قراءات ودراسات

جمال ناجي: وماذا حين تشيخ الذئاب

خواطر وملاحظات وتعقيبات وتساؤلات وهوامش كتبها: سري سمور

مقدمة أراها ضرورية: صديق عن بعد يعمل صحافيا وله مع الأدب والرواية وقفات منشورة في مجلات وصحف ومواقع ويب، قال لي ناصحا بأنني يجب أن أكتب عن كل رواية أقرؤها، فاعتذرت بضيق الوقت وعدم خوضي هذا النوع من النشر سابقا، فأنا في الغالب أنشر مقالات سياسية واجتماعية وفكرية، فعلّق بأن علي أن أنوّع. وما لا يعرفه صديقي وقد أخبرته به بجمل متقطعة، هو أنني كنت أحتفظ ببعض من ملاحظات مكتوبة في أوراق أو مستندات مخزنة على الكمبيوتر بلا ترتيب على روايات تجد طريقها للتلف أو الحذف لاحقا،لأنني كنت أعتبرها شخصية بامتياز وليست للاطلاع حتى من المقربين. ولكنني قررت حين كنت معتقلا في سجون الاحتلال الإسرائيلي عام 2009م أن أدوّن وأسجل ما أقرؤه من كتب وروايات لأنشره على حلقات تحت عنوان لم أقرره نهائيا من قبيل:من مطالعات السجن..أو قرأت وراء القضبان…وفعلا وبخط يدي الذي لا يتسم بالجمال خاصة حين أحث اليراع سريعا،وبأقلام حبر ثلاثة أزرق واسود وأحمر وببطء وتأن بدأت بالكتابة،وكان مما قرأته وكتبت عنه بأقلامي رواية-ويا للصدفة هنا- أردنية هي «نارة لسميحة خريس» إضافة للعديد من الروايات والكتب..

وقد تملكني شعور نادر بالرضا حين كنت أعيد قراءة ما كتبته في دفتري وحالما بنشر ما فيه فور خروجي على حلقات،وقبل الإفراج عني بيوم سلمت الدفتر للفحص مثلما تقتضي قوانين وأعراف السجون الإسرائيلية،فأعادوه لي موافقين على إخراجه معي وحمله إلى بيتي في جنين،ولكن في مرحلة التفتيش الأخيرة-وهناك مراحل عدة للتفتيش- قام ضابط أمن معروف بصلافته في التعامل مع الأسرى ونقمته على مقتنياتهم بأخذ حاجياتي مع زميلين أطلق سراحهما أيضا وأحدهما معه رسومات،فلم يعد الدفتر ولا رسومات الزميل فغضبت كما زميلي ولكن نحن نريد العودة لبيوتنا دون تأخير ولو قليلا،فلم نفتعل مشكلة،ولكنني اشتكيت لمسئولة أمن لا تقل حدة عن زميلها إلا أنها أكثر تفهما -كما لاحظت- عن مصادرة دفتري،فأجابت بضحكة أسف ساخرة بأنك تعرف «دوبي» وهو اسم من صادر دفتري حتى دون قراءته،وهو الدفتر الذي فحص سابقا ولا يحتوي على ما هو ممنوع في قوانينهم…لقد شعرت بجهد يضيع وغضب يحتدم،بددته فرحة الحرية ولقاء الأهل والأصدقاء،ولكن مع ندم على أنني كتبت ودونت فأنا أقرأ عادة ولا أتوقف كثيرا عن الانشغال بإعادة كتابة ما أقرؤه لا سيما الروايات.لقد راهنت على قدرتي على إعادة كتابة ما صودر مني نظرا لأنني لطالما راجعته ونقحته،ولثقتي بذاكرتي،ولكن الذاكرة بدأت بالهرم والتشتت مؤخرا مقارنة بالماضي،فلم أستطع إعادة كتابة ولو جزء بسيط من المادة المدونة في الدفتر المصادر،فقلت بأسف:رحم الله زمانا كنت أحفظ فيه القصيدة التي كان المعلم يعطينا مهلة أسبوع لحفظها،أثناء أول حصة لمناقشة وقراءة القصيدة…لم تعد الذاكرة كما كانت،والعلم صيد والكتابة قيده!

 

ولم أستأنف الكتابة ولا التدوين لما يقع بين يدي من الكتب والروايات،إلا أنني –وقد يكون هذا مستغربا- قد أقرأ عدة مقالات طويلة وقصيرة ومتوسطة وأتابع مناقشات تلفزيونية لرواية لم تقع بعد بين يدي،وقد تكون هذه القراءات حافزا بطريقة ما على قراءة تلك الرواية،هذا ما حدث لي مع شيفرة دافنشي وعزازيل وترمي بشرر وغيرها.

وحين كنت أقرأ عن رواية وأرى من كتبوا عنها غابت عنهم أخطاء أنا اكتشفتها أو أنهم أخطأوا في شرح بعض الملابسات الواردة في الرواية،كان ينتابني شيء من زهو طفولي،لم يتحول حتى تاريخه إلى مادة منشورة،بل ظلت في مناقشات شفوية أو إلكترونية مع بعض المهتمين والقرّاء.

وزاد من رغبتي في الكتابة عن الروايات نقاش مع صاحب صحافي وكاتب على قدر لا بأس به من الشهرة،عبر رسائل البريد الإلكتروني، فقد شنّ الرجل، المقيم في أوروبا التي يكرهها، هجوما على الرواية العربية والروائيين العرب متهما إياهم بتقليد واستنساخ ومحاكاة مقززة للروايات الأجنبية وأن بعضهم جنى شهرته وما ناله من أوسمة وجوائز بسبب مواقف سياسية متواطئة مع الأنظمة السياسية لا سيما فيما يتعلق بالصراع العربي-الصهيوني، أو لأن أعمالهم تمعن في تقديم العربي كمسخ لا قيمة له.

ولتخفيف حدة النقاش مع صاحبي،فقد شرحت له باقتضاب بأن فن الرواية يعتبر إلى حد ما عملا أدبيا جديدا عند العرب،فأقر بأن العرب أساسا أهل شعر وخطابة،لكن هجومه لم يتوقف،حتى حين حاولت اللعب على ما لا أحبذ الاقتراب منه أي الوتر الإقليمي بأن مدحت روائيا من مواطنيه؛فكانت المفاجأة أن مواطنه الذي يحظى بشهرة وتقدير كبيرين في الأقطار الأخرى لم يسلم من هجومه بل سخر صاحبي  منه لأن هذا الروائي ظل يتفاخر بشيء لا قيمة كبيرة له وهو أن زعيما عاتبه على نقد خفي ورمزي لا يفهمه إلا من هو شديد التدقيق ،في إحدى رواياته لظاهرة سلبية لنظام الحكم،فقط عاتبه بنوع من غضب…ولم يقطع رأسه أو يسجنه…واضح بأن صاحبي يرى أن السياسة والنظم الحاكمة تشكل حاجزا أمام الإبداع ويرى بأن الروائي العربي لم يتحرر رغم مرور قرنين على تشكّل الرواية العربية من إسار التقليد والاقتباس والمحاكاة للرواية الأوروبية ثم الأمريكية،فقد ختم نقاشه معي حين سألته ماذا تريد بالضبط:على الروائي العربي البعد عن التقليد الأعمى والجرأة على تجسيد الواقع بصراحة،لا سيما واقعنا السياسي،ولكن نقاشي مع صاحبي حفزتني على كتابة مقالات عن الروايات لأن كلامه كان يتجنى وحمّل بعض الروايات ما لا تحتمل من التفسيرات ،بل أعطى للنصوص ظلالا ليست لجسدها!

لقد كانت قائمة جوائز البوكر للروايات العربية حاثّة جديدة لي للكتابة عنها على الأقل،ليس لأن هذه الروايات هي الأفضل على وجه الإطلاق،كما أكد مرارا بعض القائمين عليها وبعض من حصلوا على الجائزة من الروائيين،بل لأن هذه الروايات ستحظى بقراءة أكثر،ومناقشة أكثر عمقا،واهتماما أكبر من مختلف الأوساط،رضينا هذا أم أبينا،اعتبرنا ذلك ظاهرة سلبية أم العكس،فهذه هي الحقيقة،وكان علي البدء بقراءة تلك الروايات «البوكرية» تباعا،ولكنني قررت أن لا أكتب عنها جميعا،ووقع اختياري على بعض منها وعلى واحدة لتكون البداية لأسباب متداخلة.

فحين قرأت رواية عندما تشيخ الذئاب، للروائي جمال ناجي، وتحديدا طبعة الدار العربية للعلوم ناشرون(الطبعة الثانية 2010م)، لم أكن قد قرأت عنها إلا قليلا، ورحت أبحر بعد قراءتي لها في  الإنترنت لأقرأ ما خطته حولها أقلام النقاد والمهتمين والصحافيين، فهالني ما قرأت حتى الاستفزاز؛ لدرجة أنني أعدت قراءة الرواية مرة وأخرى، وبعض الأجزاء قرأتها عشرات المرات بحثا عمّا كتب هؤلاء. فقد قرأت في مواقع رصينة ومعروفة لأقلام لن أذكر أسماء أصحابها العجب العجاب؛ فبعضهم قد أخطأ مرارا في مجرد أسماء شخوص الرواية، والخطأ ليس إملائيا محضا فلو كُتب «عبد المجيد» بدلا من «عبد الحميد» ربما أهضمه ولكن استبدال عبد الحميد بعبد الرحمن أمر لا أراه مقبولا، وليس هذا وحسب، فبعض من كتب عن الرواية عرض أحداثا لم تقع إطلاقا، وبعضهم أوغل في تفسيرات بلا دليل نصي وضعيفة من الناحية الاستقرائية والاستنتاجية…مما جعلني أرى بأنني أولى منهم ،حتى لو كان عالم الكتابة عن الروايات جديدا علي ولكن على الأقل لن أقع فيما وقعوا فيه.

والأدهى والأمر أن بعضا ممن كتب عن الرواية سقطوا بأحقاد مسبقة-مع الأسف- وابتعدوا عن النقد الموضوعي السليم ووجدوا في الرواية ذخيرة للهجوم على كل الشيوخ لأنهم كالشيخ عبد الحميد الجنزير وهو شخصية مركزية في الرواية، وكأنه لم يكن من الشيوخ لا عمر المختار ولا عز الدين القسام ولا أحمد ياسين ولا محمد حسين فضل الله ولا رائد صلاح ولا حافظ سلامة ولا ولا….لقد حرّكتهم أيديولوجية كان يفترض بهم أن يتجاوزوها،وألا يُغرقوا النص أكثر مما ربما يكون قد ابتل به فعلا!

أزعم بأن لا أحد أعطى بما كتب عن الرواية حقها من النقاش المعمّق،وما لها وما عليها،وأشار إلى مواضع الأخطاء والثغرات.

ومشكلة الروائي مع من يتناول عمله الأدبي مركب من نقيضين أرى وجوب الخلاص منهما؛فإما تقصّد البحث عن الأخطاء والثغرات والنبش عنها بشكل يقلل من شأن الروائي وثقافته ويزدري جهده؛أو كيل المديح وتوجيه سيل الإطراء لشخصه ولروايته بشكل يخرج الرواية عن كونها أولا وأخيرا عملا يخضع للنقد فيه الصواب وفيه الخطأ،وفيه ما هو ناقص ومبتور،وما تمت معالجته بشكل واف على أفضل وجه،وقد حرصت على ألا أقع في أي المعالجتين المتناقضتين،تقديرا للكاتب وجهده وثقافته وخبرته،والتزاما بالموضوعية ،وتحرّ للعدالة عند تناول النص بمجمله وتفصيلاته.

وبالنسبة لي فأنا أرى بأن أي رواية حين تنشر وتعرض للتداول تصبح ملكا للقرّاء وليست حكرا على ناقد من أي حجم كان،ومن حق من هو كاتب سياسي أساسا مثل العبد الفقير أن يدلي بدلوه، فكيف ونحن أمام رواية من  القائمة القصيرة لجائزة البوكر،قد سقط من كتبوا عنها -مع احترامي لهم-في أخطاء وظهرت سطحية البعض وضعف ما كتبوه بيّن بلا شك؟ ثم من قال بأن الأدب والسياسة خطان متوازيان؟قد يلتقي الخطان مرارا وتكرارا،ومن يدري قد أزهد في السياسة يوما ما لأكتب عن الأدب وحده!

إنني في هذه المقالة،التي أقر بأنها طويلة إلى حد ما،قد تحدثت مفنّدا ما كتبه معظم من تناول الرواية،دون ذكر للأسماء،تجنبا للشخصنة،وبعدا عن المناكفة،وحرصا على تقديم عرض جديد لا يكتفي بالرد على ما كتب.

وقد ابتعدت عن استخدام بعض أو معظم التعبيرات التي تستخدم عادة لمن يكتبون عن الروايات:السارد والمسرود…والأنا الشاهد وانزياح الحدث الروائي…إلخ ليس تقليلا من شأنها ولا زهدا فيها ولا عجزا –مطلقا-عنها،بل لتركها لمن درسوها ونالوا بها شهادات جامعية،ولجعل المقالة للخاصة والعامة على حدّ سواء.وقد اتبعت في المقالة أسلوب طرح الأسئلة لما لهذه الطريقة من إثراء وإنعاش للنقاش وتبادل الأفكار.

كما أن بعض الأفكار أو المعلومات أو الملاحظات أو الاستنتاجات قد جاءت مكررة بطريقة أو بأخرى في أكثر من موضع وقد تعمدت ذلك لسبب واضح هو تثبيت الفكرة،وضمان ربط الأفكار ببعضها.

إنني أعتبر الرواية بناية كاملة،وحرصت على الإشارة إلى ما اعتبرته ثغرات فيها،والثغرات هنا لا تقوّض بناء الرواية،ولكن يجب ألا يغفلها الناقد أو القارئ والمهتم،وكذلك الأخطاء التي وضحتها على قلتها.

إن الرواية العربية تنمو وتتطور كشجرة قد تحتاج أحيانا للتقليم والرعاية والسقاية والتسميد،حتى تثمر ثمارا ناضجة شهية باستمرار،ولا داعي للتيئيس،أما عن حركة القراءة فهي في تحسّن وقد قال لي أحد أصحاب المكتبات إن مبيعاته من الروايات أثارت استغرابه لارتفاع نسبتها،وكذلك الطلب المتزايد على الرواية العربي والأجنبية المترجمة من مكتبته وزميلاتها،هذا لا يعني أن أمة «اقرأ» صارت تقرأ كما ينبغي،ولكن هناك تحسن لا بأس به يحتاج إلى تشجيع وتطوير وأسعار مغرية كذلك،والأهم أعمالا مشجعة للقارئ وجاذبة له،ولكن ليس الجذب من بوابة الابتذال والإغراء بكل الأحوال.

وإن كانت العادة قد درجت عند البعض على مصطلح Ladies 1st فأنا لن أتقيد بمقتضى المصطلح في الشكر،لأن شكري أولا للأستاذ الروائي جمال ناجي كاتب ومؤلف الرواية الذي تواصلت معه عبر الفيس بوك فشجعني وفتح صدره لتقبل أي إشارة لأي خطأ،وآمل ألا يغير رأيه بعد أن يسمح له وقته بقراءة هذه السطور،وأشكره أيضا لأن روايته نفضت عني غبار التسويف والكسل والتردد في البدء بالكتابة عن الأعمال الروائية.

كما أقدم الشكر للزميلة نادية أبو زاهر،مع حفظ الألقاب التي لا تحب أن أناديها بها،لمساعدتها في نشر هذه المقالة في المكان المناسب لها،وتشجيعها لي،وتأكيدها لفكرة تنويع كتاباتي.

والشكر موصول إلى زوجتي العزيزة عريب(أم نصر الدين) التي انتزعت من وقتها الثمين وجهدها حصة كبيرة لتبييض المقالة التي كتبت أكثر من 90% منها على الورق ،فتبرعت بصفها على الكمبيوتر،وقرأت الرواية تزامنا مع تبييض المقالة…بارك الله فيها.

والشكر سلفا لكل من سيقبل أو يرفض أو يصوّب أو حتى يسخر أو يهزأ مما في هذه المقالة…فهي أول الغيث إن شاء الله تعالى وليست آخره،وجملة البشر موسومة بالنقص على كل حال.

سري سمور-جنين

رواية أردنية وعربية

إن الرواية مكتوبة بلغة رشيقة وجميلة وفصيحة،بعيدة عن التكلف،ونلحظ فيها أن اللهجة الأردنية الدارجة لم تستخدم إلا بما يحتاج إلى مجهر لرؤيته،فالمؤلف أراد الرواية عربية بقدر ما هي أردنية،لتعبر بأمان كل المدن والعواصم والقرى والنجوع،نظرا للتشابه الكبير بين أصقاع الوطن العربي،مع الاختلاف في بعض الحيثيات والتفاصيل أو الكثير منها ،لكن العناوين العربية الكبيرة والبارزة هي في الأردن كما مصر كما الشام كما العراق كما الخليج كما بلاد المغرب.

ولم ألحظ أخطاء في اللغة،رغم أنه لا يركن إلى رأيي لأنني لست لغويا ولا نحويا،ولا أظن الرواية تحوي أخطاء فادحة تستحق التوقف عندها.

وقد حرص جمال ناجي على التعامل مع شخوص روايته كأردنيين ولم يتطرق ولو بأدنى تلميح لأصولهم ومنابتهم،اللهم إلا الحديث عن مخيمات اللاجئين التزاما بالسياق ليس أكثر،فطبّق على صفحات روايته مبدأ الأردنيين الواحد من شتى الأصول والمنابت.

والرواية كانت قد طبعت بدعم من وزارة الثقافة الأردنية،وهذا أمر له مسوغاته،فالرواية من الأعمال التي ترسم ملامح وهوية وشخصية الرواية الأردنية،فالرواية الأردنية تحتاج إلى رسم للملامح،والإمكانية متوفرة ،لكن العواصف والأنواء ألقت بظلالها على شخصية الرواية الأردنية.

كتب الراحل عبد الرحمن منيف سيرة مدينة،عمان في الأربعينات ورغم أن هذا الكتاب ليس رواية بالمعنى الحقيقي للكلمة،إلا أن منيف بأسلوبه وتقنياته المعروفة قد أضفى عليه ظلال العمل الروائي،وقد قدّر للرجل قبل رحيله بسنوات زيارة مدينة عمان لحضور ندوة أو ورشة عمل حول نفس الموضوع ليرى بعيني رأسه حجم التغير والتطور في المدينة التي عاش فيها ودرس في مدارسها وتفتحت مداركه في أحيائها التي كبرت وتغيرت مع مرور السنين،ولم يكن جمال ناجي قد ولد آنذاك،وبرأيي يمكن بناء وشيجة بشكل أو بآخر بين رواية عندما تشيخ الذئاب وسيرة مدينة لأن الكتابين يستكشفان عمان وناسها وجبالها وبيوتها وحياتها في فترتين زمنيتين حافلتين بالأحداث والتطورات التي تستحق الاطلاع العميق.

ولكن لفت نظري ونظر غيري أن جمال ناجي لم يتطرق لمسألة احتلال الكويت وما تبعها من عدوان على العراق،وتبعات ذلك على الأردن اجتماعيا واقتصاديا،رغم أنه تطرق لكل الأحداث الأخرى في المنطقة،هل تعمد ذلك؟لماذا؟

يريد أن يقول…؟

ما الذي أراد الروائي جمال ناجي قوله عبر  245صفحة من القطع المتوسط هي مجموع صفحات روايته«عندما تشيخ الذئاب» الحاصلة على جائزة بوكر للرواية العربية لعام 2010م وذلك عبر شخوص روايته الذين جعلهم يتحدثون منفردين وبعناوين تحمل اسم كل منهم،ليتكلم بصراحة عن نفسه أو عن الآخرين،ويعبر عن رأيه في المجتمع والحياة وفلسفته الخاصة؟

جمال ناجي اختار هذه الجملة ليبدأ رحلتنا مع شخوصه:-

«على الرغم من كل ما يود المشاركون في هذه الرواية قوله،سواء أكان صدقا أم كذبا أم دفاعا عن النفس ،فإن الحقيقة لن تكون حرية بالاهتمام إذا لم تكن قادرة على حماية نفسه»

أهذا كل شيء؟أي أن تحمي الحقيقة نفسها كي تكون جديرة بالاهتمام..ربما!

التابوهات…الجنس في الرواية العربية

دأب كتّاب ومثقفون ومن سار على نهجهم على ترديد عبارة المحرمات أو التابوهات العربية هي ثلاثة:الجنس والسياسة والدين؛ وهناك من قال إن أكثر ما يتكلم أو يتحاور به العرب يتمركز في هذه الأمور/العناوين الثلاثة!

وبخصوص رواية جمال ناجي فقد كتب البعض عنها بأنها حطمت أو كسرت تلك التابوهات،لا سيما موضوع الجنس والذي تناولته الرواية بصراحة،ودخلت إلى عرين وحشه بلا تردد وبرشاقة لغوية…أنا شخصيا أرى مبالغة كبيرة في قصة التابوهات؛إذا أردنا أن نتحدث عن الدين وقدسيته فإن احترام الأديان وتقدير معتنقيها صفة لازمة للأديب والفنان كما هي لغيره،ولن يكتسب العمل الأدبي والإنتاج الفني جمالية إضافية بالتهجم على الدين والمقدسات والأنبياء والكتب السماوية؛إلا إذا كان الهدف مقتصرا على الشهرة ولفت الأنظار وزيادة المبيعات،مثلما كان حال رواية سلمان رشدي(آيات شيطانية) التي فُتحت له على إثرها أبواب البيت الأبيض وغيره من مقرات الساسة الأوغاد،وهناك من يردد ألا وجود للتابوهات خاصة موضوع الدين في بلاد الغرب،وهو مخطئ،فهناك سيف العداء للسامية المسلط على الرقاب والذي لا يقتصر على موضوع اليهود والديانة اليهودية(التابو هناك يدمج الديانة بأصحابها بشكل مريب) بل يتعداه إلى مسألة تاريخية سياسية كمسألة الهولوكوست؛فلم يجرؤ أدباء أو فنانون على الاقتراب من هذا التابو إلا أقل القليل،وعوقبوا أو نبذوا.

وقد ظلت الأعمال الدرامية والفنية والأدبية العربية تطفح بالهجوم على شخصية المسلم المتدين،ولم تنصفه أبدا بل رسمت له صورة نمطية واحدة؛فهو شهواني ومنغلق،وعابس الوجه ولا يقيم للجمال والفن قيمة،أو أقله إنسان ساذج سلبي،وقد حفلت الأعمال التلفزيونية والسينمائية المصرية خاصة بهذا الأنموذج للشخص الملتزم أو المتدين،وتجرأت على السخرية حتى من اللغة العربية بإظهار المتدين يتحدث بها بطريقة تغري المستمع والمشاهد بها،وتنتقص وتقلل من هيبتها ومحبتها واحترامها،وهي لغة القرآن الكريم،وفي النهاية لا شعب ولا أمة تسخّر فنها وأدبها أو جزءا منه للتهكم على لغتها،مهما كانت هذه اللغة،إلا عند بعض العرب!

وعليه أرى أن المتدينين قد ظلموا على مرّ العقود الماضية ويحق لهم المقاضاة وأقل تعويض معنوي لهم هو إنصافهم في قادم الأعمال الأدبية والفنية…أما جمال ناجي فقد رسم في روايته ثلاث صور للشخص المتدين لم تخرج عن الإطار النمطي لمن سبقوه وإن طعّمها بأمور قد تكون جديدة،وهو لم ينصف المسلم المتدين في روايته وهو ما سآتي عليه بالتفصيل لاحقا.

أما مسألة الجنس فأحب أن أبدأ بمثال من واقعي؛فصديق يحب القراءة ويسعى ليثقف نفسه باستمرار رأيته مع صديق مشترك عازف أو لا يرغب في قراءة الروايات،وبما يشبه التواطؤ مع الصديق المشترك بدأنا بتمرير روايات مدروسة له بالتدريج حتى أصبح سابقا لنا وعرف طريقه للروايات الجديدة بله القديمة بلا مساعدتنا،وكان له سؤال في محله:لماذا يجب أن يكون الجنس أساسيا في الرواية العربية؟الإجابة التقليدية هي أن كل الناس على سطح الكرة الأرضة ما عدا آدم وحواء وعيسى ،عليهم السلام، جاءوا إلى الحياة نتاج عملية جنسية بين الرجل والمرأة،فلم تعيب على الرواية تدخلها في موضوع الجنس؟وكان جوابه بسؤال سبقته في طرحه بيني وبين نفسي ومع قرناء مرارا:وهل الجنس بشكله المحرم أي الزنا واللواط والسحاق من ضرورات نجاح الرواية؟هذا سؤال برسم الإجابة،فالزنا بشكل خاص،يملأ الأعمال الروائية العربية،للكتاب المشهورين ناهيك عن المغمورين،وطبعا للكاتبات من النساء،فهل الزنا شيء منتشر في مجتمع العرب بهذا الشكل أو الحجم الذي يظهر فيه بوضوح في الرواية العربية؟أم أن الهدف متعلق بالجذب وزيادة الأرباح في كثير من هذه الأعمال؟وأتق التعميم،وأبقي السؤال على الطاولة!

وأنا أتحفظ حتى الرفض على أن الحديث والخوض في مسألة الجنس من التابوهات في المجتمع العربي،لن أناقش التراث القديم والمملوء بالأشعار والكتب والمقولات الجنسية الصريحة أو المورابة،بل حاليا ومنذ سنين نرى الجنس أصبح موضوعا مستهلكا؛فترى نساء منقبات أو محجبات يتحدثن عن الثقافة الجنسية والعلاقة الحميمة بين الأزواج،وترى برامج لنساء غير محجبات تتطرق لمسألة الدعارة،وترى كتبا ومواقع انترنت كثيرة تتابع هذه القضايا ويسمح لمن هب ودب بالمشاركة فيها بأسماء مستعارة،ويمكن لمن أراد أن يكشف عن هويته الحقيقية في برامج جلّ موضوعها هو الجنس عبر العديد من الفضائيات التي تستضيف المتزوجين والعزّاب والشباب من الذكور والإناث،ومن يصنّفون بأنهم خبراء في هذه المسألة…وما أكثرهم!

ومن قال بأن الجنس غاب عن الرواية العربية؟وهاكم رف الروايات في مكتبتنا العربية،فالجنس حاضر وبقوة؛ومؤخرا ظهرت العديد من الأعمال الروائية،والتي رأيت فيها فقط هواية في جذب الانتباه وإثارة الجدل؛لو أخذنا «برهان العسل» لسلوى النعيمي على سبيل المثال لا الحصر نجدها سوّدت الصفحات بما يشبه النسخ واللصق من كتب تراثية قديمة،وأعلم أن المرأة-الكاتبة حين تطرق باب الجنس بقلمها ستجد من يشنّف الآذان أكثر،خاصة إذا كانت من بيئة محافظة وتحرص على محاولة إخفاء نسائها،كالكاتبات الخليجيات اللواتي ظهرن في السنوات الأخيرة،فرجاء الصانع بنصها السردي «بنات الرياض» لم تكن لتحصل على ربع شهرتها لو كانت لبنانية أو مغربية مثلا،مما يدفعنا إلى التحذير من الوقوع في الفخ وضرورة فرز الغث من السمين وغربلة الأعمال الروائية،والبعد عن اعتبار أي رواية طافحة بالجنس فتحا مبينا،بحجة أنها كسرت أحد أضلاع مثلث التابوهات!

أما رواية جمال ناجي التي بين أيدينا فقد أوغلت في مسألة الجنس حلاله وحرامه بشكل واضح،ولكن دون ابتذال كبير نسبيا،وبلا استحضار للتفاصيل الدقيقة للأجساد أو استخدام للألفاظ الجنسية،وبتقديري أنه لم يشذّ عن نمط الرواية العربية كثيرا،وإن تميز بإبعاد قارئه عن الشعور بالابتذال أو الإسفاف!

أرى السياسة هي التابو الوحيد،رغم أن جمال ناجي تطرّق في روايته إلى الفساد والمطابخ السياسة وبعض ما يجري وراء الكواليس،إلا أنه ومعه معظم الروائيين العرب ظلوا يتمترسون خلف الخطوط الحمراء المرسومة برقابة حقيقية أو ذاتية،فالسياسة حقيقة تظل التابو الحقيقي الوحيد الذي ظلّ السياسيون العرب هم المتحكمون بحدود اقتراب الكاتب أو الفنان منه،وظل التطاول أو عدم احترام الدين وتقديم موضوع الجنس شغلا شاغلا لهم ،ربما كتعويض عن الاقتراب من الناب السام أي النظم السياسية،ولكن كلنا أمل أن تكون الثورات والتغييرات العربية قد كسرت هذا التابو فعلا!

محاور الرواية

بالطبع ليس كل شخوص رواية «عندما تشيخ الذئاب»  هم شخصيات محورية بنفس الدرجة،فالكاتب بدأ الحديث بلسان سندس بنت عدلي الطيب وهي شخصية محورية رئيسة في الرواية؛وانتهى بحديث الشيخ عبد الحميد الجنزير وهو أيضا شخصية محورية أكثر من سندس.

واتبع الكاتب أسلوب تجزئة أحاديث شخوص الرواية،فسندس تتحدث في البداية يليها الشيخ الجنزير،يليه رباح الوجيه،لتعود سندس من جديد وهكذا…و إطلالات الشخصيات كانت كالتالي:-

سندس: 12 مرة،الجنزير: 10 مرات،رباح الوجيه: 7مرات،جبران: 11 مرة،بكر الطايل:7 مرات،العقيد رشيد:مرة واحدة.

أما جليلة ورابعة فلن تطلا مباشرة ،بل سيتحدث عنهما الزوجان وغيرهما،وهذا حال شخصيات أخرى.

ألا أن الشخصية المركزية تظل شخصية عزمي رباح الوجيه،وهي شخصية تحدث عنها كل شخوص الرواية ممن أحبه أو أبغضه أو تعامل معه بشكل عدائي أو الضابط الذي كان يلاحقه للقبض عليه..ورغم كل ذلك فإن شخصية عزمي بقيت على جانب من الغموض حتى فيما يتعلق بصحة نسبه إلى والده المفترض رباح الوجيه، الجميع تحدث عن عزمي ،ولكن عزمي لم ينكشف على حقيقته لقارئ الرواية بشكل تام، ولعل هذا من أساليب الحبكة وإضفاء الغموض الذي قصده جمال ناجي.

جبل الجوفة

حارات وأزقة القاهرة وخاناتها والفتوات والتجار وراقصات وحرفيي ومتعلمي وجهلة هذه الأماكن القاهرية حاضرة بقوة في أعمال نجيب محفوظ،ويقول الروائي الفلسطيني أحمد رفيق عوض بأنه لا يكتب عن البحر بل عن التلال والجبال والسهول والوديان لأن هذه هي البيئة التي عايشها عن قرب بلحمه ودمه وأحاسيسه،فيما نجد الروائي السوري حنا مينة قد جعل من البحر معلما بل كيمياء أعماله الروائية،لأن حنا مينة بطبيعته قد عاش بعضا من الأجواء التي تعاملت روايته معها إضافة لعشقه وهيامه بالبحر…فحين يكتب الروائي مستلهما أجواء بيئته أو بعضا منها يكون للأمر رونق و مذاق فيه حميمية يحسها القارئ كما الكاتب،طبعا هذا لا ينفي جمالية من كتب عن أجواء لم يعايشوها أو يعاصروها مثل أمين معلوف ،بل إن أحد قصص الأمريكي إدغار ألان بو وصفت باريس وصفا دقيقا جعلت حتى بعض كتبة سيرته الذاتية والأدبية يحسبونه زارها أو عاش فيها،رغم أن قدمه لم تطأها قط،وحتى رواية أحمد رفيق عوض الأخيرة عن عكا(لم أجدها حتى أقرأها مع الأسف) من هذا اللون.

و جمال ناجي عاش في أحد مخيمات أريحا قبل أن ينتقل إلى الأردن،فهو من الصنف الأول،وأحداث روايته «عندما تشيخ الذئاب» تدور في معظمها في جبل الجوفة وهو من مناطق العاصمة الأردنية عمان التي يغلب على سكانه الفقر والعوز.

وفي بيئة جبل الجوفة تختلط العلاقات وتتضارب المصالح وتتعقد علاقات الناس الذين يجمعهم الفقر،أو هم في أحسن الأحوال يحيون على الكفاف،ومع تقادم الزمن يصبحون على هامش المجتمع لدرجة أن البعض (كالعقيد رشيد حميدات) يفاجأ بوجود بيوت وأناس في مدينة عمّان بهذه الحالة المزرية.

عزمي وسندس

وفي حي من أحياء جبل الجوفة نشأ عزمي رباح الوجيه ابن جليلة،وهذه لن تتحدث في الرواية بل سيتحدثون عنها.

تصف سندس،التي ستتزوج من رباح الوجيه والد عزمي،علاقتها بعزمي منذ البداية بأنه أذلها ثلاث مرات:مرة في بيت والده(أي زوجها) والثانية حين ضبطها في الغرفة الدخانية مع الشيخ الجنزير ،والثالثة بعد ثلاثة عشر عاما،وكان عمرها ثمانية وثلاثين سنة وهي تعبر عن استعذابها لإذلاله!

عزمي يمتلك-حسب سندس-إثارة ذكورية ساحرة،وسطوة غامضة.

صفات عزمي الخلقية -حسب سندس أيضا- أنه شاب له شعر فاحم يرفعه إلى أعلى وله عينان رمليتان عميقتان ووجه مستدير مشرق وهو من الشباب المهتمين بهندامهم ومظهرهم.

جليلة أم عزمي اعتنت بابنها الوحيد،ولجليلة قصة غريبة مع عالم الجن،حيث أن جنيا زارها بعد زواجها بأشهر،وكرر هذا الجنيّ زيارته لها حين أصبح عزمي في التاسعة عشرة من عمره…وسكان الحي يتحدثون عن هذه القصة!

أهالي الحي-عموما-يؤمنون بمثل هذه القصص مما يدفعهم إلى الاستعانة بشخص له خبرة في التعامل مع الجن وليس سوى الشيخ عبد الحميد الجنزير،والذي سيحضر لعلاج جليلة رغم عدم قناعة زوجها رباح الوجيه بهذه الأمور،وهو-رباح- الذي سيستعين بالشيخ الجنزير لتقوية قدراته الجنسية لاحقا حين يتزوج سندس،وسيكون للشيخ مع الشاب عزمي حكايات طويلة وعلاقات معقدة جدا لاحقا بعد هذه الزيارة العلاجية لجليلة!

وكما قلنا فإن جبل الجوفة منطقة فقيرة وبيوتها فوق بعضها وتفصلها عن بعضها الأزقة وتنتشر فيها القطط والجرذان وعصافير الدوري التي تغزو الحي حتى تأكل الديدان التي تتسرب من قنوات المياه العادية،ناهيك عن الصراصير والبعوض..وتشير سندس إلى أن أمانة عمان حاولت القضاء عليها ففشلت.والد سندس قتلته الجرذان الذي داس أحدها ليلا أثناء عودته مخمورا إلى منزله فسقط وأغمي عليه فانقضت عليه وشوّهت جثته!

ولا تخفي سندس كرهها لوالدها المقتول بطريقة فظيعة،فهو تسبب بطلاقها يوم زفافها من صبري أبو حصة،لأن والد الأخير قد أطلق الرصاص في الهواء،فاعتبر والد العروس أن هذا انتهاك لحرمته،وبعد جدال طلق صبري سندس وبعد خمس سنوات تتزوج سندس من رباح الوجيه..كان الزواج طبيعيا إلى حد ما،فسندس فتاة طلقت يوم عرسها وهي ابنة رجل فقير قضى سنواته الأخيرة بعد طلاق ابنته معاقرا للخمور وتعيش الأسرة على تحويلات مالية من إخوة سندس المتزوجين الذين يعملون في دول الخليج،وكان رباح الوجيه رجلا يعمل بكتابة العرائض والشكاوى والاستدعاءات أمام مبنى المحكمة(عرضحالجي) وهي مهنة مهددة بالانقراض في سائر بلاد العرب،بما فيها الأردن بسبب التقدم التكنولوجي.

وسندس أحبت بل عشقت عزمي وتحرشت به،رغم أنه محرّم شرعا عليها،فهي لم تمانع من السعي لارتكاب الفاحشة معه،رغم أنها متزوجة،ومتزوجة من والده تحديدا.

لكن عزمي رفض بصلابة وقوة أن ينقاد لرغباتها والتي تعللها بحالة ضعف جنسي عند زوجها، أو عدم القدرة على إشباع شهوات جسدها المتوقدة،هذه الشهوات التي يتحدث عنها بعض شخوص الرواية إضافة إلى سندس نفسها!عزمي تعامل مع سندس في منزل والده بازدراء رغم أنه شاب في العشرين وهي امرأة جميلة وتكبره بخمس سنوات وتعرض جسدها عليه بابتذال بعد فشل الإيحاءات والإشارات غير الصريحة..أذلها عزمي حين كانت في منزله ورفض الخضوع إلى نداء الشهوة عنده،غلبت عليه حالة التدين التي كان يحياها،ورفضه المبدئي لخيانة والده…بل إنه حرص على منع رجال آخرين،الشيخ الجنزير خاصة،من الاقتراب من سندس.

الشيخ عبد الحميد الجنزير

هذا الرجل هو مجموعة من الشخصيات المتناقضة في رجل واحد،وهو لعب دورا كبيرا في حياة عزمي،وأيضا لعبت سندس دورا في إفقاده توازنه المفترض،لم يتخل الشيخ الجنزير عن تدينه بحدوده الدنيا،وعبارات الإيمان واليقين بقيت حاضرة وواضحة في حديثه،وتأكيده على أن الدنيا فانية،وهذا التأكيد لم يمنعه أن يعب منها ما تيسر،ويتقلب في دهاليز فتنتها وزينتها!

لقد كتب البعض –بلا دليل نصي- بأنه كان يزني بالنساء اللواتي يعالجهن،ولكن ما يظهر أنه فقط كان يستمتع بالنظر وملامسة أو تدليك أجسادهن أثناء المعالجة!

وحتى مسألة الجن الذي جعل من جليلة بنت عبد الباقي أبو بصير (والدة عزمي)والذي يفترض أنه عالجها وأخرجه من جسدها،أبقى الشيخ المسألة خاضعة للاحتمالات الأخرى،لأنه أرجع الأمر لقولها،و«العلم عند الله» كما قال!

ويلخص الشيخ عبد الحميد الجنزير فلسفته في الحياة ورؤيته لها في ص 156 حيث يقول: «لقد تبين لي بأن الحياة سهلة ميسورة في ظاهرها،لكنها معقدة في باطنها،وبين الظاهر والباطن توجد منازل الناجحين من الناس،لأنهم يرون الظاهر ويعرفون الباطن.يكفي أن يدخل المرء في روع الآخرين أنه مقتدر وممتد ومتنفذ حتى يلتفوا حوله،ويصير نافذا من خلالهم هم وسواهم.لكن هذا لا يتسنى لكل الناس،فهو نتاج نفيس لعصارة العقل المتوقد،ثم إن اشتغالي السابق في أعمال البر وجمع التبرعات والمداواة وما شابهها من أمور أفادني كثيرا،وعرفني على بعض الأسماء المهمة التي صرت ألتقي أصحابها في المزرعة فيما بعد.» انتهى الاقتباس.

عزمي أثار فضول الشيخ عبد الحميد الجنزير واهتمامه.ولا يتورع الشيخ عن الحديث عن أسرة رباح الوجيه فإضافة لإعجابه بعزمي،فهو يرى في رباح الوجيه شخصا يحمل سوادا في قلبه،ولا يصف لسانه حقيقة ما يدور فعلا في دخيلته ،وهو غير راغب في علاج انحناء ظهر جليلة زوجته،بدافع الغيرة المزعومة.

وجليلة-حسب الشيخ-امرأة جميلة حسنة المظهر،ومشكلتها بشقيقها«جبران أبو بصير» وسنعرف لاحقا أن جليلة ابنة تاجر عريق ومعروف حصل وأن خسر تجارته وماله بعد صفقة استيراد أخشاب لم يكتب لها النجاح،وجبران حين سيتحدث سيكتب بأن حديثه جزء من مذكراته الشخصية،جبران شقيق جليلة يساري سابق،والشيخ الجنزير اتهمه بأنه جنّد بعض الشبان للسير في طريق الماسونية والشيوعية،واشتكى الشيخ من مضايقة هؤلاء للشباب المتدينين الذين يقود جزءا منهم،وهنا إضاءة على مرحلة في تاريخ الأردن والتاريخ العربي عموما عن الصراع الذي كان يصل حد الاشتباك بين المتدينين واليساريين،وكان ديدن المتدينين الصبر واحتمال الأذى،في تلك المرحلة.

جبران اغتنى فجأة وسكن جبل عمان،وهو منطقة كانت مخصصة للميسورين في عمان خاصة في الثمانينيات،قبل إنشاء وظهور أحياء جديدة للأثرياء في عمان كالصويفية وعبدون والرابية ،ولا يحمّل الجنزير وزر أفعال جبران لشقيقته جليلة.

الشيخ سبر أغوار عزمي،وقرر ضمه إلى جماعته،ولم تتضح معالم هذه الجماعة بالضبط،أسلفية أم صوفية أم غير ذلك،وحتى لونها السياسي ليس واضحا تماما،رغم اهتمام الشيخ بالسياسة والسياسيين،إلا أنه أشار أنه توقف عن تنظيم الموالد والجلسات الصوفية لأنه توصل إلا كونها بدعة،مما يشير ضمنا إلا تحوّله من الطرق الصوفية إلى ما يشبه النهج السلفي،إلا أن جمال ناجي أبقى انتماءه السياسي غامضا!

عزمي أنفع من غيره،هكذا قرر الشيخ لكن  الشيخ شك بأن عزمي قابل للتغير والتبدل،ولكن راهن على أن «النصوص والطقوس» كفيلة بتسكين تلك القابلية! وعرض الشيخ على والد عزمي أن يرسله على نفقة جماعته إلى الأزهر ليتم تعليمه،تبرم الوالد الذي سيكشف بنفسه أنه يغار ويتضايق من فطنة وذكاء عزمي،وعزمي قال بأنه لا يهتم بالحصول على الشهادات،وهنا يمكن أن يكون رباح بتبرّمه ورفضه إرسال عزمي للدراسة في جامعة الأزهر،على نفقة من سماهم الجنزير أهل الخير،ربما يكون قد غيّر حياته التي لعبت فيها علاقته بالجنزير دورا كبيرا في تحديد مساراتها واتجاهاتها،فلو درس عزمي في الأزهر لحصل على العلم الشرعي من مصدر موثوق ولأصبح له أكثر من قدوة ولتحرر ولو جزئيا من ظلال الجنزير ولخرج من عالمه أو لنظر للدنيا نظرة بعين ما تعلم في الأزهر لا بعين الجنزير.

ولكن جمال ناجي لم يعالج مسألة طفولة الشيخ عبد الحميد الجنزير ونعلم أن مرحلة الطفولة لها دور كبير في صياغة وتكوين شخصية الإنسان،وعموما لم تتطرق الرواية لمراحل طفولة شخوصها باستثناء عزمي باختصار ومرور سريع.

عزمي الغريب في الأطوار والشخصيّة!

رباح الوجيه،الذي يتعلم من مهنته (عرضحالجي) أن الأولاد يتنكرون لآبائهم،فرفض أن يعلم عزمي تعليما عاليا،ورفض أيضا أن يعطيه نقودا ولكن عزمي ظل يعيش بمستوى جيد،يتبين أن له مالا هو ميراث لجده،ثمن قطعة أرض،والحصة التي تقاسمتها جليلة وأخوها جبران،ولم يكتشفها الوالد رباح،والذي ظل يعتقد بأن جبران قد عثر على كنز من الذهب!

هذه الثروة،إضافة إلى ما حصل عليه عزمي من علاقته بالشيخ الجنزير وجماعته جعلت من عزمي شابا لا يحتاج المال،بل سيصعد ليصبح رجل أعمال ثري ومعروف!

ولجليلة والدة عزمي قلادة من الذهب ترجع إلى قرون خلت(عثمانية)،ولم تسمح لرباح زوجها بمعرفة مخبأها ولكن تبين بأن القلادة موجودة مع رابعة زوجة شقيق جليلة جبران لسر بين الاثنتين!

وعزمي لن يتحدث نهائيا عن نفسه،سيتحدث عنه الآخرون،وسينقلون على لسانه مواقف وأحداث.

سنرى عزمي شخصية غريبة ومتناقضة بل محيّرة ،ولعل خاله جبران قد وصف هذه الشخصية «…فتارة أجد فيه رجلا متمسكا بإيمانه،وأخرى متحررا،ثم محسنا،فمغامرا،أو صعلوكا،أو باطنيا،أو مشروع عاشق،أو مرتبطا بعلاقات غير مفهومة مع أناس لا أعرفهم،وأخيرا على علاقة غامضة مع زوجة أبيه السابقة سندس!»….هذا هو عزمي من  وجهة نظر خاله جبران ومن وجهة نظر القارئ،أو بالأحرى هكذا أراده جمال ناجي!

جبران اليساري

جبران يساري سابق،هبطت عليه ثروة لا يعرف معظم الناس مصدرها،يكشف عنها في معرض حديثه،غيّرت طريقة تفكيره ونمط حياته وعلاقته بكل من حوله سواء رفاقه السابقين أو جيرانه في جبل الجوفة الذين لطالما أشبعهم حديثا عن الكادحين والعمال،ولكنه يدافع عن نفسه،بأنه لم يكن يوما مدافعا عن الفقر، ويصرّح بوضوح بأنه ليس نادما على أيام جبل الجوفة «…إذ لا توجد فلسفة ولا فكرة ولا ديانة تحول دون استمتاع الإنسان بأمواله،أو تطالبه بالتمسك بالفقر إذا استطاع الإفلات من براثنه… » ،وهو الحديث الذي يصفه بأنه جزء من مذكراته الشخصية يؤرخ آخر إطلالة له في هذه المذكرات بـ 25/12/2004م.

لقد كتب البعض محاكما جبران على يساريته التي تخلى عنها،في وقت مبكر لثرائه،بل إنه قد أيد اتفاق أوسلو في ندوات مفتوحة والذي عرف عن اليساريين في الأردن وفلسطين معارضتهم ونقدهم الشديد له جملا وتفصيلا،وتظهر في جبران إحدى ملامح اليساريين وهي تركيزهم واهتمامهم بالمظاهر؛فهو ينتقد ويأسف لانتشار لبس المناديل والجلابيب بين النساء،فهو لم ينظر إلى طريقة تفكير النساء والفتيات بل حكم على ما يلبسنه،إضافة إلى سمة عامة لليساريين برفضهم فكرة التحجب للمرأة.

وقصة ثروة جبران تظهر سلوكا أو نمط تفكير سائد بين الناس حول من يكون فقيرا أو من طبقة متوسطة ويغتني؛فدائما يكون تفكير الناس،خاصة أقاربه وجيرانه وزملاءه بأن مصدر ثروته غير قانوني أو غير أخلاقي،فرباح الوجيه ظلّ يعتقد بأن جبران قد عثر على كنز من الذهب كان رباح نفسه يفتش عنه،طبعا جبران دبّر هذه الحيلة ليعطي صهره هذا الانطباع،وأيضا سادت شائعة بأن جبران أمدّ المقاتلين الفلسطينيين أثناء حصار بيروت بالغذاء مقابل مبالغ طائلة….وحقيقة الأمر أن ثروته كانت أساسا من إرث لوالده هو قطعة أرض على طريق المطار اشتراها أحد المستثمرين بمبلغ ضخم في ذلك الوقت(300 ألف دينار)،ولعل جمال ناجي بقصة ثراء جبران يريد أن يحثّ على نمط تفكير اجتماعي جديد حول التحولات الاقتصادية لبعض أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة.

حتى جبران نفسه يشعر بعبء معاملته كيساري،رغم أنه يقرّ بأن تحولا قد طرأ عليه،ولكن هناك من كتب حول هذه المسألة واضعا جبران تحت المبضع من منطلق التخلي عن مبدئه بسبب تسلّمه للوزارة لاحقا،رغم أن جبران كان قد طلّق اليسارية،وإن بقيت بعض رواسبها في تفكيره منذ أن ترك جبل الجوفة،أي قبل حوالي عشرين سنة من توليه الوزارة!

جبران يظهر ثقافة اليساريين ورأيه في النساء بمن فيهم زوجته رابعة وأخته جليلة وبالتأكيد ابن شقيقته عزمي وأمور أخرى مختلفة،جبران لم يزر أخته في منزل زوجها إلا في لحظة احتضارها،هي ماتت-كما يوحي رباح-حسرة لأن زوجها قرر الزواج من سندس الفتاة المطلقة الشبقة الفقيرة!وهو ما ينفيه جبران بشدة،حيث أن وفاتها كما ثبت نتيجة تسمم جسدها من مواد التنظيف التي كانت تكثر من استعمالها بعد أن أصابتها لوثة النظافة،ثقافة جبران أبو بصير شقيق جليلة،ليست فقط لكونه يساريا سابقا،بل لأنه درس علم النفس في دمشق.

رابعة زوجة جبران كانت تتكبر على جليلة وعلى زوجها رباح ،والذي يصف رابعة بأنها دودة،وتسمعهما كلاما فيه نوع من التعيير ورفضت رابعة مبيت عزمي عند خاله ليلة زواج سندس من رباح.يقرر جبران أن المرأة تعاني من مشكلة التنافر السالب مع بنات جنسها كزوجات الأخوة،والسلفات وأخوات الأزواج والكنائن والحموات…إلخ،وجبران يقر بأنه عالق بين زوجته وأم أولاده رابعة وشقيقته جليلة،ولكنه لم يزجر زوجته عن تلك المعاملة الفظة لشقيقته وزوجها وابنها،واتسم حيالها بسلبية منتقدة في المجتمع العربي عموما والأردني خصوصا.

رابعة من أسرة كادحة وجليلة ابنة حسب ونسب ولكن الأولى هبطت على زوجها ثروة جعلته يعيش في راحة وفي بيت فسيح،رابعة كانت شبه مثقفة أو مشروع لمثقفة ولكنها لم تعد كذلك بعد زواجها،بل أخذت تعيب عليه انتماءاته السياسية التي جلبت له السجن قبل رفع الأحكام العرفية في الأردن،وبعد الثروة التي حصل عليها زوجها أخذت تهتم بالتعاملات والعادات والطباع المظهرية الأرستقراطية كاقتناء قط غال الثمن،وشراء طعام له،وما يتبع ذلك من متابعة طبيب بيطري للقط،رغم أن هذه التصرفات لم ترق لجبران الذي ظل مرتبطا بطريقة أو بأخرى بأصوله اليسارية،ولم ينس سنوات الفقر والعوز.

ويبقى السؤال:كيف يسكت جبران على إهانة زوجته لأخته في منزله،ولا يبدي أي ردة فعل؟ولا حتى بعد خروج عائلة أخته من بيته شبه مطرودة عن مأدبة دعاهم إليها،وحتى أنه لم يتوجه باللائمة على زوجته…؟!هل هذا متعلق بيساريته أم طفولته أم ثقافته أم غير ذلك من قبيل تصالحه مع زوجته في الفراش، كما أشار إلى خلافه معها حول عاداتها الجديدة بعد الثراء؟!

رباح وسندس وعزمي

رباح الوجيه رجل لم يعد قادرا على إشباع رغبات سندس الجسدية،بعد فترة قصيرة من زواجهما،فهو كهل يكبرها بسبع وعشرين سنة،وهي فتاة شابة شهوانية،لدرجة أنها تفتقد لغريزة الأمومة،حسب إقرارها، حين تتحدث عن نفسها،ولكن زوجها لم يكن قادرا على الإنجاب. سيتبين لها لاحقا بأن عزمي ليس من صلب رباح بناء على تقرير طبي تواجه به سندس طليقها رباح.

وهي جعلت من هذا مبررا لمحاولاتها الفاشلة لإغواء عزمي  وإسقاطه في حبائلها فاستعصم حتى حين!

ثغرة:كيف لفتاة عذراء أن تتصرف مع رجل أكبر منها،أي رباح، بهذه الوقاحة التي وصفها ليلة دخوله بها؟كل ما ظهر عن تعلقها بالجنس قبل زواجها هو ما كانت تسمعه من النسوة المتزوجات،وتحرشات ونظرات الشباب والرجال نحوها،وليس لمشاهدتها أفلاما أو مجلات إباحية أو حتى قراءة روايات تعبق بالجنس،وكل هذا لا يكفي لتكون بتلك الجرأة والوقاحة وأن تنزع ثوب الحياء وألا تحاول حتى تصنع الارتباك أو الجهل!

عزمي منهمك في القراءة ويخرج كثيرا من المنزل واهتماماته ليست محدودة،وفوق ذلك هو متدين،فلم تفلح محاولات الإغواء من سندس(لبسها ملابس شفافة،اقترابها منه في غياب والده في غرفته…) في زحزحة صخرته الصلبة!ولكن تجاهله لها جعلها تسمعه كلمات نابية كقولها له:يا ثور!

«كنت أعرف أنك فاجرة،لكن ليس إلى حد جري إلى ارتكاب المعاصي،ومشاركتك في خيانة أبي» هكذا كان رد عزمي على سندس،التي صارحته بأنه:ليس سيدنا يوسف!وسندس تعتبر هذا إذلالا لها،أو أول إذلال من عزمي لها،حيث أصبحت بعد امتناعه عن السقوط في بحر غوايتها مطيعة له أكثر من طاعتها لزوجها!

لم تكشف له أثناء عيشه في جبل الجوفة معها ومع والده قصة التقرير الطبي الذي يشير إلى أن رباح عقيم ،ولكنها ألمحت له لاحقا بأن طلاقها من رباح سيجعل من زواجها منه أمرا مقبولا،وهي إشارة لم يفهمها!وسيظل جسد سندس محور اهتمامها،واهتمام الآخرين بها طوال الرحلة-الرواية مع جمال ناجي،أما عزمي فله اهتمامات مركبة،من ضمنها جسد سندس،الذي سيسقط أمام إغوائه لاحقا!

لقد راودت الشكوك رباح لأنه كان يلحظ على سندس استكانة وخضوعا كالأرنبة أمام عزمي الذي يأمرها فتطيع،ورغم أنه كان يثق برجاحة عقل عزمي إلا أنه لم يكن يثق بزوجته فأخذ يقوم بمداهمات مفاجئة لبيته في فترة عمله المعتادة،ولاحظت سندس ذلك…لكن عزمي اختصر وغادر منزله في جبل الجوفة واستأجر شقة بعيدا عن سندس وغوايتها وتحرشاتها التي لا تعرف الكلل والملل أو اليأس!

اهتمام سندس بجسدها وإشباعه يعود لعدة عوامل منها قلة تدينها وبيئتها الأسرية،وعدم ثقافتها لدرجة أنها لم تكن تكترث بمعنى اسمها ،وسألت عنه عزمي فقط للتقرب منه واستدراجه وليس حبا بالمعرفة والتثقف!

أما ظهور العناكب في البيوت التي سكنتها سندس،وإن فسّرته هي حين تدمر هذه البيوت بأيام خلت؛ فإنه ربما إشارة من جمال ناجي إلى أن سندس بيتها واهن كبيت العنكبوت،فهي كما وصفتها رابعة لزوجها جبران«ليس لها مؤخرة تستقر عليها وستظل تتنقل بين الرجال» فسندس لم تعرف الاستقرار والحياة الطبيعية سواء وهي عزباء أو متزوجة أو أرملة أو مطلقة.

جبران يهتم بعزمي

اهتمام جبران بعزمي،لا يعود لكون الأخير ابن شقيقته،بل لأن لعزمي شخصية آسرة وهو ليس غرّا وبينهما ستكون مصالح متشابكة هي أكثر مما بين جبران وولده وعد وابنته ناتاشا،وكلاهما سافر إلى الخارج،بعد أن أشعرهما وزوجته رابعة بأنهما «ثقيلان» على حياتهما،ربما يعود هذا لطريقة التربية المترفة أو لاختلاف الأجيال،ولكن كل حديث جبران لم يكشف سرّ تبرّم رابعة من عزمي ابن شقيقته جليلة ورفضها أن يبيت في منزل خاله ليلة زفاف رباح الوجيه على سندس بنت عدلي الطيب،ومن ثغرات الرواية أن رابعة تكشف أخيرا لزوجها جبران عن القلادة الذهبية العثمانية وبأن جليلة أعطتها إياها لسر بين المرأتين!

كيف ذلك؟وأي سر؟هي توحي بأن السرّ هو أن عزمي ليس ابن رباح الوجيه،كيف تطلع جليلة زوجة شقيقها على سر خطير كهذا،مع وجود تنافر ملحوظ بينهما؟ثم ما ذنب عزمي لتعامله رابعة بهذه القسوة الزائدة عن الحد،حتى لو كان ابن حرام؟!

وكيف لامرأة تحب المظاهر والبذخ مثل رابعة أن تحتفظ بالقلادة دون أن تبيعها أو جزءا منها،أيام العوز في جبل الجوفة؟!

وعزمي شريك خاله جبران في ثروته،التي طالبته جليلة أن يحفظها له حتى يكبر ولدها مع مصروفات شهرية،وهذا يفسر ما استغربه رباح وغيره من مستوى معيشة عزمي أثناء طفولته وشبابه، وسيعطيه جبران حصته بمنتهى الأمانة،ليضيفها عزمي إلى ما كان قد بدأ بجمعه من عمله مع الشيخ عبد الحميد الجنزير.

انهيار عزمي

عزمي متدين،كان يحضر دروس الشيخ عبد الحميد الجنزير،الذي أطلق عليه اسم «رمح الله» كي يزيد ثقته بنفسه،وظل عزمي محل إعجاب الشيخ لثقته بنفسه وذكائه وقدرته على ضبط رغباته وكظم غيظه،ولاحظ الشيخ على عزمي حبه للانعزال،وخوفه من الأماكن المرتفعة،ربما لحادث وقع معه وهو صغير،إضافة إلى حالة غرائبية لاحظها الشيخ على تلميذه من اتصاله بأزمنة قديمة لم يعشها كمعارك المسلمين الأوائل،واستذكاره لحياته وهو حديث الولادة وعمره لم يتجاوز بضعة أشهر،فأخبر عزمي شيخه بأنه يتذكر حين كان طفلا كيف كان يبكي حين يحمله أحدهم على كتفه لأنه حين ينظر إلى الأرض يرى المسافة مرتفعة فيبكي خوفا،كما أن عزمي يتذكر كيف كان الطعام خشنا في فمه بعد مرحلة الرضاعة!

لم يتردد الشيخ الجنزير من تسليم إدارة مركز ابن الحارث الحافي لتحفيظ القرآن الكريم لتلميذه النجيب عزمي.

وسيؤسس عزمي مركز حنظلة ابن أبي عامر كخطوة انشقاقية عن الجنزير وجماعته،بعد أن جمع تبرعات بقيمة 130 ألف دينار وطلب كشفا بحساب ست سنوات من نشاط وعمل مركز الحافي ومصروفاته،فنشب خلاف وأخذ ورد وثورة من الحاضرين ،لا سيما بكر الطايل،على عزمي لدرجة طلبه إذنا بقتله لأنه سطا على أموال المسلمين،أي التبرعات التي اعتبرها بكر غنيمة!

وقد تعهد الشيخ عبد الحميد الجنزير بمعالجة هذا الأمر،ولم يفعل رغم مرور سنين على انشقاق عزمي، ليكشف الأخير لخاله جبران أن كل ما جرى كان متفقا عليه بين الثنائي العجيب عزمي-الجنزير،وأصلا عزمي وحسب كلام شيخه الجنزير لم يكن يرى بتلامذة الجنزير أشخاصا أهلا للثقة أو الإعجاب،وإن زعم محبتهم،لأنهم يرضون بفتات مساعدة الجنزير لهم ظنّا منهم أن الله خلقهم ليكونوا هكذا!

لكن عزمي قد انهار حتى وصل حافة الهاوية أو سقط فيها فعلا،فكيف ولماذا؟هناك إشارات تظهر،تتمركز عموما باهتزاز صورة أستاذه وشيخه عبد الحميد الجنزير،فهل تحطم صورة القدوة والأنموذج يقود المقتدي والتابع أو المريد نحو السقوط والانحراف؟هل قصد جمال ناجي شيئا كهذا وهل شخصية عزمي كانت شخصية التابع أصلا،لا يبدو ذلك فهو أقرب منه للمتعلم الواعي أكثر من التابع المتلقي أعمى الاقتداء.

لقد ضبط عزمي الشيخ عبد الحميد الجنزير مع سندس زوجة والده،في وضع أثار ريبة عزمي وشكوكه في شيخه،رغم أن الشيخ لم ينزلق ويرتكب الفاحشة مع سندس،أو يحاول ذلك،بل سعى طوال الوقت سواء بعيد طلاقها أو بعد أن مات عنها زوجها الأول والثالث صبري أبو حصة إلى الزواج منها،لكن الشيخ الذي ضبطه تلميذه عزمي في جلسة علاج لسندس لم يتحرّز ولم يتق موطن الشبهة خاصة مع ما يعرفه عزمي من فجور سندس واستعدادها التلقائي لارتكاب المحرم مع أي رجل يروق لها،حتى لو كان محرما عليها مثل عزمي،هذا الموقف مع شكوك عزمي في ذمة الشيخ عبد الحميد الجنزير المالية خاصة  أثناء رحلتهما لجمع أموال التبرعات في بريطانيا،حيث رأى شيخه يضع رزما من الأموال المجموعة في حقيبة خاصة وهو متوتر ومرتبك،إضافة لوضعه العائلي والأسري المعقد،ساهما في انزلاقه نحو ارتكاب مخالفات شرعية وقانونية،بعمله في التهريب مما أدى لملاحقة القوى الأمنية له،وفشلها في إلقاء القبض عليه كما قال الضابط المكلف بالمهمة.

ورغم أن عزمي ظهر كشخصية تحب مساعدة الفقراء،بل تزوج فتاة فقيرة،رغم أنه كان بمكنته الزواج من فتاة أرستقراطية،إلا أنه كشف لخاله جبران عن حبه لرؤية تجسد الفرح على وجوه الفقراء والمحتاجين حين يقدم لهم المساعدات المالية،وأصبح يسعى لجمع التبرعات لمساعدة الفقراء حتى يروي هذه الحاجة الغريبة عنده!

الأنموذج الغائب

الرواية أبدعت في الوصف ورسم الصور والأحداث،لكن هذا لا يغني عن تقديم الحلول واقتراحات لحل المشكلات الاجتماعية التي عالجتها،إن أحدا من شخوص الرواية لم يقدم فكرة أو حلا أو اقتراحا لتجنب الكوارث والمشكلات التي جرت.

أيضا وقع جمال ناجي في استنساخ الصورة النمطية للإنسان المتدين،والتي ظلت تظهر في الرواية والدراما العربية طوال السنوات الماضية.

فالمتدين قلما يظهر بصورة الإنسان المتوازن سليم الظاهر والباطن؛فهو إما إنسان غبي ساذج يحب الجري وراء شهوة بطنه،أو هو إنسان شهواني يحب تبديل النساء كما تبديل ملابسه أو أحذيته،ويتخذ من الدين ستارا لجمع الأموال والزعامة،وهذه صورة عبد الحميد الجنزير،على الرغم من أنه ظهر من أول الرواية إلى آخرها كشخص لا تشوب عقيدته شائبة،وأنه حريص على مساعدة الفقراء ودعمهم،على الرغم من خلل واضح في ذمته المالية،ورغم أن الشيخ عبد الحميد الجنزير يسعى لإرواء حاجات بدنه الجنسية بالحلال،ولم يقارف الحرام وهو رجل ذكي عالم بخفايا نفوس من يتعامل معهم،وحين كان يعالج النساء كان يدرك ما يدور في نفوسهن،كما أنه خبير بطب الأعشاب أو الطب البديل وظهر أنه ماهر في  علاج معظم الحالات التي استعانت به،ولاحقا امتلك معملا للمستحضرات المستخرجة من الأعشاب الطبية،وفي هذا نفي لمن كتب عن الرواية و دمغ عمليات علاج الشيخ للرجال والنساء بالشعوذة والدجل مطلقا.

وقد تجنب جمال ناجي تكرار رسم صورة الشيخ الذي يجري وراء العذراوات صغيرات السن؛فالشيخ عبد الحميد الجنزير تزوج من صفية فطلقها لرائحة فمها الكريهة التي لم تتمكن أعشابه ووصفاته من التخلص منها،ثم تزوج من عفاف وهي أرملة ذات أولاد ولكنها بقيت تحمل حزنها على زوجها السابق فهجرها ولكنه أبقاها على ذمته مع أولادها من زوجها الأول وتكفل بالنفقة عليهم،أما حليمة فكان عمرها 25 سنة وقد تطلقت من زوجها المصاب بالدمامل الذي كان يأتي ليتعالج عنده ومعه زوجته الغير قادر على القيام بواجباته الزوجية معها،فغابت صورة المتدين العاشق للارتباط بعذراوات صغيرات السن وجميلات عن الرواية…والجنزير قادر على بناء التحالفات،وإنشاء مطبخ سياسي مقره مزرعته في منطقة  العدسية المطلة على الأغوار،وبالمجمل فإن الأنموذج الذي قدمته الرواية للمتدين الأبرز في الرواية وهو الشيخ الجنزير؛ليس أنموذجا يحتذى.

والمتدين الثاني هو من يصغر الجنزير بحوالي ثلاثين سنة وتلميذه وشريكه ثم غريمه أي عزمي،والذي صمد ثم سقط في حبائل سندس وواقعها مرارا في شقته بعد طلاقها من والده،ثم فسدت ذمته المالية وأصبح من المهربين المشبوهين،رغم أنه ليس بحاجة ،ويمكنه أن يحيا حياة مرفهة دون مخالفة القانون.

أما المتدين الثالث فهو قد يكون الأسوأ بين الثلاثة وهو بكر الطايل وهو من أسرة فقيرة معدمة،وغير متعلم،وهناك إيحاء بأنه من الفئة التي تحدث عنها الشيخ الجنزير من ضمن تلاميذه،والذين يلزمون مجلسه ودروسه طمعا في ما يقدمه لهم من معونات بين الفينة والأخرى،والحقيقة أن الشيخ الجنزير حاول مساعدة بكر الطايل كثيرا إلا أن هذا الشاب من النوع المتعصب المتمسك بالقشور،والمستعد أحيانا للانحراف رغم أن الشيخ الجنزير استطاع بحكم علاقاته أن يوفر له وظيفة حكومية وهي مراسل في وزارة التربية والتعليم إلا أنه رفض العمل لأكثر من يومين بحجة تجنب الاختلاط!

وتحت ضغط العوز والحاجة،يتورط بما هو أبشع وأفظع؛حيث عمل أياما في توصيل بائعات الهوى مع من يرغب بمواقعتهن من رواد ملهى ليلي بسيارة سلمت له من صديق طفولة قديم (نائل عثمان) ليقوم بقتل أحداهن،ويسجن لفترة قصيرة مقارنة مع التهمة التي لم تثبت عليه،وتصادف أن الزبون الذي رافق المقتولة إلى شقتها هو شخص من أصحاب المناصب الرفيعة في البلد،مما دفع الدولة لإقالته وإعادة النظر بشروط ترخيص الملاهي الليلية.

ويبدو أن أياد خفية ساعدت بكرا في سجنه من حيث إمداده بالمال وتحسن معاملة رجال الشرطة معه وتزويده بمواد تنظيف وأغطية جديدة لسريره،وقد نفى الشيخ الجنزير لبكر بعد الإفراج عنه أنه قدم هذه المساعدات و بكر يمثل أنموذجا للشباب الغير متعلم العاطل عن العمل،وهذه لفته هامة من جمال ناجي حيث التركيز دائما على بطالة الخريجين دون سواهم،وهو يجسد صورة للشباب الذي يرى الفساد والترف والإنفاق على الكماليات فيما شقيقاته يسلبن زميلاتهن طعامهن في المدرسة،وأمه ترتدي ثوبا خلقا لم تغيره منذ أن توفي عنها زوجها،وقد ازداد حقده على بائعات الهوى،فيما هو يعيش ضنك الحياة،إضافة إلى غيرته وحقده على عزمي بسبب نجاح الأخير وغناه…وإن كان قد برر قتل بائعة الهوى بأنه تلبية لواجب رباني،وهو لم يشعر بأي ندم أو وخز للضمير وهذا متوقع لمن هو في حالته،وبالتأكيد فإن بكر الطايل ليس من ضحايا الجنزير كما كتب البعض،فالجنزير حاول مساعدته مرارا بلا جدوى.

إلا أن الرواية لم تقدم إلا هذه النماذج (الجنزير وعزمي وبكر) ولم يظهر جمال ناجي من المتدينين ما يضادها في روايته وبهذا أعاد استنساخ الصورة النمطية عن المتدين في الأعمال الفنية،وإن كان قد طوّر وأضاف ونوّع وتحرك ذات اليمين وذات الشمال،وأشار إلى أن التدين مع الفقر قد يقود إلى القتل…في النهاية أرى أنموذج المتدين القدوة غائبا ومفقودا في الرواية!

الحالة الإجتماعية والإقتصادية

لا شك أن جمال ناجي أبدع وبأسلوب سلس يقتحم نفس قارئه بسهولة،في وصف الحالة الاجتماعية والاقتصادية في الأردن،لاسيما في أحياء عمان الشعبية والمخيمات،حيث الفقر المدقع،والعوز الشديد،وهنا أنقل حرفيا(ص68+ص69) ما رواه الشيخ عبد الحميد الجنزير عن عزمي الذي عينه الشيخ في جمعية الوفاء الخيرية التي تعنى بتقديم معونات للفقراء والمهمشين حيث تحدث عزمي بحزن وأسى«..الناس في تلك الأماكن بلغوا حدا من العوز تهون دونه الحياة،ومع ذلك حافظ الكثيرون منهم على عزة أنفسهم،لكن هذه نصف الحقيقة،النصف الآخر أن بعضهم يريق ماء وجهه من أجل الحصول على أية معونة من أي كان ،بعض النسوة يجبن عن أسئلتي من وراء الأبواب المشقوقة بحلوق جافة مخنوقة،أخريات يفتحن لي بوابات دورهن وهن بملابس النوم المهترئة،أطلب منهن ستر أجسادهن فلا يكترثن،يجلسن معي بوجود واحد أو أكثر من أفراد أسرهن،ويزودونني بما أطلب من معلومات علهن يظفرن بالمعونات،بعض الرجال نصبوا لي فخاخا للإيقاع بي وإرغامي على التوصية لهم بمعونات شهرية حتى أن فتاة حسنة المظهر،تقطن في منطقة وادي النصر،اسمها فاتن عبد الكريم  الريشة،تخلصت من والدها المسن بأن طلبت منه الذهاب إلى سوق الخضار،وحين خرج أقفلت البوابة الخارجية بالمفتاح ووضعته في جيب فستانها،ثم خيرتني بين مساعدتها،وبين قيامها بالصراخ ولملمة جيرانها بدعوى اعتدائي عليها!لكن ملامحها الرقيقة وعينيها شديدتي الخضرة وحواجبها اللينة،لم تؤكد جدية تهديدها ولا تلوث سريرتها،تفهمت حاجتها بسرعة،طلبت منها الهدوء والجلوس كي ترى ما سأكتب فجلست،سألتها عن قيمة المعونة التي تتوقعها فقالت«أربعون دينارا كل شهر»،كتبت في خانة التوصية سبعون دينارا،فبدا على وجهها مزيج من الفرح والحزن،ثم حدرت دموعها،ووضعت حرف كفها على حاجبيها مشيحة بوجهها عني،ثم صاحت بوالدها الذي تبين أنه لم يذهب إلى السوق،إنما وقف وراء البوابة انتظارا لما سيحدث،ثم فتحها بمفتاح آخر ودخل،ففوجئ بدموع ابنته فاتن ذات الثمانية عشر عاما،وحين رأى قيمة المعونة في الاستمارة ضرب الحائط بكف يده تأثرا،فانفرط كتف بدلته الضيقة،ثم اقتادني إلى مطبخ بيتهم حيث لا شيء سوى طناجر صغيرة من التوتياء والألمنيوم المثني،وصحون فارغة على منضدة خشبية عتيقة،وثلاجة صدئة خاوية،وأرغفة خبر في كيس معلق على مسمار في الجدار لا شيء أبدا»

هذا الوصف يلخص حال شريحة في الأردن وفي دول عربية أخرى يفتك بها الفقر والعوز والحرمان.طبعا سنكتشف أن عزمي أحب فاتن التي وصفها بعد ذلك لشيخه والذي نصحه بأن يتزوجها،فرد بأنه يتمنى، لكن الزواج ليس في وارده..هذه ليست كل الحقيقة لأن فاتن ستظهر في آخر رحلتنا مع جمال ناجي مع طفلين..لقد تزوجها عزمي وأنجب منها..سرّا!

هذا البؤس الذي أبدع جمال ناجي في تصويره دون تكلف أو إيغال في استعارة التعبيرات الفلسفية،بل بأسلوب تعرية الواقع المعيشي المباشر،تقابله صورة  أخرى للطبقة الأقل عددا والأكثر ثراء والتي قام بوصفها جبران أبو بصير خال عزمي وإن كان طابع التأثر بوصف مظاهر الثراء في أحياء عمان الثرية،كعبدون والصويفية والرابية وغيرها،وما يرافقها من مظاهر انفتاح اجتماعي تظهر في لبس الفتيات والشباب،مع وجود طبقة غنية غامضة متحفظة في بعض المناطق،لا يترك أثرا جارحا في النفس كمثل ما وصفه عزمي أي الطبقة المسحوقة،وقد تحدث بكر الطايل عن الترف من منظور المحروم الجائع الورع..ولكن جمال ناجي قد أوصل الصورتين المتناقضتين في جبال عمان وبين أحيائها وأزقتها وشوارعها،أي حالة الثراء الفاحش الأشبه بخيالات حالم أو أحلام يقظة،وحالة بؤس وفقر وعوز تمتلئ بها الأحياء الشعبية والمناطق المهمشة في المدينة وضواحيها ومخيماتها.

الحالتان انعكستا على شخوص الرواية، كل حسب بيئته وطبقته،مع إشارة إلى أن الشيخ عبد الحميد الجنزير واسع الاطلاع على كلا الطبقتين،رغم أنه ينتمي حقيقة لطبقة الأثرياء،وإن كان لا يسرف في مظاهر الترف،رغم استطاعته إليها سبيلا،هذه الطبقة تنشأ بينها علاقات نفعية وتبادل مصلحي وتحالفات سياسية رغم التناقض الأيديولوجي المفترض،فرغم العداء القديم الذي يفترض أنه متأصل بين الشيخ عبد الحميد الجنزير و جبران أبو بصير إلا أنهما يصبحان صديقين أو حليفين،ويزكي الشيخ الجنزير ،الذي له علاقات واسعة تؤهله لتشكيل مطبخ سياسي،جبران لتولي حقيبة وزارية،وينجح في ذلك،ثم ينكر على جبران تنكره لمساعدته في الوصول لمقعد الوزارة فيسعى للانتقام منه وشطبه،جبران والشيخ شريكان في شركة لاستيراد الحديد من أوكرانيا،فهل أراد جمال ناجي أن يقول بأن المصالح التجارية والعلاقات المالية هي التي تبني الصداقات وعرى التحالفات السياسية،وليس الانتماء الفكري أو اللون الحزبي؟ربما،ولكن هل هذه الصورة مطلقة؟من سياق الرواية فإن جمال ناجي قد عمم على الأردن هذه الحال:تزاوج المال مع السياسة،بعيدا عن الأيديولوجيا!وبعض الروائيين الآخرين فعلوا الشيء نفسه،والمصالح والمنافع وقلب الرأي وتطويع المبدأ والفكر جعلت من جبران وزيرا لفترة قصيرة،مارس فيها بعضا من فساد،وأبرز من أعدّه ورشحه وزكاه للوزارة هو غريمه العقائدي الشيخ الجنزير!.

الجنزير تخلى عن وقاره وأصبح يضحك على نكت جنسية،ويستقبل في مزرعته كل من هب ودب من السياسيين والمتنفذين دون المظاهر المعروفة عنه،إلا أنه أبقى على مسافة بينه وبين جبران حين رفض بدهاء دعوة جبران لتناول كأس من الخمر.

ثغرة:كيف يسمح الشيخ الجنزير لجبران بأن يصفه بالخنزير ردا على وصف-مزاحا- الشيخ له بأبو بريص كناية عن التسلق بل يتمادى جبران بالقول بأن الخنزير لا يستطيع النظر إلى السماء وأنت متدين؟هذا في عرف الأردن وغيره مرفوض اجتماعيا فوصف شخص بالخنزير أمر يستدعي الغضب والشجار،لقد وقع جمال ناجي في هوى السجع وغابت عنه صورة الواقع والمعقول هنا!

تحالف غريب في عالم المبادئ والأفكار والعقائد بين جبران والجنزير إلا أنه مفهوم في عالم السياسة السائدة،ولكن هذا التفهم هل يعني القبول والاستلام لهذا الواقع؟ويظهر أن جمال ناجي أراد أن يقول بأن لا أحد أهل للثقة؛لا الحكومات التي ينهشها الفساد والمعادلات الغير منطقية للمجتمع ولا أصحاب المبادئ والعقائد والأفكار أمثال الشيخ الجنزير و جبران..حسنا علينا ألا نقتدي بأحد،ولكن ما الحل وهذه من إشكاليات الأعمال الروائية ومنها رواية جمال ناجي،أي تقديم وصف دقيق وشامل دون تقديم حل ولو كان حلا جزئيا واقعيا أو طموحا…!

حول مزرعة الجنزير

هناك من كتب عن المزرعة واصفا إياها بوكر للكولسة والمؤامرات-وهذا صحيح- ،وأيضا للسكر والعربدة،وهذا خطأ،فالشيخ منع إحضار الخمور والنساء للمزرعة،والمرأة الوحيدة التي وطأت قدماها أرض المزرعة هي زوجته التي كان يريد الاختلاء بها بعيدا عن صخب الأولاد،وهذا ليس منتقدا لا شرعا ولا عرفا،ثم وطأتها قدما سندس كي تفاجأ بأنه حضّر مأذون الزواج الذي رفضته مطلقا.

وقد استغرب الجنزير كيف أن بعض رواد مزرعته يؤدون الصلاة ويتعاطون المنكر،وبالمجمل فإن رأيه فيهم جميعا واضح «شياطين في أثواب رجال،لكنهم ظرفاء»(ص158) ،ولعل وصفه يحوي قدرا معقولا من الصواب والدقة!

ويتضح كيف أن عزمي بارتياده للمزرعة ونسج علاقات مع روادها من المتنفذين قد بدأ يكبر وينمو ليصبح نافذا،ولولا سمعته كمهرب لرشح لمنصب وزاري،وقد حذّر البعض الجنزير من عزمي «لأن القزم حين يقف على كتف المارد يرى أبعد منه» ولكن الجنزير صدّهم لأنه لا يرى في تلميذه عزمي قزما،وإن توجس في نفسه خيفة منه!

وبعد عملية الطبخ الأولية في مزرعة الجنزير يقوم مكتب خاص،كما وصفه جبران باستدعاء المرشح لتولي المنصب الوزاري لسبر أغواره وجس نبضه وفحص توجهاته،ويبدو ضمنا أن هذا المكتب أمني يتغطّى بطابع سياسي أو غير ذلك،وفي هذا إشارة ناقدة للعملية السياسية في الأردن،وهي ما وعد الملك في خطابه الأخير أن تتجاوز النمط المعروف،وضمنا النمط الذي جاء في الرواية،فجمال ناجي لامس بنعومة منطقة خطرة،ولكن رسالته وصلت!

وقد عرف عزمي بما دار في الجلسة المغلقة بين خاله جبران والرجال في المكتب الخاص ،وقد سأل جبران عمّا دار في تلك الجلسة؛فهل يتجسس عزمي على خاله؟ أم أن له عيونا تنقل له ما يدور في ذلك المكتب؟أم أن عزمي قد حاور هؤلاء الرجال ونصحهم بتوزير خاله،أو أنهم سألوه عن خاله؟كل هذا وارد،ومزرعة الجنزير لطالما وجد مثلها في بلاد العرب،مع اختلاف في بعض الجزئيات والحيثيات التي لا تغير من جوهر المطابخ السياسية العربية والعالمثالثية!

بكر الطايل وعزمي الوجيه

كما قلت؛بكر الطايل ليس من ضحايا الشيخ الجنزير،لأن الشيخ حاول مساعدته فوظفه في جمعية خيرية فاشتبك مع زملائه لأنهم-حسب رأيه-يعطون المساعدات لمن لا يستحقها،ووظفه مراسلا في وزارة التربية والتعليم فلم يلبث سوى يومين بحجة اختلاط الرجال بالنساء؛والغريب أنه انجر وعمل سائقا عند بائعات الهوى وأخلائهن فقتل واحدة منهن،ونجا في ظروف غامضة،ولكن الجنزير لم يشغل بكرا في أي من شركاته ومؤسساته الخاصة لأنه لا يصلح!

بكر الطايل ضحية للجهل والفقر والفساد المحيط به وبأسرته،فله أخت ليست جميلة مثل فاتن الريشة ذات«الجمال المهان» والتي أعجبت عزمي وتزوجها  فالأخت (عتاب) قصيرة وناقصة الحسن فلم يقبل الزواج بها أحد من تلاميذ الشيخ الجنزير،فأصابها مرض في الجسد،انتقل لاحقا بعد ترمّلها ليلة زواجها إلى العقل ليكون مصيرها مصحة لعلاج الأمراض العقلية في الفحيص!

ورأى بكر الفساد وسوء توزيع الثروات فرأى أناسا يصرفون ببذخ فيما هو وأسرته يعيشون الضنك وضيق ذات اليد،وحتى حين حصل على معونة من وزارة التنمية الاجتماعية رأى أفرادا ميسورين يتلقون مثل هذه المساعدات،وهنا يشير جمال ناجي إلى جانب من الفساد المرتبط عادة بالواسطة،وإلى مرض الجشع عند بعض الناس،وتابع بكر إعلانات الجرائد التي وصفها بالكذب وهو محق إلى حدّ كبير لأنه ككثير من أقرانه لم يحصل على عمل عند مراجعة تلك الإعلانات.

بكر الطايل ليس من فئة الخريجين الذين سدّت في وجوههم أبواب العمل والوظائف فهو لم يكمل تعليمه الثانوي،ورغم قراءته لكتب دينية عديدة عن طريق الشيخ الجنزير إلا أنه لم يفلح،كبقية تلامذته،في البروز في جوانب الوعظ والخطابة،أي لم يستفد من قراءاته الدينية في الحصول على مهنة كغيره،وحرص الشيخ الجنزير على إبعاده عن شركاته ومصالحه التجارية –وما أكثرها- الخاصة لأنه رآه لا يصلح.بكر الطايل يعرف أن عزمي ابن كاتب استدعاءات،لهذا تسلل الحسد إلى قلبه لما رآه يصعد وتزداد أمواله ونفوذه،ويزداد قربا من الشيخ؛و تنامى حقد بكر على عزمي لدرجة أنه أصبح يرى فيه تجسيدا للشر،بل لحالة فقره هو وأسرته،وقال صراحة أنه يستحق الرجم!

وليلة قتل بائعة الهوى،التي كانت تركب مع شخصية معروفة أقيلت من منصبها،وسجنت بتهمة القتل،ظن بكر الطايل أو تراءى له أن هذه الشخصية هي عزمي !لقد أصبح يرى في كل إنسان سيىء صورة عزمي..لهذا حاول قتله ولكن هل كان هذا بتحريض من الشيخ الجنزير؟ليس واضحا إلا من إشارة قالها الجنزير«..كان بوسعي الخلاص منه وإقصاؤه عن طريق متعهدي الجهاد في العراق أو أفغانستان أو سواها،لكنني آثرت الاحتفاظ به في قبضتي لأمر في نفسي»ما هو هذا الأمر الذي دار في نفس الجنزير؟هل هو تحريض بكر على قتل عزمي؟هذا الأمر بقي غامضا،وملتبسا خاصة بأن الجنزير قد عاب على بكر شروعه في قتل عزمي،إضافة إلى نهيه عن آفة الحسد وما تقود إليه من المهالك.

أما مصطلح «متعهدي الجهاد» في العراق أو  أفغانستان أو سواها فيفتح أبواب التساؤلات،فهل يسمح للجنزير بأن يكون له علاقة بالجهاد -أي الإرهاب بمفهوم الغرب- دون أن يكون مصيره غوانتانامو أو سجن الجويدة على أقل تقدير؟ثم إن الأردن قد يكون منطلقا لبعض المجموعات النشطة في العراق ،لكن لم تعد له ولا لأي بلد عربي آخر تلك الأواصر مع المقاتلين في أفغانستان.هل يريد جمال ناجي أن يشكك في المقاتلين في العراق وأفغانستان بأنهم من الطبقات المسحوقة،الذين تغسل أدمغتهم عن طريق أثرياء يرتدون لباس التقوى وهم ليسوا بأتقياء،ويرسلون إلى البلاد المحتلة ليقضوا هناك؟هذا كلام يعلم جمال ناجي أن فيه بعدا عن الواقع،خاصة إذا علمنا أن كثيرا ممن ترك الأردن وذهب مقاتلا إلى العراق من حملة الشهادات ومن أبناء أسر مرموقة،ولم يكن خلفهم متعهدون أو مقاولون من أمثال الجنزير!

قد يظهر بأنني ذهبت بعيدا وبالغت في إسقاط واقع سياسي و اجتماعي على نص أدبي أو عمل فني؛وهذه مسألة لم تعد ذات أهمية كبيرة،فكثير من الأعمال الروائية التي عالجت مسائل تاريخية أو دينية أو سياسية أخضعت للوقائع والآراء المعتمدة للمؤرخين والعلماء والباحثين،رغم أن كثيرا منها لجأ إلى التورية والرمزية،فكيف الحال مع رواية تتحدث بشكل صريح مباشر؟!

على كل يرى الجنزير أن بكر الطايل كائن طامع سفيه، ويرى أنه «قد نضطر للاستعانة بسفهائنا لقضاء بعض غاياتنا إذا اقتضى الأمر» هل الغاية هي قتل عزمي؟وهل الجنزير بهذا الغباء وهو المتمرّس العارف بالحكومات وأساليبها،كما ظهر من كلامه وعلاقاته وتحركاته وآرائه،كي يلجأ إلى بكر للتخلص من عزمي،على الأقل من الناحية الأمنية فإن بكرا  تحت المراقبة ولو من بعيد بعد مقتل بائعة الهوى التي قتلها ولم يتمكن الأمن من إثبات شيء عليه فأطلق سراحه،فأقله وضعه تحت المراقبة والمتابعة،فهل يغيب هذا عن الجنزير؟ وهذه أسئلة موجهة لمن كتب مقررا أن الجنزير حرّض بكرا على قتل عزمي.

صبري مات أم قتل؟

صبري أبو حصة طلق سندس قبل دخوله بها بتحريض من والده بعد حادثة إطلاق النار في الهواء التي أثارت عدلي الطيب والد العروس ،ومن ثم تزوج ابنة عمه وأنجب منها طفلين وبعد طلاق سندس من رباح الوجيه،واعتيادها الالتقاء بعزمي لارتكاب الفاحشة،حضها عزمي على الزواج لأن زواجه منها ليس قانونيا،فلم يعد يقيم وزنا للحلال والحرام كالسابق..فوافقت على الزواج من صبري أبو حصة بعد طلاقها من رباح الوجيه شرط أن يعطي الأولاد لحماتها والدة صبري وهي بذلك تنتقم من حماتها،ومن صبري الذي طلقها يوم زفافها سابقا.واشترى عزمي لصبري وسندس شقة وسيارة ،وسأل صبري سندسا بتراخ عن سبب كرم عزمي،فبررت سندس بحزم قاطع يحمل في طياته عدم تكرار السؤال بأنها زوجة أبيه السابقة،رغم أن كلمة السابقة تعني مطلقته وليست أرملته، فلم يكرم عليها وعلى زوجها؟حقيقة ظهر صبري بمظهر الديوث الذي لا يغار على شرفه،وترك عمله في شركة الكهرباء وانضم للعمل مع عزمي الذي ذاب في عالمه،لكن الجنزير وعزمي رتبا زيجة صبري من عتاب شقيقة بكر الطايل،أو بالأحرى رتب الجنزير ذلك بالتنسيق مع عزمي،وبكر وافق سريعا مع شقيقته على صبري رغم أنه متزوج من سندس،ليضمن لها زوجا يستطيع أن ينفق عليها!ولينتقم من سندس لأنها عصت الله ورسوله!

مات صبري أبو حصة ليلة دخوله بعتاب الطايل..الشيخ الجنزير أعطاه خلطة أعشاب،وعزمي أعطاه قرص فياغرا،فهل قصد أي منهما قتل صبري،ولماذا؟لكي يخلو الجو لعزمي؟الجو خال أصلا وهو يلتقي بها في بيته الجديد في الرابية ويزني بها وقتما شاء،هذه فكرة مستبعدة،ومستبعد أن عزمي خاف من صبري،لانكشاف بعض من أسراره أمامه؛فصبري ظهر كشخصية خانعة؛ويبعد هذا الاحتمال،أما بخصوص الجنزير الراغب في الارتباط الشرعي بسندس فهو يعلم أن سندس قد رفضت الزواج منه،وهو رفض غير مفهوم.فهل أراد الجنزير عقابها بأن يجعل لها ضرة؟أم أراد أن تصبح أرملة للمرة الأولى من الرجل الذي كانت طليقته أول مرة بإعطائه وصفة دواء قد تكون قاتلة؟أم أن القتل لم يكن في نية الجنزير أو عزمي؟وأن الاحتمال الأقوى هو انتقام الجنزير من سندس بتزويج صبري من فتاة ليست جميلة مثلها،ولا إشارات واضحة عن نية الجنزير تصفية صبري من أجل سندس،التي رفضته سابقا رغم أن الجنزير يدّعي بأن صبري تزوج عتاب بإملاءات من عزمي رب عمله الجديد وأن مهمة الجنزير كانت تسهيل الأمور!وأن الجنزير كان يريد مساعدة بكر الطايل وعائلته،على كل تعاتب الرجلان بمسألة قتل/وفاة صبري بطريقة اتهامية،وتبدو ميتة الرجل طبيعية إلى حدّ ما،ولكن كان عليه ألا يأخذ الخلطة والحبة الزرقاء معا!

ثغرة:إن سعي الشيخ عبد الحميد الجنزير للزواج من سندس سواء بعد طلاقها من رباح أو وفاة صبري،أمر غريب ،فحتى بكر الطايل قد سمع عن علاقتها المريبة بعزمي فكيف بالشيخ الجنزير الذي له عيون وجواسيس رجالا ونساء في كل مكان؟بل حتى نائل عثمان الذي يعمل مع بائعات الهوى في الملاهي الليلية شاهده بكر الطايل يخرج من بيت الجنزير،أي أن شبكة المعلومات الخاصة بالجنزير كبيرة ومتشعبة،وتطال حتى من يرتاد الملاهي الليلية،ورغم ذلك لم يظهر قط أن له علما بعلاقة عزمي مع سندس،بل ظل مقتنعا أن مفتاح قبول سندس به زوجا هو عزمي!

سندس المنتقمة!

حين علمت سندس بأن زوجها صبري تزوج من امرأة غيرها(عتاب)غضبت وطردت أهله من سرادق العزاء بل ألغت مراسم قبول العزاء،ونقدت بعض الأجراء وحرّاس المقبرة خمسين دينارا لكل منهم مقابل إحراق جثة صبري،بعد نبش قبره مع ملابسه وأحذيته التي جمعتها؛هنا تظهر سندس كأنثى شرسة تنتقم ممن أصبح في عالم آخر بحرق جثته،وغاب هنا طابع الأنثى الناعمة المنكسرة الساعية فقط لإشباع رغباتها ونيل وطرها من الرجال،خاصة عزمي،بل في شخصية سندس إشارة بينة إلى أثر غياب التدين السليم عن الفتاة؛فلو كانت سندس فتاة ملتزمة دينيا ،لما سمحت لنفسها باستراق السمع إلى النساء المتزوجات اللواتي يتحدثن عن أفعال أزواجهن في الفراش،ولزجرتهن أو امتنعت عن الاستماع الذي ساهم في زيادة شبقها،فغياب الالتزام ومخافة الله عند سندس دفعاها إلى السعي لخيانة زوجها رباح مع ابنه عزمي على الرغم من تبرير سندس  بأن عزمي ليس من صلب رباح الوجيه…وإجمالا عدم تدين سندس وجرأتها على ممارسة الجنس الحرام لم يكن بعيدا عن انتقامها الغريب المقزز من صبري زوجها الأول والثالث بنبش قبره وحرق جثته.

إن تربية سندس فيها خلل واضح،فوالدها قتلته الجرذان مخمورا،وأشقاؤها يعملون في الخليج؛ وأوقفوا بضغط من زوجاتهم تحويل المال لها ولأمهم،وأمها كانت تحس وتشعر بأن سلوك ابنتها يشوبه الانحراف ولم تحرك ساكنا واكتفت بالحديث بخبث مع ابنتها ولم تتخذ إجراءات عملية ولو حتى بمصارحة ابنتها بسلوكها المريب المشين…إلا أن الغريب هو رفضها الزواج من الشيخ عبد الحميد الجنزير،وهو الذي استلذت بتدليكه لجسدها في الغرفة الدخانية حين ضبطهما عزمي،بل نقمت على عزمي لأنه منعها من معاودة اللقاء بالجنزير لأنه حرمها شيئا من المتعة بتدليك جسدها،فلماذا أصرت على رفضه؟ألأنه أصر عليها أن تحتشم وترتدي النقاب عبر النسوة والفتيات اللواتي كثيرا ما أرسلهن للتوسط له عندها؟ثم إنها تعلم أن زواجها منه سيجعلها قريبة من عشيقها المفضل عزمي،هذه نقطة بقيت غير واضحة!

على كل عادت سندس الشبقة المطلقة مرتان والأرملة مرة، إلى حضن أمها باكية آملة برحمة ربها الواسعة،ولم تصب بالجنون مثل ضرّتها الحديثة –ليوم واحد- عتاب،التي كان مصيرها مصحة الفحيص للأمراض العقلية!

انتقام سندس كان نتيجة لعوامل عدة منها استهجانها لفكرة جرأة صبري عليها بالزواج من امرأة غيرها،إضافة إلى الغيرة حيث حسبت أنها فقدت الأنوثة والجاذبية الكافيتان لإرواء عيون صبري،طبعا هي ظنت أن عتاب أجمل منها،وقد علمت بالأمر في اليوم الثالث لوفاة صبري من سائق عزمي!

ولم تشر سندس صراحة إلى إذلال عزمي رقم ثلاثة لها،لكن يظهر من السياق أن إذلاله لها حين ظنت تآمره مع الجنزير بطلبه ذهابها إلى مزرعته حيث كان مأذون الزواج ينتظر فرفضت بشدة عقد قرانها بالجنزير وقدّرت تآمره واتفاقه المسبق مع عزمي رغم نفي الأخير وهو ما لم تصدقه لأنها فقدت صوابها ولم تعد تثق بأحد بما ذلك معشوقها عزمي،وأيضا قررت مواصلة انتقامها ففجرت قنبلة بوجه عزمي وواجهته بتقرير طبي قديم يوضح عقم طليقها رباح الوجيه،وهنا قام عزمي بصفعها ولعل هذا ما اعتبرته الإذلال الثالث تحديدا.

محاولة اغتيال عزمي و السعي لاعتقاله

بكر الطايل أساء على ما يبدو فهم الشيخ الجنزير فأطلق الرصاص على عزمي،فوبخه بشدة على اعتبار أن عزمي يظل «واحد منا» وعلى اعتبار حرمة قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق،كان بكر الطايل يرى في عزمي سارقا أو مستوليا على أموال المسلمين وهو-عزمي-قد عاث في الأرض فسادا فوجب قتله.لقد ظن الطايل أن غضب الجنزير نابع من فشله في قتل عزمي وليس -كما أظهر- من فكرة قتله،وساق بكر الطايل أنموذجا لأسلوب الجنزير في التعامل والإقصاء لا يقوم بالضرورة على الأمر المباشر والإفصاح كحال طرد شيخ من مسجد لتعيين شيخ من تلاميذ الجنزير(عاصم كساب) مكانه،حيث لم يأمر الجنزير بكرا بذلك مباشرة إلا أنه أثنى على ما قام به من تهديد للشيخ المطرود!يبدو بأن جمال ناجي أراد فعلا أن يضفي الغموض على مسألة ضلوع الجنزير في محاولة اغتيال عزمي من قبل بكر الطايل،لأن الجنزير قال بأنه احتفظ ببكر رغم درايته بخبايا نفسه وأنه ليس سوى طامع سفيه وقرر أنه قد يحتاجه،وهذا إيحاء أن الحاجة تتعلق بعزمي،دون إفصاح عنها، لتضارب مصلحة الجنزير مع مصالح عزمي؟ولكن بإمكان الجنزير التخلص من عزمي بإيماءة أو إشارة كما قال جبران دون اللجوء إلى  شخص أصبح مشبوها من الناحية الأمنية أي بكر الطايل،ولماذا يتخلص الجنزير من عزمي؟لاشتراكه معه في لعبة مراكز تحفيظ القرآن والتبرعات،وخوفا  من أن يفضحه عزمي؟لكن الجنزير مرر الأمر ومرت سنوات دون أي مشكلة،فلم يقتله؟بسبب سندس؛أيضا تعاون عزمي مع الجنزير كثيرا بهذا الخصوص بتزويج صبري من عتاب وبتوجيه سندس للقاء الجنزير فور انتهاء عدة الأرملة،رغم فتور عزمي الواضح،ورغم أن الجنزير قال صراحة بأنه يغفر لعزمي كل شيء إلا موضوع سندس لأن مفتاحها بيد عزمي،ولكن لا يظهر بأن الجنزير انتقم من عزمي بتحريض بكر على قتله بل بكشف أعماله ومخالفاته للجهات الأمنية،ربما تضارب مصالحهما التجارية وتنافسهما على النفوذ،وهذا مستبعد لأن عزمي بات مشبوها أو أقله ليس مؤثرا كالجنزير،إن الأمر بقي ملتبسا حتى النهاية،هل أراد الجنزير قتل عزمي باستخدام بكر الطايل كما ذهب العديد ممن تناولوا الرواية من الكتاب والناقدين؟أرى أن الجزم بتأكيد هذا الأمر لا يتوافق مع النص وسياقاته العميقة.أما عن اعتقال عزمي فله مقدمات كعمله في التهريب بالتعاون مع أشخاص معروفين ويسمي التهريب «إخراجا» كما قال الجنزير لجبران،وقد ظن جبران بالجنزير الظنونا،بأنه شريك لابن أخته في أفعاله،لقد أصبح عزمي على درجة كبيرة من النفوذ والثراء،وكاد –حسب الجنزير-بأن يترشح لإحدى الوزارات ،لولا قصة التهريب إلى العراق.ولكن هل كان الجنزير شريكا في هذه الأعمال؟لا يبدو ذلك،فالجنزير حرص على عدم مخالفة القوانين والأعراف كي يبقى نافذا عن/من/في  اليمين واليسار وعند الحكومة،وله مصالح وشركات،إلا أن معرفته بما يقوم به عزمي من خلال عيونه وعلاقاته واردة.و كان للجنزير علاقة باعتقال عزمي لتأديبه،لأنه هدده بسبب سندس …وقال له «حياتك تهمني».

العقيد رشيد حميدات

أطل مرة واحدة ما بين صفحة 223إلى صفحة 230وتحدث عن محاولة اعتقال عزمي بالتفصيل،وكيف أن أجهزة الأمن استنفرت بشكل كبير ونصبت الكمائن وأعاقت حركة المرور في عمان وعلى مداخلها بحثا عن عزمي،ولكنه نوّه إلى أن استصدار أمر الاعتقال لم يكن بالأمر السهل ومر بتعقيدات يظهر بأنها ليست بيروقراطية فقط،وغم كل الاستنفار والكمائن تمكن الصيد الثمين من الفرار فشعر العقيد رشيد حميدات المكلف بالقبض عليه بأن ثمة عمليات إسناد خفية لعزمي يضاف لها ذكاء المطلوب ومراوغته؛فمثلا تمكن من الفرار من أمام دوريات تحاصر مسجدا في حي الأشرفية الشعبي عبر التنكر بزي شيخ جليل.

ويوحي العقيد في كلامه بأن لعزمي قدرات خارقة تفوق طبيعة ومحدودية القدرات البشرية،منها مثلا نجاحه في الفرار من بيته في حي الرابية،رغم اقتحام البيت أثناء وجوده في المطبخ،علما بأن الفرق الأمنية التي اقتحمت المنزل فرق مدربة ومحترفة،ولم تفلح عمليات التفتيش الدقيقة والشاملة في أرجاء المنزل في الكشف عن مكان عزمي ،مما أثار غضب وذهول رجال الأمن ومسئوليهم…هنا يوحي جمال ناجي بوجود عرق غير آدمي في جينات وتركيبة عزمي الشخصية والبدنية والنفسية،حيث أن قدراته على الاختفاء والاختباء والهرب لا تقتصر على ذكائه المتوقّد،بل هناك ما هو غرائبي أيضا!

وقد عزز العقيد رشيد هذه الفكرة بقصة الضباب الذي ظهر فجأة ومكّن سيارة عزمي من الاختفاء في شهر أيلول الذي لا يكون فيه ضباب عادة في الأردن.

على كل فشل الأمن في القبض على عزمي،وبكل تأكيد لا يعود الفشل إلى خلل في مهنية وقدرات الأمن الأردني المعروفة والمشهود لها،بل إن الفشل يُعزى إلى «قرار» أو قدرات خارقة أو كلاهما معا…والنتيجة أن عزمي بقي حرّا طليقا؛وحتى العقيد رشيد حميدات تم تجميده ونقله إلى مهمة هامشية وإحالته إلى التقاعد في نهاية المطاف!

زواج عزمي

تبين أن عزمي متزوج من فاتن الريشة تلك الفتاة التي حدث عنها شيخه الجنزير ونصحه بالزواج منها،وحدث عنها خاله جبران كذلك،ولكن زواجه بقي طيّ الكتمان،وهو ما فسر بعض تحركاته وغيابه المريب،وتبين أن عزمي قد أنجب من فاتن ولدا وبنتا.

خطأ:في صفحة 69 اسم الفتاة فاتن عبد الكريم الريشة،وفي صفحة 239فاتن عبد الحكيم الريشة،ولعل هذا سقط سهوا ويحبذ مراعاة تصحيح الاسم وهذا ممكن طبعا في طبعات قادمة.

لكن الغريب أن العقيد رشيد لم يتكلم عن ملاحقة فاتن والتحقيق معها وتفتيش بيتها فهل يغيب عن بنك المعلومات الأردني الأمني ،وشفافية عصرنا الرقمي،أمر زواج عزمي؟!

فكر ومعتقد عزمي

بكر الطايل نقم على عزمي لأسباب عدة منها أنه كان في الدروس يطرح فكرة إعمال العقل التي رآها بكر من ضروب الهرطقة والخروج من الملة ،إضافة إلى مناقشته لفكرة «الجوع كافر» بأنها مجرد مقولة وإلا لكان الشبع مؤمنا،وغير ذلك،فهل كان عزمي امتدادا للمعتزلة في هذا العصر؟أم أن بكر الطايل بانغلاقه وجهله وتنطّعه شكك في عقيدة غريمه ومحسوده عزمي؟

أما العقيد رشيد فقد عثر بين كتب عزمي في غرفته المغلقة الكائنة في منزله السابق في جبل الجوفة على كتب ممنوعة لمؤلفين ملحدين،فهل كانت هذه الكتب بحوزة عزمي كنوع من الثقافة والمعرفة والاطلاع أم أن الرجل يظهر الإيمان والإسلام ويبطن ضدهما؟وكيف ومن أين حصل على تلك الكتب؟لقد كان وقتها تلميذا عند الجنزير،وكان ما زال شابا يافعا،ويبعد حصوله عليها من الجنزير،نقطة لم أقرأ عنها لمن كتب عن الرواية!

ما هي عقيدة عزمي؟وما هو فكره؟لم يتحدث هو عن نفسه كي نحكم،وليس كل من تحدث عنه صادق مئة بالمئة بالضرورة!

عزمي:ابن من هو؟!

قبل الخوض في هذا الأمر يلاحظ أن كلا من عزمي وسندس قد أهمل أهله؛فالأول لم يزر والده رباح الوجيه وتركه يعيش في فقر ومرض وهرم لا يقوى على مواجهته، رغم أنه امتلك الملايين،فهو مثلا لم يكتف بعدم زيارته،بل لم يرسل له قليلا من المال يعينه على حياته اليومية القاسية،اللهم إلا بعد ان فجرت سندس القنبلة في وجهه انتقاما وغضبا.

أما سندس فقد أهملت والدتها الفقيرة التي تخلى عنها أولادها الذكور ولم يعودوا يرسلون لها مالا تعتاش منه ،بل ابتعدوا وسكنوا في إجازتهم شققا مفروشة حين علموا بمتابعة الشرطة لشقيقتهم.

ووصل الحال بوالدة سندس الطلب-كما أوضح العقيد- من قوات الشرطة الذين داهموا منزلها ثمن جالون كاز ودواء للحكاك الملازم لها ووصفت سندس بأنها «دشرت»!

عزمي ترك رباح ولم يساعده،وكذلك فعلت سندس بفاطمة،والغريب أن الأول كان يحرص على مساعدة الناس ويحب رؤية الفرج على وجوههم،وتزوج من فتاة فقيرة،فكيف تنكر لأهل حيه وجبله(الجوفة) ولوالده-المفترض-رباح؟

لكن سندس عادت إلى حضن أمها أخيرا بعد أن تصالحت مع ذاتها،وأعادت ترتيب أفكارها وتصويب نظرتها للحياة،أما عزمي فقد عاد إلى والده لسبب آخر،وهو التأكد من كونه من صلب رباح الوجيه أم لا؟!

ومسألة نسب عزمي اختصرها العديد ممن كتبوا مقالات تحليلية عن الرواية بجملة واحدة«عزمي هو ابن عبد الحميد الجنزير بيولوجيا» وساق بعضهم تحليلات وتأويلات من النص منها إعجاب الجنزير بشخصية عزمي وحرصه على تقريبه منه وإقراره أن له حيزا في حجرات عقله،بل بأن لعزمي رقيبا داخل نفس الجنزير،ناهيك عن تحوّل عزمي إلى امتداد أو استكمال لدور الجنزير في المجتمع والحياة،وهو ما أقره الجنزير،ورغم أن جمال ناجي ترك هذا الأمر مبهما ويخضع للتأويلات،ولكن لم تصدر إشارة واضحة على أن الجنزير قد زنا بجليلة أو بغيرها، إلا إذا اعتبرنا تذكره لها في آخر الرواية وترحمه عليها دليلا على علاقة محرمة معها،وبرأيي هذا ليس مقنعا،ولم تظهر ملابسات لحمل جليلة من رجل آخر؛فهل أراد جمال ناجي مزج الواقع بالخيال لاستكمال جماليات وغموض النص الأدبي لترك احتمال انتساب عزمي إلى الجني الذي تلبس جليلة؟وهو ما قالته له سندس ساخرة متحدية بعدما اطلع على التقرير الطبي الذي يفيد بعقم مزمن عند رباح ،لم لا؟على قاعدة أجمل الشعر أكذبه قياسا،وكون العمل الفني والروائي بحاجة لشيء من الخيال مهما أوغل بالوقائع والحقيقة ومحاكاة الحياة اليومية،بل الخيال عامل حاسم وضروري في العمل الروائي،ويعزز هذا حديث العقيد رشيد عن ملابسات ملاحقة عزمي.

وتظهر شخصية جليلة التي تحدثت عنها الشخصيات الأخرى (زوجها رباح وجبران شقيقها وسندس والجنزير) كامرأة جميلة ابنة حسب ونسب تترفع عن اقتراف جريمة الحمل من رجل غير زوجها لمداراة المجتمع الذي يلوم المرأة المتزوجة التي لا تنجب دون وضع احتمال عقم الرجل في الحسبان،وهذا ما كتبه البعض،وأراه غير مقنع لأن الرواية لا تتحدث عن عصور غابرة،بل عن بداية السبعينيات وفي مدينة عمان،ورغم فقر أهالي جبل الجوفة فإنهم لابد  ويعرفون أن إمكانية عقم الرجل واردة،ولا ننسى أن شقيقها جبران خريج جامعة دمشق ومثقف،فالجهل ليس سمة مطلقة عند سكان الحي،فما كتبه البعض عن خطة مرسومة بين رابعة وجليلة لتحبل الأخيرة من رجل هو الجنزير هو تفسير واه جدا!

ثم إن السرّ بين المرأتين رابعة وجليلة يشكل ثغرة في البناء الروائي لأنه يبعد عن امرأة معتدة بنفسها أن تسلم سرا خطيرا لرابعة مقابل قلادة ذهبية عثمانية نفيسة كانت تتفاخر بها،لقيمتها المعنوية والتاريخية وليس فقط لقيمتها المادية الكبيرة أيضا،أما أن تكون رابعة قد عرفت بالصدفة ،فهو أمر مستبعد كذلك.

ثم إن لجبران علاقات قوية ومتشابكة حتى بعد تركه للمنصب الوزاري فكيف عجز عن البحث بطرقه الخاصة عن ذلك السرّ بين زوجته وشقيقته؟

ولا يظهر بأن جليلة امرأة لعوب،ويبقى احتمال تغرير الجنزير بها بحجة معالجتها من الجني واستغلال حالتها النفسية واستباحته لجسدها،ولكن لا دليل في النص على ذلك،بل إن رباح كان يأبى اختلاء جليلة بالجنزير لشك واضح في نفسه.هناك من كتب أن نفس جليلة ظلت متكدرة لشعورها العميق بما ينغص حياتها وحتى حين أبلغها شقيقها جبران بالثروة الكبيرة(300 ألف دينار)التي هبطت عليه وعليها فجأة،لم تكترث إطلاقا،بحجة أنها رأت وعاشت العز أيام والدهما عبد الباقي يحيى أبو بصير،ويبرر بعض من كتب عن الرواية أن جليلة لم تعد ترى شيئا جديرا بالسعادة لأن ولدها ابن حرام!ولكن كيف نفسر اهتمامها الزائد بولدها وتفاخرها بشبهه من جده (والدها) ،وتعليمه الإيتيكيت وإطعامه في مطاعم عمان الفاخرة وغير ذلك من أساليب الدلال ،وهو ما أغاظ زوجها رباح الوجيه؟!

إن الحبكة في مسألة وجود سر يتعلق بمعرفة  رابعة بأن عزمي ليس من صلب رباح الوجيه مقابل القلادة العثمانية تبدو ضعيفة وغير مقنعة،وحين كشفت سندس لعزمي عن السر الدفين الذي احتفظت به لثلاث عشرة سنة جن جنونه لدرجة صفعها على وجهها،واتجه إلى بيت والده رباح الذي تركه منذ أن كانت سندس على ذمته،ومعه أطباء،وقد أعطى عزمي لرباح مبلغ أربعة آلاف دينار عدا ونقدا،لماذا الآن؟ليستدرجه لتقبل إجراء فحوصات طبية تتعلق بقدرة رباح على الإنجاب؟كان يمكن لعزمي أن يكتفي بإعطائه مبلغا اقل بكثير،فهل تذكر عزمي والده الذي تربى في بيته وإن لم يكن من صلبه،وشعر بحنين للبيت الذي ولد ونشأ فيه،وهذه الأموال من باب الوفاء ورد الجميل،والشعور بالندم على التقصير فترة طويلة نسبيا،يضاف إلى ذلك حب عزمي مساعدة الفقراء والمحتاجين؟!

ولم تظهر الحقيقة كاملة أو واضحة؛فلم يذهب رباح الوجيه إلى طبيب،فهل كان هناك خطأ في تشخيص الحالة؟يبدو هذا مستبعدا من كلام رابعة الخبيث لزوجها جبران وتحذيرها له من أن معرفته بكيفية حصولها على القلادة العثمانية ستجعله يتمنى أنه لم يعرف ولو دفع أضعاف ثمنها،وكلام رابعة يقطع الشك باليقين بأن جليلة ليست «جليلة»،هذا مع ما سيدور من حديث بين عزمي والجنزير أخيرا،يعزز بل يؤكد أن عزمي ليس من صلب رباح ،ولكن لا تأكيد بأنه من صلب الجنزير كما كتب بعضهم!

وكما قلت يبقى الضعف ظاهرا في هذه الجزئية ،أي ائتمان جليلة على سرّ كبير وخطير يتعلق بحقيقة ولدها عزمي عند رابعة زوجة شقيقها التي تكرهها والأخرى تبادلها الشعور ذاته!إلا إذا كانت رابعة كاذبة…هذا وارد.

أما ظهور فاتن الريشة زوجة عزمي مع طفلها رباح وطفلتها جليلة في بيت رباح الوجيه فيحمل مغزى إنسانيا ساقه جمال ناجي بحبكة اختفاء عزمي بعد أن أطلق بكر الطايل عليه النار وجرحه،واختفى عزمي إلى حيث لا تعرف لا زوجته فاتن ولا غيرها مكانه.

فالأطفال لا ذنب لهم،وفاتن تعرف أن من ذهبت إليه هو حميها رباح الوجيه،والد زوجها وجد طفليها،ويبدو بأنها لا تعرف كثيرا عن عزمي وأسراره وعمله في التهريب فهو في نظرها يساعد الفقراء،وأصلا هو تعرف عليها من خلال عمله هذا.

وكأن جمال ناجي يقول بأن كشف بعض الأسرار يفسد حياة أبرياء وهم هنا فاتن ورباح الصغير وجليلة الصغيرة؛فماذا لو قال رباح الوجيه لفاتن:لقد تبين بأنني رجل عقيم ولم يسبق لي أن أنجبت،وعليه فإن جليلة قد خانتني ،وزوجك عزمي في المحصلة «ابن حرام» وأيضا عزمي ليس كما تظنين،فهو مهرّب جشع وللعدالة الحق في ملاحقته…لربما قاد هذا الكشف إلى انحراف فاتن أو عجزها  عن تربية طفليها تربية صالحة ترسم قدوة لهما؛فتحدثهما عن جدّهما المكافح كاتب الاستدعاءات الذي كان يأكل لقمته من عرق جبينه،وجدتهما جليلة الشريفة العفيفة ابنة الحسب والنسب،ووالدهما عزمي الذي كافح ونجح في حياته فساعد الفقراء وعطف عليهم بل تزوج فتاة منهم هي أمكم فاتن…صحيح أن الحقيقة خلاف ذلك ،ولكن من وسائل حماية الحقيقة لنفسها هو عدم كشفها لمن سيتضرر،أو هكذا أظن تعقيبا على ما استهل به جمال ناجي روايته،لتكون الحقيقة حريّة بالاهتمام من باب آخر غير باب الكشف عنها ومعرفتها بكافة تفصيلاتها المؤلمة!

التعاضد في الأحياء الشعبية

أظهر جمال ناجي جانبا إنسانيا آخر يظهر بجلاء في جميع الأحياء الشعبية في بلاد العرب ومنها الأردن،غير جانب الفقر والحرمان والمعاناة والمؤامرات الأسرية وما يتبع ذلك من بيئة تصنع المجرمين والمنحرفين،ألا وهو جانب التكافل والتعاضد بين عائلات وأفراد هذه الأحياء؛ففاطمة والدة سندس اهتمت برباح وساعدته وقدمت له الطعام بعد أن أصبح فقيرا مريضا محبطا،وهي لم تساعده انتظارا لشيء منه،كما كان حاله حين كان يساعدها وابنتها بهدف الزواج من سندس،بل جاءت مساعدتها له بعد أن طلق سندس،ولم يعد يقوى على العمل والحركة ولا مال معه تطمع به،وكأن جمال ناجي يقول بأن هذه الأحياء لا تزال رغم فساد الأحوال والفقر والحرمان والمآسي تحتفظ بقيمة إنسانية أصيلة هي التكافل بين سكانها وتفقدهم لأحوال بعضهم البعض بعكس سكان الأحياء الجديدة الراقية الذين لا يتفقدون بعضهم لطبيعة حياتهم وطريقة تفكيرهم،ورباطهم مصلحي بالمطلق كما صار حال رابعة مع ضيوفها الذين تدعوهم وتقريهم لتحصل على مقابل يتعلق بتلميع زوجها!

خاتمة بكابوس أم..؟!

افتتحت الرواية بكلام سندس عن إذلال عزمي لها ثلاث مرات،واختتمت بحديث للشيخ عبد الحميد الجنزير أشبه بكابوس،ولعل اعتباره كابوسا أفضل مما جاء في الحبكة والسياق،فقد جلس الجنزير في خيمة في مكة المكرمة معلنا توبته وإنابته،ليدخل عليه عزمي في نهاية إدلائه بما وصل إليه، وما تقدم من ذنوبه وأعماله،فكيف غادر عزمي البلاد وهو مطلوب للعدالة ومجروح؟وقد سأله الجنزير عن هذا في هذيانه المفترض،ولماذا يجلس الجنزير في خيمة وبإمكانه استئجار غرفة في فندق أو حتى شقة،بهدف العزلة والبعد عن الناس،العزلة ممكنة فيما لو استأجر غرفة في فندق أو شقة..هناك من كتب عن حديث الجنزير الأخير باعتباره كابوسا أو حلما أفاق منه،المؤكد أن عبد الحميد الجنزير،كما سندس،كما عزمي،كما جبران،كما رباح الوجيه،توصل إلى أن الحياة لا تستحق كل هذا الجهد والعداوات والمؤامرات والجري وراء النفوذ فيها،إلا أن سندس التي عادت إلى حضن أمها لا ترى بما قامت به من زنا مع عزمي ذنبا يستحق أن تذهب إلى العمرة لتتوب منه،بل قالت بثقة أن ذنبها هو فقط إحراق جثة زوجها صبري،وكأنها ترى بما كان من علاقتها بعزمي أمرا عاديا ولا حرمة فيه شرعا وعرفا،أو لربما  أرادت أن تخفف من شكوك أمها التي رأت في ابنتها العائدة إلى بيتها في جبل الجوفة وعاء ينضح بالمعاصي والذنوب.أما جبران فقد عكف على تدوين مذكراته وانقطع تواصله مع الجنزير وغيره،وزوجته وقفت إلى جانبه في محنته،ولكنها استأنفت نشاطها الاجتماعي ليبقى جبران يتلهّى مع القط سنزي الذي كان ضد مجرد اقتنائه سابقا، وهو لم يعد وزيرا ولا يساريا ولم يتجه إلى التدين وبقي كما وصفه الجنزير«لم يحمل إبريق وضوء» وبقيت مهمة رباح الوجيه هي الأصعب بعد ظهور فاتن الريشة مع طفلين هما لعزمي،الذي أصبح مشكوكا في انتسابه إليه،وهي مرحلة جديدة في حياة رباح،فهو ليس مكلفا بالنفقة عليهم بقدر الحفاظ على صورة معينة جميلة كما قلت سابقا،أما عزمي فلم يعد يثق بأحد ممن حوله بما في ذلك زوجته فاتن،وزملاؤه تخلوا عنه بعدما ألّب عليه الجنزير العدالة والزملاء وكل الناس وهناك محاولة لإظهار عزمي كمن تصالح مع نفسه وعاد إلى رشده،وترك المعاصي والتهريب والسعي إلى النجاح بما هو جائز من وسائل وبما هو غير جائز.

وعودة إلى الشيخ الجنزير الذي اختتم رحلتنا مع رواية جمال ناجي كرجل تحرر من كل درن وتخلى عن جميع شهوات البدن والنفس،فلم يعد طامعا بسندس ولا راغبا في البقاء كمتنفذ،إلا أن التشفي أو الارتياح لما حل بخصومه أو حلفائه السابقين الذين اختلف معهم بدا واضحا في كلامه،ولعل هذه نهاية يتمناها المرء،أي أن يثوب الجنزير إلى رشده،خاصة أنه اتضح أن الجنزير لم يرتكب جرائم كبيرة كالقتل والزنا،إلا إذا أخذنا ما افتتح به جمال ناجي الرواية بأن الصدق والكذب احتمالان قائمان في كلام شخوص الرواية وهذا يتعلق برابعة والجنزير وبقية شخوص الرواية.

الجنزير هرم وشاخ وشعر بدنو الأجل ومن مكة المكرمة،حيث أدى مناسك الحج(سبق أن حج واعتمر كثيرا أيام نشاطه) قرر أن يغتسل من ذنوبه وخطاياه،وهو يشعر بأن توبته قد قبلت،وقد برر إقامته وحيدا في خيمة استأجرها«مبتعدا عن فنادق الاسمنت وشرور الخلق» فهل الفنادق والمباني الإسمنتية بها ارتباط بالشر؟!

لقد خرجت سندس من نفس الجنزير إلى غير رجعة وشبهها بأفعى غادرت قعرا دون أن تفرخ فيه،وهذا القعر هو روحه وبدنه بعد ان استعاد إرادته وإيمانه.

لقد بقي الجنزير يحن إلى عزمي ويقر بأنه ساعد الكثير من الفقراء ووصف حنينه لعزمي بأنه «روحي» ولم يصرح الجنزير بتحريض بكر على قتل عزمي لكنه يبدو عارفا بما قام به بكر من قتل «الغانية المستوردة» ومحاولاته قتل عزمي،وبكر الطايل استقر في السجن رغم إرشاده  الشرطة إلى مكان عزمي،ويبدو الجنزير رافضا لفكرة القتل في هذه الحالة المفترضة من التوبة والمكاشفة مع نفسه فيقول عن بكر«كان من الممكن أن يرتكب إحدى سفاهاته معي،فقد ازداد احتقانا وتجرأت يده على قتل النفس التي حرم الله» تحدث عن تذكره لجليلة وترحم عليها ولم يشر إلى أنه قد زنى بها،مما يلقي بالشك على التفسير الذي تبنى هذا الرأي كما أسلفت.

وأقر بتدميره لجبران معنويا فقد أفقده مقعده الوزاري وشوّه سمعته،لأنه تنكر له،ومازال يصفه بالفاسق الكافر،وعزمي المجروح المطلوب وصل إلى خيمة الجنزير،بعد أن ظن الأخير أن رياح الجنة هبت عليه وقد ختم جمال ناجي رحلتنا مع الذئاب الشائخة بحوار يبدو كابوسيا إلى حد بعيد بين عزمي والجنزير في خيمة الأخير في مكة المكرمة في صفحة 245  آخر صفحات الرواية:-

-ألم يقتلوك؟قلت،فأجاب«أنت من قتلني.»ولكنك حي ترزق أجاب«بدني هو الحي»لم يسبق أن تخلخلت عزيمة وتقلصت روحي من قبل،لكنني هذه المرة وجدتني بين يدي عزمي عاريا،إلا من ثيابي،

قلت:كنت أنتظر موتي،اقتلني وخلصني

فأجاب«أتنشد الشهادة على يدي؟تريدني أن أرسلك إلى الجنة بيدي؟»

قلت:ما الذي تريده اذن؟

قال«أريد أن أعرف من هو أبي»

كان جادا،رأيت هذا في عينيه ،قلت وقد استرجعت عزيمتي،من حقك أن تعرف أباك قال بنفاذ صبر«من هو؟»

قلت:هناك امرأة واحدة تعرف من هو أبوك،وهي التي امتلكت قلادة الليرات العثمانية التي تخص أمك،إنها رابعة زوجة خالك جبران،أتراني كنت حالما؟!أم أن عزمي زارني في خيمتي؟

يضفي جمال ناجي غموضا جديدا فهل هذا الحوار مختلقا من أحلام يقظة،سيما وأن الجنزير قال بأن عزمي يحوس في أماكن شتى من ذاكرته؟ورغم هذا فإن الحوار يشير إلى أن عزمي قد تأكد من أن والده ليس رباح الوجيه ويعرف الجنزير –كما تبين-بقصة القلادة التي بحوزة رابعة.

وبين الحقيقة والكابوس واختلاطهما معا تنتهي الرحلة مع شخوص الرواية،مع ترجيح معظم من تناولها إلى أن عبد الحميد الجنزير هو والد عزمي بيولوجيا!

إشكالية العنوان

عندما تشيخ الذئاب،وقد عنونت هذه المقالة بـ«وماذا حين تشيخ الذئاب»

أعلم أن العنوان الذي يختاره الروائي يخضع لاعتبارات شتى،وقد يستشير به من هو أعلى ومن هو أدنى ومن هو نظير له  من أهل الأدب والفن واللغة والثقافة،وأحيانا يفضل ألا يشرح مفهوم العنوان ليترك لقارئه التفسير،وأحيانا لو شرح لكان أفضل،والعكس صحيح.

بخصوص عنوان جمال ناجي،فقد فسره البعض بتفسير أول أظنه ضعيفا وهو أن عبد الحميد الجنزير هو ذئب بشري لبس لبوس التقوى وأصبح شيخا فأفسد على كثير من الخلق دينهم ودنياهم، وأزعم أن جمال ناجي لم يرد هذا المعنى،والتفسير الثاني للعنوان هو أن الذئاب البشرية حين تهرم ولا تجد ما تفترسه تستسلم وتقر بجرائمها وتزعم أنها قد برئت من ذنوبها،فالجنزير بعد كل ما اقترف من ذنوب كبرت سنه وشعر بالموت يدنو منه فذهب للحج تائبا، وسندس بعد أن تراجعت فتنة جسدها أو ضعفت رغبتها بالرجال خاصة عزمي عادت إلى بيت أبيها وحضن أمها فاطمة..ورغم أن جبران لم يظهر كمجرم أو كذئب بشري في الرواية إلا أنه كرجل تخلى عن مبدئه ودخل عالم الكولسات ونال الوزارة ،انتهى به المطاف إلى مداعبة القط وكتابة المذكرات.

أما عزمي فبقيت نهايته غامضة ولكن يمكن استنتاجها من حال الجنزير الذي هو معلمه وشريكه…ربما قصد جمال ناجي ذلك،مع الأخذ بعين الاعتبار أن الذئب على كل ما فيه من صفة الوحشية والافتراس؛إلا أن به قوة وجسارة وجرأة تجعل بعض الناس يطلقون عليه اسم «ذيب»على أبناءهم الذكور،وهذا معروف في بلادنا وكذلك اسم سرحان ومعناه الذئب.

الذئاب حين تشيخ تستسلم للموت لأنها لا تجد ما تفترسه،ولكن هناك من قد يصطاد الذئاب،وقد تقتل الذئاب بعضها في أهبة الصراع على الفريسة أو الجيفة،وحتى حين يشيخ الذئب فإنه يبقى ذئبا.

للعنوان إشكاليته ورمزيته وله من يعجب به وله من ينتقده،وأحيانا يكون العنوان حاضرا في كل فصول ومراحل الرواية؛فمثلا «الزهير» لباولو كويلو العنوان كان يجد تفسيرا في بداية الرواية وفي مراحلها المختلفة بوضوح.وقد فسر عبد الرحمن منيف عنوان خماسيته«مدن الملح» بأن الملح صلب لكنه يذوب سريعا في الماء،وأحسبه أحسن تفسيرا واختيارا،وقرأت مقالة تتناول «عزازيل،ليوسف زيدان» تنتقد اختيار هذا العنوان-الاسم للرواية لأن عزازيل ظهر في مرحلة متأخرة من الرواية،وأحسب أن يوسف زيدان  اختار هذا الاسم لوقعه في النفس ولغرابته وما فيه من جرس خارق، وللحض على استكشافه واقتفاء معناه وهو أحد أسماء الشيطان،وإلا لكان الأولى أن يعنون الرواية بـ«هيبا» مثلا،لكن جرس عزازيل أقوى وأبين!

وكان لجمال ناجي أن يعنون روايته ب«جنزير عزمي»أو«من الجوفة إلى..»أو «المتمرد»أو «الطامح» أو أو… ولكن لعنوان جمال ناجي أيضا وقعه في النفس ورمزيته المتعمدة،رغم أن الروائي يحبذ أن يكون عنوانه من كلمة واحدة أو اثنتين وليس ثلاثة،في العادة.

خاتمة

هذه تجربتي الأولى مع نشر قراءتي وانطباعي عن رواية،ووقع اختياري على هذه الرواية لاعتبارات وضحتها في المقدمة وفي كل الأحوال فإن رواية عندما تشيخ الذئاب تستحق القراءة،وتعتبر مدخلا لمناقشة ظواهر عدة ليس في المجتمع الأردني فحسب بل في سائر المجتمعات العربية.

وحتى الملتقى مع رواية أخرى اقبلوا مني المعذرة والاحترام.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق