إصدارات

(ناصية الأنثى) جديد الشاعر محمود مغربي

قُبلةٌ متأخرة.. عن صديقي الذي حسبتموه فوضويًّا 

أحمد المريخي

يُحكى أن رجلاً تعاطف مع رصيفِ قطارٍ فأدمن الوقوف عليه؛ يستقبلُ القادمين ويودعُ المسافرين، وإذا ما غاب سال الرصيفُ إليه.. وشيئًا فشيئًا صار الرصيف محطةً؛ لا تطمئنُ على روادها إلا فى حضرة الرجل. ذات يوم سافر الرجلُ فرافقته المحطة، ولما كان مُحباً وبسيطاً صارت المحطةُ محطاتٍ تمشي في قدميه؛ تهرولُ كلما هرولَ وتتلكأُ كلما تباطأ، وعندما يحط تفرش بُساطها كى يجلسَ إليها وتجلسَ إليه. وهكذا.. ثلاثون عاماً من السفر المتواصل؛ شاب الشَعر ووهن العظم، وكلما أراد الرجل العودة يُضنيه أن يفارق المحطات.. كان الرجلُ صاحبَ رسالةٍ لا يرجو لنفسه منها شيئا. ذات سفرٍ أراد له الله أن يستجم، فهداه إلى جزيرة بها من الجمال ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. جلس الرجل مدهوشاً يتأملُ المفارقات بين جمال هذه الجزيرة وخرابِ ذلك العالم.. وعز عليه أن يحظى وحده بكل هذه المتعة، فاستأذن ربه فى أن يواصل ما طُبع عليه؛ صنع مراكب وأطلقها إلى السواحل، فركب الأحبةُ من كل حدب وصوب.

 

كان الرجلُ كما كان؛ يستقبلُ القادمين ويودعُ المسافرين.

كلُّ مسافرٍ يحمل جزيرة ليغرسها فى قلب مدينته؛

كانت الجزيرةُ جزيرةَ محبةٍ.

وإذا كانت المحبةُ “أُم”.. فإن محمود مغربى هو أمُّ المحبة.. أو هكذا عرفته طوال ربع قرن.

II

أما بعد..

كنتُ أتحايلُ على زحمة القاهرة باختراق الدروب والشوارع الخلفية كى أصل إليه في فندق أوروبا.. كان مؤتمر أدباء مصر يحتفل بيوبيله الفضي، والشتاءُ يُذكِّرُ الناسَ بعنفوانه، بينما بدا لى محمود مغربي مُرهقاً إلى أبعد حد. حاولت انتزاعه من وسط أحبته ليستريح لدقائق.. وبمجرد أن جلسنا وجدته يُخرج أوراقاً من حقيبته ويضعها بين يدىّ. يقولُ بصوتٍ مُجهد: هذه خواطرى يا صديقى.. راجعها ثم تابعها في النشر. ثم أضاف: لا تنسى أن تُقدِّم لها!!

اعترتنى الدهشة؛ كيف لى أن أقدِّم لمن يُقدم مبدعاً فى كل يوم؟!

قال بحسم: اقرأ وقدم وتابع.. ثم دعنى الآن لما أنا فيه.. نلتقى غداً.

III

عندما التقينا في فندقه الأثير بوسط البلد سألته: كم عمرك يا فتى؟!

قال بصوت ضاحك: أعتقد الخامسة والخمسين يا صديقى.

وضحكنا، بينما أردد قصيدةً له:

محمودٌ جُنَّ ورب الكعبة..

محمودٌ يركبُ رأسه

قال مغربى: تعلم يا صديقى أن الحب بلا عُمر أو بالأحرى؛ قيمة العمر تُقاس بالحب.. ثم رحنا نتحدث عن أدب الخواطر، ذلك الأدب المغبون على المستوى النقدى.. الأدب الذي يأخذ من الأدب الرسمى كل جمالياته متجاهلاً القيود الجامدة.. أدب الخروج والتمرد والسكينة، تلونه الروح ليتحرر الجسد.. أدب خفيف خفة الفراشات، وجامح جموح الغزلان الطليقة فى البرارى.. أدب تشخيص النفس البشرى وبلسم جروحها.. الأدب المتاح للجميع؛ أدب التهذيب الذاتي.

ورغم ما يبدو لكثيرين من أن كتابة الخواطر يسيرة، إلا أنني أدرك أنها مغامرة؛ لأن في أدب الخاطرة نزيف مضن للذاكرة، خاصة عندما يُقبِلَ شاعرٌ كبير علي الإفاضة بمكنوناته في جنس أدبي غير ما عُرف به.

هنا.. وعلي متن تلك المغامرة، يُبحر بنا مغربي مع أنثاه في مبادرة تستحق أن نُقبِّلُها قُبلةً ليست أخيرة، لأنها بمثابة خطوة نحو إحياء أدب الخواطر ليس في الساحة الأدبية وحسب، إنما فى مجتمع الإنسانية أيًّا كان.

وليس أقل من أن أرسل تحية تقدير ومحبة لكل صانعي المحبة ممن دفعوا مغربى إلى نشر خواطره حول الأنثى بين دفتى كتاب بعد أن أوجدت لنفسها مكانة في قلوب المحبين على الإنترنت.

لمغربي التحية.. ولنا «ناصية الأنثى».

أحمد المريخى

شبرا مصر فى يناير 2011

*********

الحياة بلا امرأة.. صحراء

محمود مغربي

أثناء مرافقتى للقصيدة منذ سنوات بعيدة.. كانت تقفز إلىّ بين حين وآخر سطور دافقة من سلسبيل مشاعري؛ أتأملها تارةً، وتارة تتأملني.. تريد أن تخرج متحررةً من أسر عقلي، ترغب أن تسبح دونما التزام بقواعد مسابقات السباحة.

كنت وما زلت أستجيب لصوتها الحنون، فأكتب كطفل يلون أوراقة، ثم يُطيّرُها في خفة، ويفرحُ؛ لكأنه امتلك السباحة في الغلاف الجوى.

كان نتاج هذه السطور صفحات وصفحات.. بدأت نشرها فى بعض الصحف والمجلات، ووجدت اهتمامًا حميمًا بها، لأنها تسبح في فضاء شريحة كبيرة من البسطاء أمثالي, ولا شك أنها تُبحرُ مع الجميع- الصغار والكبار- رجالاً وإناثا.. هي كلمات تخاطب الروح والإحساس، وتغنى المشاعر.

وعندما دلفتُ إلي عالم الانترنت فى بداية 2007 بدأت نشر هذه الخواطر فى بعض المواقع والمنتديات، وإذا بى أجد إقبالاً كبيرًا عليها, حتى أن مجلة “أسرة مغربية” التى ترأس تحريرها الإعلامية منال شوقى بالمملكة العربية المغربية، بادرت باستضافة هذه الخواطر تباعًا، بل وخصصت لنشرها واحدة من صفحاتها.

أما الجميل حقًا  فهو إصرار كثير من الأصدقاء هنا وهناك علي نشر هذه الخواطر كواحدة من آليات التواصل بين الأرواح في كل مكان وزمان.. كل ذلك كان دافعًا لطبعها فى كتاب يحفظها ويجعلها بين يدى أهل المحبة.

وربما يتساءل البعض: لماذا تنشر هذه الخواطر رغم أن إصداراتك الشعرية “أغنية الولد الفوضوى, تأملات طائر, والعتمة تسحب رويدا” تحقق ذلك التواصل الحميم مع القراء؟!

وأقول بصدق: إن هذه الكتابة خالصة للنفس؛ تلك النفس التي لكم فيها ما لي.

هى جزء منى.. من صميم علاقاتى بالعالم المحيط..

وتفاعلى مع الحياة والبشر.

وهذا الكتاب حديثٌ مع الأنثى.. ومن منا بلا أنثى؟!

لذا كان توقيعى المفضّل فى المنتديات شعار “الحيااااااااة .. بلا امرأة صحرااااء”.

لأنها بالفعل هى وقود الحياة..

بين يديكم الآن “ناصية الأنثى” وحتما هنااااااااك نواص أخرى فى الطريق منها ما للجبل, وما للبحر, وما للصحراء..

فقط.. أقولُ بلا خجلٍ: أنا أعيش كل هذه التفاصيل بعمق ومحبة لا حدود لها، ولنا جميعًا أن ننشر محبتنا.. بلا حدود.

مغربي

قنا في يناير 2011

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق