حوارات المجلة

الأديب د.فيصل الأحمر للمجلة الثقافية الجزائرية: أتأسف لغياب قصص الحب الكبيرة التي تتحدث عن الحب بشكل استثنائي يترك أثراً..

يتميز المبدع الجزائري الدكتور فيصل الأحمر بفكر معرفي عميق مكّنه من الانخراط في مسارات إبداعية مختلفة كالنقد والرواية والشعر والتدريس الأكاديمي والترجمة.. وبالمحصلة نحن أمام تجربة أدبية ناجحة تتسم بالغزارة والتنوع واللغة الراقية. فضيفنا مثقف موسوعي مجتهد مولع بالسينما ومهتم بالسميائيات وأدب الخيال العلمي…. ومؤلفاته تزيد عن 16 إصداراً متنوعاً ومنها: وقائع من العالم الآخر (قصص من الخيال العلمي)، وروايتي (حالة حب) و(النوافذ الداخلية) ومن مجموعاته الشعرية: (الرغبات المتقاطعة) و(مجنون وسيلة)، بالإضافة لدراسات نقدية هامة (كمعجم السيميائيات) و(الدليل السيميولوجي) و(مدارج التدبير ومعارج التفكير) وغيرها. المجلة الثقافية الجزائرية تقترب أكثر من هذه التجربة المميزة عبر هذا الحوار الخاص:
حاورته: باسمة حامد

هذه هي إحداثيات الخيال العلمي..

المجلة الثقافية الجزائرية: بوصفك أحد الكتّاب السبّاقين إلى كتابة أدب الخيال العلمي في الجزائر دعني أسألك في البداية: ما الذي يدفع المبدع للهروب من الحاضر؟! هل يحاول تفكيك الواقع وإعادة صياغته من جديد توقاً لمستقبل أفضل؟!
فيصل الأحمر:
الخيال العلمي ليس هروباً من الواقع تماماً… هو نوع من خلق مسافة أمان بالنسبة للواقع تسمح بالنظر إليه بشكل أقل التباساً، من منطلق القاعدة الفنية للتقاطب التي تقول بأن أفضل نقطة للنظر إلى نقطة “ا” هي نقطة “ب” تقابلها وتسمح لنا بالإحاطة بنقطتنا “أ”… ومسار الخيال العلمي هنا يشبه مسار الشعر الذي يسعى دوماً إلى خلق مسافة توتر فنية هي التي نقطعها دائما بمتعة كبيرة بين المعاني الحقيقية والمعاني المجازية… فالعالم المتخيل بهذا المعنى عالم يعيدنا باستمرار إلى الواقع ويحيلنا على المعيش الذي هو غايتنا الأولى والأخيرة من كل نشاط نأتيه وكل سلوك نسلكه… الحياة والإنسان هما موضوع الدين والتاريخ والمعرفة والفن.. وهما ما نشتغل عليه لأجل بناء خطط مستقبلية له. حتى التاريخ يصبح لا هدف له إذا لم يكن مهجوساً بسبل تحسين الطرف الحياتي، سبل تصحيح الأخطاء التي يعج بها الماضي… سبل خلق مصالحة وأجواء صحية مع ذواتنا تمكننا من الانتقال السليم والصحي والناجع صوب الغد… نحن المسافرين أبداً على متن الحاضر والقاصدين دائماً لمحطات المستقبل المترقب لنا بشغف كبير… وهذه هي إحداثيات الخيال العلمي.

حالة حب..

المجلة الثقافية الجزائرية: روايتك (حالة حب) تشير بوضوح إلى شغفك الشخصي بالسينما.. هل تكتب تحت هذا التأثير؟ أي هل تسعى لتقديم رواية جاهزة لتحويلها إلى فيلم سينمائي في إطار تصور ذهني وإبداعي مسبق؟
فيصل الأحمر:
(حالة حب) رواية فلسفية بالدرجة الأولى. هي تنطلق من مقولة غريبة مستهجنة محاولة تركيب صور خيالية (قريبة جداً من عوالم السينما الحميمية) تقوي الرؤية التي تدافع عنها الرواية. مع ملاحظة أن السينما هي الفن الأكثر حميمية من منطلق أننا نشاهد الأفلام السينمائية في بيوتنا وفي غرفنا… بمفردنا في أماكن النوم الأبعد عن الفضاء العمومي والأقرب إلى مواقع العزلة الحميمية. لا يوجد فن آخر يقترب من فضائنا الحميمي بالقدر الذي تفعله السينما في الحقيقة… أما عن روايتي فهي مكتوبة كخطاب سردي بجماليات لغوية عالية … وقد تكون (حالة حب) هي الرواية التي فيها اشتغال لغوي أكثر من أي عمل آخر من أعمالي الأخرى (الخمسة المنشورة أو السبعة المكتوبة)…
يبقى أنني إلى غاية الآن أملك علاقة ثقافية فقط مع السينما التي هي ولعي الكبير، كمتفرج متحمس وكمثقف مطلع يتأمل الظواهر ويكتب عنها فقط…أما استهدافها بنص فلم يحدث بعد…وربما هنالك مشروع في الأفق ولكنه في مرحلة أمشاج… ولم يظهر بعد….

إشكالية الحب في الرواية العربية

المجلة الثقافية الجزائرية: ما الصعوبات التي تواجه المبدع العربي حين يتناول موضوعاً إشكالياً كموضوع (الحب) خصوصاً وأن مجتمعاتنا تمور بضروب متنافرة من العادات والتقاليد والمفاهيم المتوارثة والصراعات الثقافية والإيديولوجية المتضاربة؟
فيصل الأحمر:
لقد قلت فيما سبق كلاماً أثار غضباً معيناً في بعض الندوات فيما يتعلق بالإشكالية التي تدور حولها روايتي “حالة حب”…قلت : إننا نعيش الحب كحالة عابرة ولا نتأملها بالقدر الكافي… وهنا أتأسف لغياب قصص الحب الكبيرة التي تتحدث عن الحب بشكل استثنائي يترك أثراً؛ لأن من شأنها أن تقوم بدور التعمق هذا قياماً فنياً وفلسفياً…
إننا ندخل الروايات الغربية والشرقية فنجد تفكيكاً وإثراء لجوانب لم يكن البعض يتوقع إيجادها أصلاً، ثم ندخل رواياتنا العربية فنجد نمطاً واحداً مبنياً على ترسيمة تكاد تكون واحدة: شباب يحبون مع عسر الوصال ومحاربة البيئة الريفية لرغبة الشباب في التحرر وأخذ ما يريده بعضهم من بعض، مع قليل من توابل التعارض الشكلي بين حياة الحب على الطريقة الغربية وبين رأي الدين في كل ذلك… والباقي كله تنويعات على هذا “الموتيف”… والغالب عندي أن الروائيين في حرج كبير عندنا لأنهم غالباً ما يكون لهم انخراط مجتمعي وربما سياسي ويمكننا وصفه بالانخراط الانثروبولوجي أيضاً في الجماعات التي يعيشون فيها تعمل عموماً على تضييق دائرة القول والبوح والمكاشفة – وذلك جوهر العمل الروائي في الحقيقة- وينتهي الواحد منا بالتهديد بالقول والمكاشفة دون قدرة حقيقية على الإدلاء بأي رأي في أي شيء… أو يجتذبه الإسفاف فينقلب من شطط الإعراض عن القول إلى شطط التعريض في القول، وقول كل شيء بشكل هدفه الاستفزاز والكشف المبالغ فيه على طريقة ليست حقيقية لأنها تخرج من بطون كتب أجنبية ولا تصدر عن واقع عاشه لا الكاتب ولا أبناء مجتمعه… والحاصل أننا ننتهي مع الحب في الروايات التي نكتبها إلى حال واحد من اثنين من تأخر عن ركوب القطار ومن خاف التأخير فجاء قرناً كاملاً قبل موعد الانطلاق، وهو ينتظر – ونحن ننتظر معه-

هنا تكمن معادلة الفن الروائي..

المجلة الثقافية الجزائرية: لاحظتُ أن الرواية جاءت مستغرقة في التأملات والعواطف ومشبعة بالشاعرية والنزعة الفلسفية الواضحة.. وهذا يقودني إلى سؤالك كناقد أكاديمي: ألا تعتقد أن التكديس الإنشائي قد يطغى على الأحداث السردية وبالتالي يجهز على العمل الروائي؟!
فيصل الأحمر:
يكمن الفن الروائي كله في هذه المعادلة التي تطرحينها هنا يا عزيزتي… الروائي يتفنن في طرق إخراج الحقائق التي نعرفها جميعاً بشكل لا يعرفه أحد… هو يلبس الكلام والمعاني والحالات لباساً نراه لأول مرة… وهذا ما يجعلنا نستغرق مع الروائيين منذ أبد أو أكثر دون كلل ولا ملل… مؤخراً حدث لي أن قرأت رواية وشاهدت فيلماً روائياً يدوران داخل فضاء مغلق… شخصيتان لا ثالث لهما… ومع ذلك فإن شدة التوتر تتصاعد في العملين الفنيين إلى درجة تمنعك حتى من قطع القراءة أو المشاهدة… الرواية هي “نظافة القاتل” لآميلي نوطومب”… والفيلم هو ” المحقق sleuth ” (1972) لجوزيف مانكييفتش عن سيناريو كتبه الكاتب الكبير هارولد بينتر الحاصل على جائزة نوبل للآداب (2005)…
إن تصور القصص ذات الأحداث كقصص ناجحة ليس صحيحاً، إذ كثيراً ما تثيرنا المغامرات التي داخل النفس أو داخل اللغة فنستعيض بها عن غيرها من اللواتي هي في الأحداث… والسر كله على حافة قلم الكاتب أو على أطراف أنامله. (حالة حب) تبقى رغم أحداثها المحدودة رواية على درجة عالية من الرشاقة (إن جاز لي أنا؛ ولا أعوذ بالله من كلمة أنا، أن أقول هذا في حقها)…وهي تقرأ على نفس واحد لذلك السبب… الباقي نتركه للقراء.

السّرد طريقة في التفكير وظاهرة صحية..

المجلة الثقافية الجزائرية: من المثير للانتباه أن الروائي الجزائري فتح باب السرد على مصراعيه.. وكأنه وجد ضالته في هذا الفن ليفتح قلبه ويحكي عن ذاته وأحاسيسه.. مشاكله وأحلامه.. تفاصيل حياته اليومية .. تاريخه والأسئلة التي تشغله.. هل يمكن اعتبار هذا الاندفاع ردة فعل لاشعورية على حقبة الاحتلال الفرنسي للجزائر كي نفهم ونستوعب سرّ حماسته للّغة العربية وشعوره بضرورة الدفاع عنها؟
فيصل الأحمر:
في المطلق تبدو الرواية مرحلة حضارية تمر بها الشعوب والمجتمعات، إضافة إلى كونها قد تحولت إلى أيقونة ثقافية، إلى سنن وقوانين تتواصل بها الجماعات والأفراد..حالها في ذلك تماما حال التاريخ والسينما والمسرح..الخ الخ…
نزوع الروائيين الشباب صوب السرد علامة صحية جداً…وهي نصوص تزينها الإبداعات النسوية أولاً، وهذا جانب جدير بالتأمل، ثم هي نصوص وفية للذات على عكس نصوص روائيينا العرب في الجيل السابق وكانوا مغرمين بتمثيل الغرب، فتجد الإطار غربياً وتجد البطل غربياً أو كالغريب، وتجد الايديولوجيا شرقية تارة وغربية تارة ولكنها أجنبية في كل الحالات… في حين يبدو أن نصوص روائيي اليوم من الشباب تتّكئ على الذّات ولا تتهيّب منها؛ وتنظر إلى المكوّن المحلّي بعين واثقة هدفها وضع اليد والحرف والمعنى على حياتنا وعلى الناس عندنا حتى وإن كانوا لا يسافرون كثيرًا، ولا يدخنون سجائرَ فاخرةً، وليسوا من روّاد الموضة. بل هم أناس بسطاء نعرفهم ونحبّهم ونقرأ عنهم فنسترجعهم، ونقرأ حكايا حبهم وكرههم وأحزانهم وأحلامهم وخيباتهم وما يقولونه وما يخفونه، فنتعرّف على ذاتنا ولا يضيرنا في شيء أنهم كانوا –وربما لا زالوا – يسكنون محلة صغيرة أو كفراً أو قرية ويلبسون جلابيب و ينتعلون صنادل ويحمّلون الماء على ظهور الحمير كما كان يفعل/ يسكن/ يلبس/ ين تعل شخوص الطاهر جاووت ومولود فرعون والطاهر وطار وبن هدوقة ونجيب محفوظ وحنا مينة وجمال الغيطاني وإميل حبيبي منذ جيل سردي أو جيلين. لقد أسلفت القول، في بعض دراساتي وفي غير هذا المنبر إنّ السّرد طريقة في التفكير. فنحن نفكّر مثلما نكتب رواياتٍ. فنشبه مروياتِنا وأقاصيصَنا، ونتحرّك في إطار رؤية إلى العالم تفضحها حكاياتنا وسرودنا شعبيةً ورسميةً، طويلة ومختصرة، مكتوبة وشفاهية… لهذا لا يمكننا أن نقرأ هذه الظواهر إلا على أساس كونها ظواهر صحية تدل على استعادة الحق في السرد الذي سلبه أولا وبدرجة كبيرة الاستعمار الفرنسي، وسلبه ثانياً وبدرجة أقل النزوع التقليدي ثم التدين الإسلامي غير العميق الذي شاع بعد مرحلة تحرر البلدان العربية بجيل أو جيلين على الأكثر.

الرواية الجزائرية حققت نجاحات كثيرة ولكن..

المجلة الثقافية الجزائرية: رغم الكم الهائل من الإصدارات نجد أن الرواية الجزائرية تراجعت إبداعياً في السنوات الأخيرة مقارنةً مع نظيرتها المغربية والتونسية.. كيف تفسر ذلك؟ وفي هذا الإطار: لماذا برأيك عجزت الرواية الجزائرية عن الوصول للجوائز العالمية كالبوكر مثلاً؟
فيصل الأحمر:
هذا سؤال هام في الحقيقة، وعلينا أن نصف الوضع بكثير من الصراحة الجارحة… الرواية الجزائرية حققت نجاحات كثيرة شأنها في ذلك شأن مثيلاتها، وإذا كان روائيونا لم يحصلوا على البوكر فإن كثيراً من البلدان العربية لم تحصل عليها بعد ، في حين حصلنا على نجيب محفوظ، وكاتارا، والغونكور، والطيب صالح، والشارقة، وسعاد الصباح، ودبي الثقافية، والشيخ زايد…الخ الخ
يبقى أن نعترف بأن سير كثير من الجوائز فيه كثير مما يقال … وأكثر شيء يقال في حق الرواية الجزائرية هو أن هنالك تأخراً في الصحافة الثقافية أكثر مما يوجد تخلف على مستوى النصوص، فالنصوص موجودة ولا غبار عليها، وهي كثيرة متنوعة تشهد حراكاً كبيراً… إلا أن ما نأسف له هو عزلتنا الصحفية التي تجعل المجهود الشخصي غالباً للحركة الأدبية العامة… وهذه كارثة فيها غبن كبير للأقلام الجزائرية.

العلاقة بين المثقف والمحيط علاقة إشكالية

 

المجلة الثقافية الجزائرية: عالمنا العربي حالياً يعيش تحولات جذرية مهمة ويتجه نحو قطيعة مع السياسات الرجعية.. فكيف ترى دور المثقف في التغيير بعيداً عن الخطاب الجاهز؟
فيصل الأحمر:
العلاقة بين المثقف والمحيط علاقة إشكالية، تطرح دائماً وربما يكون السبب فيها متعدد المشارب، وأحد أهم جوانبه هو العسر التقليدي الذي نجده أثناء الحديث عن مفهوم المثقف في بيئتنا، من هو المثقف؟ من هو الكاتب؟ هل هو “ضمير الأمة”؟ أم أنه زمار الحي الذي عليه أن يطرب؟ وأين يتموقع المثقف على خارطة الثورات العربية والتحولات العميقة التي يشهدها الشارع العربي منذ سنوات قليلة؟
كثيراً ما استوقفني التحول التدريجي للمثقف من دور النملة أين يعمل وسط محيطه (وربما يكون الدور الأخير الذي لازال المثقف النخبوي بلعبه هو التدريس أين يؤدي دور النملة بامتياز)، وبين دور الصرصور الذي يغني فيطرب القوم (ومثقفو التلفزيون والإعلام عموماً هم الأقرب إلى هذا النموذج)… وقد تسألين ما علاقة هذا الكلام بالسؤال… ولكنه كلام جوهري، لأننا اليوم في كثير من الأحيان نجد سؤالاً جوهرياً حول دور الروائيين في المحيط… ماذا نفعل بالروائي يا ترى في عصر الانترنت والتواصل الاجتماعي السريع الذي لا ينتظر عاماً أو شهوراً لكتابة رواية أو لتحسين الجانب الفني لعمل ما؟

في الغرب الروائي يدلي بآرائه في السياسة ويمارس العمل الجمعوي، ويساند حملات انتخابية ومنتخبين، يتحدث في الميديا لإعطاء رأيه في الشأن العام وفي طوارئ الأحداث، كما أنه متواجد على الشبكات الافتراضية تواجدا متجددا كعنصر من المجتمع الافتراضي لا كديناصور يفكر ملياً قبل الضغط على أي زر من أزرار حاسوبه القديم … وهذه كلها أدوار لا يقوم بها الروائي عندنا، فروائيونا المشهورون غالباً ما يعيشون خارج البلدان العربية متحررين من القبضة الأمنية، فلا تجد السلطات القائمة إزاءهم من حل سوى إغرائهم وهم يلعبون اللعبة بشكل ما فيتحولون إلى رموز للبلاد، وسفراء للثقافة، وممثلين للوطن وللهوية المحلية أو القومية الرسمية…الخ الخ… وهنا غالباً ما يصبح القارئ البسيط يرى الروائي كنوع من البوق للسلطة… ولنا في حالة كتابنا الجزائريين المقيمين في فرنسا، وفي الكتاب السعوديين والخليجيين الكثيرين الذين يعيشون في الولايات المتحدة وفي إنكلترا وباقي البلدان ثم في الدياسبورا العراقية الكبيرة المشتتة في العالم كله أمثلة حية عن ذلك.. وهذا في اعتقادي السبب الرئيسي لبطء التقدم في النصوص الروائية العربية عموما والجزائرية تحديداً… وإن كانت الأحكام العامة التعميمية من هذا القبيل هي أحكام يعتورها التعتيم عموماً.

سيميائيات مطعمة بالتاريخ والثقافة والسياسة والإيديولوجيا

 

المجلة الثقافية الجزائرية: صدر لك مؤخراً كتاب وصف بالهام؛ أقصد “أفق الدراسات الثقافية”… كتاب يمارس قراءة العالم والأفكار والتأمل الثقافي بطريقة متعددة الآفاق وبمنهجية تقف في منعطف المنهجيات. كتاب ينطلق من الأدب مراراً لكي يرسو على حواف الفلسفة. حدثنا عن منعطفك الفلسفي هذا.
فيصل الأحمر:
كتابي الأخير “أفق الدراسات الثقافية” يكلل مسيرة بحثية طويلة بدأت من حوالي خمس عشرة سنة حينما بدأت تدريس السيميائيات (ولي في الميدان ثلاثة كتب معروفة) وساعتها أحسست نفوراً كبيراً من الجانب النسقي لهذا النمط من الدرس فيما انجذبت صوب الجانب الدلالي الذي هو سيميائيات مطعمة بالتاريخ والثقافة والسياسة والإيديولوجيا… سيميائيات على طريقة رولان بارط، سيميائيات التداعي الفكري الحر… سيميائيات ترابطية لا سيميائيات الروابط المحددة سلفاً… شيئاً فشيئاً صار يستهويني في الدراسة والتدريس جانب التطعيم الانثروبولوجي والنصوصي والتاريخي والثقافي متعدد التخصصات الموجود في الموضوعات التي كنت اسمي مقارباتي لها مقاربات سيميائية… وكانت النتيجة التي لا مفر منها هي احتضان أعمالي للطريقة التي يعمل بها جماعة الدراسات الثقافية… يروقني كثيراً ما في الدراسات الثقافية من حساسية شديدة للواقع وللحياة الملموسة المسماة بأسمائها المعهودة لا تلك التي تتخفى خلف مصطلحات وتسميات تنتهي بتحويلها إلى أشباح أكاديمية، وأشباه أشياء بلا ماض عدا ذلك الماضي الذي تصبغه على أشياء الحياة الكتب… وكثيراً ما تلوي الكتب عنق الحياة..
هنالك موضوعات لم يتناولها كتابي لكثرة ورودها في الكتب العربية “القليلة” التي تتناول هذا الأفق (أفق الدراسات الثقافية) وأقصد النظرية ما بعد الاستعمارية، النظرية النسوية والميديا والاتصال… وقد فضلت الحفر في مظان أخرى أقل تواتراً في الكتب العربية مثل التاريخ والافتراض والتاريخ البديل والفلسفة اليومية أو فلسفة الطوارئ الحياتية، وكذا اللغة وألعاب الكلام التي تقف في الجهة المقابلة لميراثنا اللغوي الذي استغرقته البلاغة حتى نسينا أن للغة وجوداً هاماً آخر عدا الوجود البلاغي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق