ثقافة المقال

الأدب ورياح التغيير

فخري صالح

هل يتنبأ الأدب بالثورات والهبات الجماهيرية؟ سؤال يحتمل الإجابة بنعم ولا، ولكنه يحمل في داخله رغبة في إيجاد صلة ورابطة قوية بين الكتابة والأحداث الكبرى التي تستقر في ذاكرة الناس وتصبح جزءا من مادة التاريخ الشفوي والمكتوب. معنى ذلك أننا نؤمن في أعماقنا بأن الأعمال الأدبية الكبيرة هي تلك المرتبطة بالأحداث أو التحولات التاريخية الكبيرة، وأن تلك الأعمال تقوم بتصوير تلك التحولات أو التعبير عنها في صورة مبدعة تجعل الأحداث والمنعطفات الأساسية في المجتمع والتاريخ تنبض حية في الكلمات. بلى، إن الأعمال الأدبية الكبيرة عادة ما تكون مستلهمة من تحولات كبرى في التاريخ والمجتمع.

هناك أعمال صاعدة من أعماق الفرد ومورانه الداخلي، لكن هذا لا ينفي ارتباط الأدب العميق بالتاريخ. يصدق هذا على الرواية والمسرح والسينما وحتى الشعر الذي نستطيع تلمس خيوط ارتباطه بالمنعطفات التاريخية الكبرى. هذا هو حال إلياذة وأوديسة هوميروس، وهاملت شكسبير، و”عودة الروح” لتوفيق الحكيم وثلاثية نجيب محفوظ و”رجال في الشمس” لغسان كنفاني و”أنشودة المطر” لبدر شاكر السياب، و”أحد عشر كوكبا” لمحمود درويش، التي تطلع جميعا من لحظات في التاريخ تمثل حروبا وثورات ومنعطفات تاريخية عملت تلك الآثار الأدبية على تمثيل رمزيتها بصورة مبدعة وخلاقة.

وهو ما يثبت أن الأدب لا يستطيع أن يفلت من التاريخ، بل إنه حيلة من حيل التاريخ يحيا من خلالها حياة أخرى، حياة الرمز والأمثولة التي يعبر بها الكائن الإنساني عن رؤيته للعالم وطريقة تفكيره بالتاريخ. لهذا السبب فإن أول ما يرد على الخاطر عندما نسأل عن الأعمال الأدبية الكبيرة التي أثرت في حياتنا هو الأعمال التي تتصل باللحظات المفصلية في تاريخ الأمم والشعوب؛ إننا نذكر منها ما يتصل مثلا بهزيمة العرب المدوية عام 1967 وكيف عمل نجيب محفوظ وجيل الستينيات في مصر والعالم العربي على تمثيل الشروط التاريخية التي جعلت العرب ينهزمون في ستة أيام. روايات كثيرة ترد على الخاطر بدءا من “ثرثرة فوق النيل” لنجيب محفوظ، التي كتبت قبل الهزيمة، وصولا إلى “نجمة أغسطس” لصنع الله ابراهيم، و”الزيني بركات” لجمال الغيطاني، و”الحرب في بر مصر” ليوسف القعيد، و”الزمن الموحش” لحيدر حيدر، و”أنت منذ اليوم” لتيسير سبول، و”عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني. ولا ننسى في هذا السياق مسرح سعد الله ونوس، وحزيرانيات نزار قباني، وأشعار محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد المقاومة.

 

أما إذا فكرنا فيما يحدث الآن من تحولات في تونس ومصر، وبلدان عربية أخرى تراقب ما يحدث بأنفاس مبهورة، فسوف نقع على ما يكتبه كتاب شباب عرب عن الغليان في قلب المجتمعات العربية، وعن التحولات العميقة التي حدثت داخل تلك المجتمعات على مدار السنوات الأربعين الماضية؛ أي على الإحساس بالظلم وغياب العدالة الاجتماعية وجنون الاستبداد والرغبة في التغيير بأي ثمن. ذلك ليس غائبا على الإطلاق عما يكتبه روائيون وشعراء شباب يتحسسون هبوب رياح التغيير في المنطقة العربية لأن النخب الحاكمة، ومن يحيطها من المستفيدين والمتزلفين، قد أكلت الأخضر واليابس وأوصلت مجتمعاتها إلى نقطة انسداد وأزمة لا حل لها سوى بالتغيير. وهذا ما تدعو إليه عشرات الروايات ومئات القصائد المكتوبة خلال العقد الأخير على الأقل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق