حوارات المجلة

الأديبة اللبنانية غادة إبراهيم للمجلة الثقافية الجزائرية: المبدع مغامر يسبر أغوار مجتمع مأزوم

غادة إبراهيم مبدعة لبنانية مجتهدة استطاعت أن تصنع بصمتها الإبداعية الخاصة فسطع نجمها في سماء الأدب كشاعرة وروائية .. ضيفتنا عضو في اتحاد الكتاب اللبنانيين وعضو في المجلس العالمي للغة العربية وفي ملتقى القصة القصيرة وبيت المثقفين العرب وفي العديد من الأندية الأدبية والثقافية.. كتاباتها تتسم بالمتانة اللغوية والسلاسة والإمتاع والرهافة الإنسانية.. من أبرز مؤلفاتها: رواية (قصور لا تدخلها الشمس)، وديوان شعري بعنوان(هل تسمع همس حنيني)، وكتاب (حدائق الإنشاء والتعبير) وغيرها..
المجلة الثقافية الجزائرية حاورت هذه الأديبة الجميلة في هذه المساحة من السؤال والجواب:
حاورتها: باسمة حامد

المبدع المصلح لا يطلّ على مجتمعه من برجه العاجي

المجلة الثقافية الجزائرية: ما لاحظناه أن روايتك (شجن على وقع الموج) أتت كدعوة إنسانية لتجسير العلاقة بين الآباء والأبناء.. وفي هذا الإطار دعيني أسألك بدايةً: هل على المبدع أن يكتفي بإثارة الأسئلة أم أنه ملزم بلعب دور أكبر في هذا الزمن الذي تتفشى فيه الأزمات الاجتماعية والفكرية والنفسية بكثرة ؟
غادة إبراهيم:
مما لا شك فيه أن المبدعين تقلقهم هموم الكون برمّته وتستفزهم المشاهد الاجتماعية التي تجرح في الصميم. ولا تكتمل صورة أعمالهم إلا من خلال تفاعلهم مع محيطهم وذوبانهم في قضاياه. فالمبدع المصلح لا يطلّ على مجتمعه من برجه العاجي ولا يقف مكتوفاّ أمام رعونة الأزمات طارحاً أسئلة حائرة. إنّه المغامر يسبر أغوار مجتمع مأزوم يئن متخبطاً في عتم أزماته، وهو الحاذق في إيجاد حلول ترضي ذاته التواقة للبناء والإصلاح. ففي العمل الروائي مثلاً يؤدي المبدع دوره الإرشادي الإصلاحي من خلال طرح المشكلات وعرضها وتسيير أحداث يرسمها كما يملي عليه هواه النوراني يتحكّم بمصائر شخوصه لصالح رجحان كفّة الخير وتلاشي الشر وانطفائه. فمن خلال جودة البدايات والعرض والنهايات المدوّية يورق ويزهر دور الروائي التوعوي ويتحقّق هدفه الإصلاحيّ.

أحلم بعالم مثالي وتبهرني المدينة الفاضلة..

المجلة الثقافية الجزائرية: ما جعلني أبدأ بهذا السؤال بصراحة: هو شعوري بأن غادة إبراهيم المبدعة والإنسانة والمشغولة بالهم الإنساني لا تهرب من الواقع إنما ترفض الرداءة القائمة، وتطرح ما تراه مناسباً من أجل مجتمع أفضل .. ما رأيك؟
غادة إبراهيم:
لك ألف شكر سيّدتي على هذا التوصيف الدقيق وهذه القراءة الضوئيّة، وكأن سبق لك أن حاورت نبض أحلامي وآمالي.. نعم غادة إبراهيم معجونة بعشق المثل تحلم بعالم مثالي وإن كان تحقيق هذا الحلم مستحيلاً تبهرها مدينة الفارابي الفاضلة، ويؤلمها الغرق في متاهات الرداءة وبشاعة الآفات.. وتسعى بشغف إلى بناء مجتمع فاضل من خلال تسليط الضوء على ما أصاب المجتمعات من اهتراء ضميري واعوجاج سلوكي يستوجب انتفاضة فكريّة تنشر الوعي وتشقّ طريق الإصلاح.

لهذا السبب طرحت مشكلات الطبقة المخملية

المجلة الثقافية الجزائرية: في روايتك (قصور لا تدخلها الشمس) عاينتِ واقع الطبقة الأرستقراطية بعمق وإبداع لافتين.. لكن ما الذي أغراك كمبدعة للغوص (روائياً وإنسانياً) في مشاكل هذه الشريحة الاجتماعية خصوصاً وأن النظرة السائدة حولها تضعها في إطار جاهز مسبقاً باعتبارها (طبقة مخملية غنية تعيش في أبراج عاجية وبالتالي ليست مهمومة ولا تعاني من أي مشاكل)؟!
غادة إبراهيم:
ما أثار رغبتي في طرح مشكلات الطبقة المخمليّة والكشف عن واقعها هو السعي إلى تصحيح المفهوم السائد الذي ينزّه هذه الطبقة ويحيطها بهالة، فأصحاب هذا المفهوم لا يرون من حياة هذه الطبقة إلا الجانب الورديّ. لقد حاولت إثبات مفهوم شموليّة المشكلات الإنسانيّة، فالهموم لا تسكن الأكواخ دون القصور والأمراض الخلقيّة والنفسيّة لا تميّز بين الأثرياء والفقراء. والجهل لا يقتصر على الغرباء عن عالم الفكر والمداد الماسي. حتماً هو قرين أصحاب الضمائر الصدئة الذين تفرّ الحروف خجلى من صفحات أيامهم. (قصور لا تدخلها الشمس) عمل روائيّ شامل تناولت فيه قضايا هامّة ذات طابع اجتماعيّ إنسانيّ.

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا الالتزام الأخلاقي حيال الإنسان لدى غادة إبراهيم كيف تُرجم في الضفة الأخرى؟.. أقصد كيف كان صداه لدى المتلقي (العادي والناقد)؟
غادة إبراهيم:
هذا الالتزام الأخلاقيّ ترك صدى طيّباً عند أهل الوعي التوّاقين إلى النهوض بالمجتمع ومعالجة الثغرات والندوب التي تنهب الجسد الاجتماعي وتقوّض دعائمه. وقد ترجم هذا القبول باعتماد أعمالي الروائيّة كمرجع أخلاقي تربويّ في أهم مدارس لبنان ينهل منه الطلاب حلاوة المبنى وسمو المعنى.

شعلة الشعر لم تنطفئ ولن تنطفئ..

المجلة الثقافية الجزائرية: في ضوء تجربتك الشعرية هل تجدين أن الشعر مازال يشكل رافعة معنوية للشعوب؟.. وإذا كان الأمر كذلك كيف تفسرين ازدهار الرواية على حساب الشعر في البلاد العربية؟
غادة إبراهيم:
الشعر سجلّ الأمم، والشاعر ضمير الأمّة وصوتها المدوّي. ولقد احتلّ شعرنا العربيّ مكانة مرموقة وشغل مركز الصدارة على امتداد عصور وحظي باهتمام عشّاقه وإقبالهم على الإبحار في ما تجود به قرائح فرسان القصيد .
شعلة الشعر لم تنطفئ ولن تنطفئ، وشعرنا العربي كان وما زال المعبّر الأبلغ والصورة الصادقة التي تعكس واقع الشعوب وما يجتاحها من تغيّرات على مختلف الأصعدة .
لكن لا يمكننا أن ننكر أنّ الشعر في عصرنا الحاضر غارق في أزمة حقيقيّة يعاند مدّ فنون أخرى سلبت منه البريق، أقصد فنّ الرواية. فصعود هذا الفنّ وازدهاره على حساب الشعر وتصدره المشهد الثقافي يعود لأسباب عديدة نذكر منها:
– اهتمام دور النشر بطباعة الرواية والترويج لها والهروب من طباعة دواوين الشعر وتهميشها .
– الأمر الثاني يعود إلى لغة الرواية البسيطة التي شكلت عنصراً جاذبا للمتلقي الراغب في قطف المعاني دون عناء .
– إن الرواية بأسلوبها الواضح ولغتها البسيطة تتيح للقارئ العبور إلى مكنونها دون كدّ وجهد يبذل لفكّ رموز وكشف دلالات، أمّا لغة الشعر فهي لغة رمزيّة عميقة تتطلّب غوصاً وتوغّلاً في أسرار الصورة لكشف دلالاتها. فالمتلقي في عصرنا الحاضر -عصر السرعة- ينفر من الغموض ويسلك دروباً فرت من المنعطفات.. إن الأسباب عديدة نكتفي بما سبق أن ذكرنا.

السيرة الذاتيّة فنّ سرديّ جاذب..

المجلة الثقافية الجزائرية: كتابة السيرة الذاتية تتطلب قدراً كبيراً من شجاعة الكاتب لأنها تفتح باباً على أسراره وتضيء على الزوايا المعتمة في حياته.. فكيف تعاملت المبدعة غادة إبراهيم مع هذا النوع من الكتابة الأدبية في (تأملات على شطآن الذاكرة)؟
غادة إبراهيم:
السيرة الذاتيّة فنّ سرديّ جاذب يستقطب اهتمامات القرّاء. والمبدع الذكيّ يتعامل مع هذا الفنّ بوعي. فالهدف من عرض أيّ عمل إبداعيّ يتمثّل في صقل الذائقة الأدبيّة عند المتلقّي، وحين يعرض المبدع الجانب المضيء من مسيرة حياته دون الوقوف عند محطات سوداويّة يكون قد حقّق هدفه في إرضاء ذاته التوّاقة إلى استعادة شريط ذكريات تروق له نفسه، ويكون في الوقت عينه قد اصطحب القارئ في نزهة سرديّة مشوّقة أسرته وأمتعته وزوّدته بمخزون لغويّ جماليّ وعذب.

في لبنان انتفاضة ثقافيّة..

المجلة الثقافية الجزائرية: لبنان تاريخياً قدّم أسماء إبداعيّة لامعة في سماء الأدب والفنّ… كيف تجدين النتاج الإبداعي في لبنان حالياّ وسط المشهد السياسي المتأزّم وما يشهده المجتمع اللبناني من انقسامات حادة بين التيارات السياسيّة المتصارعة؟ وبرأيك هل قصّر المبدعون اللبنانيون في إرساء قيم التسامح والمحبّة بين أبناء الوطن الواحد؟
غادة إبراهيم:
نعم لقد قدمّت بلاد الأرز أسماء كبار لمعوا في سماء الفنّ والإبداع. فالنتاج الأدبي في لبنان ما زال مشرقاً، والحركة الثقافيّة لا تعرف سكوناً. نستطيع القول أنّ هناك انتفاضة ثقافيّة تمثّلت بسيل إصدارات تنوّعت موضوعاتها القيّمة، فبيروت تحتضن أهم دور النشر وأكبرها، وحاملوا الهمّ الثقافي في سعي مستمر وإصرار عنيد للنهوض بالحركة الثقافيّة في عصر يصارع فيه المثقّف هجمة شرسة على كينونة الكتاب الورقيّ بالإضافة إلى ما يشهده البلد من تجاذبات وأزمات تنعكس سلباً على الوضع المحليّ؛ وتشكّل عائقاّ في وجه المثقّف وتكبّل المتلقّي وتشغله بهموم معيشيّة مرهقة وقلق مستمرّ. وإذا كان من واجب المبدع بثّ روح المحبّة والتآخي بين أبناء الوطن الواحد فلا صدى لصوته وسط ضجيج الانقسام السياسي الحاد الذي ينعكس سلباّ على جميع الأصعدة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق