ثقافة السرد

رواية (حرير الوجد) لمحمد حيزي

لفصل الخامس

صباح الخير يا ليلى:

رقّ الصّباح كأمّ ولذّت قبلة على الجبين …
رفّت كعصفورة نحوي وخيوط الشّمس الأولى تقبل من النّافذة مضمّخة بطيب البحر النّديّ . كانت اللّيلة بهيّة جدّا وكانت ليلى قد تفحت . ها أنا أوّل رجل ينام معها . بدا لي ذلك غريبا . أبعد كلّ هذا الغياب تستمرّ كما هي ؟ كيف لها أن تورق منفردة دون أن يبلغها أحد قبلي ؟ بقدر ما دهشت كنت كمن ولج الدّنيا لتوّه . اقتربت من النّافذة وفتحتها . جذبت نفسا عميقةحتّى امتلأت رئتاي ثمّ أطلقت ركاما من الأغبرة والدّخان حتّى صفوت …

دلفنا إلى ساحة ثمّ ولجنا مقهى . بدت لي مرّة أخرى كما لو أنّني جلست فيها من قبل . كدت أسأل ليلى عنها لكنّ النّادل سرعان ما باغتنا لحظتها .كنت قد عدت من الشّاطئ وأيقظتها من نومها . بقيت لنصف ساعة أو يزيد تحت طشاش خفيف . كان الماء باردا لكنّني شعرت بدفء وحنوّ لم أعهدهما من قبل . كما لو أنّ عشرات الأيدي النّاعمة تتسلّل تباعا إلى جسمي وتزيل طبقة سميكة من الأغبرة الّتي تمكّنت منّي قبل وصولي إلى هنا . ماذا حصل لي ؟ هل هي ليلى تقشّرني من تلك المدينة الّتي احتضنت لعنتها عن طيب خاطر ولم تكترث لرائحتها المنتنة بعد ؟ هل هو جسد ليلى الفاتن وهي تهبني ما لا يوهب إلاّ مرّة واحدة ؟
وأنا أتوقّع أكثر من لحظة وارفة باغتني حينها عامر الوافي بكلّ تفاصيله السّرّية . كانت ليلى قد أرجأت حكيها للّيلة المقبلة . عمّتها ظلّت تلك الكوّة المقيتة الّتي جازفت وخطت فيها دون أن ترهبها لكنّها نيّبتها عميقا حتّى تصفع أباها في حدّة وتوقع بأمّها في هاوية . تمنّت لو لم تزرها . لو لم تغضبها . لو لم تشحنها حتّى تنفجر في وجهها بذلك الشّكل القذيع .
( 17 )
( … كلت لها الشّتائم تباعا . حدّثتها عن ماضي سي علاّلة المزيّف وقلت لها إنّه دون قوّاد ومرّغت تاريخه الفارغ عند قدميها . كنت كالمجنونة يومها وأنا أصف بيتها بماخور وطنيّ . هنا كان الجنود الفرنسيّون يستقبلون سي علاّلة ومعه الأخبار عن المقاومين وأين يكمنون . ظلّ طيلة سنوات رخيصة يجلب لهم النّساء ويكتفي بقارورتي خمر في الحديقة . ينتظر قضاء حاجاتهم ثمّ يعود بهنّ إلى بيوتهنّ في ساعة متأخّرة من اللّيل . ظلّت مسمّرة دهشة من كلّ ذلك . كيف اخترقت بهرجها وتجمّلها ؟
كانت أمّي الّتي حصلت على الشّهادة الابتدائيّة من سنوات خلت تهرب إلى غرفة منزويّة في الفيلا وتكتب كلّ ما يجيش في صدرها كما كان أبي بدوره يجلس إلى مكتبه ويلوذ بدفتر بنّيّ الشّكل تقادم من فرط استعماله . لم أفهم انزواءهما وغرقهما في الكتابة بذلك الشّكل السّرّيّ ؟ لماذا خيّرا الصّمت واكتفيا بالحبر ولاذا به ؟ بينهما كانت الأحزان تعوي وما يشبه العويل ظلّ يعرّش في الخطوات الفاصلة بين غرفتها ومكتبه لعدّة سنين وكان عليّ كشف كلّ ما يحصل . تورّطت في التّسلّل إلى أسرارهما شيئا فشيئا وانهمكت في يومياتهما إلى أن اكتشفت ماضي سي علاّلة المجيد وأسرار عمّتي البغيضة . بقيت أترصّد كلّ ما يضيفانه لكنّني لم أعثر على ضالّتي . ظلاّ يخفيان ما يعنيني طيلة سنوات كما لو أنّهما يتوقّعان وصولي إلى دفتريهما ولم أدرك سببا واحدا يدفعهما إلى تدوين كلّ تلك الحقائق المرّة . هل كانا يريدان من وراء ذلك الخلاص من كوابيس عاتيّة ذبحتهما أم كانا يواجهان وقائع بعيدة في خرس بال دون أن يلجا ولو حربا قصيرة المدى ؟ هل كان ذلك مجرّد نزوة أم يسعيان إلى فضح خفايا عديدة نالت منهما ولم يجدا مسالك أخرى إلاّ توريتها إلى حين . لعلّهما كتبا كلّ ذلك حتّى أعثر على أسرارهما يوما ما وأكتشف حقائق غائبة عنّي . وجهات عديدة تشكّلت أمامي وأنا أسطو على وقائع حصلت وأخرى لم تحبّر بعد . كنت أنتظرهما لمدّة كافية ثمّ أتسلّل حتّى أعثر على تفاصيل جديدة . ما أدهشني أنّ أمّي توحي بأنّها من عائلة ضاربة في العراقة . هل يمكن أن تكون كذلك فعلا ؟ كيف لحفيدة مثلها أن تنتهي كما اتّفق في ماخور ؟ هل يعقل أن يحصل ذلك ؟ إنّها تكاد تجزم بأصل تليد . لها جذور عميقة كما تدّعي ؟ هي السّنوات الحاقدة والنّهايات المفجعة الّتي تباغت الدّماء الطّاهرة وتريق ماء الوجوه المنيع دون وزن أو اعتبار . إنّها تفرط في نسبها إلى أن بلغ منّي الإرباك مبلغا عجيبا . تقول إنّ جدّها كان …؟ لن تصدّق هذا الهراء . من عاش تلك الحظوة لا يمكن أن ينتهي به الأمر إلى منقعة . إنّها تتجمّل في غربتها وحزنها دون أن يهتمّ لها أحد . تحتفي بكذبتها كما فعلت عمّتي بيّة طيلة سنواتها الفارطة وهي تتورّط في ماضي سي علاّلة المجيد . المرأة مخلوق غريب حين تباغته العزلة . من فراغ ذابح تؤثّث فقدها يوما بعد آخر حتّى لا تترمّل في وجعها وتنتهي . لهفتها تترصّدها مع كلّ ليلة تنام فيها بمفردها . لن تترك للفراش مزيدا من العواء . إنّها تختزن قدرة عجيبة على المواجهة . تصدّق بسرعة ما تتوهّمه دون حاجة لإثبات . اللّعبة تروقها إلى أن تصير أحلامها وقائع حصلت بالفعل . بين عمّتي بيّة وأمّي وشائج مثل هذه . الأولى مفتتنة بماضي زوجها المليء بالبطولة والثّانية تبوح لنفسها بأصلها الضّارب في التّاريخ الّذي يعود إلى باي تونس قبل انتصاب الحماية بسنوات بعيدة . هي حفيدته أبا عن جدّ . هذا ما تدّعيه . شجرة العائلة الّتي احتفظت بها أمّها وحبّّرتها أضافت إليها اسمها ولقبها دون خجل من مصيرها الأخير قبل أن تلتقي بأبي عامر الوافي الّذي صار بدوره محلّ شكّ . التّضارب يتبدّى جليّا بين نسبي وملامحي الّتي أحملها . أنا بيضاء . أشبه حفيدة رومانيّة تاهت عن سبيل عودتها وظلّت هنا بلا وجهة . لا أشبههما إطلاقا . المرآة تقول هذا كلّما وقفت أمامها وتمعّنت وجهي وشعري وعينيّ الزّرقاوين . كلّما تفحّصت وجه أمّي عميقا ونلت منه . كلّما سحت في ملامح أبي الّذي يشبه الفاتحين الّذين قدموا من الجزيرة العربيّة ونشروا الإسلام في شمال إفريقيا . لعلّه أندلسيّ مطرود من أرض عشقها إلى أن غدرت به فعاد بأوجاعه وتراكم في تلك المدينة المحدوفة للجبال . ربما بربريّ ضيّع وجه جدّه يوغرطة وهو يصقل السّيوف والرّماح ويتأهّب لحربه مع روما الّتي استباحت أراضيه إلى أن قتل على المائدة أعالي مرتفعات الكاف بعد أن كبّد عدوّه خسائر لا حصر لها وهو يناور ويتربّص . ما أدهشني بعد مضيّ كلّ تلك السّنوات في الزّقاق ورحيلنا المريب إلى العاصمة وإصرار أبي على الإستقرار نهائيّا في مدينة الحمّامات ولقائي المربك بالشّيخ الوقور الّذي ظلّ ينتظر ظهوري المفاجئ في صبر غريب حتّى يكمل تفاصيل الحكاية الّتي لم تنته بعد هو شجرة العائلة الّتي تتمسّك بها أمّي وعجيبة اسم ليلى المتوارث . ذلك أنّ هذا الاسم محتفى به في هذه الشّجرة المبهمة ولا تخلو عائلتنا منه . كلّ أخواتها المتزوّجات لهنّ بنات يحملن هذا الاسم وإن تفرّقن في الشّمال والوسط والجنوب والصّحاري والواحات وضعن في قبائل عديدة هنا وفي تركيّة والشّام وقبرص والجزائر والمغرب ومصر والبندقيّة وبعض الجزر المنتشرة في حوض البحر المتوسّط . هذا ما يشحن ورقها من غصص تحوّلت إلى لطخات حبر كما لو أنّها تبكي لوعات عديدة للفراق ونهايات مدمّرة للعائلة المالكة أيّام العزّ والجاه . الشّيخ وهو يختلج كضائع بلغ مقصده بعد انتظار طويل ما ينفكّ يردّد حقيقته في انبهار وتوهّج : ” – كان لا بدّ للحكاية السّرّية أن تكتمل مع قدومك إلى هذه المدينة . ما يروى على ألسنة الآخرين كذبة لا صدق فيها لأنّ العاشق الّذي امتلأ بليلى لم يقتل . الحرس من أوهم الباي بإراقة دمه على أيديهم بعد أن بكت ليلى دما وكادت تغرق القصر بمن فيه في بحيرة منه . خوفهم على حياتهم كان وراء إدّعائهم هذا أمام الباي الغاضب من تطاول تاجر الحرير وهو يتمكّن أخيرا من قهر الماء وجلبه إلى الحاضرة . لقد مسّ من كبريائه وهو يشترط عليه الشّرط الّذي رأى فيه مهمّة مستحيلة . ما أثاره أنّ عاشق ابنته استقدم الماء إلى شرفتها في القصر . حاذاها تماما وبلغ بالحنايا حدوده المترامية على علوّ من حديقته الخاصّة . ذلك أغاضه جدّا لأنّه بقدر ما أبهره صغّره أمام حاشيته الّتي رأت في تاجر الحرير فارسا وحيدا للأميرة الجميلة وما على الباي إلاّ الاستسلام وإقامة العرس في قصره كما وعد وأقسم أمام الجميع وابتسم بعد ذلك في سخريّة بالغة . بعد سنوات قصيرة زحفت الحنايا يوما بعد آخر نحو الحاضرة . كان سيدي محرز الّذي واجه البحر في غضب ومنعه من ابتلاع تونس في جوفه ومحوها من الوجود هو جدّ العاشق . من جملة أحفاده الكثيرين المنتشرين في شمال تونس وشرقها وغربها وعادة ما يهبّ إليهم إن هم وقعوا في ورطة ويأخذ بأيديهم إلى برّ الأمان . العاشق لم يكن قادرا على تحقيق شرط الباي الغريب . كان مندفعا لأنّ حبّه لليلى أبلغ من قلبه الّذي غرفه من صدره وحطّه على راحتيه حتّى تراه وهو ينتفض من شدّة وجده إليها . تلك اليدان المحدوفتان إليها كانتا سيدي محرز حتّى لا يتأذّى حفيده . كانتا كالحرير المراق وهما تنفلتان إليها . الباي ظلّ يشكّل ابتسامته السّاخرة ويستخفّ بمجانين مملكته الّذين يحاولون التّقرّب منه ومصاهرته . الدّم العثمانيّ كان يستفزّه حتّى لا تغضب منه أصوله الأولى وتحتقر منابته . كيف له أن يزوّج ابنته ذات الأصل الضّارب من تاجر حرير أحمق ويسيء للآستانة . قد يستأصلونه من كرسيّه ويلقون به في الصّحراء إلى أن يموت عطشا ويتعفّن هناك ويكون عبرة للآخرين فلا يقترفون نفس الخطإ البغيض . لم يجد من فكاك إلاّ فكرة الحنايا كمهمّة لا تخطر على بال مجنون . دهش لأمر العاشق وهو يقبل بعرض مستراب كهذا أمام الحاشيةأوّل الأمر ثمّ غرق بعد ذلك في ضحكة عالية ردّدتها جدران القصر المترامية . هكذا تشكّلت ملامح الحكاية الّتي يعلمها القاصي والدّاني لكن خفاياها الأخرى محصورة بين حيطان هذه المدينة . لا أحد تمكّن منها سواك لأنّك جزء منها . تكملتها وروحها وطعمها ورائحتها . أنت عمقها ولعلّك ختامها واستمرارها ومسالكها إلى القادمين . من رحمك الطّاهر ستزهر بنت أخرى تحمل اسمك . قد تكون حفيدتك . روحك لن تغادر الحمّامات بعد عمر طويل في أحضانها . ستحلّق هنا في غدوّ ورواح إلى أن تستقرّ في جسد هو منك . قد تنتظر طويلا كما انتظرت روح ليلى بنت الباي جسدك الجميل هذا لتتغلغل فيه وتستكين إلى حين . قد تعجبين من تفاصيل الحكاية وهي تمضي فيك كحلم .. كماء .. كهذه الرّائحة الّتي يفرزها الياسمين .. بينك وبين ليلى وهذا الدّفق المتسلّل من المدينة أسر يعتمل كالومض في قلوب الأهالي العامرين عميقا برحلة العاشق الّذي حلّ بعد طواف هنا واستقرّ مع حبيبته على المشارف القريبة أين كان ينتشر الكالبتوس والبرتقال واللّيمون وخلايا النّحل . هناك أقام قصرا يليق ببنت باي . هو لم يقتل . الأغراب هم من يروون هذا بعد أن انطلت عليهم الحيلة . الحكاية أبلغ من لغوهم . نحن فقط من يمتلك الحقيقة . أجدادنا احتفظوا بها ولم يشيعوها بين النّاس خوفا على الحمّامات من المحو . إنّها سرّها وألقها إلى يومنا هذا ولا يمكن أن تتسلّل خارجها . من يلجها من الأغراب يصيرون منها لأنّها تتوغّل فيهم كالحلم وتقتلعهم من مدنهم الأولى وترمي لهم جذورا فيها . سفرهم عنها قصير وحرقتهم للعودة إليها بسرعة ضاربة في قلوبهم . لا يهنأ لهم بال إلاّ لحظة ارتمائهم بين أحضانها من جديد . هذه هي الحمّامات . من ارتوى بمائها يظلّ على ظمإ دائم إن غادرها . لن يحسّ بالعطش إن عاد . هنا يكمن سرّ بناء البرج أيضا . تلك فسحة أخرى للغناء والإحتفال بسرّ الحكاية . هبة الماء رحلة غريبة هنا . من شاطئنا القريب إلى زغوان فالحاضرة نسيج متصّل ومتاهة عشق آسرة . الحنايا فقط تقوى على سردها ولليال طويلة قد لا تنتهي أو تنخرم ” . كان يتدفّق إلى ساعة متأخّرة من اللّيل . من أحجية إلى أخرى ساب في هسيس غريب . كنت كمن غابت في حكايات شهرزاد البعيدة والشّيخ يغرق في حكيه الفاتن ويوهمني أنّني ليلى وأنّ عاشقي لن يفرط في الغياب طويلا . بل هو على مرمى حجر منّي . لعلّه قلق مربك يستعيد ملامح طفلة رحلت فجأة من سنوات مضت وها هي تعود وتتلهّف قدومه بين يوم وآخر … ) .

اللّيل مازال بعد نائيّا كعصب يتمدّد كلّما بلغنا بعضا منه …
ليلى ظلّت غارقة في صمت متقطّع كما لو أنّها ترجئ ما تبقّى للّيلة المقبلة . بدت مسحوبة من يدها إلى مسارب مجهولة وتحتاج لمعالم مشتّتة حتّى ألئمها فتتبدّى لها مسالكها دون أن تتورّط في مهالك عدّة . هل كانت كؤوس الويسكي مطبّا وقعنا فيه دون أن ندري ؟ شعرت أنّني أحبّها بشكل مختلف عن ذي قبل . كما لو أنّنا نقتسم هتك هذه الدّنيا معا . كلانا يحمل أثقالا مدمّرة هدّنا بها آخرون ثمّ رحلوا بعد أن جنوا علينا . أثناء شهوة ونزوة جئنا هكذا . كأيّ نبت شوكيّ مسخ بعثونا إلى هذه الدّنيا . لماذا حصل ذلك ؟ هذا لا أكثر من سؤال أحمق وإن كان مربكا ويحتاج لإجابة زلقة . كأن ترتسم ابتسامات على شفاههم مثلا ثمّ يتوارون وراء صمت متواطئ . إلى أن يفقد السّؤال عمقه ويتحوّل إلى بلاهة أو مجرّد ثرثرة . كبور مهمل تحتدم فيه آثام مقلّمة . هذا نحن وسط لهاب ذابح وعلينا أن ندبر في هرب كالسّمّ ونبني أسوارا عاليّة لا يبلغها غيرنا . في غفلة ما علينا أن نرمي في الأرض جذورا مهما كانت واهية حتّى لا نسقط أو نراق . من باب خلفيّ إلى مسلك مهجور يمكننا أن نفاجئ هذه الدّنيا ونحفر لنا مصيرا آخر . تبدو هذه المدينة أرضا خصبة لبذرنا . هنا قد ننفلت من تحت تربة طاهرة وننمو في توثّب عميق .
كانت تتابع تيهي كلّ مرّة وتهرب معي إلى أحلامي الصّغيرة تماما كما عهدتها ونحن بعد طفلان . طوّقتها بذراعي وشتمت عبد الرّحمان العامري وعامر الوافي في سرّي ومضينا إلى البحر حتّى بلغنا الشّاطئ . بين عينيها وزرقته نبتت قصيدة وعرّشت مع ذلك الامتداد الآسر إلى أن بلغت حالة صحو حميم على شفتيها . بقينا هناك إلى أن تهالكت الشّمس . كان الشّاطئ يتأهّب لغفوة كي يستردّ أنفاسه بعد يوم موغل في الطّول . أمسكتني من يدي فجأة . كانت يدها حارّة حريريّة مشبعة بطين سخن مربك :
– لقدحان موعد ذهابنا إلى البرج .
كما لو أنّها تبوح لي بسرّ أو تفكّك لي أحجيّة مستعصيّة . دهشت لذلك وأنا أخطو بجانبها . لا أنكر أنّ هناك رغبة تمكّنت منّي وذلك عائد إلى طريقة نطقها وهي تهمس لي مرّة أخرى :
– كلّ من يغادر الحمّامات لمدّة قد تطول أو تقصر عليه أوّلا أن يقصد البرج . المدينة مترامية ولهفة الصّعود إلى هناك حاجة تعتمل في القلب ولا يمكن لعشّاقها إلاّ تهدئة النّبض المستفحل فيهم كي لا يباغتهم ذلك الفراغ الرّوحيّ الموجع . لن تحسّ بهذا الآن . ذلك يحتاج لعشرة طويلة . عندما تزرع خطاك في هذه المدينة جيّدا وتهبك سحرها الخفيّ وتقمح فيها ستدرك أنّ الرّحيل عنها مهلكة تشبه ورما خبيثا سيقتاتك يوما بعد آخر إلى أن يأتي عليك ولن تبرأ منه إلاّ بعد عودتك إليها . ذلك سرّها ومكمن فتنتها . لحظة أوبتك ستسرع حتما إلى البرج حتّى تجوب عمقها وأطرافها .. شاطئها وخليجها .. قبابها وسطوحها وياسمينها ..
بلغنا البرج أخيرا . صعدنا مع مدارجه إلى أعلى . تيمّمنا بنّه كما لو أنّنا نلج صلاة المدينة في هدوء جليل . من سطحه تبدّت الحمّامات في تلك اللّيلة الحالمة كما لو أنّها بكر تهب نفسها لنبيّ خفيّ . أدركت لحظتها سبب وجود البرج وما يمكن أن ترويه لي ليلى عنه ولهفة القادمين إليه :
– كما ترى . المدينة متراميّة ولا يمكن أن نحتضنها بسرعة إلاّ من علوّ بالغ . كلّ من يتعبّدها من عاشقيها عليه أن يحلّق قدر ما يستطيع حتّى يكتشفها كما لو أنّه يزورها للمرّة الأولى . إنّها أشبه بصلاة . تكره التّأخير . تريد أن يتمّ اللّقاء بسرعة حتّى لا يبرد الشّوق ويتهالك وتموت القبلة الملتهبة بعد حينها .. أن تطبق الشّفاه على الشّفاه لحظة تسلّل الأصابع للتّحيّة رضاب لا يمكن أن يجفّ . إن لم يحصل ذلك بسرعة تصير الحمّامات مدينة عاديّة وبرجها لا أكثر من حجارة متراكمة . لذلك فإنّ البرج ظلّ مقصدا عجيبا .. متّسعا لأحضان حارّة تكره الانتظار إلى الصّباح أو اللّيل . هذا هو السّرّ وسأرويك ما تبقّى منه لأنّه أبلغ .
عدنا إلى الشّرفة مرّة أخرى واستعدنا بعد أن ارتوينا تفاصيل البارحة .
( 18 )
( … كان أنيقا مديد القامة شهيّ العينين . نام معي ثمّ غادر في صمت غريب . تغيّب لمدّة أسبوع عن الماخور على غير عادته ثمّ باغتني ليلا . كان مخمورا جدّا . لم يطنب في الحديث إليّ . أمرني أن أترك هذا المكان فورا . غدا سيرتّب كلّ شيء وينتهي مقامي فيه بلا رجعة . كدت أرقص في ذلك الرّواق المفضي إلى غرف عديدة . فرحتي كانت بالغة إلى أقاصيها . سأغادر نهائيّا تلك الغرفة الموبوءة وأتحوّل إلى زوجة وأبني أسرة صغيرة وأنسى عاما مضى بكلّ قذاراته . قبل أسبوع كان عامر يبكي كطفل بعد أن دسّ رأسه في صدري . كان بكاؤه مرّا . وها هو يعود أخيرا ليأخذني . بدوت ضعيفة مهملة وهو يأمرني لكنّ فرحتي كانت كسرب حمام انطلق في فضاء رحب حالم كما لو أنّه ينعتق … ) .

وضعت ليلى أمامي فنجان بنّ وتسلّلت إلى الدّاخل من جديد . بلغني وقع الماء على جسدها من الحمّام . ما يشبه ذرّات الرّمل كانت تتهاوى في الدّاخل وتندفع مع المجاري إلى وجهة مجهولة . بدت لي كما لو أنّها تتضاءل إلى حين ثمّ تتحوّل فجأة إلى مارد تعتع الجدران حولي . هكذا انفلتت من قمقمها مع دخان عاتم ثمّ انتفضت لتترك خلفها ركاما من السّواد والرّماد . مضت إلى الأمام في كبرياء دون أن تلتفت إلى الخلف . فقط ظلّت تحتفظ بدفتر أبيها وكرّاس أمّها . لماذا كلّ هذا الأتون ؟ لا أدري ؟ حريقان هائلان محبوسان على الورق ولهفة ماتت بعد أن عبرت أسرارا عديدة لا حصر لها . يوميّات كافيّة لهتك مريع لكنّها ظلّت واقفة كنخلة . لم تتهالك أو تنحني . رأسها مازال بعد شامخا نحو الأعلى وقدماها راسختان على أرض صلبة . دهشتي كانت تكبر مع كلّ صفحة أقلّبها . كيف لها أن تستمرّ وتقاوم كلّ ما وقع ؟ إنّها أقرب إلى شرسة . لذلك انتظرتني كلّ هذه السّنوات ولم تكب . كما لو أنّني توأمها أو ما تبقّى لها حتّى تروم ملامحنا معا …
( 19 )
( … عامر الوافي كان يعبدني .لم يكتشف امرأة ما قبلي . بعد أيّام قليلة تزوّجنا وتركنا هذه المدينة وقضّينا شهرا حميما لا يصدّق . لأوّل مرّة أحسّ أنّني أنثى معه . تحوّلت إلى حفنة حرير بين أصابعه طيلة غيابنا . لمّا عدنا كانت أخته قد نبشت خلفنا حتّى عثرت علينا . شتائمها ظلّت ترتدّ بين جدران ذلك البيت الصّغير إلى أن غادرناه إلى الفيلا الّتي ابتلعت كلّ ما أملكه من مال . بعد انتقالنا بأيّام تغيّر عامر . صار لا يهتمّ لأمري كما كان . بدا لامباليّا غارقا في صمت كالدّود . يتحرّك دون نطق . يشير دون قصد . يهذي في خرس وراء جدار عال . صرت أرهب منه . صمته كان مطرقة حادّة دائما ما تقع حذو رأسي وإن كانت تلامسه فقط دون أن تدكّه . هكذا تشكّل خوفي منه إلى أن صار شديدا . كان كلّ يوم يمضي يخلّف وراءه أثرا موجعا وكانت أخته تعمّق هوّة بيننا إلى أن اختفت وما عدت أراها . عادت إلى بيتها مخلّفة وراءها ألسنة نيران عاتية ظلّت تهتك شيئا شيئا أجمل ما فينا وتخلّف كومة رماد بعد أخرى خلفها مندفعة إلى قلبينا في لهفة عجيبة حتّى تقتل ما تبقّى … ) .

أقبلت ليلى نحوي كعصفورة باغتتها نوبة مطر صيفيّة . انتفضت حذوي فانتشر طيبها مع ذرّات الماء . حدفت كرّاس أمّها على الطّاولة وأجلستها على ركبتي وغبنا معا . كان ضوء الشّرفة يتثاءب رويدا رويدا إلى أن غفا . وهي معي كانت رسالتها تستفزّني كي أدرك تكملة الحكاية على شفتي الشّيخ المهيب :
( 20 )
( ” – والأميرة تحفن الماء الّذي بلغ شرفتها كان الباي يصرخ في صمت حادّ : ” كيف استطاع ذلك ؟ هذا لا يصدّق . هل الماء طيّع مستباح لأحمق مثله حتّى يذلّه ويبلغ به الحاضرة ويصله بقصري دون إذن منّي ؟ إنّه يعشق ابنتي ويستخفّ بي إلى حدّ لا يحتمل . يجب أن يقتل قبل أن ينتفض هذا الكرسيّ تحتي ويلقي بي إلى مهلكة وينتهي أمري كما اتّفق . الجميلات كثيرات في المملكة وكان عليه أن لا يرفع رأسه إلى أعلى . قد ينفصل عنقه فجأة . بنات الوزراء لا عدّ لهنّ إن كان يهفو إلى مجد أو جاه . كيف لتاجر حرير أن يفعل بي هذا ؟ ” . كان غاضبا جدّا وهو يأمر حرسه في حدّة : ” – اقتلوه . لا أريد أن أراه في قصري بعد اليوم ” . حين بلغ ليلى أمر أبيها باغتتها نوبة بكاء لا عهد للقصر بها . كانت تبكي دما . دموعها تهالكت في ماء الحنايا الّذي فاض وتحوّل إلى أحمر قان وانسكب على أطرافها وساب في أنحاء حديقة القصر . الحرس كان يراقب ما يحصل في دهشة ودم الماء يبلغ أحذيتهم الجلديّة ويتسلّقهم . لم يجدوا من سبيل إلاّ الكذب حتّى ينجوا . اندفعوا في أزقّة المدينة إلى أن بلغوا بيته وأمروه بالهرب والإختفاء في مكان أمين . حدّثوه عن دموع ليلى وما يمكن أن يحصل إن قطعت سيوفهم عنقه . وعدهم بالرّحيل والتّخفّي عن عيون الباي إلى أن يهمد غضبه لكنّه اشترط عليهم أن يبلّغوا أميرته تحيّاته ووجده ولقاءه بها قريبا … ) .

وهامت في تفاصيل البرج مرّة أخرى :
– البرج هبة الحنايا والبحر . هذا ما رواه لي الشّيخ وزوجته وسط رائحة الحنّاء والياسمين الّتي انتشرت تحت سقيفة . وسيدي بن عروس يغضب من تونس ويلوّح برميها في البحر بعد غضبه منها رجاه سيدي محرز أن لا يفعل ذلك وإن روى الكثيرون أنّه هو من منعه عن ارتكاب هذا الخطأ الجسيم . لمّا كادت تونس تتدحرج إلى البحر اندفع سيدي محرز إلى السّباسب العليا وجلس إلى أوليائها الصّالحين وشرح لهم مغبّة ما سيحصل . الكلّ هبّ معه واجتثّ ما أمكن من مرتفعات السّباسب واندفع معه إلى سيدي بوسعيد وشكّلوا ربوة عاليّة هناك حتّى لا يحفر البحر كوّة عميقة ويجتذب إليه تونس ويبتلعها نهائيّا ويمحوها . الرّحلة من الوسط إلى الشّمال كانت عسيرة لكن غصّة سيدي بن عروس كانت عالية لأنّ غضبه بلغ منه مبلغا مكينا وكان يستطيع أن يكبته . وهو يرى الرّبوة تعلو على مرمى بصره أدرك أنّ سيدي محرز يحمل قلبا عاشقا وسيورثه لأبنائه وأحفاده ولا خوف على مصائرهم .
– والبرج ؟
– هو هدية للعاشقين من سيدي بن عروس بعد نوبة غضبه وعودة سكينته إليه . كان عليه أن يباركهما ولم يجد من سبيل إلاّ السّموّ حتّى تشرف ليلى بنت الباي وفارسها على المدينة والبحر والحنايا .
– الحنايا ؟
– لن تتمكّن من رؤيتها . حافظو الحكاية ومالكوها هم من يقوى على ذلك دون غيرهم . ذلك سرّهم الدّفين .
– أليس هذا هذيانا ؟
– ستدرك ذلك قريبا وستدهش ما دمت لم تطّلع بعد على تكملة الحكاية .
وأغمضت عينيها كما لو أنّها تلج متاهة مغريّة . مضت أصابعي في شعرها وغبت بدوري في حلمي المربك الّذي مازال يتعقّبني :
( خ )
( بلغت بعد سفح الرّبوة وقد غمرني الوحل تماما . كان قد قطع مسافة بليغة وبلغ أطراف العمران بعد . انطلقت في عدو خلفه قبل أن يختفي . الشّمس كانت قد اختفت واللّيل في صدام مع ما تبقّى من ضوء متأرجح كي يفرض سطوته ويتمكّن من عتمته . خطواته بدت لي واثقة مديدة وأنا ألاحقه في شراسة حتّى أمسك به وأشدّ رأسه براحتيّ وأديره نحوي في غضب وأنظر في وجهه طويلا إلى أن أبلغ مقصدي منه . بلغنا أخيرا شارعا ضاءت مصابيحه بعد . ما عادت الظّلمة تزعجني ولا يمكنه الإختفاء مهما حصل منه … ) .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق