ثقافة السرد

الخروج من بغداد

الجزء الثاني

محمد غزلان *
( 2 )
ذ
ذهب الزاوي في هذا اليوم قبيل العصر إلى محل فقير في أطراف القرية فقد تأخر صاحب المحل في إرسال أرز وسكر وأشياء أخرى دفعت فلوسها مقدما ولم تصل بعد إلى دار الزاوي تعلل صاحب المحل بأنه لم يجد صبيا لإرسال المطلوب معه، ووضع الأشياء جميعها في كرتونة كبيرة وحملها الزاوي على حماره مجموعة من الشباب أمام المحل أكد عليهم الزاوي ضرورة الحضور لحفل ” سبوع ” ابنه نصر سخر منه احد الشباب واستهزأ بقصر قامته وما به من عرج بسيط في ساقه اليمنى مشيرا انه رغم ذلك نجح في إنجاب صبي لم يتسامح الزاوي مع مثل هذه المزحة اشتد غضبه ودفع الشاب في صدره ليسقط على الأرض مغشيا عليه مشاجرة ظن أنها انتهت وبمجرد عودته لمنزله وصله خبر وفاة الشاب الذي ” تهاوش ” معه وأصبح الزاوي مطلوبا للثأر.
أمره خاله وحموه في نفس الوقت بتأجيل حفل ” السبوع ” إلى وقت آخر بعد تدارس أبعاد المصيبة التي لم تكن في الحسبان وانصرفت النساء والأطفال الذين جاءوا للمشاركة في الحفل وخرج بعض الشباب ليتفقدوا تطورات الوضع في أسرة القتيل إلا أن الكل وقبل مغادرة صحن الدار ألقوا ببعض النقود في الغربال الذي وضع فيه الصبي الوليد وعين الجدة ” أم علي ” ترصد من الذي ألقى بالنقود وقيمة المبلغ وتغطي الوليد بعملات فضية صغيرة فئة العشرة قروش والريال وبعض العملات الورقية أكبرها ورقة من فئة الخمسة جنيهات.
جمعت الجدة ” النقوط ” و” صرتها ” في منديل دسته في يد “صابرة” أم الصبي وكأن شيئا لم يحدث خارج المنزل وذكرتها بكلمات واضحة لا لبس فيها أن ” النقوط ” سلف ودين سترد لأصحابها في الأفراح والمسرات إن لم تكن أكثر فلن تكون اقل في قيمتها. وخرج الرجال والشباب جميعهم من المنزل باستثناء علي الزاوي الذي صعد إلى سطح المنزل وانزوى ينعى سوء حظه وسوء تقديره للأمور، فقد كان يعلم مثل بقية أهل القرية أن القتيل هذا كان مرهونا على صفعة وجاءت الصفعة أو الدفعة منه لتحوله إلى قاتل.
لعنة الله على هذا اليوم فهو يذكر علي الزاوي بالانكسار وقلة الحيلة وجلسته تلك على الرصيف بالقرب من مطار صدام تذكره بالانزواء فوق سطح منزله قبل اتخاذ القرار، وها هو يجلس فوق حقيبته الخشبية مستعدا لبدء رحلة جديدة لا يعلم نهايتها إذا كان لها في الأصل نهاية، فرحلته الأولى لم تنته بعد، رغم مرور ما يقرب من ثلاثين عاما.
الجو ما زال باردا وصامتا حشرجة في السماء تهشم السكون بعيدة ولكنها واضحة أصوات المؤذنين يدعون الناس لصلاة الفجر الصلاة خير من النوم وهو ليس بنائم وليس بمستيقظ، جسده على مشارف بغداد وعقله مشطور بين القاهرة وصعيد مصر الأصوات متداخلة ولكنها غريبة بعض الشيء فالآذان لا تخطئه أذن مسلم والمساجد التي توزع الأصوات لا تبدو قريبة والزاوي في انتظار النهار ويشق ضوء متردد ظلمة السماء ببطء وعينا الزاوي معلقتان لأعلى يستعد ليأخذ طريقه إلى قلب بغداد حمل حقيبته التي أصبحت أثقل وزنا بسبب ما لحق به من تعب وإجهاد وسار وراء نفر من الناس خرجوا لتوهم من المطار في طريقهم على ما يبدو إلى موقف الأتوبيس أسرع الزاوي الخطي ليصبح على مقربة منهم ليستشعر الدفء والشجاعة. الناس ليسوا بمصريين، فلا أحد يرتدي منهم جلبابا أو على رأسه طاقية أو ” تلفيحة ” تكشف انتماءه لأهل بحري أو أهل الصعيد بعضهم ملتح وعلى رأسه عمامة كبيرة مثل التي يرتديها الهنود سأل عن الأتوبيس المتجه للعاصمة وتسابق الكل يركب. وجد لنفسه مقعدا وضع عليه جسده المهدود وصوت المحرك القوي يزعق في الطريق ليصل إلى وسط العاصمة مع ضوء الشمس وظهور النهار. مسح بعينيه المكان المنازل بسيطة وليست عالية، الميدان يعج بأفراد يرتدون الزي العسكري زيتي اللون مثل جنود مصر.
نزل من الأتوبيس ليجد مقهى أمامه كما وصفوا له المكان بالضبط وهو ليس مقهى بالمعنى المعروف فهو مطعم يقدم وجبات الإفطار والشاي والقهوة ومشروبات أخرى، ويديره مصري سأل عن الإفطار الموجود أخبره النادل بعد أن رحب به إن كل شيء موجود فول طعمية عجة للمصريين ” باتشه ” لحم رأس ضان وكوارع وفتة للعراقيين بدأ بكوب شاي بحليب ليتيح لنفسه بعض الوقت في تأمل الوجوه الجالسة على المقهى، التأمل بالنسبة له ليس رفاهية ولكنه ضرورة من احتياطات الأمن والسلامة.
دب يده في جيب سرواله واستخرج سجائره والنقود التي معه مائة وستة وعشرين دينارا عراقيا وعشرة جنيهات مصرية وضع الجنيهات العشرة في جيب آخر فهذا المبلغ لن يستخدمه إلا بعد العودة إلى القاهرة فهو اجر التاكسي من المطار إلى منزله. وضع الجرسون أمامه كوب الشاي وسأله على غرة عن موطنه في مصر أجابه دون تردد انه من القاهرة من روض الفرج بعد كوبري إمبابة مباشرة منزله بالقرب من السكة الحديد وعلى بعد خمسة دقائق من سوق الخضار وانه قادم للعراق لأول مرة جاء ليجرب حظه كل هذه الإجابات ردا عن أسئلة الجرسون التي لم تنقطع والذي أطال فترة تقليب السكر في الشاي ليسأل المزيد منها. سأله الزاوي بدوره عن فرص العمل وإذا كانت متوافرة داخل العاصمة أو انه سيضطر إلى النزوح شمالا أو جنوبا ولم يجب عليه الجرسون والذي تعلم بحكم المهنة أن يأخذ ولا يعطي وأن يسأل ولا يجيب وقبل الانصراف من أمامه سأله السؤال الأخير عن مهنته، فهناك مهن مطلوبة وخاصة في مجال المعمار فأجاب بمهنته المدونة في جواز السفر ” مبلط قيشاني ” ومسك كوب الشاي لتسري حرارته في أصابعه الباردة.
الحركة لم تهدأ في المقهى المطل على موقف الأتوبيس ناس تدخل وآخرون يخرجون عدد الجرسونات الذين يعملون فيها أكثر من أي مقهى شاهده في مقاهي القاهرة أكثر من عشرة يقدمون الشاي والقهوة ووجبات الإفطار وأغلب الزبائن من المصريين القادمين من أماكن أخرى غير بغداد، بالإضافة إلى العسكريين، فموقف الأتوبيس كبير أشبه بموقف أحمد حلمي القريب من رمسيس بالقاهرة أو موقف الخازندارة بشبرا الخدمة فوق الممتازة والمكان نظيف وكل شيء موجود بالفعل شاهد بصلا أخضر يقدم مع الفول وخضرة كثيرة جرجير ورجلة وكرات على مقربة منه يجلس مصري لم يحرك عينه من فوق الأطباق التي أمامه ويرفع الجرسون أطباقا فارغة ويضع أطباقا أخرى، ظل الزاوي يرقبه ويسترق السمع إلى أن التقطت أذناه تكلفة الحساب عندك واحد فول واحد طعمية، سلطة وبصل أخضر وثلاثة عيش واثنين شاي واحد سادة وواحد بحليب 700 فلس يعني أقل من دينار سجع رخص الأسعار الزاوي على طلب إفطار نادى على الجرسون وبصوت خفيض طلبه واحد فول واحد طعمية ورغيفين، الحساب بالطبع سيكون اقل من 700 فلس واعتدل في جلسته ودفع الحقيبة الخشبية تحت المائدة بعدما شعر بشيء من الألفة، انتشلته حركة الناس ودفء المكان من بئر التفكير في ماضيه ومستقبله وضع النادل أمامه الفول والطعمة والخبز وسأله إذا كان لديه في بغداد معارف أو ” بلديات ” وأضاف أن معرفة الناس كنوز وبدون المعارف أو الأهل سيصبح من العسير عليه إيجاد عمل أو مكان يأوى إليه!
الإفطار كلفه أربعمائة فلس وبحسبة بسيطة، علم الزاوي أن وجباته الثلاثة لن تكلفة أكثر من دينار ونصف في اليوم وربما دينارين وبدأت المقهى تفرغ من فيها ولم يعد هناك سوى الزاوي ومصري آخر بالقرب من المدخل وأصبح صوت التليفزيون أعلى بكثير بعدما خرج الزبائن بأصواتهم وكلامهم نعم الجرسون له حق بدون معارف أو بلديات قد لا يستطيع العيش هنا “أهلك لتهلك” نعم أنقذه أهله في الرحلة الأولى ومن ينقذه في هذه المرة تائه في بلد غريب يا دليل التائه يا عدوي تمتم بها في صدره وطلب كوبا آخر من الشاي ودخل في صمته يقلب أيامه الماضية ولياليه.
حلاوة كوب الشاي هذه تذكره بأول كوب ناوله له خاله في ” صدفا” بعد خروجه من قريته في يوم الحزن اجتمع الأهل بعد انصراف من جاءوا لحضور حفل سبوع ابنه بعد وصول خبر القتيل ونادوا الزاوي من فوق السطح، لينزل لهم وكأنه يراهم لأول مرة أعمامه يوسف وعبد الرحيم وعبد اللاه ومحمدي وأبناؤهم الذكور حوالي ستة أو سبعة أخواله ضاحي أبو زوجته صابرة وعمر ومحمود وابن خاله صفوت جاء بدلا من أبيه قاسم عمر الذي أعاقه قضاء بعض المصالح في صدفا عن حضور سبوع الولد نصر جاءوا جميعهم وكأنهم على موعد مع مصيبة وليس لحضور حفل إلا أن مجيئهم كان ضرورة فعلى الزاوي ليس له أخوة صبيان، نعم له أبناء عم إلا أن أخوته بنات خمس بنات، ووجود أهل أبيه وأهل أمه بربطة المعلم هذه “عزوة” ستمنع أهل القتيل من اتخاذ قرار متسرع خاصة وأن أخواله ضيوف على القرية فأخواله عمايرة صدفا آخر مركز في أسيوط لا يبعد كثيرا هي مسيرة ساعة على الأقدام من قريته.
سأله كبيرهم خاله ضاحي عما حدث بالضبط وإذا كان هناك شهود على الواقعة وكان قد سمع من قبل كل روايات شباب العائلة عن الحادثة وخرج بنفسه إلى البقال واستمع منه إلا انه يريد أن يسمع علي الزاوي بنفسه أيضا وقبل أن يبدأ علي الزاوي حدثه نهره خاله وطالبه برفع صوته ورفع رأسه عند الحديث فهو ليس أول من يقتل في الصعيد ولن يكون الأخير، خاصة وانه لم يستخدم سلاحا ولم يخطط للجريمة، فقد جاءت الحادثة كلها عفوية طلب منه خاله ” ضاحي ” أن يحكي ولا ينكس رأسه، فالأيام القادمة تحتاج قلبا غليظا يتعامل بلا خوف مع كل الظروف وما يستجد منها، ومن الآن فصاعد عليه تحمل تبعات فعلته تلك وإذا خاف أو هاب ستكون نهايته ولن يأسف عليه احد، وإذا وقف وتجلد، فالكل معه وحوله لن يتركوه بأية حال سيدافعون عنه ويحمونه الأخوال قبل الأعمام، فقد اتفقوا فيما بينهم قبل استدعاء الزاوي الأعمام تخطيط وتمويل والأخوال متابعة وتنفيذ!
وتحدث الزاوي رافعا رأسه وصوته كما طلب خاله إلا أن نبرات صوته يغلفها انكسار ووقفاته بين الجمل تطول بعض الشيء فهو في الحقيقة لا يفكر في نفسه يفكر في أمه ” نصرة “وزوجته ” صابرة ” وابنه “نصر” تحدث وأوضح انه ذهب إلى البقال لتأخره عن إرسال بعض الاحتياجات وهناك وجد مجموعة من الشباب سخر منه أحدهم سخر من قصر قامته وعرجه لم ينطلق بكلمة دفعه بيده في صدره سقط على الأرض تركه بين رفاقه ليرفعوه وغادر المكان سريعا إلى المنزل وجاءهم خبر الوفاة.
علق بعض أفراد الأسرة، بأن القتيل لم يترك أحدا في حاله طويل اللسان ودائم السخرية من الناس وانه لا يتحمل صفعة، فالكل يعمل أنه مريض “مرهون على كف”. البعض أوضح انه ذهب من قبل إلى طبيب مشهور في القاهرة وبعد أن رسم له قلبه بجهاز كهربائي قال له أنه في حاجة إلى عملية جراحية إلا أنه لم يعاود زيارة القاهرة مرة أخرى ولم يذهب إلى أطباء آخرين بعد طبيب مصر.
أوضح عمه يوسف انه عائد لتوه من منزل أهل القتيل، مضيفا أن أصحابه حملوه إلى منزله، ولم يكن قد أسلم الروح وجاءوا له على وجه السرعة بالطبيب لا يعلم اسمه أو عنوانه إلا أن الطبيب أوضح انه يعاني من أزمة قلبية حادة وقبل أن يغادر الطبيب الدار أسلم الروح معنى هذا الكلام كما تداخل عمه عبد اللاه أن علي الزاوي لم يقتله وانه مات موتة ربنا وبالتالي فإن الزاوي بريء من دمه، إلا أن عمه محمد أضاف بأنهم سيدفنونه في الصباح ولن يتقبلوا عزاء ورغم تصريح الدفن وكلام مفتش الصحة عن سبب الوفاة أنها سكتة قلبية إلا أن إصرارهم على عدم قبول العزاء يعني أن عليا مطلوبا للثأر.
تداولوا وعلا صوتهم واتخذوا في النهاية قراراهم لم يستغرق الأمر كله أكثر من ساعة، القرار هو خروج علي الزاوي من القرية الليلة إلى صدفا بلد أخواله الخروج سيرا على الأقدام على أن يصحبه خاله وحموه ضاحي وابن خاله صفوت قاسم عمر يبيتون هناك ليلتهم ثم يتجهون إلى القاهرة أو دمنهور محل إقامة وعمل ضاحي لإيجاد مكان لإيواء علي الزاوي. ويتجه أعمامه الأربعة وأبناؤهم الذكور جميعهم بعد الدفن بصحبة العمدة وشيخ الخفر إلى منزل القتيل للتفاوض فهم على استعداد لدفع الدية. فإذا كان على الزاوي قاتلا فما حدث هو قتل خطأ بغض النظر عن مرض القتيل، فإذا وافقوا جيء بعلي الزاوي لتقديم كفنه ودفع المطلوب وإذا رفضوا يكون الزاوي قد وصل مصر وذاب وغاص بين أهلها وعليهم تحمل تبعات الثأر الحقيقي.
بكت الزوجة “صابرة ” عندما علمت بالقرار ولم تنطق الأم نصرة بكلمة كانت صلدة طلبت لابنها الصبر والقوة وأعدوا له بعض أشيائه على عجل وأعطته زوجته كل نقوط الطفل نصر وقبل أن يخرج من غرفته أغلقوا بابها وطلبت منه الأم والزوجة أن يضع يده على الباب ويقرأ قول الله تعالى ” إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ” ثلاث مرات وقبل أن يقرأ الآية انحنى على ابنه نصر ليقبله وعاد ليقبله مرة أخرى أشد ويطبع على جبهه اللينة قبلة عميقة لا تمحوها السنوات، الوليد كتلة من اللحم الطري بلون طمي النيل، تماسك علي الزاوي وأمه وأجهشت “صابرة ” بالبكاء وضع يده على الباب المغلق وقرأ الآية ثلاث مرات وخرج من الغرفة ولم يعد إليها حتى الآن لم يعد إليها منذ ما يقرب من ثلاثين عاما مات خلالها من مات من الأعمام والأخوال وولد عشرات الأطفال وأمه نصرة تنتظره هناك.
من بلدته إلى صدفا أكثر من ساعة سيرا على الأقدام بين الحقول لم ينقطع حديث صفوت ابن خاله يحكي قصصا وحواديت ويحاول أن يخفف من ضغوط الزاوي فهو بمثابة الحارس والسامر والمشرف على الرحلة وهو أول من تعلم من شباب العائلة ذهب إلى مصر وحصل على الشهادة وتم تعيينه في سوهاج مدرسا في بندر سوهاج ورغم أن هناك أربعة مراكز تفصل بين صدفا وسوهاج إلا أن صفوت اعتاد أن يستيقظ قبل الفجر ويصل مدرسته قبل السابعة وكان يحفظ الطريق شبرا شبرًا من قرية عمته أم الزاوي إلى بلدته صدفا فهو يحفظ فلنكات السكة الحديد من صدفا إلى سوهاج ويعرف عدد أعمدة التلغراف يتباهى بذلك كله محاولاً التخفيف على ابن عمته إلا أن علي الزاوي في واد آخر عليه بلادة وقتامه أثارت قلق صفوت ابن خاله وشعر أن الزاوي قد لا يتحمل رحلة الهروب وقد يعود وحيدا ليسلم نفسه إلى أهل القتيل مما قد يمرمغ سمعة الزواوية والعمايرة في بر الصعيد كله.
صفوت مدرس حساب كلامه بالمسطرة كما يصف كبار العائلة، إلا انه تحدث أكثر من اللازم خلال الطريق والزاوي يسير منكس الرأس ملتزما الصمت وكأنه يسير في جنازة، مهمة صفوت قد تفشل إذا استمر الزاوي على ما هو عليه، يجب إيقاظه وتشغيل حواسه، توقف صفوت فجأة وخبط عصاه على الأرض “زقلة” في طرفها قطعة حديد، السلاح الذي خرج به من منزل الزاوي خبط عصاه واستدار للزاوي وأبلغه بلغة حاسمة إن منطقة الأمان انتهت، وأنهما دخلا سويا منطقة الخطر!
وانتصب بالفعل حواس الزاوي وحاول أن يسحب يد صفوت للاستمرار في السير، إلا انه أطال وقفته ليشرح للزاوي، ما غمض عنه، لقد انتهت حدود القرية وبالتالي لم يعترض احد طريق صفوت فهو وإن كان ابن خال الزاوي المطلوب منذ عدة ساعات للثأر، إلا انه في النهاية ضيف الضيافة لها قدسيتها في الصعيد وطالما بقي على أرضهم وجب عليهم حمايته أما وقد انتهت الحدود ودخلوا في زمام صدفا، فلن يلومهم احد إذا أطاروا رأسه بالرصاص هو وابن عمته الزاوي.
استشعر الزاوي حقيقة الخطر وانتهى مفعول المخدر الذي سرى في جسده منذ أن فعل فعلته ودفع القتيل في صدره، وأسرعا الخطى لدخول صدفا من الجهة البحرية جهة المقابر إلى أن وصلا دار الحاج عمر قاسم المواجهة ” لزم ” لمركز شرطة مدينة صدفا. المسافة بين قرية الزاوي ومنزل خاله في صدفا حوالي سبعة كليو مترات والدخول من المقابر أطال الطريق بعض الشيء، إلا انه بمجرد دخولهم المنزل استقبله خاله بهدوء شديد وترحاب أشد وأمر أحد أبنائه بإحضار إبريق من الماء الدافئ ليغسل علي الزاوي وجهه وهمومه مؤقتا، فقد وصلهم خبر الحادثة قبل أن تطأ قدم علي الزاوي أرض صدفا بساعات.
أعد طعام على عجل بيض مقلي في سمن وجبن أبيض وجبنة قديمة وخبز ساخن وتحولت الدار إلى خلية نحل، طلب الخال من أبنائه مغادرة الحجرة وألا يبقى فيها إلا علي وصفوت وهو وبعد باسم الله مدوا أيديهم إلى الطعام أول لقمة تدخل فم الزاوي منذ الصباح والليل قد انتصف أو أكثر وأعاد الخال قاسم عمر على مسامع الزاوي ما قيل له في قريته قبل المغادرة على لسان أخواله الآخرين ” لست أول من قتل في الصعيد ولن تكون الأخير ” وما حدث قد حدث وانتهى وعليك مواجهة ما تأتي به الأيام إذا تجلدت فالكل معك وإذا خارت قواك سينفض أهلك من حولك كان الزاوي يستمع وصفوت ينصت وكلام الخال يصحبه صوت الأسنان ومضغ الطعام ونباح كلب متقطع خارج الدار.
بقيت ساعات قليلة على صلاة الفجر والقطار “المبحر” الذاهب إلى القاهرة يدخل محطة صدفا بعد الفجر بنصف ساعة ويصل القاهرة العاشرة ليلا تقريبا. ولم تذق عينا الزاوي النوم وتركهما الخال في الحجرة، ترك علي الزاوي وابنه صفوت ليستريحا بعض الشيء ليتلو عليهما قبل صلاة الفجر التعليمات النهائية. انقضت ساعة أو ساعتان وأيقظهما الخال بهمهمة معروفة عنده، فتح الزاوي عينيه مذعورا وكأنه يرى وجه خاله لأول مرة الشارب ضخم كث التقاطيع حادة الأنف كبيرة يحتل ثلث الوجه العيون لا ترمش والجثة ضخمة كان أهل البلد يقولون إن علي الزاوي لم يرث من أخواله شيئا سوى الطيبة اعتدل الزاوي وصفوت في جلستهما وأفسحا مكانا للخال، أعاد على مسامعه مرة أخرى بألفاظ أكثر حدة وتحديدا ضرورة التجلد والصبر وأفهمه انه لا خوف على الإطلاق على أمه نصرة أو زوجته صابرة أو ابنه نصر الخوف كله عليه، إذا خاف هو والخطر منه إذا جبن وضعف.
صفوت سيلازمه إلى أن يصل القاهرة، فقد قضى أربع سنوات في دراسته بمصر ويعرفها جيدا وسيدبر له السكن وسيصله أول كل شهر مبلغ من المال يكفيه إلى أن يدبر حاله وأمرأته وابنه سوف يلحقان به عندما تسمح الظروف وزيارات أمه سيخطط لها في الوقت المناسب القطار سيدخل القاهرة ليلا حوالي العاشرة وأهم نقطة ألا ينزلا في محطة مصر أو الجيزة، فقد يرصدهما احد أبناء القرية صفوت يعلم كل شيء عن مصر والأفضل لهما أن يقفزا من القطار في مسافة قبل عبوره كوبري إمبابة أو بعد خروجه من الكوبري مباشرة فالقطار يتوقف هناك عدة مرات والمكان هناك آمن بالرغم من قربه من سوق الخضار المليء بالصعايدة، فقد عاش صفوت في تلك المنطقة سنواته الأربع وسيبحث له عن غرفة في المربع الذي أقام به، حيث إن أغلب سكانه من ” البحاروة ” سارت الأمور كما أراد لها الله أن تسير وقفزا من القطار بعد توقفه بعد الكوبري مباشرة وانتهت رحلة علي الزاوي الأولى ودخل في رحلته الثانية.
لازمه صفوت في رحلته بالقاهرة ثلاثة أيام ثم رجع إلى صدفا، كان متعلما يفهم، استفاد من مجانية التعليم واستفاد علي الزاوي منه خلال أيامه الثلاثة في القاهرة ما لم يستفده طوال حياته، وفر له السكن وأفهمه كيف يتعامل مع البشر مصر تختلف كثيرا عن الصعيد الناس مشغولة ومهمومة بلقمة العيش، لا يدسون أنوفهم في شئون الغير ولا يقتربون منك إلا بقدر اقترابك أنت منهم فلا تقترب إذا كنت ترغب في الاحتفاظ بسرك وحياتك معلقة بسرك وأهل القتيل لن يتركوك، سيقلبون مصر وسيبحثون عنك وراء كل حجر وفي كل مدينة وقرية عليك تجنب الخروج من سكنك قدر استطاعتك طعامك اشتر منه ما يكفيك لمدة أسبوع أو أكثر لا تخلع التلفيحة من على رقبتك والجزء الأكبر من وجهك والطاقية تغطي رأسك وسأخبر صاحبة المنزل بأن رقبتك بها أثار حرق قديم لا ترغب أن يشاهده الناس ولا تتداخل معها وعلاقتك تبدأ وتنتهي بقيمة الإيجار الشهري لا تجعل ما تعلمه عنك يزيد عن انك من الصعيد من أسيوط لا تذكر اسم القرية أو المركز وسيظل سرك معك في بئر صمتك العميق نصائح صفوت أغلى ما سمع طوال حياته والآن يجلس في المقهى وحيدا في بلد غريب لم يسمع تعليمات خاله ولم يصحبه صفوت في رحلته وقد مضت عليه ساعات قليلة في بغداد، إلا أنه سيفتقد صفوت كثيرا والذي لو كان يعلم برحلته هذه لجاء معه وأخذ أجازة من وزارة التربية والتعليم لقد تدرج في الوظيفة وأصبح مفتشا وتدرج علي الزاوي في الدنيا وأصبح لديه من الأبناء أربعة منهم فرج الغائب الذي جاء من أجله إلى العراق!
( 3 )
أ
الجو صحو والدفء سرى في عروقه بعد تناول الإفطار وشرب الشاي. الشاي مختلف في رائحته ومذاقه، فهو على ما يبدو شاي أصلي بينما الذي يباع في القاهرة نشارة خشب ولكن من أين له بصفوت الآن. ترن جملة الجرسون في أذنه ” بدون معارف أو بلديات قد لا تستطيع العيش هنا المشكلة الآن في المأوى ثم العمل، في مصر قالوا له ستجد عملا هذا أمر مفروغ منه لكن لا ترفض ما يعرض عليك، والعمل عند العراقيين أفضل بكثير من العمل لدى مصري، فالمصري لا يمارس “فرعنته” إلا على مصري مثله وحذروه قبل مجيئه من الجلوس طويلا على المقاهي، فقد يصبح عرضة لمن يسمونهم ” قسم شئون العرب ” وهم تقريبا مثل المباحث في مصر، يصطادون القادمين الجدد من المصريين ليجندوهم في التجسس على المصريين وفي حالة رفضهم يحولون حياتهم إلى عذاب ويطاردونهم إلى أن يغادروا العراق.
لماذا لا يتعامل مع شئون العرب هؤلاء إذا كانوا هم الطريق للعثور على ما جاء من أجله ولكن كيف يعرفهم؟ لم يسأل علي الزاوي في القاهرة إذا كانوا يرتدون ملابس خاصة بهم أو أنهم يرتدون ملابس عادية مثل المباحث من أين له هنا بالمعارف والبلديات وحتى في الطائرة وخلال ما يزيد على ثلاث ساعات لم يتعرف على احد من العراقيين، فقد نصحوه قبل سفره بعدم الحديث مع احد، حتى الجالس بجواره كان يستمع له فقط ولم يكن عراقيا كان فلسطينيا أخبره أنه يقيم في العراق منذ سنوات وأعطاه ورقة قبل هبوط الطائرة فيها اسمه وعنوانه وطلب منه أن يتصل به دون تردد إذا احتاج شيئا في العراق، تذكر الورقة فتش عليها في جيوبه عثر عليها وقبض عليها براحة يده إلى أن أتى الجرسون ليسأله إذا كان يحتاج مزيدا من الشاي.
الفرصة جاءته المقهى خاو والجرسون يرغب في الدردشة أو الحصول على مزيد من المعلومات من القادم الجديد الذي لم يغادر مقعده رغم مضي عدة ساعات، سأله عن أحوال السكن وإذا كان يمكن العثور على حجرة بمفردها وكم يكون إيجارها، تظاهر بعد سماع السؤال وكرر مقولته إن الحياة هنا صعبة بدون معارف أو بلديات، فلا احد يستأجر شقة أو حجرة هنا بمفرده، بل يعيش مع مجموعة وبالتالي لا تمثل قيمة الإيجار مبلغا كبيرا، فتح قبضة يده وأخرج الورقة التي معه، قدمها للجرسون وقال له أنها بها اسم شخص تعرف عليه في الطائرة وعرض عليه المساعدة، قرأ الجرسون الاسم بصوت عال: يوسف محمد عبد المجيد أبو سمرة – بغداد – المسيب المعسكر الفلسطيني الخاص وطوى الورقة وأعادها إليه ومط شفتيه وأجزم له أن الفلسطيني لن يساعده وعليه البحث عن معارف مصريين أو بلديات!
المحاولة الأولى فشلت والصبر أصبح من سمات على الزاوي لم يمتعض ولم يتأثر وكأن شيئا لم يحدث ليقطع حديثهم قادم جديد مصري الهيئة والسحنة وإن كان يبدو من أهالي بحري ألقى التحية وألقى بنفسه على مقعد بجوار الزاوي وطلب كوبا من الشاي وانصرف الجرسون لإحضاره. ربما يكون ساقه الله في هذا التوقيت بالذات لعلي الزاوي وربما يكون من شئون العرب الذي يأمل علي في العثور على احد منهم هيئته لا تدل على انه مباحث أو حتى مخبر، فهذه النوعية من البشر خبرها جيدا الزاوي في القاهرة، فهم دائما يتظاهرون بالعظمة بينما الرجل الجالس بجواره والذي لا يفصله عنه سوى المائدة الصغيرة يبدو مكسورا الانكسار يغطي وجه ويغلف نبرة صوته، كما أن الجلباب الذي يرتديه ليس من النوع الغالي يباع مثله في أسواق العتبة بالقاهرة ولا يزيد سعره عن خمسة عشر جنيها ويقولون انه مستورد من السعودية وربما يكون هذا الجلباب مثل بالطو مخبر مصر زمان!
طغت على مخه نصيحة ابن خاله الغالي صفوت ” الناس لا تقترب منك إلا بقدر اقترابك أنت منهم ” ولم يطل انتظاره لاقتراب الرجل منه سأله إذا كان يقيم بالعراق أو قادما جديدا أخبره انه وصل فقط ليلة أمس وأخبره الرجل بأنه وصل العراق منذ خمسة وستين يوما وأجهش بالبكاء ووجد الزاوي نفسه يقف على قدميه ويربت على كتفه ويحتضنه ليوقف البكاء ويأتي الجرسون بالشاي ويهدأ الرجل بعد حين، ويهمس الجرسون في أذن علي أن هذا الرجل يظهر كل عدة أيام في هذا المقهى يطلب كوبا من الشاي أو وجبة طعام ثم ينفجر في البكاء ويهدأ ويغادر المقهى ليعود وقد استمر هذا الحال ما يقرب من شهرين حتى الآن.
اقتراب الزاوي منه بعد أن هدأ ليسأله عن سر بكائه فانفجر في نوبة بكاء جديدة فطرت قلب الزاوي وهزته بعنف، فالرجل الجالس بجواره يقترب من عمره وربما يكون قد تجاوز الستين، زادت نهنهته وأفرغ ما في جيبه على الطاولة التي تفصله عن الزاوي مجموعة صور وخطابات صور لابنه الذي جاء من أجله إلى العراق ابنه الذي انقطعت رسائله مثل رسائل غيره التي انقطعت فجأة وبدأت تصل إلى القاهرة بدلا منها توابيت تحمل جثث القتلى في العراق أخبره الرجل عن معاناته منذ وصوله إلى بغداد والتنقل منها إلى مدن وقرى العراق الأخرى وأخبره عن اسمه وعنوانه: السيد محمود الشلقاني من دمياط وسحب صورة من الصور الملقاة على المائدة صورة لشاب في العشرينات صورة ابنه ” طه ” الذي اختفى.
خمسة وستون يوما زار السفارة المصرية عدة مرات قابل المستشار العمالي المصري يوسف شرف الدين ذهب إلى الأمن العام في بغداد فتش في كل المستشفيات، قابل كل زملاء ابنه وأصدقائه الذين عمل معهم في العراق أغلبهم بلدياته من دمياط ولم يعثر له على اثر حتى الآن الولد كان نجار في دمياط سافر عندما ضربت هوجة السفر شباب مصر وأتى إلى العراق وافتتح مقهى عمره لا يزيد عن ستة وعشرين عام وأجهش الرجل مرة أخرى بالبكاء خمسة وستون يوما من العذاب يتصل كل ثلاثة أو أربع أيام بدمياط في شارع فكري زاهر في سوق الخضار القديم ليخبر زوجته انه ما زال يبحث عن طه ولن يعود إلى مصر إلا وهو معه والأم في دمياط تكاد تجن لا تنام وإذا نامت تفزع وتصرخ في أنصاف الليالي ووجد الزاوي نفسه يكاد أن يبكي مع الرجل!
لقد جاء لنفس الغرض إلا انه لا يرغب في الإفصاح عنه كما نصحوه جاء من اجل “فرج” ابنه الرابع الذي انقطعت أخباره ورسائله فجأة بعد أن أمضى أكثر من ثلاث سنوات في العراق تنقل بين مدنها وقراها وكان يرسل لهم الرسائل ¼ كل مرة تحمل عنوانا جديدا انتقل إليه ومدينة جديدة يعمل بها وقصصا وحكايات عن العراق وفي آخر رسالة أو الرسالة قبل الأخيرة وعد أسرته بمفاجأة عند قدومه إليهم في الأجازة القادمة ولم يتحمل طويلا ففي الخطاب الأخير أرسل لهم صورة وبجانبه فتاة مليحة أخبرهم في الخطاب انه عقد قرانه عليها وتزوجها كانت الرسالة الأخيرة مضى عليها ما يقرب من عام.
نفس المأساة هي مأساة ” فرج ” و”طه” ومئات غيره من المصريين الذين قدموا إلى العراق ثم انقطعت رسائلهم فجأة السيد محمود الشلقاني لا يختلف كثيرا عن علي محمد يوسف الزاوي يحمل أوراقا وعناوين وصورا لابنه طه، بينما صور فرج ابن الزاوي ما زالت في قاع حقيبة والده الخشبية، هل يفتح الحقيبة ويطلع الشلقاني على صور ابنه، هل يتفقان ويبحثان سويا عن ولديها أو يحتفظ بسره ويسير في خطته؟ لقد فشل الأمن العام في العثور على طه ولم تساعد السفارة المصرية السيد الشلقاني ولم يعثر عليه في مستشفى مريضا أو جريحا ولم يعثر عليه جثة في مشرحة ولم يفده أصدقاء طه أو معارفه أو بلدياته
يا دليل التائه يا عدوي!
خرج السيد محمود الشلقاني من المقهى يجر رجليه التي أضناها السير في طرقات بغداد وما حولها وهرع الجرسون يحذر الزاوي من الجلوس معه مرة أخرى إذا رآه، فالشرطة تتابع خطواته والكل هنا يعلم قصة ابنه طه الذي افتتح مقهى وأتى بشباب من بلده دمياط للعمل معه وتوسع نشاطه ودخل في التجارة بجانب المقهى حيث كان يستورد دخان معسل من مصر بآلاف الدنانير مع شركاء عراقيين واختلفوا فيما بينهم وحضرت سيارة أمام المقهى بها ثلاثة رجال اختطفوه ولم يظهر بعدها وقد لا يظهر أبدا المصريون العاملون معه بالمقهى لا يرغبون في توريط أنفسهم ولم يدل منهم احد بشهادته أو أوصاف الرجال أو نوع السيارة ورقمها بالرغم أنهم شاهدوا بعيونهم الحادث الذي لم يستغرق سوى دقائق قليلة الرجل يكاد عقله أن يطير ولن يدله احد وسيعود مثلما جاء!
وقع كلمات الجرسون على قلب الزاوي مثل طلقات الرصاص، إذا استسلم سيصبح حاله مثل حال الشلقاني هذا، نفض رأسه في محاولة لطرد الهواجس، ابنه لم يعمل بالتجارة ولم يختلف مع احد طوال حياته، مسالم لا يسمع له صوت يبعد نفسه عن المخاطر ويحسب خطواته وحتى زواجه من الفتاة العراقية جاء بعد موافقة أسرتها كما ذكر لهم في آخر رسالة وانتقل ليعيش ويعمل معهم في مدينتها، إلا أن الجرسون استمر في تحذيره للزاوي، مؤكدا له أن المصريين لم يعد مرغوبا فيهم بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وبعد عودة الشباب العراقي من الجبهة والذي وجد فرص العمل مغلقة أمامه بسبب المصريين وسأله في النهاية هل سيتناول غذاءه في المقهى أو سيتجه إلى حال سبيله!
عيون الزاوي على السيد الشلقاني وكلمات الجرسون اخترقت طبلة أذنه لتستقر في قلبه، ها هو الشلقاني لم يغب عن عينيه لقد توقف على الرصيف المقابل يتحدث مع بعض المصريين الذين فيما يبدو يعرفونه أو من بلدياته الشلقاني هذا فرصة الزاوي الذهبية والتي قد تساعده في الوصول إلى ابنه تحرك الجرسون قليلا أمام الزاوي ليغلق عليه زاوية الرؤية التي يطالع منها الشلقاني وعاد ليسأله مجددا إذا كان سيتناول الغذاء في المقهى أو سيغادر إلى حال سبيله، وقف الزاوي على قدميه حتى لا يضيع الشلقاني من أمام عينيه وأبلغ الجرسون، انه سيتناول طعامه هنا وهو لا يعرف حتى الآن في بغداد مكانا غير هذا المقهى، مستأذنا في ترك الحقيبة لدى الجرسون بعض الوقت ليتجول في الشارع قليلا وبمجرد أن شعر بتردد الجرسون في قبول عرضه بترك الحقيبة فتحها وطلب منها إلقاء نظرة على محتويها بعض الملابس وخبز جاف وأغراض أخرى وقبل أن يعلن الجرسون موافقته أغلق الحقيبة وقدمها له مؤكد انه لن يتأخر أكثر من ساعة.
السيد الشلقاني فرصته ولن يتركها تتسلل من بين أصابعه سيسر وراءه خلسه يراقبه وقد حذره الجرسون من الجلوس معه لأن الشرط تتابع خطواته الشرطة يعني المباحث وربما شئون العرب الذين سمع عنهم في مصر قبل مجيئه إلى هنا فرصة قد لا تتكرر وقد يستطيع أن يتعرف على من يراقبوا الشلقاني ليلقي بنفسه في طريقهم لعلهم يجندونه وكله خير فهو لن يتجسس على المصريين بأية حال من الأحوال لكنهم قد يسهلون له مهمته في العراق وقد يساعدونه وقد يوفرون له المسكن والعمل وإذا اضطر لأن يقص لهم قصته، فهو لن يضار خاصة وأن ظروف الشلقاني مثل ظروفه وهو في العراق لمدة خمسة وستين يوما كما قال ولم يمسه احد ولم يقبض عليه احد تاركينه في الشوارع يبحث عن ابنه وقد سافر إلى أكثر من مكان خارج بغداد ولم يعترضه احد!
الشلقاني هذا أصبح صاحب خبرة يفتقدها الزاوي ولو وضع يده في يده قد يتوصلان سريعا إلى ابنيهما فرج ابن علي الزاوي الذي اختفى في العراق وانقطعت رسائله منذ ما يقرب من عام وطه ابن السيد الشلقاني الذي قال الجرسون إن هناك رجالا اختطفوه من أمام المقهى وأمام الناس، والثانية أن الشلقاني دمياطي من دمياط وكما أخبره الجرسون أن الدمايطه في بغداد عددهم بالمئات إن لم يكن بالألوف وتقربه إلى الشلقاني قد يقربه من بعضهم. ورغم النصيحة الغالية التي عمل بها طويلا؛ ألا يقترب من الناس إلا بقدر اقترابهم منه، إلا انه في حاجة أن يقترب هو من الناس أكثر من حاجتهم إليه ويبدو أن نصائح مصر لا تسير في العراق وأن أسلوب التخفي الذي مارسه طوال ثلاثين سنة في مصر لن ينفع في العراق فوراء كل رجل مخبر وراء كل مخبر مخبر وربما عرفوا انه جاء إلى بغداد بحثا عن ابنه فرج!
الشلقاني هذا فرصته ويجب ألا يضيعها، بلدياته الكثيرون في بغداد ربما وفروا له المسكن والعمل على الأقل خلال الأيام الأولى له هنا وهو لن “يستنطع” ويقيم معهم بلا اجر، بل على استعداد لدفع قيمة الإيجار إلى أن يعثر على عمل، وفرص العمل كما قالوا له كثيرة وسيجد بمشيئة الله عملا في مطعم أو مقهى قبل أن ينهي هذا الشارع، فقد أكد له ذلك كل من استمع إليهم في القاهرة قبل أن يعقد العزم على المجيء للعراق نصحوه أن يسأل أصحاب المحلات والمطاعم عن أية فرصة عمل وحذوره من العمل لدى المصريين، فالعراقيون أكثر طيبة من المصريين وإذا وثقوا به لن يفرطوا فيه أبدا، المهم الثقة وهي تأتي بالتعامل وأن يكون أمينا وقد عاش أمينا طوال حياته وأن يحترم المكان الذي يعمل به أو المكان الذي يقيم فيه والاحترام واجب تعلمه والتزم به طوال حياته، لم ينظر لامرأة في طريق ولم يأكل حق احد!
المشكلة تتلخص في طريقة دخوله مرة أخرى على الشلقاني وطريقة قبول الشلقاني له والمشكلة الأخرى هي سره الذي يقلقه وهل يفصح عنه لهذا الدمياطي الذي لم يعرفه إلا من عدة دقائق، الشلقاني ما زال يتحدث مع معارفه على الرصيف المقابل للمقهى والزاوي يكمن مكانه يرقبه، فإذا نادى عليه قد يثير شكوكه وإذا سار خلفه قد يثير مخاوفه خاصة وأن حال البلد واضح من عنوانه ومن مطاره ومقاهيه، أنهى الشلقاني حديثه مع معارفه ويبدو أنهم كانوا يسألونه إلى آخر ما توصل إليه من أخبار بشأن ابنه طه تصافحوا وانصرف وبعد أن قطع خطوات هم الزاوي ليتابعه. الشارع مكتظ بالناس والسيارات والمارة يعبرون الطريق من أي مكان دون أماكن العبور ودون انتظار لإشارات المرور الوضع قريب جدا من شوارع القاهرة، نساء متوشحات بالسواد مثل نساء بلده في أسيوط وبنات موضة مثل بنات القاهرة عين على الناس والمحلات وعين لا تفارق أقدام الشلقاني الذي هم بدخول مقهى آخر ويبدو أن الرجل أصابه لطف يسأل كل من يقابل سواء يعرفه أو لا يعرفه عن ابنه طه!
الجرسون الذي حذر علي الزاوي لم يكن كاذبا فهناك رجل عراقي كان يسير على بعد خطوات من الشلقاني دخل المقهى في “كعبه ” وراءه مباشرة وقصر الزاوي من خطواته حتى لا يلحق بهما داخل المقهى الناس كلها في المقهى تعرف الشلقاني الذي جلس أمام طاولة كبيرة غير طاولات المقهى السابقة يجلس حولها جمع من المصريين أغلبهم بحاروة، يستطيع الزاوي تمييزهم بسهولة إما من لون البشرة أو طريقة قص الشارب أو باللكنة وطريقة الحديث. ألقى الزاوي عليهم بالتحية وجلس بينهم كأنه يعرفهم لم يسأله احد من أنت بينما العراقي جلس على طاولة ليست ببعيدة وطلب كوبا من الشاي بصوت عال، ليهرع إليه الجرسون وكأنه الزبون الوحيد في المقهى، المصريون الجالسون لم يعيروا العراقي القادم اهتماما على الإطلاق، يبدو أنهم يعرفونه ويعرفون انه مخبر!
سأل المصريون الشلقاني عن آخر الأخبار التي توصل إليها بخصوص طه لعن الشفارة المصرية ومن فيها، فقد منعه رجال الأمن من الدخول صباحا إلى مقر السفارة وأبلغوه من وراء الباب الحديدي الضخم انه مثل كثير غيره ممن اختفوا في العراق والسيد السفير يتصل ليل نهار بالجهات المسئولة وعندما يتوصلون إلى خيط، فلديهم عنوانه وسيخبرونه، ولا داعي لقدومه مرة أخرى للسفارة ذكر الشلقاني رجال أمن السفارة بالاسم ودعا على كل منهم وامتدح من المسئولين المصريين شخصا واحدا وهو يوسف شرف الدين، حفظ الزاوي اسمه لأنه على اسم ابنه الثاني يوسف دعا له الشلقاني بالستر والصحة وأن يسترها الله معه ومع أولاده، فقد أعطى له “كارت” به اسمه وعنوانه وأرقام تليفوناته وطلب منه أن يتصل به في أي وقت وعندما يتوصل هو إلى شيء بخصوص طه، سيتصل تليفونيا بالحاج سعيد النظيف صاحب معمل الخياطة بمنطقة ” المربعة ” في بغداد والذي يعتبر عمدة الدمايطه والمصريين.
كل شخص من الجالسين يسمع جزءا من رواية الشلقاني وينصرف إلى حال سبيله، والعراقي الجالس والمتشاغل بإبريق الشاي والأكواب يمط أذنيه إلى الطاولة التي يجلس بجوارها الشلقاني ورفاقه، بالفعل الجرسون لم يكن كاذبا، فالشرطة تعد أنفاس الدمياطي المفجوع بفقدان ولده وستعد خطوات الزاوي إذا علمت بمهمته إلا أن المحتاج يركب الصعب” وعليه بقبول كل التبعات فقد جاء إلى هنا وهو يعلم أنها ليست نزهة ولن يعود إلا ابنه “فرج” معه وإذا أستطاع أن يستفيد ويفيد فلا مانع وإذا كان الشلقاني أو المخبر الجالس هناك أو أيهما سيساعده في مهمته فلا ضرر!
انفض المجلس وانصرف الناس إلا الزاوي وأجهش الشلقاني بالبكاء من جديد أنها فرصة الزاوي للاقتراب منه ومحاولة تهدئته واستكشاف إمكاناته وبحث سبل التعاون معه اقترب منه مما أزعج العراقي المراقب والذي لم يصله حوارهما، فطلب بلغة لا تخلو من أمر بغلق التليفزيون الذي سبب له صداعا وانتقل ليجلس على مقربة من الزاوي والشلقاني وهرع الجرسون وأغلق الجهاز وسألهم إذا هناك من يريد طلبات أخرى الشاي “ويسكي” الصعايدة طلب الزاوي إبريقا من الشاي بعدما رأى أن المقهى يقدم الشاي في إبريق كبير أشبه بالبراد الأزرق الموجود في مصر وأحضره الجرسون على عجل وصب كوبا للشلقاني وترك الزاوي يصب شايه بنفسه وتركهما إلا أن عيون العراقي تحوم حولهما مثل عيني صقر.

* روائي مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق