سما يخاض عليه الصاب والسلع
أكرم بقوم رسول الله قائدهم إذا تفرقت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحى قلب يؤازره فيما أراد لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم إن جد بالناس جد القول أو شمعوا

فقام عطارد بن حاجب فقال :

أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا اذا اجتمعوا وقت احتضار المواسم
بأنا فروع الناس فى كل موطن وأن ليس فى أرض الحجاز كدارم

فقام حسان رضى الله عنه فقال:

منعنا رسول الله من غضب له على رغم أنف من معد وراغم
هل المجد إلا السؤدد العود والندى وجاه الملوك واحتمال العظائم

فقال الأقرع بن حابس :
ـ والله إن هذا الرجل لمؤتى له! والله لشاعره أشعر من شاعرنا، ولخطيبه أخطب من خطيبنا ، ولأصواتهم أرفع من أصواتنا ! أعطنى يا محمد، فأعطاه؛ فقال : زدنى فزاده؛ فقال : اللهم إنه سيد العرب، فنزلت فيهم ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ) .
ثم إن القوم أسلموا وأقاموا عند النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون القرآن، ويتفقهون فى الدين، ثم أرادوا الخروج إلى قومهم، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم.

محمد المطارقى
المحلة الكبرى ـ مصر

• من كتابى ” مائة قصة وقصة من قصص الصحابة. عن مؤسسة أم القرى .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق