ثقافة المقال

رسائل ألبير كامو إلى ماريا كاساريس: تقديم كاترين كامو *

ترجمة: سعيد بوخليط*

التقى ألبير كامو وماري كاساريس في مدينة باريس يوم 6 نونبر 1944، أي يوم نزول قوات الحلفاء على سواحل نورماندي. كانت تبلغ عشرين سنة،وكامو أدرك عقده الثالث.
ولدت ماريا، في لاكورونيا الإسبانية، ثم وصلت إلى باريس سنة 1936،عن عمر الرابعة عشرة، مثل أغلبية الجمهوريين الإسبان. شغل أبوها، سانتياغو كاساريس كيغورا، غير ما مرة منصب وزير وكذا رئيس للحكومة خلال حقبة الجمهورية الإسبانية الثانية،وقد أُجبر على المنفى حينما تسلم فرانكو مقاليد الحكم. بعد مرور فترة طويلة،ستقول ماريا كاساريس، أنها:((ولدت شهر نوفمبر 1942 في مسرح”Des Mathurins”)).
خلال تلك الحقبة،ابتعد كامو عن زوجته فرانسين فور Faure تحت دواعي الاحتلال الألماني، وقد انضم إلى صفوف المقاومة.ينتمي بدوره من جهة أمه إلى سلالة إسبانية، ثم أصيب بالسل مثل سانتياغو كاساريس كيغورا، ويعيش كذلك المنفى بحكم انحداره من الجزائر. شهر أكتوبر 1944،حينما تمكنت أخيرا فرانسين فور Faure ، من معاودة الالتقاء بزوجها ثانية، ابتعد ألبير كامو عن كاساريس.لكن يوم 6 نونبر 1948، تصادفا في شارع سان جيرمان،ومنذئذ لم ينفصلا قط.
هذه الرسائل، المتواصلة لمدة خمسة عشرة سنة، تظهر حقا سمة بداهة حبهما الذي لايهزم :(لقد التقينا، تعرَّف بعضنا على الآخر، واستسلم أحدنا للثاني، ثم نجحنا في تحقيق عشق يلتهب صفاء خالصا، فهل أنت مدرك لسعادتنا وكذا مختلف ما تأتى لنا؟)) (ماريا كاساريس، 4يونيو 1950).
((أيضا صاحبا فكر ثاقب،ثم متيقظان،وقادران على فهم كل شيء،بالتالي تذليلهما كل العقبات، قويان بما يكفي كي يعيشا دون أوهام، مرتبطان بأواصر الأرض، والذكاء، والقلب والجسد، فلاشيء يمكنه، أعلم ذلك، أن يباغتنا، أو يفرق بيننا)) (ألبير كامو، 23 فبراير 1950).
سنة يناير 1960،حال بينهما الموت،لكنهما عاشا قبل ذلك اثني عشرة سنة: ((شفَّاف أحدهما بالنسبة للثاني))، متوحدان،هائمان، بعيدان غالبا جدا عن بعضهما البعض، بيد أنهما يعيشان معا يوميا بلا تحفظ، بل خلال كل ساعة في إطار حقيقة لايمكن سوى لأقلية من الأشخاص تحملها.
تجعلنا رسائل ماريا كاساريس نكتشف سبيل حياة فنانة عظيمة جدا، نتبيَّن مجازفاتها وانكساراتها، وتوظيفها للزمان الجنوني، وتسجيلاتها على المذياع، وتمارين عروضها المسرحية، وأدوارها بكل حيثيات مخاطرها،ثم تصوير أفلام سينمائية.أيضا، تظهر تلك الرسائل،حياة ممثلين في المسرح الفرنسي وكذا المسرح الوطني الشعبي.لقد جسدت كاساريس أدوارا إلى جانب ميشيل بوكي،جيرار فيليب، مارسيل إيرون، سيرج ريغياني، جان فيلار،وأضمرت لهم جميعا مشاعر الود.
كاساريس الفنانة المنحدرة من غيليسيا الإسبانية، جعلت من المحيط عنصرا: على غرار كامو، تتدفق، تنكسر،تتماسك ثانية، ثم تنطلق من جديد وفق حيوية مذهلة. إنها تعيش نفس السعادة والشقاء بنفس الزخم،منقادة بعمق خلفهما.
تتجلى ثانية طريقتها تلك في الحياة عبر طيات كتابتها الخطية،والتي عملنا على تنقيحها حتى نتمكن من إخراج هذه الرسائل في حلة مقروءة. فلأنها إسبانية، كتبت دائما “pour que”(لكي) بهذه الكيفية”pourque”.وتضع حرفي ”t”لكلمة ” plate” (مسطَّح)بدل واحدة مما يشوش أكثر على المعنى. وكلمة ”Hommage ”(إشادة) تقتصر لديها على”m” واحدة، أما إشارة المد الذي وضعته على ”u ”في كلمة ” rude”(شاق)، فقد أوضح بشكل أفضل الخاصية الوازنة لكلمة من هذا القبيل. بينما جاءت لديها كلمة”confortable ”(مريح)، هكذا”comfortable ”، كما لو أن دلالة المفهوم، لاتعني سوى سكان الشمال والذين يعوزهم سواء النور والدفء، مثلما يتمتع به أفراد الجنوب،بحيث يسمح لهم ذلك العيش أكثر قربا من الضروري.
رسائل كامو جد مختصرة، لكنها تترجم نفس الحب نحو الحياة،شغفه بالمسرح، اهتمامه الدائم بالممثلين وكذا لحظات انكسارهم. أيضا،تستحضر الموضوعات العزيزة عليه،ومهنة الكاتب، شكوكه، الانكباب الدؤوب على الكتابة، رغم معاناته مع مرض السل.
يتحدث إلى ماريا بخصوص منجزه : مقدمة “الظهر والوجه”، “الإنسان المتمرد”، “الراهن”،”المنفى والمملكة”، السقوط”،ثم “الرجل الأول”،مع ذلك لايشعر أبدا بكونه”حقق المستوى المطلوب”. لكنها تطمئنه دون سأم، انطلاقا من إيمانها به ومشروعه، ليس هكذا بغير هدى، لكن انطلاقا من كونها امرأة، تدرك أن الإبداع يبقى الأقوى. وتعرف كيفية قول ذلك، بصدق وقناعة حقيقية.
خاطبها كامو يوم 23 فبراير1950 ((جل ما أنجزه كل واحد منا على مستوى عمله، وحياته، إلخ.لم يقم به وحده.حضور وحده يُشْعِر بالصحبة)). وهذا ماتحقق أبديا.
كيف بوسع هذين الكائنين عبور سنوات عدة، وفق توتر مرهق اقتضى حياة حرة يعدِّلها احترام الآخرين، تحتِّم في إطارها: ((تعلم السير إلى الأمام فوق الخط الممتد لعشق يتجرد عن كل كبرياء))، دون أن يفترقا أبدا، أو يرتاب أحدهما من الثاني، مع نفس مطلب الوضوح ؟الجواب عن ذلك، يكمن إذن في مضمون هذه الرسائل.
مات أبي يوم 4 يناير 1960 .شهر غشت 1959، بدا أنهما قد نجحا في السير على هدى ذاك الخط، دون خطأ،إلى أقصى حد ممكن.
كتبت كاساريس إلى كامو مايلي: ((لا يبدو لي أنه من غير المجدي إلقاء نظرات على الاضطراب الرديء لمشهدي الداخلي.فقط يحزنني، أني لم أعثر دائما على ماهو ضروري من تسلية، وذكاء،وكذا قوة الشخصية قصد ترتيب هذا الحيز الباطني ولو قليلا، كما تؤرقني فكرة أني سأرحل نهائيا عن هذا العالم مثلما ولدت،بلا شكل محدد الملامح)).
جاء جواب كامو: ((إن كان بلا شكل واضح المعالم، فينبغي أن تموت غامضا في ذاتك، مبعثرا…. لكن ربما أيضا لأن الوحدة المتحققة، والتجلي الرصين للحقيقة، يعتبر الموت نفسه. ثم كي تشعري بقلبه، يلزمكِ غموض، وعتمة الكائن، والنداء المستمر، للصراع ضد نفسكِ والآخرين. ينبغي إذن معرفة ذلك، وتعشقي بصمت الغموض والتعارض،مع شرط وحيد يتمثل في عدم توقف هذا النضال والسعي وراء الالتماس)).
شكرا لهذا الثنائي. لقد جعلت رسائلهما الأرض أكثر رحابة، والفضاء أكثر ضياء، والهواء أكثر خفة، كل ذلك لأنهما تواجدا هنا.

*المصدر :
Albert Camus/MariaCasarés :correspondance (1944-1959) ;Gallimard ;2017 .

*مترجم وأكاديمي مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق