ثقافة السرد

حنجرة الصّفاء

جميلة بلطي عطوي*

لاءاتٌ من عمق الدّهشة تنفلتُ ، تخترقُ جدار صمت مُزمن ، كمامةٌ أرهقت النّبرات فتعرّى الصّوت مِنْ دفء الحديث.

حنجرةٌ باتتْ غريبة الانتماء، لا حرف يهزّها ولا صدى في ثناياها يتردّد .

مجرّدُ غمغمة مكبوتة ، حزينة يلبسُها ظلّ العَنَت ، يمتصّ دماء جذورها فتنمو قميئة حولها تطنّ الدّبابير وتسكنها الغربان، أغصانُها شتات هجين والورقُ يلتحفُ لون الخريف ، حياة يُكبّلها الممات.

في ذلك الظلّ المبلّل بطلّ الخنوع توالدت الحشرجات ،نمت، تكاثرت والمكان يرتجّ تحت ثقلها.عالم فيه يعشّش الوهن ، منه تتمعّشُ خفافيش اللّيل ، كائنات غريبة، مقنّعة ، تمتصّ الدّماء في شراهة وجوعها غول ، ظمأ لا يعرف الارتواء.

في الفضاء الشّاحب ضاعت العلامات ، مدينةٌ فقدت كلّ الملامح ، مقبرة للأحياء كاد يبلعها السّبات لولا كتلة سوداء ، سحابة عملاقة هادرة أطلّت ،شفطت الظلّ وابتلعت الشحوب ،على باب المدينة وقفتْ، مشحونة قاب الانفجار.

في هذا الجوّ الخانق كانت اللّاءات وميض بْرق مُرعد ، تهتزّ فتنبري الغمغمة هسيسا، طقطقة ثمّ رعدا يسقط الكمامة الجائرة . دويّ تنفلق له الأوتار وتنفتح الحنجرة بوابة عتق ، صرخة تفتح النّوافذ الموصدة فيعبّ الصّدر ما به تتنفّس الشّرايين، هواء ، قطر ندى ، نفح يرطّب المسامّ فيستوي الصّوت جهوريّا . رعد مرعد : لا صمت بعد اليوم . لا كبح للجماح ، مزيدا من الهواء ، مزيدا من الشّمس والواحة الفيحاء ترخي أعذاقها رطبا شهيّة. معجزة بوح لا تعرف الانكفاء ، كلمات كما السّيف تقطع دابر الظّلم ، تنسج رداء قول سداه صدق ولحمته كبرياء.

حنجرة صفاء والصّوت قيثارة ، تغريدة الحرّ في وجه الرّياء.

*تونس….14 / 10 / 2018

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق