ثقافة السرد

الخروج من بغداد

رواية مسلسلة

محمد غزلان*

إهداء: إلى الذين علموني..  وإلى الذين تعلمت منهم..
شكر وعرفان
كل الشكر والعرفان للذين رحبوا بهذا العمل واحتفوا به، الشكر والعرفان لكل من وضع نقطة في المخطوط الأصلي أو أضاف فكرة أو حذف كلمة.. الشكر للأصدقاء: فتحي فرغلي وعياد بركات والصديق الصحفي العراقي عبد الكريم العلوجي وعزت كساب وعبد السيد وليم ويسري حسان الذي راجع معي أول تقاريري الصحفية الواردة من بغداد عام 1990.
والشكر والعرفان للدكتور عزازي على عزازي الذي دفعني وحثني لكتابة هذه الرواية، وخالص الامتنان للأستاذ/ يوسف الشاروني.

( 1 )
هـ
هبطت الطائرة بسلام ولم يحدث خلال الرحلة ما يعكر صفوها.. أو ما يتطلب إعادة النظر في الخطة والهدف الذي جاء من أجله. كل شيء وصف له بالكمال والتمام قبل الشروع في الرحلة.. حتى ملابس المضيفات وطريقة دلالهن.. كان الوصف من الدقة كأنه ركب الطائرة ألف مرة.. وابتسم سعيدا بنجاحه. لقد هبطت الطائرة التي تحمل على الزاوي بسلام في مطار صدام ولم يكن النجاح الذي أحرزه حتى الآن وليد الصدفة، فقد كرس الجزء الأعظم من الشهور الأخيرة في جمع المعلومات والتفاصيل واستمتع بسماع كل الروايات والحواديت.. الجاد منها والهزلي ولم يعط أذنيه للتحذيرات التي أطلقها بعض الجيران ونصائحهم بألا يصدق كل ما يسمعه.. لم يهتم ولم يكترث بمثل هذه الأقاويل، فهو يرى أن البحث عن النصيحة عمل مطلوب وإن الاستماع إلى أهل الخبرة ضرورة ” فما خاب من استشار ” وقد عمل طوال حياته بهذه النصيحة الغالية.. استشار الكل قبل سفره.. واستمع بعينيه وأذنيه لكل من ذهب إلى العراق وعاد منها.. استمع لشباب عائدين لتوهم من هناك.
بعضهم أمضى سنوات والبعض الآخر عاد بعد شهور.. بعضهم عاد سالما غانما يتحدث بشوق وحب عن العراق ومغامراتهم فيه وكيفية تعاملهم مع العراقيين.. بعضهم مشى في العراق من أدناه إلى أقصاه.. يحكي عن شوارعها.. أزقتها.. حواريها.. مقاهيها.. يحكي عن رجالها ونسائها.. البعض قال إن العراق دولة ترحب بكل العرب وتسعهم كلهم ولديها من الطعام والخيرات والبترول ما يكفيهم جميعا.. قالوا أنها تستقبل الخليجي والسوداني والمصري بلا تأشيرة دخول، ففي المطار يختم المسئول جواز السفر بعد عدة أسئلة بسيطة دون انتظاره لسماع الرد.. ونادرا ما يدقق في القادم خاصة إذا كان مصريا.. ثم يدق الختم على الجواز ويرحب بالضيف.. قالوا له إن آخر جملة يسمعها في مطار بغداد هي أهلين أو سهلين أو هلا.. وفي أمان الله والجملة الأخيرة هي كلمة السر لدخول بغداد.
آخرون قالوا له عكس هذه الروايات، فالمرور من مطار بغداد أصعب من المشي على الصراط المستقيم يوم الحساب، فلا يأمن احد إذا كانت نهايته في الجنة أو النار.. قالوا له إن مسئولي الجوازات هناك طوال عراض لديهم شوارب كثة وعيونهم تطلق شرارا وإذا ساورهم شك في قادم لن يخرج من المطار وقد لا يعود إلى بلده أبدا.
كانت الأفواج تهل إلى بيت على الزاوي قبل سفره بشهور، لا يأتيه زائر إلا وقد سحب معه شخصا قادما من العراق ليحكي للزاوي تجربته هناك وكانت القصص كثيرة ومتضاربه.. من حققوا نجاحات هناك ظهرت النعمة عليهم وعلى ذويهم.. طابق أو أكثر ارتفع فوق المنزل القديم.. أجهز كهربائية وملابس مستوردة.. منهم من تخلي عن تدخين ” المعسل ” أو السجائر المصرية.. وحمل علبة أو أكثر من المالبورو الأحمر.. علامة النعمة والثراء الواسع في الحواري الضيقة.
هؤلاء أسهبوا في الحديث عن دفء العراق ودماثة أخلاق أهه وترحيبهم بالمصري وحبهم له خاصة إن كان من أبناء الصعيد.. قالوا أن الصعيدي له منزلة عالية في القلوب ويستقبله رجال العراق ونساؤه ببشاشة في بلد يعز فيه الابتسام ويسوده التجهم. أما الذين فشلوا هناك، فكان حديثهم مغايرا.. دار كلامهم عن فظاظة أهل العراق وإدمانهم الخمر مثل شرب الشاي وحكوا قصصا عن السكارى في الشوارع والطرقات والقتل وإطلاق النار لأهون الأسباب.. وتحدثوا عن جرائم السكارى، ونصحوه بتجنبهم، فهناك عرف يقول إن ” السكران في ذمة الصاحي ” وعلى الصاحي أن يتحمل تبعات التعامل مع السكارى. وتحدث الفاشلون أيضا عن نساء العراق بما لا يليق وقالوا إن بين ” الخمارة ” والخمارة.. خمارة.. وتحدثوا عن غزواتهم وغرامياتهم.
وصل الزاوي لمطار بغداد.. سأله ضابط الجوازات إذا كان قد جاء من قبل إلى العراق أو لا.. نفى بحزم واقتضاب.. فقد أخبره من أخذ منهم الرأي والمشورة قبل سفره أن يقتصر في الكلام قدر المستطاع.. ولا يجيب إلا بقدر السؤال ولا يتطوع بالحديث في أشياء لا تطلب منه، فقد يجر عليه حسن نيته الكثير من البلاء. عاد ضابط الجوازات يسأله وهو يمسك الختم بيد وأصابع اليد الأخرى تقلب في جواز السفر.. عاد ليسأله بطريقة أكثر خبثا ” يبدو انك غادرات العراق لتجديد جواز السفر؟! أجابه الزاوي بأن هذا أول جواز يستخرجه في حياته وأول مرة تطأ قدمه أرض العراق.. ختم له المسئول الجواز ورحب به في أرض الرافدين متمنيا له إقامة طيبة ورزقا أوسع.
لم يسأله ضابط الجوازات عن سبب زيارته للعراق وهو السؤال الذي كان يقلقه ويتوقعه ويخشى الإجابة عليه. ودفعه القلق إلى سؤال العديد من المعارف والجيران والمستشارين الذين ذهبوا من قبل إلى العراق عن كيفية الإجابة عن مثل هذا السؤال.. حذره الكل وأخبره جميعهم بألا يفصح عن السبب الحقيقي لقدومه إلى العراق.. وأوضحوا له أن كشفه لمثل هذا السر قد يؤدي إلى حجزه في المطار وقد يعيدونه على أول طائرة إلى القاهرة أو يحجزونه إلى الأبد في العراق.
قال له المعارف والجيران وأهل الخبرة بشئون العراق انه في حالة كشفه لسبب الزيارة سيثير هواجس رجل الجوازات.. وإذا ثارت هواجسه فعلى الدنيا السلام.. سيحيله إلى مسئول اكبر وهو في الحقيقة من ضباط المخابرات المعروفين بالغلظة والتشكك.. وحكوا له بعض القصص والروايات وما رأوه من طوابير المصريين أمام مكتب الاستخبارات.. يحجزون جوازات سفرهم وحقائبهم وأمتعتهم.. وينادون على فرد.. فرد، وفي داخل المكتب تحاصره كل أنواع الأسئلة بعد أن يجلسوه أمام ضابط كبير بملابس مدنية بصحبته ضابط آخر ربما يكون اقل رتبة.. ويتحدث الاثنان باللهجة المصرية مثل أهل مصر ويستعرضان أمام المشكوك في أمره معلوماتهم عن كل كبيرة وصغيرة في مصر وبعد الأخذ والرد وتكرار السؤال بأكثر من صيغة وأكثر من أسلوب، يأمران القادم بالانتظار لساعات أخرى خارج المكتب قبل اتخاذ القرار.. أما بالسماح له بدخول العراق أو بالاحتجاز إلى أن يصدر قرار الترحيل.
في حالة احتجاز القادم يتم تفتيشه في حجرة مجاورة.. هكذا قالوا له.. يبدأ التفتيش بالحقيبة وأغلب المصريين يأتون إلى العراق بحقيبة واحدة.. ويخرجون كل المحتويات ويسألون القادم عن مكان شراء كل قطعة.. ثم يأتي الدور على ما يسمى بالتفتيش الذاتي، حيث يؤمر القادم بإفراغ كل ما في جيوبه ويضعونها على طاولة وقبل التفتيش في الأوراق التي يحملها والعناوين التي معه وأسماء أصحابها وأرقام تليفوناتهم، تعبث أصابع مسئول آخر في جميع جيوب القادم تحسبا لإخفائه أية أوراق.. ثم يسألونه عن علاقاته بالأسماء التي معه وإذا كان دفع لأحدهم مبلغا من المال نظير استقدامه للعمل بالعراق وتوفير السكن والعمل وغير ذلك من الأسئلة التي تجفف الدم في الشرايين.
لم يسأل ضابط الجوازات على الزاوي هذا السؤال الروتيني عن سبب مجيئه إلى العراق وضرب الختم في قلب جواز السفر وأعطاه له.. سلمه له باليد ولم يقذفه في وجهه. كان الزاوي آخر من وقف في الصف بناء على النصيحة التي حلمها من القاهرة قبل سفره مباشرة وهي نفس النصيحة التي حملها بين ضلوعه منذ ثلاثة عقود عاشها بالقاهرة ” تأخر.. لا تتقدم الصفوف “.. التأخر يتيح مجالا اكبر للرؤية وفسحة من الوقت لاستشعار الخطر قبل حدوثه والتأخر يساعد في التراجع والهرب في الوقت المناسب قبل أن يشعر بك احد وقبل وقوع الواقعة.
أمسك على الزاوي بجواز سفره وكاد يضع ذيله في أسنانه ويقفز فوق الحواجز إلا انه تذكر انه خلع الجلباب لأول مرة في حياته وارتدى ملابس أفرنجية كان ابنه الأصغر ” فرج ” قد تركها له.. بنطلون وقميص وبلوفر.. هذه الرحلة جعلته يفعل العديد من الأشياء لأول مرة في حياته.. عبر الحاجز بسرعة البرق وانتظر حقيبته القادمة على السير المتحرك.. تظهر الحقيبة ثم تأخذ دورتها لتختفي مرة أخرى.. ثم تعاود الظهور أفهمه عامل النظافة ضرورة أن يمد يده ليأخذها.. فهي تقريبا آخر حقيبة ويبدو أن صالة الوصول تكاد تكون خالية، فهو موعد تغيير الوردية.. لا يهم.. بمجرد ظهور مسئول الجمرك سيحمل الحقيبة إليه.. اخذ يقلب الزاوي في جواز سفره يتفحص صورته.. ويقرأ اسمه وبعض الأرقام المدونة وهو أقصى ما يعرفه في عالم الكتابة والقراءة.. الاسم على محمد يوسف الزاوي.. تاريخ الميلاد 18 يناير 1937.. المهنة لا يهم.. فهي في الحقيقة ليست مهنته، بل دفع فيها أكثر من مائتي جنيه وكان من الممكن أن يضع مكانها أية مهنة كما قال له الذي استخرج البطاقة الشخصية.. ركز على الزاوي في صورته.. ابتسم على استحياء، صورة الجواز بلا غطاء رأس.. والصلعة تحتل أكثر من ثلثي الجمجمة وشاربه اقصر.. اقصر من المعتاد بعد أن هذبه قبل ذهابه لاستوديو التصوير وترك نفسه للمصور.. أجلسه.. طلب منه رفع رأسه وخلع الطاقية وطلب منه أن يبتسم ابتسامة لا تظهر اصفرار أسنانه.. امتثل للأوامر!
الابتسامة ما زالت معلقة على شفتيه يبحلق في صورته.. ما تبقى من الشعر على جانبي الرأس غزاه الشيب وحتى الشارب غلب عليه الشعر الأبيض أشفق الزاوي على نفسه عندما دقق النظر واستجمع قوة إبصاره في خط مستقيم ضيق واكتشف أن عينيه ضاقتا بعض الشيء تمتم في سره معزيا نفسه “الكثير راح “وراح يقلب في باقي أوراق الجواز التي تفحصها المسئول العراقي لقد فحصها المسئول العراقي ورقة ورقة إلا انه وضع ختم الدخول على صفحة واحدة وقرأ بصعوبة تاريخا في منتصف الختم يبدو انه تاريخ وصوله إلى مطار صدام الدولي 18 يناير 1990 (يوم الخميس).
عادت الحركة تدب في صالة الوصول يبدو أن الموظفين قدموا لاستلام الوردية حمل حقيبته ووضعها أمام مسئول الجمرك، التفت حوله لم يجد أحدا من المسافرين في صالة الوصول.. لقد سبقه في الخروج كل من كان معه على الطائرة عمل بالنصيحة وتأخر ولم يتقدم الصفوف إلا أن النصائح المفروض إتباعها في العراق تختلف عن نصائح مصر لقد افترسه مسئول الجمارك وتسلى به وعليه سأله عن محتويات الحقيبة الخشبية الضخمة التي أكل الدهر عليها وشرب وسأله عن مكان شرائها وإذا كانت مثل هذه الحقائب تباع في المتحف المصري بميدان التحرير لم يعرف بماذا يجيبيه خشية أن تخرج من فمه كلمة يساء فهمها كظم غيظه وأخبره إن الحقيبة بها بعض ملابسه وبعض الخبز الجاف “فايش” المعروف في صعيد مصر وجوزة صغيرة برطمان، نوع من الشيشة صناعة محلية وبعض المعسل و ” قوالح ” ذرة وخرطوشة سجائر كليوباترا، وأخفى عن مسئول الجمارك إن في طيات الحقيبة ما لا يقل عن عشرين صورة شخصية لابنه الأصغر ” فرج ” وانحنى ليفتح الحقيبة إلا أن مسئول الجمرك ربت على كتفه ومنعه من فتحها وأشار له بمغادرة صالة الجمرك في أمان الله في أمان الله كلمة السر لدخول العراق أو الخروج منه سالما!
الجو شتاء بارد لا ينذر بهبوط مطر إلا انه أشد برودة من الصعيد والقاهرة السماء ليس بها نجم واحد وليس لامعة مثل سماء مصر مظلمة مكفهرة وما يرتديه من ملابس لن يحميه من هذا الصقيع حمل حقيبته على كتفه وأطلق صيحته “يا عدوي” وخرج من المطار. قال له من نصحوه قبل خروجه من مصر إن هناك موقفا للأتوبيس على بعد ربع ساعة من المطار يعمل طوال الأربع والعشرين ساعة يسأل عن السيارة الذاهبة إلى العاصمة، فالمسافة من المطار إلى قلب بغداد لا تزيد عن أربعين دقيقة وفي بغداد عليه أن يدبر حاله ويبحث عن أهم شيئين ويؤجل الباقي البحث عن عمل وعن سكن وربما يجد عملا بأجر اقل مع سكن وهذه ميزة موجودة في العراق إلا أن تلك الميزة لا يعثر عليها المرء إلا بفضل دعاء الوالدين ميزة العمل مع السكن ستوفر الكثير منها مصروفات المواصلات ومشقة السفر. وبعد الاستقرار عليه البحث جديا وبهدوء عما جاء من أجله على ألا يخبر أحدا بسره إلا بعد أن يثق به والثقة تأتي مع المعاشرة.
قرر الزاوي ألا يتحرك بعيدا عن المطار إلا مع خيوط الفجر النهار له عيون، هكذا علموه وهو في بلد غريب والغريب أعمى ولو كان بصيرا، فتح الحقيقة واستخرج قطعة من الملابس الثقيلة ليضعها على رأسه وكتفيه ويغوص في بعض الدفء وتطفو على سطح رأسه مرارة الذكريات. جاء إلى القاهرة هاربا بحياته تاركا زوجة وطفلا لا يزيد عمره عن أسبوع. ووصل بغداد مخلفا وراءه نفس الزوجة وثلاثة أولاد كبار رجال بالإضافة إلى صورة ابنه الرابع الغائب المعلقة على جدران الحجرة.
لا يعلم أين مكانه ولا سبب غيابه الذي طال إلا أن هناك إحساسا بأنه ما زال على قيد الحياة حي يرزق وهو نفس إحساس زوجته أم عياله ” صابرة ” يقولون إن قلب الأم لا يخطئ وكأن الأب بلا قلب هبط الزاوي على القاهرة وهو خائف من المطاردة ونزل إلى بغداد أرجفه البرد وقسوته وهاجمته الذكريات بمراراتها وعلى كتفيه وفي جوانبه سر ثقيل دفنه سنوات وسنوات ولم يطلع احد عليه ولا يعرفه سوى من عاصروه، تاريخ طويل أخفاه عن أبنائه الأربعة يعلمون أن أباهم من أسيوط كبد صعيد مصر، أما القرية والمركز وتفاصيل النجع وأحداثه وأفراده فقد حفر بئر ودفن فيه تاريخه، فهو ينتمي لنجع داخل قرية صغيرة تتبع مركز اكبر أحاط به العمران من كل جانب ثم اقتحمه إلا انه عصى أن يدخل القرية ويعمر قلوب أهلها أو يبدل من موروث الدم والثأر.
عام 1961 يتذكره علي الزاوي جيدا مثل تاريخ ميلاده رغم عدم اهتمامه بالتواريخ على الإطلاق فالأيام مثل بعضها والسنوات أسوأ من بعضها تعود أن يتذكر التواريخ بالمواسم والمناسبات صيفا أو شتاء قبل رمضان أو بعده ليلة المولد النبوي أو في منتصف شعبان ومع ذلك يتذكر تاريخ ميلاده جيدا وتاريخ إجباره على مغادرة القرية بالتقريب. غادر القرية عام 61 في بداية شعبان تقريبا وكان الشتاء يطرق الأبواب على استحياء وتزداد نسمات الشمال ليلا في ذلك العام كانت صور عبد الناصر تملأ الصعيد وصوته يجلجل في قراها ومراكزها قالوا حينذاك إن الرئيس جمال في طريقه إلى أسوان ” عشان ” السد العالي. في تلك الليلة غادر القرية وأهلها يستعدون لمصيبة ولكن في صمت أطبق على النخيل والدواب وحتى الكلاب امتنعت من النباح. وخرج ابنه الراب الغائب ” فرج ” إلى الدنيا في ليلة غضبت فيها مصر وأطبقت فيها الرطوبة على أنفاس البشر.. خرجت مصر كلها تطالب عبد الناصر بالتخلي عن موقفه والرجوع فيما أعلنه سمع علي الزاوي كلاما لم يسمعه من قبل في تلك الليلة الخانقة جاء المخاض زوجته ” صابرة ” جاءها المخاض بعد ثلاثة أو أربعة أيام عصيبة أطلقوا عليها ” النكسة “.
خيم الحزن على الجميع وتحاملت الزوجة وسارت على ذراع الزاوي إلى أن وصلت المجموعة الصحية في بولاق ذهبت إلى المستشفى بناء على نصيحة الطبيب عانت في شهور حمل ” فرج ” كثيرا مقارنة بالأولاد الثلاثة وأخذ حقنا كثيرة وحذره الطبيب من مغبة أن يتركها ” للداية ” وأكد عليه مرارا بضرورة الذهاب إلى المجموعة الصحية ولن يتكلف مليما واحدا لقد كانت الأمور غير الأمور. وصلت ” صابرة ” إلى المستشفى وتركها في يد الأطباء والحكيمة وذهب ليشتري لها بعض الاحتياجات رأى مظاهرات وجموعا من الناس سأل قال له الناس إن الرئيس عبد الناصر اعترف بمسئوليته عن الهزيمة وقرر التنحي، ولهذا خرجت المظاهرات تطالبه بالرجوع عن قراره.
عاد الزاوي إلى المجموعة الصحية ومعه احتياجات زوجته لتزف له الحكيمة الخبر ” رزقت بطفل ” وطلبت الحكيمة التي لم تكترث بالمظاهرات أو الهزيمة أو التنحي أن يعطيها ” الحلاوة ” ويختار اسم للمولود أجابها بلا تردد إن الأسماء في السماء قبل أن يولد الأطفال وقد أطلق على ابنه اسم ” فرج ” ودس في يدها آخر خمسين قرشا ورقية كانت معه فرج من الله ونصر قريب واصبح لعلي الزاوي أربعة أبناء نصر ويوسف وصفوت وفرج.
كان ” فرج ” أقرب أبنائه إلى قلبه ولا يعلم السبب قبل انه آخر العنقود وأن الرجل يحب أبناءه بالتساوي إلا أن الحب يزيد لبعضهم وقد سمع خاله يقول من قبل إن الحب يزيد للصغير إلى أن يكبر وللمريض إلى أن يشفى وللغائب إلى أن يعود و”فرج” هو أصغر أبنائه وهو الغائب منهم أيضا ولكن حبه لابنه الأصغر لا يقل كثيرا عن حبه لابنه الأكبر ” نصر ” الذي غادر القرية يوم ” سبوعه ” ولم يعد إليها حتى الآن يوم لا ينسى مرارته ما زالت في الحلق والبلعوم كانت العائلة تستعد لحفل ” سبوع ” نصر وزاد عدد الضيوف عما كان متوقعا، منهم من جاء من بحري وآخرون من قبلي البلد أعمام وأخوال علي الزاوي وأولادهم وبناتهم.

*روائي مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق