ثقافة السرد

الحصاد

أحمد العليو*

يسند ظهره على سور مزرعته، يفتح أزرار صدره بألم ووجع. يتذكر مداعبته بيديه بناته النخلات، يعلوها والابتسامات تفترس وجوههن حين يراهن مع شروق الشمس، يمسح على شعرها المنسدل، ويمشط شعرها، ثم ينزل بعد أن يمتلئ برائحتها الجميلة، وبعد أن تبدأ الشمس بزحفها نحو الغروب ينظر إليها نظرة العاشق، يهزها بنعومة، فيتساقط رطب جني يغريه لونها الذهبي، يرفعها من الرمل دون أن يزيح حبيبات الرمل الملتصقة على جسدها الناعم، فيمضغها، فتذوب في فمه كالشهد، ويضج ظهره بماء الحياة، ثم يركض بقدمين قويتين، والشمس ترمقه بحسد، فيرى الحياة تركض بفرح معه، يركض ويركض إلى أن يصل إلى بيته، فيضم زوجته، ويقبل خديها، وتسيل المياه من جوانب الفراش، ويصبح بطن زوجته منتفخا.

ظهره صار قطعة خشبية، وعظام ركبتيه أصابهما الجفاف، فاحتكت مع بعضها، يتذكر بناته، وشعورهن المنسدلة على الأكتاف، والجرافات بأنيابها الحادة تنهش بطون بناته النخلات، تصرخ مستغيثة، تبكي، تذكره بالأيام الجميلة واللحظات الحميمة، بينما رنين الريالات التي سيقطفها من القصر المشيد للأعراس ترن في أذنيه، وتغتال استغاثاتهن.

تتمايل أجسادهن بقوة نحو الأرض، تلامس أقراطهن الذهبية رمال الأرض قبل أن تضرب وجوههن الحلوة  الأرض، وتجري الدماء من جوانب أشداقهن.

كلما تذكر نظراتهن، وهن يسقطن تظل دمعته ملتصقة بباطن العين.

يحاول النهوض، فيصدر جسده الصلب صريرا قويا من مفاصله، وبصعوبة يقف، يمشي كقوقعة محدودب الظهر، تخط رجلاه التراب، يتجه نحو بيته، ويرتمي على فراشه الخشن، وهو يرنو زوجته بحسرة.

 

 

 

 


*كاتب من السعودية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق