قراءات ودراسات

الغواية بالكتابة في ديوان (مباهج ممكنة)

الزهرة حمودان *

1 ـ  بوح الممكن:

في البدء أقول: أيها الناسك في محرابك الصخري،  هل تراك أعرت الصخر بيانك فانفجر شلال أخيلة باهرة؟ أم هل سقاك الصخر تفجيراته، فانسابت معك بحورا شعرية، هادرة، محملة بلآلئ التعبير… ودرر الصور الساحرة، قصائد وعرة المسالك كجبال شفشاون السامقة  الباهرة؟ها أنذي تستفزني شحنات العناد… كأنما صلابة الصخر تنطق شعرا…

أهو النص الذي أرهق الصخر قواه، أم هو نبض الشاعر يسكنك، أم هي نبضات قلب مشتعل الحس، صاحبها مزود بحدس نبوي يوقد البصيرة؟سيدي ، هل تدري أن

نا نشترك في الثورة على تاء التأنيث،فمن جهتك “سعاد، وبيسان، وسحر، ويمنى، وفرح” ومن لدني” “اعتماد ومريم ونرجس” أسماء متحررة من دائرة الرق، ما أجم

ل أن يولد المرء حراً… هل ولدتنا أمهاتنا أحرارا؟؟   بمثل ما نشترك في الإبحار في الممكن؟

أنا المسكونة بالبحث عن المتاح ، في مملكة القمع، كل المرافئ تعرف أني لم أملَّ يوما من البحث عن الممكن والمتاح، في عالمي المصفح بالمستحيل… فوسط طوقي المحكم الاستدارة، الذي هو ملء خطوي المحدد المسافة، بنيت مستوطناتي من البهجة… ممكنات أزهرت بناتي اعتماد ومريم ونرجس،أفليس الأجمل أن نحس الحرية حيث ينتفي وجودها … ألا يشعرك ذلك بقوة الانتصار؟ فحيثما يعتقد الجميع أنك تفتقدها، تكن هي تتغلغل في مسامك؟

2 – الغواية بالكتابة

إنَّ (مباهج ممكنة) ديوان يغري بالغوص فيه،ابتداء من لوحة الغلاف، حيث اللون اللازوردي الشفاف، الذي يحيل على عالم نوراني، يطارد نوره  عتمات الأفق، ويبعث في السكون حياة، مرورا بالإهداء المتمردة أسماؤه على تاء التأنيث واستدارتها الموحشة، ذات الحلقات المسكونة بإرث  أصفر لماض أسود، أسسا لحاضر ليس أحسن منهما،في شئ،تغيرت الأسماء والمسميات، بينا ظلت التقسيمات والمفاهيم هي هي، أسماءً محملةً بإيحاءات تسافر فيها الذاكرة، فتستريح الجغرافيا الأدبية، والتاريخ النضالي، والعوالم الروحانية،المفعمة بمعاني المطلق، بدءً  بأول قصيدة في الديوان التي يعلن فيها الشاعر انبعاثه من جديد.

يقول الفيلسوف الشاعر الألماني”نيتشه”(إن العالم مبني على الدهشة) وكأني بالشاعر في هذه القصيدة كان هاجعا ، فإذا به يسمع جني الشعر يخاطبه: أن قمْ واخلعْ رداء الفتور،كفالك تسكعا بين أسوار مدينة شامخة،غادرها شبابها،فاستسلمت تبكي عقوق الأبناء المغادرين،حلق فالمدى أوسع من  أن تحتضنه أسوار مدينة… قم فإنك بوادي القريض… فإذا بضياء يغشى الوجود، إنها أبواب العالم الممكنة تفتح … وإذا بالشاعر تعتريه دهشة مبهجة، فاضت قصائد وأشعارأً…فاسترجع بذلك نبض الوجود.

الكلمات تفجرت أبحرا، لألاؤها صور تسافر بك في المدى،ممتطية مراكب بلاغة باذخة، شاهرة لواء متعة المعاني، لمؤانسة الخيال، فنطقت الأحرف أسرارا.وباحت بالمكنون المبتهج، وبابتهاج ممكن، أزهرت به بساتين الرؤيا ” الممتدة في طين يخضر بلا ماء”.

ألا توقفنا بعض مكونات حقول معجم الشاعر الدلالية كما يعبر عنها بعض هذا السطر الشعري، على أقرب مسلك لفهم عتبة هذا الديوان؟

إن تتبع الخط البياني لقصائد “مباهج ممكنة” ديوان الشاعر المغربي أحمد بنميمون، يرسم لنا إطارا لمسار الشاعر الحيوي.. فالقصيدة الأولى، التي يقول فيها:

رفرف الصوت الذي انداح يبثّ النور في كل فضاء/ ثمّ أبقاني رمادا لأعاني/

محنة البعث انهيارا /ذلك اللحن الذي أرهق من نبضي قواه/ تاركا في هجعة الأوتار روحا من لظاه/ هل ترى يرجع للتحليق بالأرواح في شبه صلاة /يطرد الحيرة بالوحي جلا ما ضلـّــل العمر : هدىً بعد متاه /إنني أرخي جناحيّ انكسارا/

تثقل القلب رؤاه /من نكول الأرض عن لحن  سماويّ الترانيم ، مداه /باشتعال النبض يمتدّ ، فوجهي رحلة تهفو لأفراح لقاء /(1)

إنما هي إعلان عن انبعاث محمّل بملكة قوية فجرت ذات الشاعر.. فخرجت به من شرنقة الصمت.. كما يمكننا أن نعتبر القصيدة ذاتها كشف رصيد، يمتلكه الشاعر، هو الأساس الذي أقام عليه بناءه الشعري… وكلما تدرجنا في قراءة قصائد الديوان تفتحت لنا أبواب ذات الشاعر: إنها قصائده التي تجعلنا نحتار مع رولان بارت فنتساءل: من أين نبدأ؟ بل إنه النص النابض،  تلك هي قصائد الشاعر أحمد بنميمون، التي انفردت بلغتها وبنائها ، متفاعلة مع الوجع المغربي، فالمراهنة على المغايرة والاختلاف خاضعة لرؤى ومدار ونبض وأحلام  وفضاءات، يمارس فيها الشاعر حريته بامتياز… حيث تعكس حركية توارد القصائد وعيا شقيا، عنيت قصائده التي استحضر فيها تجربته الذاتية. بكل أبعادها: إنه فن الإنصات إلى الذات التي  انبعثت ألقا مصدره وطاقته هؤلاء الذين نهضوا من موتنا ( فكانوا أنجما في نبضنا انتشرت شظايا أفئدة) هو البعث الذي أعاد للنبض دفقه.

تلك حمى ملهمِ ٍ بين نقيضين أحاطاه اغتناءً وافتقارا

مستكين السمع للظاهر بينا نغم الباطن قد ضجّ وثارا

والذي رفرف بين ذراعيه جليلا فاتنا بعض صداه

ملهم ٍ خرّ بحمى الخلق حتى يبلغ اللحن به أقصى البهاء

لم يطب نفسا بما جاءت به الأوتارُ خلقا عبقريا وابتكارا

إنه يطلب ما لم يبلغ الحسّ ُ فيجلو نبويّ َ الحدس ما سر الحياة.(2)

فمن قصائد هذا الديوان ما ينضح بالفعل النضالي الذي يسكن صاحبها، ابتداء من موقفه تجاه الحياة ، والممكن فيها، والإصرار على التموقع داخل النسق الإنساني كموجود منتم بالفعل  إلى الأسرة وقيمتها الوجدانية والمادية، بحكم إيمانه بها ككيان يدعم ويحرض على استمرارية مبتهجة . إلى نظرته، ومعايشته للجهد النضالي لفئة من مجايليه من شعراء السبعينات… حلموا بالتغيير، وجاهروا بتطلعاتهم ومطامحهم، فأفرخت  رؤاهم استشهادا ومنافيَ وسجونا… فذكر الراحلين منهم،ضمنا( المهدي بن بركة، وضحايا حوادث الإرهاب بالدار البيضاء في قصيدة : قال  لي)أو تصريحا(المرحوم والد الشاعر ، وشهيد حركة الجامعيين المعطلين: مصطفى الحمزاوي، وآخرين والشاعر الراحل المحتار الحداد) ومجَّد الفعل الثقافي… حتى الجمعوي،مما كان مصدر إلهام له في بعض قصائده… إنها فسيفساء الوعي الشقي عند هذا الشاعر.

كما أنها إعلان بعث، وفعل وجودي للشاعر…يخبر من خلاله: أني هنا “أسمع وأرى وأتفاعل” فجاءت صياغة رؤاه وانفعالاته هذه، قصائد شامخة شموخ جبال مدينته التي أهدت الشاعر الطمأنينة وبعض الدعة،  وأرجعت أصداء الوطن بين أركانه الأربعة، فعاشها بفواجعها وانتكاساته،  حتى سالت دموعه أشعارا.

(1)(2) من قصيدة: مباهج ممكنة ص.ص7وص . 8

*مباهج ممكنة: ديوان للشاعر المغربي أحمد بنميمون ـ دار القرويين ـ الدار البيضاء ـ يناير 2008

كاتبة من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق