قراءات ودراسات

القصة القصيرة جدًا، وإلى أي مدى هي قصيدة نثر؟

د . فاروق مواسي *

القصة القصيرة جدا هي لون/ نوع  أخذ الكثيرون يكتبونها مؤخرًا ،  وبصورة بارزة ، وخاصة في سورية ، حيث تعقد مؤتمرات خاصة  لقراءتها ومناقشتها، بل إن الكتاب الأول الذي عالجها نقديًا هو لكاتب سوري – أحمد جاسم الحسين ( القصة القصيرة جدًا، دار عكرمة دمشق، 1997 )[1] ، ثم تلاه أحمد دوغان، فأصدر قطوف قلم جريء ( دار الثريا ، حلب – 2004 ). وثمة  كتاب آخرون في فلسطين والأردن والمغرب يصدرون المجموعات القصصية التي يعرّفونها بأنها قصص قصيرة جدًا ( ومنهم من استخدم الاختصار : ق.ق.ج )، لكن أبرز أو أنشط  ما ظهرت به هذه القصة فهو في مواقع الشبكة  الألكترونية  الكثيرة،   وأذكر منها موقع ” دروب ” الذي نشر لأكثر من أربعين قاصًا في هذا النوع . لن نتحدث عن بداياتها ، فالبدايات في أي لون أدبي مثار نقاش [2] ، وأحيانًا غير مجدٍ،  ولكننا نذهب إلى أن هذا  اللون -كما نتابعه هذه الأيام  – هو نص قصير جدًا يمتاز بالتكثيف [3]، وبعض القصص فيه  تحتوي على  عناصر القص  – من  حدث وشخصية وبعد مكاني وزماني ، ولكنها لا تلتزم بها كلها ، بسبب تعددية في  أشكالها السردية  ، وهذه التنويعات – بحد ذاتها –  تضفي قدرة على استخلاص تأويلات متباينة ، من جهة ، وتثير نقاشات حول كونها من هذا النوع الأدبي أم لا [4].

لن نتناول نصوصًا قصصية قصيرة جدًا  كتبها زكريا تامر[5] ، و نجيب محفوظ  أو يوسف إدريس أو الطيب صالح مثلاً – وذلك لأنها  لم تقصد أصلاً أن  تكون ضمن هذا الإطار القصصي المستجد  نسبيًا في أدبنا القصصي من حيث استقلاليته  واختيار تسميته  ، وكذلك لأنها لم تكن على وعي بهذه المواصفات – التي ارتآها النقاد فيما بعد – بدءًا ومنطلقًا  ، وإلا فإنك ستجد من يأتي بنص للجاحظ ، أو بفكاهة لجحا،  أو بمنامة ،  أو بتوقيع ،  أو بحكاية مثل ، ويقول لك : ” هذه قصة قصيرة جدًا ” .

من مقومات القصة القصيرة جدًا  عنصر  الإدهاش والإثارة  ، وكذلك الانطلاق من  موقف  فكري أو فلسفي  ، والأهم بأنه قصدي نحو القص ، يُعرض في أسلوب موجز ومركز ، يختزل العالم في تكثيفة ما  ، هو ما قل ودل . وقد يكون هناك حدث أو أكثر، فيعبر الكاتب بلغته  محترزًا  من الحشو أو الفائض في النص  ، وينتقي الألفاظ التي تتشبع بمداراته وألوانه . وكثيرًا ما يُقدم  هذا الموقف  بلغة الإيحاء والترميز آنًا  ، وبالمفارقة  آنًا[6] ، بروح الفكاهة والسخرية  طورًا ، و بالقفـلة  الذكية غير المباشرة في نهاية النص طورًا آخر[7].

إن هذا اللون قريب جدًا  ، بل يتماس أولاً مع القصة القصيرة التي أخذ  يستقل عنها ، وكذلك  مع الخاطرة  والنادرة والطرفة  anecdote ، وبعضها يرِد  على غرار     
” التوقيعات ” التي شاعت في النثر القديم بتركيزها وإيجازها ، وهذه جميعها ألفناها في أدبنا القديم ، بل إن حكايات الأمثال  تشي بنوع من القص على هذا النحو المختزل ، بالإضافة إلى “الأجوبة المسكتة ” و”الأخبار” في صيغها التراثية  [8].

غير أن القصة القصيرة جدًا تكاد  تتماهى –  في كثير من نماذجها – مع القصيدة /القصيــِّدة النثرية  بصورة ملموسة ،  فثمة فكرة طريفة  غائمة ، وهناك أصوات وإيقاعات  تشي بدلالات وتصاديات  .   فالقصة  القصيرة جدًا – في نماذج متعددة –   يمكن أن تُقرأ على أنها قصيدة نثرية [9]، وذلك إذا رُتبت بأسطر أسوة بالشعر . فإذا لم تُـرتب ، ولم تُعلم قصدية الكاتب  فإن  تعريفنا لها بأنها ( نص )[10] هو مخرج  قد نلجأ إليه ، وذلك  بسبب صعوبة  تحديد اللون الأدبي الذي نحصر النص فيه  ، خاصة وأن كل لون أو نوع فيه من التعريفات والتوصيفات ما يربك أكثر مما يجمع في إضمامة أو مجموعة .

وقد استرعى انتباهَ الناقد فيصل دراج هذا التعايشُ بين الشعر والنثر ، فذكر وهو يتحدث عن قصة محمود شقير ( القصيرة جدًا ) :

” يتراءى المنظور الشعري في العالم الصغير الذي يضيء عوالم تتجاوزه ، وفي المشهد الضيق الذي يفتح أفقًا لا ضفاف له . ويتراءى النثر في الانشداد إلى تفاصيل النهار ، وفي ذلك الانصراف المرهف إلى دقائق نائية تُرى ولا تُرى . ولعل جدل الشعر والنثر معًا هو مما يمد القصص القصيرة جدًا بكثافة عالية تملي على القارئ قراءة مزدوجة : قراءة محدودة لحظة القراءة المباشرة ، وقراءة أكثر اتساعًا ورحابة تبدأ حين تنتهي القراءة الأولى ” [11].

وإذا كانت هذه القصص تنطوي على منظور معين للكتابة وللعالم الذي تلامسه من جهات مختلفة– كما يقول دراج –  فإن الكتابة  فيها اقتصاد لغوي يفصح ويوحي في نفس الوقت ، بل يوحي أكثر ، ومن هنا يرى دراج أن الكتابة تتعين أيضًا ” بالكلمات والفواصل والنقاط ، وتتعين أكثر بالفراغ القائم بين الكلمات وغيرها ، وبالحوار بين مفردات خاصة وأخرى غائبة ” .[12]

كان  لهذا النوع الأدبي المستجد تسميات ومصطلحات عديدة مثل:” القصة اللحظة “، “القصة البرقية” ، “اللقطة” ، “الومضة” ، “الأقصوصة القصيرة”، “اللوحة القصصية”، وأسماء أخرى [13] ، وهي  في تسمياتها المختلفة  عزف على / ترجمة  لنمطية اللون المعروف بالإنجليزية : Short Short Story  أو  Very Short Story  .

غير أن  استخدام  ” القصة القصيرة جدًا “[14] شاع وذاع إلى درجة أننا لا نستطيع تجاهلها ، فعرف روادها أنها” قصة ” وفق شروط وتعريفات الفن القصصي المعروفة، و”قصيرة جدًا” ، لأن عدد كلماتها قليل، حتى بالنسبة للقصة القصيرة الاعتيادية ،  فالجمل فيها موجزة بدون تفصيل ،  ولا تسرد  أحداثًا  غير هامة في نسيج النص ، هي متوترة وموحية  كلغة القصيدة ،تشي بجوهر الموضوع  ، والجوهر لا يقاس بعدد الأسطر ، وكم بالحري ونحن نتحرى الإيجاز – في عصر السرعة = عصرنا [15]، ولعل السبب الرئيس في اعتماد هذا اللون هو استثمار الوقت ما وسعت الحيلة ، واقتناص المعنى بأيسر فرصة –[16] ،  فحسبنا أن نحلق في أجواء النص ، وأن نأخذ منه ما تيسر . ثم إن في القصة هذه  سرعة التوصيل  ، واللجوء إلى ذهن المتلقي وذكائه  ليعرف ما تم حذفه ،  وما تم إضماره أو الإيماء إليه ، وبذلك فهو قارئ مشارك يؤول النص من مرجعيته الثقافية والنفسية .                                                                                                      لنقرأ هذه القصة لمحمود شقير ، وهي بعنوان  ” اجتماع ” :

“تنادى القوم إلى اجتماع طارئ للبحث في أحوال الطقس الذي يتهددهم باقتلاع مبين . حينما وصلوا قاعة الاجتماعات كان الجوع قد استبد بهم على نحو لم يألفوه .                           

أكلوا بعضهم بعضًا دون استخدام الشوكة والسكين ، فذلك أدعى للأصالة كما زعموا ، ثم ناموا مطمئنين “.[17]

صحيح أن في النص سردًا ، وثمة تعليل وتعليق ، إلا أن النص فيه غرائبية تُدخله إلى فضاء الشعر ، فالقدوم جاء للتداول حول البحث في أحوال  الطقس لا حول جوعهم ، والنتيجة مرعبة ؛ بالرغم ذلك النوم المطمئن في النهاية ….. ومثل هذا الجو الإيحائي يدخلنا إلى تساؤلات ، ويصبح في العنوان  مفارقة ، فالتشتيت يتم  بدل الاجتماع ، والموت بدل الحياة ، والنوم المطمئن هو على حساب نوم أبدي آخر ، ففي الثنائيات تواتر واغتراب يعيدنا إلى وضع الفلسطينيين وهم يحاربون بعضهم بعضًا ، ويعيدنا إلى المأساة المزدوجة حتى  في خلافاتنا العائلية . ويظل النص فاجعًا – رغم التعليق الذي أضافه الراوي ” فذلك أدعى للأصالة كما زعموا ” ، أو الخاتمة : ” ثم ناموا مطمئنين ” ، فهل هذه سخرية ممضة تطرق الذهن فلا تدع أمنًا أو اطمئنانًا ؟!!

سأحاول أن أعرض بعض النصوص الأخرى  من مواقع الشبكة  الإلكترونية – مما نجد فيه هذا التمازج بين القص وبين الشعر-  غير منكر أن هناك نصوصًا أخرى تفي بما أعمد إليه ، وفيها براعتها وقدرتها التعبيرية :

تقول حنان فاروق في بعض  قصصها القصيرة جدًا-  وهي جميعها تحت عنوان ( تشريح ) :[18] :

أرضعته شرايينها فشبّ ولما تمكن منها الشحوب ..ترك لها قبلة الجبين ووقّع عليها (للذكرى).

فهذه القصة التي تكثر فيها من الأفعال نسبيًا  ( خمسة أفعال ) تروي الكثير ، تروي عن إخلاص المرأة في فعل حياة ( أرضعت ) وفي فعل غلبة ( تمكن منها )  ، وعن عدم وفاء الرجل الذي  ( شب ) و ( ترك لها ..) ، و ( وقّع …) ، وعن التمثيل في العلاقات ، وعن النهاية الفاجعة التي ارتبطت مع الذكرى  .

ومع هذا الجو القصصي المكثف  نستطيع أن نرتب النص ليكون شعرًا[19] :

أرضعته شرايينها

فشبّ

ولما تمكن منها الشحوب ..

ترك لها قبلة الجبين

ووقّع عليها

(للذكرى).

بل إن النص بعدم  التزامه بقواعد الترقيم من فاصلة ونقطة و…يحيل النص إلى القصيدة النثرية [20].

ولنتابع مع نص آخر للكاتبة  :

في العشرين بكت فبكى واحتواها

في الثلاثين بكت فمسح دموعها بمنديل حنانه

فى الأربعين بكت فربّت على كتفها.

فى الخمسين…………أبكاها

هنا رأينا النص قد ورد على شكل قصيدة أصلاً  ، ولكن النص قُصد أن يكون قصة قصيرة جدًا أو ( نصًا ) ،حيث  نجد فيه  التكثيف في  الحدث و الفعل ، وفي الموقف ،  وفي  حالتيه  يعبر عن تحوّل الرجل في أعماره ، وعن علاقته بالمرأة في كل فترة من عمره .   وفي رحلة العقود  يتم التغير ، والفاعلية هي من جانب  الرجل ، وتقبّل المصير هو من جانب المرأة – التي تتبدل عليها الأحوال .  وثمة   تكرارية للحرف  ( في ) في أوائل النص ، ومن بعد  ذلك يأتي تحديد العمر عقدًا عقدًا ،  ثم تأتي حركة الرجل وموقفه – كل ذلك هو سرد . ولكن هذا السرد كان مفعمًا بالعواطف المتباينة التي سرعان ما يشارك المتلقي إزاءها بموقف .

وفي قصة لها بعنوان ” أضغاث أحلام ” تقول :

حين أوحشتها صورتها هرعت إلى مرآتها ..وما أن أطلت على ملامحها حتى تكسرت..

قصة قصيرة جدًا بأفعال حركية درامية متواترة تنتهي بخروج المرآة ورفضها لما آلت إليه . إنه تكسر الذات قبل تكسر المرآة ، والفعل التهشيمي كان رد فعل مشارك ، وإذا كان النص الشعري منفتحًا لدلالات مغايرة فإن هذا النص أيضًا يشير إلى  إمكان أنها هي التي كسّرتها [21].
وماذا  ينقصها لتكون قصيدة نثر ؟  بل بتغيير طفيف في بعض كلماتها نصل إلى وزن وإيقاع  مألوفين لتدخل دائرة شعر التفعيلة  .
ففي قراءة هذا النص نجد من ينتبه إلى الوظيفة الشعرية للغة – حسب تعبير ياكوبسون ، إذ يزداد تأمل المتلقي في النص . يقول ياكوبسون : ” إن استهداف الرسالة بوصفها رسالة ، والتركيز على الرسالة لحسابها الخاص – هو ما يطبع الوظيفة الشعرية للغة  . ” [22]

يقول محمود غنايم : ” … تعبُر بعض النصوص من المجال السردي القصصي  إلى المجال الشعري   ، ويتحول التعامل مع هذه النصوص إلى تعامل مختلف ، فيقف القارئ على ما تثيره الوظيفة الشعرية للغة من تمعن في الرسالة ، والوقوف على الجوانب المختلفة للنص من الناحية المبنوية والأسلوبية واللغوية ” .[23]

وقد سبق أن عالج إدوار الخراط مسألة  التواصل أو التداخل بين الأنواع الأدبية ، فدعا  ذلك بـ ”  الكتابة عبرالنوعية ” ، ومن ضمنها ما اصطلح عليه ” القصة – القصيدة ”  ، ولكن الحديث هنا  – لدى الخراط – يدور حول الأساليب السردية المختلفة  التي تتماس والشعر ، وليس الحديث قصرًا على هذا اللون الذي ندرسه ، فيقول :

” بالملاحظة العملية ستجد القصة – القصيدة قصيرة أحيانًا،وأحيانًا قصيرة جدًا ، بحيث تكاد تكون ومضة أو برقة أو التماعة أكثر قصدًا من لقطة وأكثر قصرًا من شريحة ، والحجم الزمني للقصة – أعني الحجم الكتابي نفسه – قصير ، ثم إن هناك قدرًا كبيرًا من التكثيف ” [24].

وفي قول الخراط نلاحظ أنه لم يعمد إلى التركز على القصة القصيرة جدًا باعتبارها مصطلحًا خاصًا[25] ، وإنما تحدث عن القصر ضمن دائرة القصة القصيرة بأنواعها . ومن جهة أخرى مغايرة  يشير إلى أنه لم يكتب ” القصة القصيرة جدًا ”  كما نعرفها ونعرّفها اليوم ، وهو لم ينحز لها ،  وذلك في حديثه عن القصة – القصيدة ، فيقول :

” اكتشفت بالممارسة أن القصة – القصيدة( ليست القصة القصيرة جدًا التي لم أكتبها أبدًا قط )  قد تكون أقدر على تحمل هذا الثقل من الرؤيا والإحساس ”  .[26]

ليس التمييز بين الأنواع الأدبية سهلاً ، وخاصة بين القصة وقصيدة النثر لدى الخراط  ، فيقول:
” أما أهم عنصر… يفرق بين القصة القصيرة فقط و القصة – القصيدة  ، فهو اتخاذ نوع معين من السرد ….إن الفرق قد يكون غير محسوس ، وهو فارق دقيق وحرج : هو أن القصة – القصيدة ما تزال تحتفظ بنوع من السردية  ” .[27]

من هنا فإن التسمية ” القصة –  القصيدة النثرية ” – بتحوير طفيف على تسمية الخراط –  تلائم – في نظري – كثيرًا  من النصوص التي  تماثل الحلم في شفافيتها ورمزيتها ، وتنحو إلى الصياغة الدرامية في سردها ، حيث تخترق الحدود- إن كانت هناك حدود – بين المتخيل وبين الواقع  ؛  وليس من اختار التسميات الأخرى    – بمن فيهم الخراط كما أوردنا أعلاه – على نحو :  ” اللحظة ” ، “الومضة ” ، ” البرقية ”  ، ” اللوحة” ، ” اللقطة ”  ” الكبسولة ” ببعيد عن الشاعرية في المنحى( ولا أقول ” الشعرية”  التي يمكن أن تكون في كل لون أدبي ) ،  وذلك  لكونها وهي قصيرة جدًا  تعتمد الاقتصاد باللغة [28] ، وفيها التكثيف الشديد للمعنى، على مستوى الشكل، ومن هنا فهي تلتقي قصيدة النثر ، من حيث  شحن الكلمات بأكثر ما يمكن من المعاني، وبالقدرة على التعبير عن أكثر ما يمكن  بأقل ما يمكن ،  وهذا ما  نعهده عادة في لغة الشعر التي اتسمت بالقدرة على التكثيف والاختزال  والإيحاء .[29]

يشير نزيه أبو نضال في دراسة له إلى نص قصير جدًا كتبه مهند العزب في مجموعته      ليلة اكتمال الذئب ، حيث كتب :

“مات ذئب ..وفي مكان قصي بكى غزال شيخوخته القادمة . “

يقول الكاتب : ” في هذا النص تتقدم الفكرة بمحمولاتها النفسية والرمزية على ما عداها ، ولكن عناصر الواقع الملموس تظل حاضرة بقوة …فثمة غزال ، وذئب ، وموت ، ومكان قصي في الغابة ، وزمن يمتد إلى الشيخوخة ، وثمة ألم وحزن ودموع …وهذا كله مصاغ (= مصوغ  . ف.م ) كحدث باستخدام الفعل الماضي : مات ، بكى .

إن مجموع هذه العناصر الواقعية تجعل من هذه الكتابة قصة قصيرة جدًا بامتياز ” .[30]

لنأت إلى قصة أخرى هي ” حورية ” لعطية الأوجلي [31]:

“تفرستها العيون…. وهي تتهادى صوب البحر

قبلت بأطراف أصابعها سطح الماء…

تورد وجه البحر…

سرت في أعماقه نشوى لذيذة

تسابقت أمواجه تعانقها..وتلامسها

التحمت

اتحدت …….تلاشت

صرخت العيون فزعا….

ساد الصمت….

بينما بدا البحر منهكا….وغائبا في خدر لعين.”

ما يثير الانتباه أولا هو انفتاح النص على تأويلات متباينة ،  أذكر منها أن البحر الذي هام بها عاشقًا – افترسها ، بدليل العبارات : ” صرخت العيون فزعا…. ساد الصمت…. ”
يعيدنا ذلك إلى عشق ديك الجن ورد :
….
لكن بخلتُ على العيون بحسنها
وأنفتُ من نظر العيون عليها
[32]
لقد عمد الكاتب إلى التعبير الإيحائي بمدى جمالها على البحر،  وكيف تهادت على مياهه برقتها ، فألفى البحر وسيطًا له ليعبر مدى لواعجه هو ، ولو كان بإمكانه لكلف النسيم أن يسرق أنفاسها ، وكلف الشمس / القمر أن ينتزع بهاءها ….صور انتزاعية هي امتلاكية أو على الأقل تمنٍّ بذلك ….
وفي قصة ” هروب ” لنبيل أبو حمد نجد النص التالي :

” حطت العصافير على حبل الغسيل وأخذت تشدو أحلى ألحانها قرب ملاقط الغسيل …كانت شمس الربيع مشجعة للزقزقة والغناء . لكن حين جاءت ربة المنزل لنشر غسيلها طارت العصافير …وطارت معها الملاقط …. ” [33]

المفاجئ على المستوى الشعري والسردي معًا هو هروب الملاقط ، فهروب العصافير قد يكون أمرًا طبيعيًا بحضور ربة المنزل .  ولفظة ” معها ”  في طيرانها مع العصافير فيها حركة ، وقد تكون رفضًا لهذه المرأة ، منفّــسة عن الراوي  أولاً .

وفي  قصة ” إخلاص ” نص أقرب إلى الشعر ، وهو :

كانت تخونه في أحلامها ..

وكان سعيدًا

لأنها قضت عمرها معه ولم تخنه

مرة….[34]

ففي العنوان مفارقة ، ومع ذلك فالسرد قائم : كانت ، وكان ، لأنها …

وتبقى ” ولم تخنه مرة ”  لها أكثر من دلالة   ، فهل يمكن للمتلقي أن يتم الجملة ” ….، بل مرات  ومرات ” ؟ وأيًا كان النص في نهايته المفتوحة فثمة ظلال  إيحائية  تعيدنا مرة أخرى للنص لتصدمنا به ، ولتنبهنا إلى حدث قد يكون  واقعًا في مكان ما في زمان ما .

وقد توقف الكاتب أنور عبد العزيز على مجموعة رذاذ ( الاتحاد العام للأدباء في نينوى – 2007 )   لصاحبها عمر عناز ، حيث ضمت خمسًا وستين مقطوعة معظمها لا يزيد عن خمسة أسطر ،وهو لم يسم النصوص باسم لون أدبي مع أنها تجمع بين التنغيم وبين السرد ، فهي بلا عناوين، فنتحسّس أننا نقرأ لونًا وجنسًا جديدًا مغامرًا ومغايرًا من الشعر، وبسهولة وتلقائية وقناعة يستطيع قارئ وأكثر أن يقول: “هذه قصص قصيرة جدًا” أراد صاحبها أن يمنحها “صفة الشعر وهويته”[35] ، وعندما يتأمل الناقد في هذا القول يجد أنها قد احتوت شروط القصة القصيرة جدًا، وهي التركيز والتكثيف والاقتصاد في قليل الأقل من الكلمات والموحيات والدلالات ، ومعها المفاجأة الصادمة التي تصل حدّ الإثارة وتحفيز مخيلة القارئ وهواجسه تجاه ما يقرأ ويتفاعل معه وينفعل به ،  فيبدو مقنعًا أننا أمام        ” قصص قصيرة جدًا”  ،  ولكن وبمراجعة نقدية متأنية ، نجد أن الشاعر لم يهدف لكتابة “قصص قصيرة جدًا” ، وما كانت هذه رسالته وهاجسه عندما يقول:‏

“وحدهم السورياليون، يستطيعون أن يستوعبوا فوضى ارتمائك في ذاكرة الياسمين” ( ص41 )  ، ومثلها :

” عندما تراودني الكتابة، أتذكرك، فتعشب في راحتي أمنية ذابلة” (ص26 )

هنا نجد لغة الشعر،  فارتماؤها أين ؟ – في الذاكرة ، وأية ذاكرة ؟ – ذاكرة الياسمين ، وهل الارتماء مألوف ؟
– لا ، ففيه فوضى ، وهناك من يستوعب هذه الفوضى  …….                    
وبالطبع فإن جملة ” تعشب في راحتي أمنية ذابلة ” هي من لغة الشعر – كما لا يخفى- ، وذلك  لكثرة ما فيها من صور ترتبط مع مراودة الكتابة وتذكر الحبيبة .

وشبيه بذلك :    “ما بين الدمعة والدمعة، تتنفس آلاف الصلوات”  (ص23 ) فهذه لغة شعر [36]……

ومع هذا الاجتهاد ، وإشكالية تحديد ما هو الشعر تمامًا  فإنّ كثيرًا من تلك “المقطوعات” حمل صفة وشرط (ق.ق.ج) ومثال لذلك :

” لم أنجح في الجغرافية، إلا بعد أن رسمت لحبنا خريطة بلا حدود” ( ص5 ) ،

وأيضًا :   ” هؤلاء، كيف لا ينجحون وأنفاسك تلون كراريسهم”  ……

“لأنني يا طفلتي، مدجج بالأسئلة، أبحث عن قصيدة عنوانها: “علامة استفهام”(ص9 ) ،  وغير هذا كثير.

فإذا أردنا التدقيق في النصوص أدخلناها ضمن  (ق.ق.ج)، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة ،  فالفارق لا نكاد نتبـينه بين الشعر والقصة والنصّ ، وذلك في ذبذبة التمازج والتناغم بين الأجناس الأدبية . وفي (رذاذ) يكاد لا يبين أحيانًا وحدوده واهية ، لذا كان الكاتب  حذرًا وواقعيًا عندما لم (يحدّد) تسمية لمجموعته،  وحتى عناوين لقصائده، وهي فعلاً كذلك، فالكاتب  بهذا المزج لم يعمد  لتسمية هذا اللون بوضوح،  أو حتى لإعطائه هوّية..‏[37]

ويختم الكاتب تعليقه بأن هناك إضافة حيوية خلاقة بنبضها الشعري جديرة باهتمام القراء والتأمل، على اعتبار أنها لون جديد يحتاج إلى تسمية جديدة .

ويبرز عبد الله المتقي بنصوصه القصصية القصيرة جدًا ، لكنه يصدر نصوصًا يطلق عليها ” قصائد ”  هي في مواصفات القص وضمن دائرة السرد ، فكان  اختيار عبدا لله المتقي لقصيدة النثر نابعًا من اختياره الأول للقصة القصيرة جدًا ،إذ ارتأى التكثيف واقتصاد اللفظة سواء في جملته السردية أو الشعرية ، فلا يهمه الاسم  . فقصائد ديوان قصائد كاتمة للصوت[38] لم تتخل نهائيا عن منحى القص ، ولا عن إيحاءات الشعر ، فكثير منها  صياغات يحكي من خلالها القاص بصوت الشاعر ،وأخرى صياغات شعرية وردت بسرد قصصي . وآنا لا نكاد نميز بين كلا التوجهين ، على نحو :
-” انتفاضة الزيتون ”   (ص53) :
حين يحفر النهر مجراه
في سواقي القرية ، نتف جدي سوالف زيتونة / كي يشن حربًا / ضد الماء ..
أو  في :

–  ” حقوق ” (ص51) :
شرطي …/ يصفع مواطنا / بمقهى الكرامة / يجره من ربطة عنقه / ثم يغمز للنادل .

ويهمنا من هذا التمازج وهذا التساؤل لدى كاتب الدراسة أعلاه أو لدى المتقي – أنه دليل واضح على تماس القصيدة النثرية والقصة القصيرة جدًا .

إن حركية الأفعال تكون – عادة – في السرد  ، وخاصة ما ورد منها في الزمن الماضي ، ولكن الفعل قد  يخرج عن معناه الحقيقي  إلى انزياح سياقي  وإلى استعارات أو إيقاعات ،  وهذا مما نجده في الشعر ، بالإضافة إلى أن  أسلوب التعبير عن البوح بشفافية ، أو الوقوف ضد ما يؤلم بتصوير عاطفي فيهما من الشعر الكثير . وثمة تقنيات متنوعة  أخرى  هي من عالم الشعر كاعتماد الرمز ، والإلماع إلى تناصات  أو إلى ظلالها ، وبث السخرية المرة ، ورسم اللوحة بكلمات ، وتشخيص  الأشياء باستعارات ومجازات ……

يقول حسن المودن في معرض حديثه عن قصة عبد الله المتقي  وسعيد منتسب ، وعن الشعر فيهما :  ” والقصة القصيرة جدًا تكتب كل ذلك بطريقة تمزج بين السرد والشعر، بين الفكر والشعور، بين الوضوح والغموض، منفتحة على لغات الشعر والموسيقى والحلم واللون، فاتحة الطريق أمام انفراج المعاني وتعددها، وانبثاق لذة القراءة وقلقها.”[39]

وكان  الناقد جميل الحمداوي قد درس موضوع ” القصة القصيرة جدًا “-  بداياتها ، وأسباب شيوعها ، وروادها ، وخصائصها الفنية والشكلية ، والدلالية ، وتعدد تسمياتها ، وموقف النقاد والدارسين منها .   
وهو في تعريفها يؤكد أنها جنس أدبي جديد  ، وقد أخذ يفصل علاقتها بالأجناس الأدبية الأخرى ، ومن بينها الشعر ، وهذا ما يهمنا في دراسته المنهجية ، حيث ذكر من الأمثلة على اللوحة الشعرية  قصتين لفاطمة بوزيان ساقهما  ومنهما
قصة ” في حوض الحمام” ،   فذكر أنها  كتبت بطريقة شاعرية تعتمد على التكرار وموسقة الحروف والانزياح البلاغي ، ولنقرأ :

” كان يشعر أن الماء الساخن يذيب كل شحمه الفائض…
يذيب كل تعبه…
يذيب شكوكه..
يذيب سوء التفاهم الذي بينه وبين البسكويت!
ي
ذ
و
ب
صار ماء لا طفولة له
فجأة تذكر مجرى الحوض
هب خائفا فعاد إليه
شحمه
تعبه
شكوكه
وسوء التفاهم الذي بينه وبين البسكويت “

وتظهر هذه الشاعرية أيضا في  قصتها ” عروض خاصة”   :

“في لحظات وحدته القصوى
كان يخرج هاتفه المحمول
ويضغط على أزرار الرقم المجاني
حيث الصوت الأنثوي الرخيم
يذكر بالعروض الخاصة
وكان يتذكر الأنثى والأمور الخاصة “[40]

من هنا ، يصدق القول – إن النص في القصة القصيرة جدًا كثيرًا ما  يصلح إلى أن يكون قصيدة نثر [41]، وهذا لا ينفي أن ثمة إشكالية تحديد النوع الأدبي في ضوء التداخلات بين الأجناس الأدبية المختلفة.

المصادر:

أبو حمد ، نبيل . الضرب على العصب . أرغل غاليري ، 1999 .

أبو العلا ، أحمد عبد الرازق . ” القصة القصيرة جدًا وإشكالية الشكل القصصي المعاصر ” . مجلة الثقافة الجديدة . أغسطس 1989 ، ص 41 .

أبو نضال ، نزيه . ” القصة القصيرة جدًا جدًا في – مزيدًا من الوحشة ” . مجلة أفكار . العدد حزيران – 2006 ( 212 ) ، ص 20 .

الحسين ، أحمد جاسم . القصة القصيرة جدًا . دمشق : دار عكرمة  ، 1997 .

الخراط ، إدوار . الكتابة عبر النوعية .القاهرة : دار شرقيات ، 1994 .

سقيرق ، طلعت . ” القصة القصيرة جدًا – مقدمة وإشارات ” . مجلة المعرفة، (دمشق ) . العدد 431 آب 1999.

شقير ، محمود . مرور خاطف . ( ق. ق. ج ) .  عمان : دار الشروق ، 2002 .

شقير ، محمود . طقوس للمرأة الشقية ( ق. ق. ج ) . ط 2 . القدس : دار القدس للنشر ،  1994.

شكري ، غالي . نجيب محفوظ من الجمالية إلى نوبل . بيروت : دار الفارابي ، 1991 .

طه ، إبراهيم . ” الأقصوصة القصيرة في الأدب العربي الحديث ” . مجلة الكرمل ( حيفا )- العددان 23-24 ( 2003-2004 ) ، ص 170.

غنايم ، محمود . ” العبر نوعية في العصر العربي الحديث ” .مجلة الكرمل ( حيفا ) ، العددان 23-24 ( 2003-2004 ) ، ص 202.

كوهن ، جان . بنية اللغة الشعرية ( ترجمة الولي والعمري ) . الدار البيضاء : دار توبقال ، 1986 .

– المتقي ، عبد الله . قصائد كاتمة الصوت . منشورات وزارة الثقافة بالمغرب ، 2003 .

مواسي ، فاروق . مرايا وحكايا . دالية الكرمل : دار آسية ،  2006 .

النسور ، بسمة . قبل الأوان بكثير . عمان : دار الشروق ، 1999 .

ياكوبسون ، رومان . قضايا الشعرية .  الدار البيضاء : دار توبقال للنشر ، 1988 .

مواقع إلكترونية  ذكرت في سياقها .

*أكاديمية القاسمي / باقة الغربية – حيفا



[1] –  من الكتب الصادرة في سورية بعد سنة 1995  مجموعة: “همهمات ذاكرة” (1996( لأحمد جاسم الحسين، و”ميّت لا يموت” (1996) لنجيب كيالي، “إيحاءات” (1995) ، و”إيحاءات جديدة” (1999) لضياء القصبجي  ، و “ومضات” (1998) لهيمى المفتي ، وأكثر هذه المجموعات يفصح عنوانها عن الشكل الذي اختاره القاص لكتابة نصوصه:همهمات، إيحاءات ، ومضات !!.‏

[2] –  كان قد عقد في حلب  المؤتمر الثالث للقصة القصيرة جدًا ، وشارك فيه العشرات من سورية ومن خارجها ، وكان هناك حوار حاد حول هذه بدايات هذا النوع الأدبي ، إلى درجة أن قال بعضهم بأن هناك من بين العرب –  من سبق ناتالي ساروت في كتاب انفعالات ، انظر الخبر في : http://www.inanasite.com/bb/viewtopic.php?t=7961

[3] –    يتوقف حسن المودن في دراسة له حول –  ” شعرية القصة القصيرة جدًا ” على معنى التكثيف ، وأرى ضرورة إضافة هذه المادة لأهميتها :  ” يستخدم الشعريون والنقاد المعاصرون مصطلحا آخر هو: التكثيف Lacondensation ، ويمكن أن نراه أكثر ملاءمة لوصف إحدى أهمّ الآليات والخصائص الجوهرية في القصة القصيرة جدا. وهو مصطلح استقدمه هؤلاء من التحليل النفسي للأحلام، فمؤسس التحليل النفسي هو الذي لاحظ أن التكثيف آلية شعرية أساس في بناء الحلم. والتكثيف قد يشمل معنى الإيجاز، فالحلم يتميّز بقوة دالّـه وكثافته، ويكون هناك تكثيف في كل مرة يقودنا دالّ واحد إلى معرفة أكثر من مدلول، أو بكل بساطة في كل مرة يكون فيها المدلول أكثر انفلاتا من الدال.
وبهذا المعنى اعتبر اللسانيّ والشعريّ رومان جاكبسون والمحلّل النفسي جاك لاكان أن التكثيف في التحليل النفسي هو الاستعارة في البلاغة القديمة. وخالفهما آخرون رأوا في التكثيف معنى أوسع، فالتكثيف لا يشمل الاستعارة فقط، بل قد يضمّ ما يستخدمه الحلم من الصور والرموز، وقد يعني كلّ هذا الاشتغال على مكونات الدالّ ومستوياته الصوتية والتركيبية والبلاغية والدلالية.”
http://alfawanis.com/alfawanis/index.php?option=com_content&task=view&id=173&Itemid=28

[4] – لا يرى الناقد نجم  كاظم الجدة في هذا اللون ، فيقول : ” الـ (جدًا) المضافة إليها في (القصة القصيرة جدًا) إنما هي شكلية إلى حدّ كبير، وفي معناها تعني زيادة في القِصَر، ولا تضيف إليها ما يجعل منها نوعًا مستقلاً.”  انظر :

http://www.awu-dam.org/mokifadaby/352/mokf002.htm ، ويرى مثل هذا الرأي كذلك عبد الله أبو هيف ، فيقول :       ” إن القصة القصيرة جدًا وهذا الشكل من الكتابة السردية موجود عند كل الكتّاب ” ، وبالتالي فهي بنظره ليست شكلاً ، وإنما هي مرتبطة بطبيعة كتابة القصة وبنائها . انظر : http://www.syrianstory.com/comment3.htm#مسقبل%20القصة%20القصيرة

[5] – علمًا بأن هناك قصصًا جديدة نشرها تامر في مجموعاته القصصية الأخيرة ، نحو تكسير ركب ، القنفذ ، أو ” حكايات جحا ” ، “الكلب ”  في مجموعة نداء نوح ، ولم يشر إليها أنها قصص قصيرة جدًا ، ولكني أرى أنها تعتبر من ضمنها-  بخلاف القصص الأولى التي سبقت هذه التسمية ، وسبقت هذا المد النقدي والبروز  الملموس لها باعتبارها لونًا أدبيًا خاصًا .

[6] – يرى إحسان عباس في تقديمه لمجموعة بسمة النسور ” قبل الأوان بكثير ” أن هذا اللون يتسم  ” بنقطة  تحول وغرابة ومفاجأة ومفارقة ” ، دار الشروق ، عمان – 1999 .

[7] –  يقول كاتب هذه السطور في تقديمه لمجموعته القصصية القصيرة جدًا : ” سأكثف ما وسعتني الحيلة حتى أجانب السطح ، ولن أستطرد وصفًا ….وقد أستبدل عنصرًا قصصيًا بآخر ، فأستغني عن الزمان أو المكان ، أو السرد الوصفي ، لكني سأرافق المفارقة وأهتز معها …أو أعمد إلى الدفقة الختامية  …” مواسي ، فاروق : مرايا وحكايا ، ص 4 .

[8] – يرى أحمد عبد الرازق أبو العلا أن القصة القصيرة جدًا ”  شكل من أشكال النادرة العربية المألوفة ، مع اختلاف في مسألة التناول فقط ، أما الإطار فهو نفسه ” . أبو العلا ، عبد الرازق ، الثقافة الجديدة ( القاهرة ) ، أغسطس 1989 ، ص 41 .

[9] – أركز على ” النثرية ” في وصف القصيدة ، لأن القصيدة الموزونة تظل في دائرة الشعر أو النظم ، مهما اختلفنا حولها .

[10] – يسمي الخراط ذلك ” الكتابة عبر النوعية ” ….بحيث تصبح الكتابة الجديدة في نفس الوقت قصة – مسرحًا – شعرًا على سبيل المثال ،  أو مستفيدة أيضًا-  أو أحيانًا – من منجزات الفنون الأخرى ….” الكتابة عبر النوعية ، ص 13 .

[11] – دراج ، فيصل : ” هذا الاجتهاد المختلف ” . مقدمة في كتاب شقير ، محمود : مرور خاطف ، ص 9.

[12] – ن . م ، ص 7 .

[13] – يسميها إبراهيم طه ” الأقصوصة القصيرة ” ،  ويؤيد هو هذه التسمية –  التي دعا إليها صبري حافظ –  من حيث أنها تشي بالقصر مرتين – مرة بلفظة ” الأقصوصة ” وأخرى بلفظة ” قصيرة ” . ويذكر طه أسماء أخرى أوردها آخرون ، منها  : ” القصة اللقطة ” ، ” القصة المكثفة ” ، ” القصة البرقية ”  ،” القصة القصيرة للغاية ” ، ” القصة القصيرة القصيرة ” ” النكتة القصصية ” ، انظر : مجلة  الكرمل ( العدد23-24 -حيفا ) ، ص 170  ؛ كما يسميها إدوار الخراط في كتابه ” الكتابة عبر النوعية : ” القصة – القصيدة ” ،  ص 10 ، ولكن الحديث هنا  – لدى الخراط – يدور حول الأساليب السردية المختلفة  التي تتماس والشعر ، وليس الحديث قصرًا على هذا اللون الذي ندرسه .

[14] – يرى أحمد جاسم الحسين أن فتحي العشري هو أول من نقل هذا المصطلح إلى العربية ، وذلك عندما نقل كتاب ناتالي ساروت انفعالات إلى العربية ، سنة 1971 . انظر : الحسين ، أحمد جاسم . القصة القصيرة جدًا ، ص 108.

[15] – يقول نبيل أبو حمد في مقدمة مجموعته القصصية القصيرة جدًا الضرب على العصب ، وهي تحت عنوان : ” لماذا قصيرة جدًا؟”:  ” في عصر الشاشات ( السينما والتلفزيون والكمبيوتر ) ما عاد المرء يجد متسعًا من الوقت ، إلى جانب عمله ، ليعطيه إلى أدب التدبيج ……….لقد ولى عصر عمينا ليو تولستوي وميخائيل شولوخوف حيث كانا يعيشان الهوينى ، ويكتب كل منهما …..في مدة عشرة أعوام أو عشرين عامًا ليقرأها الخاصة في مدة متشابهة …..عصر التدبيج قد انتهى ، فإن كانت هناك قصة فلتكن قصيرة ملبية ومؤثرة وضاربة على العصب …….”  ( أبو حمد ، نبيل : الضرب على العصب ، ص 10-11 ) .

[16] – يورد أحمد جاسم الحسين الظروف التي هيأت لهذا اللون أن ينتشر :  ومنها ” الظروف التقنية ” ، حيث وفرت آليات الاتصال السريع والفعال كالبث الفضائي والإنترنت ، فأفرزت حالات من ” اللهاث الدائم ” ، فلم يعد من الممكن أن يخصص القارئ جل وقته للقراءات المطولة في هذه الظروف الضاغطة واللاهثة  ، ويضيف  أسبابًا أخرى تتعلق بالقارئ الذي يقرأ مادة سريعة لا تعيقه عن أداء أعماله ، أو فسح الصحافة المجال لنصوص لا تأخذ حيزًا ، ولنصوص أخرى لمناقشتها ، فهذا مما أدى إلى انتشارها ، بالإضافة إلى أن هذه القصة ” عبر تقنياتها وأركانها وبنيتها ، وطبيعتها  قد وفرت  للكاتب فرصة ليعبر عن أحواله القمعية ” ، الحسين ، القصة القصيرة جدًا ، ص 102 وما بعدها .

[17] – شقير ، محمود : طقوس للمرأة  الشقية ، ص 51 .

[18] – موقع  http://www.arab-ewriters.com/?action=ShowItem&&id=4437

[19] – جدير بالذكر أن هذا اللون الأدبي يسهل حفظه كالشعر ، وكم استمعت إلى نصوص منه يتلوه صاحبه  ، ولعل هذا الأمر ميزة تحتسب للقصة القصيرة جدًا .

[20] – من الجدير بذكره في هذا السياق ما ألمع إليه حسن المودن في دراسته حول :” شعرية  القصة القصيرة جدًا ” : ”   والقصة القصيرة جدّا، بهذا الشكل، تمزج بين السرد والشعر، وتحقق بطريقتها الخاصة ما يسمّى المحكي الشعري، فهي بتشبيهاتها واستعاراتها ورموزها تحول الانتباه عن جريان المحكيّ، وتخلق انزياحًا، وتدعو إلى الانشغال بهذه الصور والرموز، فيتضاعف النص بنوع من المحكي المضاد الذي لا ييسر القراءة ولا يجعلها تتمّ بالطريقة السهلة المألوفة.”       http://alfawanis.com/alfawanis/index.php?option=com_content&task=view&id=173&Itemid=28

[21] – في نص آخر بعنوان ” المرايا ” كانت الكاتبة قد توسعت في هذا النص ، فكتبت بعض التفاصيل : ” ….بفكرها أن المرآة تنكرها..جن جنونها وانقلبت من ألوان متناسقة إلى أمواج متلاطمة متناحرة تبتلع داخلها آخر معاقل الأمل في الجمال..التقطت مكواة شعرها الحديدية التي تمقت الأسلاك..وهوت بها على المرآة فانتثرت أجزاؤها هنا وهناك معترضة ..انقسم ما تبقى منها في مكانه إلى صور عدة مشروخة تواجه ثورة الثائرة في تحد واضح..تأجج الغضب الذي لم ينته إلا فوق جثتها المفتتة..هدأت من روع نفسها وتركت غرفتها وهى تلملم بقايا جنون شعرها ..غسلت وجهها من كل ما علق به من محاولات ومنازعات لتمحو أثار المعركة التي انتحرت منذ قليل..”  ، وبالطبع فإن هذا النص بهذا السرد لا يُحسب نصًا قصيرًا جدًا . انظر :   http://www.doroob.com/?p=22601

[22] – ياكوبسون : قضايا الشعرية ، ص 31 .

[23] – غنايم ، محمود . ” العبر نوعية في الأدب العربي الحديث …” ، مجلة الكرمل ، العددان 23-24 ( 2003-2004 ) ، ص 202.

[24] –  الخراط :  الكتابة عبر النوعية ، ص 10.

[25] – وقد لا حظنا  مثلاً هذا الاستخدام بمعنى عام – وليس متقيدًا بالمصطلح الحديث لونًا أدبيًا خاصًا –  لدى نجيب محفوظ ، ففي حوار معه أجراه غالي شكري سنة 1987 يقول محفوظ :     ” من الآن فصاعدًا ستجدني أكتب القصة القصيرة جدًا ، هل تسمعني ، القصة القصيرة جدًا جدًا . الكتابة أصبحت عملية صعبة للغاية ، ومنذ أسبوعين فقط أخبرني الطبيب أن ضمورًا قد أصاب شبكية العين ….فكيف أكتب الرواية ، إنها عملية مضنية ” –شكري : نجيب محفوظ من الجمالية إلى نوبل ، ص 38 .

[26] – ن.م ، ص 22 .

[27] – ن. م

[28] – للتوسع يُنظر في مقالة طلعت سقيرق : ” القصة القصيرة جدًا.. مقدمة وإشارات ” ، مجلة المعرفة، (دمشق ) العدد 431 آب 1999.

[29] – يرى أحمد جاسم الحسين في معرض دفاعه عن انفراد (  هذا  الجانر  = النوع الأدبي للقصة القصيرة جدًا ) أنه يتلاقح مع الألوان الأخرى ، ولا يتقيد بها . وهو يرى أن الشعر يقوم ” على المجاز ، والصوت ، والإيقاع ، والإحساس الجارف ، والبوح الشفيف ، وجانب كبير من الذاتية . – انظر : القصة القصيرة جدًا ، ص 32 . وبالطبع فإن هذه المقومات قد نجدها في ألوان أدبية أخرى ، بالإضافة إلى أن هذه المواصفات للشعر تثير نقاشًا  أكثر مما  تجمع اتفاقًا .

[30] – أبو نضال ، نزيه . ” القصة القصيرة جدًا جدًا  في – مزيدًا من الوحشة ” . مجلة أفكار ، العدد حزيران – 2006 ( 212 ) ، ص 20 .

[31] –  http://www.doroob.com/?p=10318

[32] –  وازن مع  “تفرستها العيون…. وهي تتهادى صوب البحر…”   ثم الصمت الذي كان في أعقاب ذلك . وعلى لسان البحر يمكن أن يحوّر شاعر ويقول على لسان ” بحر الجن ” كما علق أحد المعلقين على النص-  في الصفحة نفسها – شعرًا :
رويت من فمها انتشاء هائجًا
وجهي تورد حتى جُننت عليها
قد غبت من خدر لعين سادر
من عشقها شفتاي في شفتيها

[33] – أبو حمد ، نبيل : الضرب على العصب ، ص 29 .

[34] – ن . م ، ص 53.

[35] – من الصعوبة في مفاهيم الحداثة وما بعدها أن نعرّف الشّعر والنثر: ما هما ، وهل لكل منهما حدود ؟ ما ميزاتهما  ؟ ما الذي يدع هذه اللغة شعريّة ؟ و تلك نثريّة ؟ فنحن نرى أن  عنصر الوزن لا  يؤدّي وحده الفاصل أو الفارق بينهما، فليس ما هو موزون نعدّه شعرًا دائمًا ، وليس ما افتقر إلى الوزن نعدّه نثرًا بالضرورة ؟ بل نسأل ما هو أهم :  ما هي قصيدة النثر تمامًا ؟   وكيف نفرّق بين
” قصيدة  النثر”   وألوان أدبية نثرية على غرار ” القصة القصيرة جدًا ” التي انطلق منها كاتبها بمنطلق مستجد مقصود، ورؤية أدبية متوخاة في قصر التعبير عنها وفيها ؟
ولعل هذه التساؤلات تدخلنا ثانية إلى مفهوم ” الكتابة عبر النوعية ” ، وإلى اعتماد  ” النص ” باعتباره نصًا لا أهمية مطروحة لتحديد لونه أو نوعه .

[36] – نلاحظ كثرة الانزياحات في هذه النصوص ، وبالتالي هي إسناد الاستعارات إلى أشياء صفات غير معهودة فيها ، وهذا ما رآه كوهن في تعريف الشعر . ( انظر : كوهن ، جان : بنية اللغة الشعرية ، ص 7 .)

[37] –  انظر الدراسة التي لم أتقيد بها تمامًا ، ولم أقتبس منها عنصر المبالغة ، وذلك في  :

http://www.awu-dam.org/esbou1000/1055/isb1055-011.htm

[38] – المتقي ، عبد الله : قصائد كاتمة الصوت ، منشورات وزارة الثقافة بالمغرب ، 2003 .

[39] – http://alfawanis.com/alfawanis/index.php?option=com_content&task=view&id=173&Itemid=28

[40] –  انظر : http://www.aklaam.net/aqlam/show.php?id=4071 ،أو                        http://www.arabicnadwah.com/articles/veryshortstory-hamadaoui.htm  ، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=84363وجدير بالذكر أن الناقد في ختام دراسته المميزة دعا إلى الاعتراف بهذه الأجناس التي لم تحظ بالاهتمام الكافي ، فيكتب : ”  ومن هذه الأشكال الأدبية التي نرى أنه من الضروري الاعتراف بها – أدب الخواطر، وأدب اليوميات،  وأدب المذكرات ، وفن التراسل ،  والأدب الرقمي ، وفن القصة القصيرة جدًا،  و فن الزجل ، والقصيدة النثرية.

[41] – جدير بالذكر أن الشاعر عز الدين المناصرة ابتكر ما اصطلح عليه شعر ” التوقيعة ” ،وهي ” القصيدة القصيرة  ” – كما سماها  إحسان عباس ، وكذلك سماها – بها – عز الدين إسماعيل .   ومن نماذج التوقيعة ( من قصيدة النثر ) التي تتاخم في حدودها القصة القصيرة جدًا :    عجوز تلثغ، تترجرج كعصاها السحرية‏  / مدينة تترجرج كالحرب‏  / نهدان يترجرجان كحبات التفاح‏ /مبادئ تترجرج كزماننا‏/ هذا قانون النهايات يا سيدتي.       انظر مقالة حفناوي بعلي في مجلة الموقف الأدبي ( العدد 413 ) :

http://www.awu-dam.org/mokifadaby/413/mokf413-002.htm

:

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق